نزعة التطرف في خلية «بيت شومو» تنتعش داخل السجون الفرنسية

أخرجت بعضا من أكثر متطرفي أوروبا تشددا.. بينهم شريف كواشي.. وفرنسي من أصل تونسي من قيادات «داعش»

بوبكر الحكيم غادر تونس إلى ليبيا بعد اغتيال الناشط محمد البراهمي في 25 يوليو 2013 حيث أقام بالمنطقة نفسها في العاصمة الفرنسية التي سكن فيها الأخوان كواشي ورجحت المصادر انتماءهم إلى شبكة «بيت شومو» التي نفذت هجمات باريس (نيويورك تايمز)
بوبكر الحكيم غادر تونس إلى ليبيا بعد اغتيال الناشط محمد البراهمي في 25 يوليو 2013 حيث أقام بالمنطقة نفسها في العاصمة الفرنسية التي سكن فيها الأخوان كواشي ورجحت المصادر انتماءهم إلى شبكة «بيت شومو» التي نفذت هجمات باريس (نيويورك تايمز)
TT

نزعة التطرف في خلية «بيت شومو» تنتعش داخل السجون الفرنسية

بوبكر الحكيم غادر تونس إلى ليبيا بعد اغتيال الناشط محمد البراهمي في 25 يوليو 2013 حيث أقام بالمنطقة نفسها في العاصمة الفرنسية التي سكن فيها الأخوان كواشي ورجحت المصادر انتماءهم إلى شبكة «بيت شومو» التي نفذت هجمات باريس (نيويورك تايمز)
بوبكر الحكيم غادر تونس إلى ليبيا بعد اغتيال الناشط محمد البراهمي في 25 يوليو 2013 حيث أقام بالمنطقة نفسها في العاصمة الفرنسية التي سكن فيها الأخوان كواشي ورجحت المصادر انتماءهم إلى شبكة «بيت شومو» التي نفذت هجمات باريس (نيويورك تايمز)

كانوا يركضون سويا أو يمارسون التمرينات الرياضية على طول المروج الجبلية والحدائق المتناثرة في حديقة تلال شومو العامة في شمال شرقي باريس التي أنشئت قبل أكثر من قرن مضى منذ عهد الإمبراطور نابليون الثالث. أو يتقابلون في الشقق القريبة مع بواب تحول إلى إمام ذاتي التنصيب بمسجد محلي وحيد وهو رجل يعتبر شديد التطرف نظرا لدعوته إلى القتال في العراق.
صارت مجموعة الشباب المسلم الصغيرة تلك، وبعضهم لا يزالون من المراهقين، معروفة للسلطات الفرنسية باسم خلية «بيت شومو» بعدما كسرت الشرطة الفرنسية في عام 2005 خط تسفير الشباب الفرنسي المسلم الصغير من حي المهاجرين للقتال ضد القوات الأميركية في العراق. أدت حملات الاعتقال إلى تفريق المجموعة، وساورت الشكوك بعض المسؤولين والخبراء حيال أي تهديد يشكله أعضاء المجموعة على فرنسا.
لكن الهجمات الإرهابية المروعة التي وقعت الأسبوع الماضي أظهرت وبوضوح أن خلية «بيت شومو» أخرجت بعضا من أكثر متطرفي أوروبا تشددا، ومن بينهم شريف كواشي، أحد الـ3 إرهابيين الذين أدت حادثتهم الإرهابية التي استغرقت من عمر الزمن 3 أيام إلى مقتل 17 شخصا، والذي تعرض للقتل على يد الشرطة الفرنسية.
وبعض من خريجي المجموعة المذكورة لقي حتفه في العراق أو لا يزال مواليا للتفسير المتشدد للإسلام، ومنهم فرنسي من أصل تونسي ذلك الذي انضم إلى تنظيم داعش وأعلن مسؤوليته عن عدد من عمليات الاغتيالات التي جرت في تونس، ومن بينها حادثة مقتل سياسي بارز من اليسار التونسي في يوليو (تموز) في 2013.
وقال اجان بيير فيليو، وهو أستاذ الدراسات الشرق أوسطية والمتخصص في خلايا الإرهاب «كنا نعتبرهم من أقل المجموعات خطورة. والآن فإنك تراهم في طليعة الصفوف».
حاليا، مع محاولة السلطات الفرنسية الوقوف على الكيفية التي نُظمت بها مثل تلك الهجمات العنيفة في قلب العاصمة الفرنسية، يتعين عليها كذلك الاهتمام بإمكانية أن تمر جماعات إرهابية محلية أخرى مرور الكرام من بين أيديهم - أو التقليل، بالمثل، من درجة خطورتها.
تشير الهجمات الأخيرة إلى احتمال وجود تمازج بين بعض من أعضاء خلية بيت شومو، الأصلية وغيرهم من المتطرفين. وكان محل تجمعهم والتقائهم هو نظام السجون الفرنسية.
فهناك، اشتد عود النزعة المتطرفة على نحو دفع بأعضاء المجموعة المذكورة للتواصل مع بارزين آخرين كانوا على اتصال بشبكات المتطرفين الأكثر اتساعا وخطورة. على مدى قرون، تحملت فرنسا التهديدات والهجمات الإرهابية الإسلامية، من الجماعات ذات التأثير الإيراني خلال حقبة الثمانينات، إلى المتطرفين الجزائريين في حقبة التسعينات التي تلتها، إلى الخلايا المتصلة بتنظيم القاعدة وما بعد هجمات الـ11 من سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية.
وفي الآونة الأخيرة، تزايدت حالة القلق لدى الأجهزة الأمنية الفرنسية والأوروبية حيال آلاف الشباب والمواطنين المسلمين المغتربين الذين انضموا للقتال في صراعات سوريا والعراق.
وفي كل عقد من الزمان، ينشأ نمط من الأنماط المألوفة: أقلية متطرفة من المسلمين الأوروبيين - سواء انطلقوا للمشاركة في القتال بالخارج من عدمه - يُثار غضبهم ويتأثرون بالحروب التي يشنها الغرب على العالم العربي، وأفريقيا وما وراءها، ويسعون إلى سحب تكاليف تلك الحروب إلى الداخل الفرنسي.
وعقب اجتياح السلطات الفرنسية لمجموعة «بيت شومو» في 2005، خضع شريف كواشي لسيطرة التيار المتطرف الذي خطط لنسف سفارة الولايات المتحدة الأميركية في باريس في 2001. وهناك، جند كذلك الفنان العاطل عن العمل احميدي كوليبالي، وهو الرجل الذي قتل 4 من الرهائن في متجر كوشر في باريس يوم الجمعة الماضي.
من غير الواضح ما إذا كان شقيقه الأكبر، سعيد كواشي، الذي شارك كذلك في الهجمات على مكتب صحيفة تشارلي إيبدو، كان عضوا في مجموعة «بيت شومو»، غير أن السلطات الفرنسية أكدت أن الشقيق الأكبر قضى بعض الوقت في اليمن فيما بين 2009 و2012. حيث تلقى تدريبات إرهابية من فرع تنظيم القاعدة هناك.
يقول دومينيك ماني، أحد المحامين المشاركين في الدفاع عن مجموعة «بيت شومو»، إن السجن صقل من أفكار شريف كواشي الراديكالية.
«كان متطرفا لحد بعيد عند الحكم عليه في عام 2008 أكثر مما كانت عليه أفكاره في عام 2005 حينما ألقي القبض عليه. وربما أنه تحول داخل السجن إلى ما نعرفه عنه اليوم، إنه كواشي الذي عرفناه خلال الأيام القليلة الماضية».
بدأ مساره في الدائرة 19. وهي الحي المجاور لحديقة تلال شيمو، الذي اكتظ لاحقا بالسكان المسلمين والمهاجرين. كانت الشخصية المحورية في المجموعة هي شخصية فريد بينيتو، وهو بواب مولود في عام 1981 لعائلة فرنسية من أصل جزائري.
وفقا لأحد التقارير المنشورة التي تتناول الخلايا الإرهابية الفرنسية: حصل فيليو وبينيتو على أولى جرعات التطرف من إحدى شقيقاته المتزوجة يوسف زيموري، الذي كان عضوا في الشبكة الإرهابية الفرنسية الجزائرية. ألقي القبض على زيموري في مايو (أيار) عام 1998 في جزء من مؤامرة مزعومة لتنفيذ هجمات كبرى في بطولة كأس العالم لكرة القدم.
وبعد مرور وقت وجيز، كان بينيتو يدرس الآداب حول السلفية، ويُقدم نفسه كإمام عصامي علّم نفسه بنفسه. وقد طُرد من مسجد بري - سان جيرفيه في باريس، غير أنه بدأ في التردد على مسجد الدعوة، حتى في الوقت الذي بدأ فيه تجنيد مجموعة من الشباب الصغير، والأتباع منعدمي الشخصية، ومن بينهم شريف كواشي وصديق طفولته، تامر بوشناق.
يقول ماني، المحامي الذي دافع عن بوشناق في القضية: «ذات يوم، قررا الذهاب إلى مسجد ما حيث تقابلا هناك مع فريد بينيتو. كان شابا يافعا، ليس بأكبر في السن منهما، وانبهر به كل من تامر وشريف».
كان إثبات ولائهم مضمارا للمنافسة بينهم. حيث أضاف ماني قائلا: «كانا يريدان أن يكونا من أفضل المسلمين الموجودين. بل وأفضل في إسلامهما من أفضل أصدقائهما كذلك». شارك بينيتو في الاحتجاجات التي أثيرت عام 2004 ضد القانون الذي يحظر ارتداء الفتيات المسلمات للحجاب في المدارس العامة الفرنسية وكوّن لنفسه أسلوبا دعويا خاصا ومثيرا للجدل، منطلقا ضد الغزو الأميركي للعراق وداعيا الشباب الفرنسي المسلم إلى السفر هناك والقتال، إن لم يكن شن الهجمات الإرهابية في الداخل الفرنسي.

* خدمة «نيويورك تايمز»



الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
TT

الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)

أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع، اليوم (السبت)، لتفريق نحو 150 شخصاً كانوا يحتجون في مدينة ليون بجنوب شرقي فرنسا، وذلك في منطقة يُحظر فيها تنظيم أي مظاهرات، وفقاً لما رصده صحافي في «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستخدمت الشرطة عدداً من قنابل الغاز المسيل للدموع لإبعاد المحتجين الذين تجمعوا بالقرب من إحدى كليات الجامعة ومركز للشرطة في المدينة، في إطار احتجاجات تشهدها البلاد ضد ارتفاع تكاليف المعيشة. وجاء تدخل الشرطة بعد أن حاول المتظاهرون قطع الطريق، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».


فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
TT

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات اجتماعية عابرة، أو تعثّراً اقتصادياً يمكن احتواؤه بإجراءات عاجلة؛ فالتطورات المتلاحقة تكشف أزمة متعددة الأوجه، يتقاطع فيها ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وبينما تستعد فرنسا لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة، ولمكانة البلاد داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

زائرون ينتظرون خارج متحف اللوفر في باريس الذي أغلقه محتجون (إ.ب.أ)

في شوارع مدن وبلدات عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان؛ فقد شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرّسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات للوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفر» إلى الساحة، بعد «استراحة» استمرت سنوات، علماً بأن أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم... والمهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتمّ الاستعداد لمواصلة «المعركة».

محتجون مقنعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

ووسط فسيفساء المطالب، تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالخدمات العامة، والشعور بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد قادراً على توفير الوعود التي ارتبطت به لعقود؛ فالدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية، تواجه اليوم سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟

* الدَّين يضيّق هامش المناورة

لا شك في أن المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة؛ فقد اقترب الدين العام الفرنسي (4 تريليونات دولار) من 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.55 تريليونات دولار)، فيما يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المائة لعام 2026. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المائة من الناتج المحلي، الأمر الذي يعقّد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة.

وتزداد المشكلة خطورة مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتُضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات. وتشير التقديرات الواردة إلى أن فرنسا ستحتاج إلى إصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية.

مبنى بلدية مدينة ليموج الذي أحرق جزءاً منه مشاغبون (أ.ف.ب)

لكن ذلك لا يعني أن فرنسا تتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بما شهدته اليونان (2009 - 2010)، أو إلى انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق؛ فحجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته داخل الاتحاد الأوروبي يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية: فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل، قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته.

* أربعون عاماً من التأجيل

الواقع أنه لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد، أو تحميل رئيس معيّن المسؤولية الكاملة عنه؛ فقد تراكمت الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار من دون أن تنجح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. ويعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام، وأدّت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، إلى زيادة الأعباء على المالية العامة.

غير أن اختزال الأزمة فيما حصل في تلك المرحلة سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن بدورها من عكس مسار الدين، ويُعزى ذلك في المقام الاول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. كما أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

والحقيقة أن النموذج الاجتماعي الفرنسي «الفضفاض» أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة؛ فكل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام، تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة، فيما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. وهكذا تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

* شلل سياسي وصعود اليمين المتطرف

لم يكن مفاجئاً في خضمّ الورطة الاقتصادية أن تتلبد الغيوم السوداء في سماء السياسة. ومنذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة، وتوزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. وأصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

وليس مفاجئاً أيضاً أن يستفيد اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني»، من هذا المناخ؛ فخطابه يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدم نفسه بديلاً قادراً على إعادة الانتظام إلى النظام. وفي المقابل، تستقطب حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية، بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من الغاضبين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكّل القاعدة السياسية والشعبية لماكرون، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تشتت الأصوات المعتدلة إلى تعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً.

ويجب التنبّه إلى أن استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية، ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق. كما أن ربط الاضطرابات حصراً بالهجرة، والاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية، لا يعالجان حتماً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية التي تؤجج نار الاحتقان.

محتجون بمواجهة الشرطة في باريس (أ.ب)

* الامتحان الانتخابي الصعب

تواجه فرنسا اليوم معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية قبل أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مواجهة «انتحارية» بين قوى متعارضة جذرياً.

فمن سينجح في اجتراح خطة واضحة توزع أعباء الإصلاح بصورة عادلة، وتحدد أولويات الإنفاق، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع استعادة القدرة على اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية، لا سيما البرلمان؟

لقد وعد ماكرون، عند وصوله إلى السلطة عام 2017، بتقديم صورة متفائلة عن فرنسا قادرة على التجدد واستعادة موقعها الدولي. لكن تراجع شعبيته واتساع الإحساس بالتراجع يكشفان عمق الهوّة بين هذا الوعد والواقع. ومع ذلك جددت غالبية الفرنسيين الثقة به وأعادت انتخابه عام 2022.

ومع اقتراب انتخابات 2027، لن يكون التحدي محصوراً في تحديد هوية الرئيس المقبل؛ بل في تقرير ما إذا كانت فرنسا قادرة على إصلاح ماليتها العامة وتجديد عقدها الاجتماعي، أم إنها ستترك الأزمات المتراكمة تعيد تحديد هويتها السياسية.

جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تحدث فيها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن الاحتجاجات (إ.ب.أ)

ولنتذكّر أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد كبير يواجه مشكلة ديون؛ بل إحدى ركائز المشروع الأوروبي. وأي إخفاق في احتواء أزمتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. أما نجاحها فلن يتحقق إلا بكسر حلقة التأجيل والانقسام، قبل أن يصبح ثمن الإصلاح أعلى من قدرة المجتمع والدولة على تحمّله.

فرنسا الأنوار والفكر والتقدّم تشعر بأنها ترهّلت، ويُدرك الفرنسيون أن نظامهم السياسي والاجتماعي لم يعد قابلاً للتطور ومواكبة الحياة العصرية... والأدهى أن الاقتصاد لم يعد قادراً على توليد ثروة كافية لاستعادة ما كان، خصوصاً أن «الوجود» في بلاد الغير انتهى أو يكاد...

الزمن يتغيّر!


فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)

استنفرت السلطات الفرنسية قواها الأمنية، واستعانت بالجيش، واتخذت سلسلة إجراءات قضائية وأمنية لمحاولة تجنب تكرار «السبت الأسود» اليوم، بالتزامن مع دعوات جديدة إلى التظاهر في باريس ومرسيليا وليون وغيرها من المدن الكبرى والصغرى.

وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، أمس، عن خطة أمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، بمؤازرة فرق وحدات النخبة التي لا تتدخل عادة للحفاظ على الأمن في الشوارع، ولا التصدي للمتظاهرين. كما ستتم الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق أن نُشرت في فترة الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عامي 2015 و2016.

وبعد ساعات من إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون منع «المظاهرات في الأيام المقبلة»، سمحت مديرية الشرطة في باريس بمسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل» القريبة من الحزب الشيوعي.

بينما منعت ترخيص مظاهرة طلبتها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب. كما طال المنع مدينتي مرسيليا وليون والعديد من المدن الأخرى.