مليارا جرعة من اللقاح العام المقبل... ولا تغطية عالمية قبل نهاية 2022

5 مليارات دولار لتوزيع ملياري لقاح على الدول المحتاجة في العام المقبل (أ.ب)
5 مليارات دولار لتوزيع ملياري لقاح على الدول المحتاجة في العام المقبل (أ.ب)
TT

مليارا جرعة من اللقاح العام المقبل... ولا تغطية عالمية قبل نهاية 2022

5 مليارات دولار لتوزيع ملياري لقاح على الدول المحتاجة في العام المقبل (أ.ب)
5 مليارات دولار لتوزيع ملياري لقاح على الدول المحتاجة في العام المقبل (أ.ب)

يفيد تقرير داخلي أعده خبراء منظمة الصحة العالمية بأن كسر سلسلة انتشار فيروس «كورونا» المستجد في العالم لن يتحقّق قبل أن يصل مستوى المناعة بين السكان إلى نسبة تتراوح بين 60 في المائة و70 في المائة.
وقالت سميّة سواميناتان، كبيرة الخبراء في المنظمة، إن المناعة الجماعية يمكن أن تتحقق بشكل طبيعي عن طريق إصابة هذه النسبة من سكان العالم بالوباء، لكن ذلك يستغرق فترة طويلة قد تدوم سنوات وتنشأ عنه خسائر بشرية فادحة. وأضافت أن السبيل الوحيد لتفادي ذلك هو توفير التمويل اللازم لمنصّة «كوفاكس» التي أطلقتها المنظمة بهدف تضافر وتنسيق جهود البحث العلمي لتطوير اللقاحات وتحديد أسعار معقولة لها وتوزيعها على جميع البلدان.
وفي برنامج هذه المنصّة التحالفية إنتاج وتوزيع ملياري جرعة لقاح على 187 دولة في العام المقبل، مع التركيز بشكل خاص على الدول الأكثر فقرا والدول متوسطة الدخل التي لا تملك القدرة على شراء هذه اللقاحات. وتشدّد المنظمة على ضرورة توزيع اللقاحات على الدول الفقيرة في نفس الوقت الذي توزّع على الدول الغنيّة، لأن السيطرة على الوباء في مناطق من العالم دون غيرها لن تكفي للقضاء عليه بصورة نهائية.
وحسب آخر بيانات منظمة الصحة، بلغ مجموع التبرّعات التي قدّمتها الدول من المساعدات الرسمية للتنمية والقطاع الخاص والمؤسسات الخيرية ملياري دولار أميركي، ربعها من المفوضية الأوروبية.
وتقول الناطقة بلسان تحالف اللقاحات العالمي إن المنصّة تحتاج إلى 5 مليارات دولار لتوزيع ملياري لقاح على الدول المحتاجة في العام المقبل. وتنبّه إلى أن التمويل وحده لن يكفي لضمان شراء اللقاحات وتوزيعها على الجميع.
- تنديد «أوكسفام»
وكانت منظمة «أوكسفام» قد ندّدت بأن أكثر من نصف جرعات اللقاحات التي بلغت الشوط الأخير من مراحل التطوير هي مملوكة، بموجب عقود، من الدول الغنيّة التي لا تمثّل سوى 13 في المائة من مجموع سكّان العالم. ودعت إلى توفير اللقاحات الفعّالة للجميع بغضّ النظر عن قدراتهم الاقتصادية أو المناطق التي يعيشون فيها.
وتشدّد منظمة الصحة العالمية على أن توزيع اللقاحات بالتساوي والإنصاف على الجميع لا تمليه الاعتبارات الأخلاقية فحسب، بل هو في مصلحة كل الدول لأن العالم لن يعود إلى وضعه الطبيعي بالكامل من غير تغطية مناعية كافية تقضي على المرحلة الحادة لانتشار الوباء وتسمح باستئناف حركة السفر والتجارة.
ويقول أورين ليفين، المسؤول عن توزيع اللقاحات في مؤسسة ميليندا وبيل غيتس: «كلّنا نعيش على كوكب واحد وليس من المقبول أن يكون الحصول على اللقاح أو العلاج مرتبطا بالمكان الذي نولد فيه، ولا يجب أن ننسى أن أحدا لن يكون في منأى عن خطر الوباء ما لم نكن جميعا في منأى عنه».
وردّا على بعض الآراء التي تشير إلى أن عدد الإصابات والوفيّات في البلدان النامية أدنى بكثير من البلدان الغنيّة وأنه قد لا تكون هناك حاجة لتلقيح جميع السكّان في هذه البلدان، يقول بنجامين شرايبر من منظمة «يونيسف»: «لا نعرف ما هو معدّل انتشار الفيروس في الكثير من البلدان النامية بسبب من عدم قدرتها على الفحص والتشخيص، وليس صحيحا القول بأن معدّل الانتشار فيها أقل من الدول الغنيّة. هذه جائحة عالمية تسري في كل أنحاء العالم، ومن غير المقبول أن تستأثر الدول المقتدرة بكل وسائل التلقيح والعلاج ويُترك الفقراء لمصيرهم».
المسؤولون عن برنامج «كوفاكس» في منظمة الصحة يتوقعون استكمال تمويل المنصّة قبل نهاية العام المقبل بعد الاختراقات العلمية غير المسبوقة التي يشهدها تطوير اللقاحات، ويحضّون الدول على الإسراع في وضع خطط متكاملة للتلقيح وتوفير المستلزمات اللوجيستية التي تضمن تخزينها وتوزيعها بأمان وفاعلية.
- قدرة محدودة
ويقول خبراء المنظمة إن ثمّة دولا قد شكّلت فرق عمل باشرت في التعاون مع الأخصائيين لتحضير استقبال اللقاحات وتخزينها والاستعداد لتوزيعها على السكّان، لكن ينبّهون إلى أن القدرة الراهنة للإنتاج ما زالت محدودة وأن العرض سيكون دون الطلب حتى نهاية عام 2022 حسب تقديرات شركات الأدوية.
وفيما تطالب جهات عدة شركات الأدوية بالتنازل عن براءات إنتاج اللقاحات ومساعدة البلدان النامية لتمكينها من إنتاج اللقاحات التي تحتاج إليها، تردّ هذه الشركات بأن بناء مصانع لإنتاج اللقاحات يقتضي قدرا كبيرا من المهارات الفنيّة الدقيقة والبنى التحتية اللوجيستية، وإنه من المستحسن في هذه المرحلة التركيز على إيصال اللقاحات إلى الدول المحتاجة ومساعدتها في تخزينها وتوزيعها، خاصة في الأرياف والمناطق النائية. لكن «يونيسيف» تقول إنها تتعاون منذ سنوات مع تحالف اللقاحات الدولي لتحديث منشآت سلسلة التبريد في الكثير من البلدان النامية، وإن هذه المنشآت جاهزة لتخزين اللقاحات ضد (كوفيد - 19).
وتذكّر بعض الجهات العلمية بأنه حتى التجهيزات اللوجيستية وحدها قد لا تكفي في البلدان الفقيرة، حيث لا تزال لقاحات أخرى دون المستوى اللازم من التغطية، رغم الجهود التي بذلها التحالف منذ إنشائه في عام 2000، وأن حملة التلقيح ضد (كوفيد - 19) ستواجه تحديات إضافية من حيث ضخامتها وما يستلزم توزيع اللقاحات من تجهيزات لوجيستية. يضاف إلى ذلك، كما يقول الناطق بلسان مؤسسة «غيتس»، أن هذه الحملة ما زالت تواجه نسبة عالية من التشكيك في صفوف المواطنين من حيث فاعليتها وسلامتها، ويدعو الدول إلى تعزيز حملات التوعية لشرح أهمية تناول اللقاح والعوارض المحتملة التي يمكن أن تنشأ عنه.


مقالات ذات صلة

«الصحة العالمية»: هجمات دموية استهدفت 3 مراكز صحية بجنوب كردفان خلال أسبوع

العالم العربي أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)

«الصحة العالمية»: هجمات دموية استهدفت 3 مراكز صحية بجنوب كردفان خلال أسبوع

حذَّر مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، اليوم (الأحد)، من أن النظام الصحي في السودان يتعرَّض لهجمات مجدداً.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
صحتك مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث (الشرق الأوسط)

السعودية تحقق تقدماً نوعياً في علاج السرطان

دخلت السعودية قائمة أعلى عشر دول في مجموعة العشرين من حيث معدلات النجاة من أكثر أنواع السرطان شيوعاً، في مؤشر يعكس التحولات النوعية التي يشهدها القطاع الصحي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الولايات المتحدة​ يساعد مسؤولو منظمة الصحة العالمية في إجلاء المرضى الفلسطينيين وجرحى الحرب من قطاع غزة لتلقي العلاج بالخارج عبر معبر رفح الحدودي بين غزة ومصر (أ.ف.ب)

منظمة الصحة تخفض طلب التمويل لحالات الطوارئ في 2026

دعت منظمة الصحة ​العالمية إلى تقديم مليار دولار لحالات الطوارئ الصحية هذا العام، أي أقل بنحو الثلث عن ‌العام الماضي

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم مدير «منظمة الصحة العالمية» تيدروس أدهانوم غيبريسو (أ.ف.ب)

مدير «الصحة العالمية» يقول إن خفض التمويل أتاح تطوير عملها

رأى «مدير منظمة الصحة العالمية» تيدروس أدهانوم غيبريسو الاثنين أنّ خفض التمويل الذي عانته المنظمة خلال عام 2025 أتاح فرصة لتطوير عملها وجعله أكثر مرونة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
آسيا موظفون يثبتون لافتة كتب عليها «جناح عزل نيباه - الدخول محظور تماماً» في المستشفى بمنطقة كوزيكود - ولاية كيرالا بالهند (رويترز)

منظمة الصحة تقلل من احتمال انتشار فيروس «‍نيباه» خارج الهند

قللت منظمة الصحة ‌العالمية، اليوم ‌الجمعة، ⁠من ​احتمال ‌انتشار فيروس نيباه القاتل من الهند، مضيفة ⁠أنها ‌لا ‍توصي ‍بفرض قيود ‍على السفر أو التجارة.

«الشرق الأوسط» (حيدر آباد)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟