نزعة التطرف في خلية «بيت شومو» تنتعش داخل السجون الفرنسية

أخرجت بعضا من أكثر متطرفي أوروبا تشددا.. بينهم شريف كواشي.. وفرنسي من أصل تونسي من قيادات «داعش»

بوبكر الحكيم غادر تونس إلى ليبيا بعد اغتيال الناشط محمد البراهمي في 25 يوليو 2013 حيث أقام بالمنطقة نفسها في العاصمة الفرنسية التي سكن فيها الأخوان كواشي ورجحت المصادر انتماءهم إلى شبكة «بيت شومو» التي نفذت هجمات باريس (نيويورك تايمز)
بوبكر الحكيم غادر تونس إلى ليبيا بعد اغتيال الناشط محمد البراهمي في 25 يوليو 2013 حيث أقام بالمنطقة نفسها في العاصمة الفرنسية التي سكن فيها الأخوان كواشي ورجحت المصادر انتماءهم إلى شبكة «بيت شومو» التي نفذت هجمات باريس (نيويورك تايمز)
TT

نزعة التطرف في خلية «بيت شومو» تنتعش داخل السجون الفرنسية

بوبكر الحكيم غادر تونس إلى ليبيا بعد اغتيال الناشط محمد البراهمي في 25 يوليو 2013 حيث أقام بالمنطقة نفسها في العاصمة الفرنسية التي سكن فيها الأخوان كواشي ورجحت المصادر انتماءهم إلى شبكة «بيت شومو» التي نفذت هجمات باريس (نيويورك تايمز)
بوبكر الحكيم غادر تونس إلى ليبيا بعد اغتيال الناشط محمد البراهمي في 25 يوليو 2013 حيث أقام بالمنطقة نفسها في العاصمة الفرنسية التي سكن فيها الأخوان كواشي ورجحت المصادر انتماءهم إلى شبكة «بيت شومو» التي نفذت هجمات باريس (نيويورك تايمز)

كانوا يركضون سويا أو يمارسون التمرينات الرياضية على طول المروج الجبلية والحدائق المتناثرة في حديقة تلال شومو العامة في شمال شرقي باريس التي أنشئت قبل أكثر من قرن مضى منذ عهد الإمبراطور نابليون الثالث. أو يتقابلون في الشقق القريبة مع بواب تحول إلى إمام ذاتي التنصيب بمسجد محلي وحيد وهو رجل يعتبر شديد التطرف نظرا لدعوته إلى القتال في العراق.
صارت مجموعة الشباب المسلم الصغيرة تلك، وبعضهم لا يزالون من المراهقين، معروفة للسلطات الفرنسية باسم خلية «بيت شومو» بعدما كسرت الشرطة الفرنسية في عام 2005 خط تسفير الشباب الفرنسي المسلم الصغير من حي المهاجرين للقتال ضد القوات الأميركية في العراق. أدت حملات الاعتقال إلى تفريق المجموعة، وساورت الشكوك بعض المسؤولين والخبراء حيال أي تهديد يشكله أعضاء المجموعة على فرنسا.
لكن الهجمات الإرهابية المروعة التي وقعت الأسبوع الماضي أظهرت وبوضوح أن خلية «بيت شومو» أخرجت بعضا من أكثر متطرفي أوروبا تشددا، ومن بينهم شريف كواشي، أحد الـ3 إرهابيين الذين أدت حادثتهم الإرهابية التي استغرقت من عمر الزمن 3 أيام إلى مقتل 17 شخصا، والذي تعرض للقتل على يد الشرطة الفرنسية.
وبعض من خريجي المجموعة المذكورة لقي حتفه في العراق أو لا يزال مواليا للتفسير المتشدد للإسلام، ومنهم فرنسي من أصل تونسي ذلك الذي انضم إلى تنظيم داعش وأعلن مسؤوليته عن عدد من عمليات الاغتيالات التي جرت في تونس، ومن بينها حادثة مقتل سياسي بارز من اليسار التونسي في يوليو (تموز) في 2013.
وقال اجان بيير فيليو، وهو أستاذ الدراسات الشرق أوسطية والمتخصص في خلايا الإرهاب «كنا نعتبرهم من أقل المجموعات خطورة. والآن فإنك تراهم في طليعة الصفوف».
حاليا، مع محاولة السلطات الفرنسية الوقوف على الكيفية التي نُظمت بها مثل تلك الهجمات العنيفة في قلب العاصمة الفرنسية، يتعين عليها كذلك الاهتمام بإمكانية أن تمر جماعات إرهابية محلية أخرى مرور الكرام من بين أيديهم - أو التقليل، بالمثل، من درجة خطورتها.
تشير الهجمات الأخيرة إلى احتمال وجود تمازج بين بعض من أعضاء خلية بيت شومو، الأصلية وغيرهم من المتطرفين. وكان محل تجمعهم والتقائهم هو نظام السجون الفرنسية.
فهناك، اشتد عود النزعة المتطرفة على نحو دفع بأعضاء المجموعة المذكورة للتواصل مع بارزين آخرين كانوا على اتصال بشبكات المتطرفين الأكثر اتساعا وخطورة. على مدى قرون، تحملت فرنسا التهديدات والهجمات الإرهابية الإسلامية، من الجماعات ذات التأثير الإيراني خلال حقبة الثمانينات، إلى المتطرفين الجزائريين في حقبة التسعينات التي تلتها، إلى الخلايا المتصلة بتنظيم القاعدة وما بعد هجمات الـ11 من سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية.
وفي الآونة الأخيرة، تزايدت حالة القلق لدى الأجهزة الأمنية الفرنسية والأوروبية حيال آلاف الشباب والمواطنين المسلمين المغتربين الذين انضموا للقتال في صراعات سوريا والعراق.
وفي كل عقد من الزمان، ينشأ نمط من الأنماط المألوفة: أقلية متطرفة من المسلمين الأوروبيين - سواء انطلقوا للمشاركة في القتال بالخارج من عدمه - يُثار غضبهم ويتأثرون بالحروب التي يشنها الغرب على العالم العربي، وأفريقيا وما وراءها، ويسعون إلى سحب تكاليف تلك الحروب إلى الداخل الفرنسي.
وعقب اجتياح السلطات الفرنسية لمجموعة «بيت شومو» في 2005، خضع شريف كواشي لسيطرة التيار المتطرف الذي خطط لنسف سفارة الولايات المتحدة الأميركية في باريس في 2001. وهناك، جند كذلك الفنان العاطل عن العمل احميدي كوليبالي، وهو الرجل الذي قتل 4 من الرهائن في متجر كوشر في باريس يوم الجمعة الماضي.
من غير الواضح ما إذا كان شقيقه الأكبر، سعيد كواشي، الذي شارك كذلك في الهجمات على مكتب صحيفة تشارلي إيبدو، كان عضوا في مجموعة «بيت شومو»، غير أن السلطات الفرنسية أكدت أن الشقيق الأكبر قضى بعض الوقت في اليمن فيما بين 2009 و2012. حيث تلقى تدريبات إرهابية من فرع تنظيم القاعدة هناك.
يقول دومينيك ماني، أحد المحامين المشاركين في الدفاع عن مجموعة «بيت شومو»، إن السجن صقل من أفكار شريف كواشي الراديكالية.
«كان متطرفا لحد بعيد عند الحكم عليه في عام 2008 أكثر مما كانت عليه أفكاره في عام 2005 حينما ألقي القبض عليه. وربما أنه تحول داخل السجن إلى ما نعرفه عنه اليوم، إنه كواشي الذي عرفناه خلال الأيام القليلة الماضية».
بدأ مساره في الدائرة 19. وهي الحي المجاور لحديقة تلال شيمو، الذي اكتظ لاحقا بالسكان المسلمين والمهاجرين. كانت الشخصية المحورية في المجموعة هي شخصية فريد بينيتو، وهو بواب مولود في عام 1981 لعائلة فرنسية من أصل جزائري.
وفقا لأحد التقارير المنشورة التي تتناول الخلايا الإرهابية الفرنسية: حصل فيليو وبينيتو على أولى جرعات التطرف من إحدى شقيقاته المتزوجة يوسف زيموري، الذي كان عضوا في الشبكة الإرهابية الفرنسية الجزائرية. ألقي القبض على زيموري في مايو (أيار) عام 1998 في جزء من مؤامرة مزعومة لتنفيذ هجمات كبرى في بطولة كأس العالم لكرة القدم.
وبعد مرور وقت وجيز، كان بينيتو يدرس الآداب حول السلفية، ويُقدم نفسه كإمام عصامي علّم نفسه بنفسه. وقد طُرد من مسجد بري - سان جيرفيه في باريس، غير أنه بدأ في التردد على مسجد الدعوة، حتى في الوقت الذي بدأ فيه تجنيد مجموعة من الشباب الصغير، والأتباع منعدمي الشخصية، ومن بينهم شريف كواشي وصديق طفولته، تامر بوشناق.
يقول ماني، المحامي الذي دافع عن بوشناق في القضية: «ذات يوم، قررا الذهاب إلى مسجد ما حيث تقابلا هناك مع فريد بينيتو. كان شابا يافعا، ليس بأكبر في السن منهما، وانبهر به كل من تامر وشريف».
كان إثبات ولائهم مضمارا للمنافسة بينهم. حيث أضاف ماني قائلا: «كانا يريدان أن يكونا من أفضل المسلمين الموجودين. بل وأفضل في إسلامهما من أفضل أصدقائهما كذلك». شارك بينيتو في الاحتجاجات التي أثيرت عام 2004 ضد القانون الذي يحظر ارتداء الفتيات المسلمات للحجاب في المدارس العامة الفرنسية وكوّن لنفسه أسلوبا دعويا خاصا ومثيرا للجدل، منطلقا ضد الغزو الأميركي للعراق وداعيا الشباب الفرنسي المسلم إلى السفر هناك والقتال، إن لم يكن شن الهجمات الإرهابية في الداخل الفرنسي.

* خدمة «نيويورك تايمز»



شرطة باريس: حركة احتجاج الطلاب خرجت عن السيطرة وأدعو للاحتجاج السلمي

شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
TT

شرطة باريس: حركة احتجاج الطلاب خرجت عن السيطرة وأدعو للاحتجاج السلمي

شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)

قال قائد شرطة باريس، اليوم السبت، إن حركة الاحتجاج الطلابية التي انتشرت في أنحاء فرنسا أصبحت الآن «خارجة عن السيطرة» وحث المحتجين على العودة إلى الأساليب السلمية، محذراً من أن السلطات سترد بحزم على أعمال العنف والتخريب.

واشتبكت شرطة مكافحة الشغب مع طلاب المدارس الثانوية في أنحاء فرنسا أمس الجمعة، ودعت النقابات المعلمين إلى الإضراب في وقت تكافح فيه حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون لاحتواء الاحتجاجات متزايدة العنف بسبب أوضاع الفصول الدراسية والتمويل.

ومنذ يوم الاثنين، اعتقلت السلطات نحو خمسة آلاف شخص، معظمهم من المراهقين، في أنحاء البلاد وأصيب العشرات بجروح.

وقالت أجات فوكو، المتحدثة باسم الشرطة الوطنية، لمحطة (آر.تي.إل) الإذاعية اليوم السبت إن أكثر من 600 من أفراد الشرطة أصيبوا أيضاً.

وتعرض معلمون ومواطنون لهجمات في حين تقدر الأضرار التي لحقت بالممتلكات بعشرات الملايين من اليورو.

وقال باتريس فور قائد شرطة باريس في رسالة منشورة على منصة «إكس» قبل الاحتجاجات الجديدة المقررة ابتداء من الثلاثاء المقبل إن من أطلقوا هذه الحركة لم يعودوا يسيطرون عليها، ودعا الطلاب إلى التخلي عن إغلاق المدارس ووقف أعمال الشغب وتبني أشكال سلمية من الاحتجاج.

وكتب فور: «حان الوقت للعودة إلى أشكال العمل السلمي»، مشيراً إلى أن الآباء يتحملون أيضاً مسؤولية إبعاد أبنائهم عما وصفه بتأثير «المشاغبين المحترفين» ومؤيديهم.

ودعت النقابات الطلابية إلى تنظيم يوم وطني للاحتجاجات يوم الثلاثاء. ويخشى مسؤولو الأمن من أن تؤدي الاحتجاجات المنظمة في وسط باريس على وجه الخصوص إلى مزيد من العنف، وسط مخاوف من أن تستولي الجماعات الفوضوية المنتمية إلى تيار اليسار المتطرف على زمام الحركة.

وعبر الطلاب الذين يقيمون حواجز أمام المدارس الثانوية عن غضبهم من اكتظاظ الفصول الدراسية، والنقص المستمر في المعلمين، وتدهور حالة المباني، وأنحوا باللائمة في ذلك على نقص الاستثمار المستمر منذ سنوات.


أمطار غزيرة في كريت اليونانية تتسبب بفيضانات وأضرار

تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
TT

أمطار غزيرة في كريت اليونانية تتسبب بفيضانات وأضرار

تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)

تسببت أمطار غزيرة وعواصف رعدية بفيضانات وأضرار جسيمة في كريت، ما استدعى إجلاء عدد من السياح من هذه الجزيرة اليونانية الشهيرة، وفق ما أعلنت السلطات السبت.

وقال إيمانويل فراغكوليس، رئيس بلدية إيرابيترا الواقعة على الساحل الجنوبي الشرقي لكريت التي تعرضت لأمطار غزيرة الجمعة والسبت: «اضطررنا لإجلاء بعض السياح، ونُقلت امرأة إلى المستشفى كإجراء احترازي».

وأضاف «نواجه مشاكل خطرة، فقد تراكمت كميات هائلة من المياه. وانقطعت الطرق وامتلأت بالحطام».

وفي خانيا التي تستقطب أعدادا كبيرة من السياح، تعرض الميناء الفينيسي القديم لأمواج عاتية، ما أدى إلى أضرار وتسبب بتعطيل نشاط المطاعم والمنشآت السياحية.

رجل يحمل أغراضاً شخصية في قرية بالاماس التي غمرتها الفيضانات بالقرب من مدينة كارديتسا بوسط اليونان (أرشيفية_أ.ف.ب)

ودعت أجهزة الحماية المدنية سكان عدد من المناطق بينها ميلوبوتاموس، وهي منطقة ريفية جبلية بالقرب من ريثيمنو (شمال غربي الجزيرة)، إلى الحد من تحركاتهم واللجوء إلى مناطق مرتفعة.

وذكرت هيئة الإذاعة والتلفزيون اليونانية أن 23 شخصاً حوصروا داخل سياراتهم على الطريق بين إيرابيترا وسيتيا، على الساحل الشمالي الشرقي.

وأعلنت هيئة الأرصاد الجوية اليونانية تفعيل «الإنذار الأحمر» في جزيرة كريت، وهو أعلى مستوى للإنذار، مع توقع استمرار هطول أمطار غزيرة وتسجيل عواصف رعدية في بعض المناطق.


تصريحات «معادية للسامية» تهزّ «التجمع الوطني» وتهدّد رهان لوبن الرئاسي

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

تصريحات «معادية للسامية» تهزّ «التجمع الوطني» وتهدّد رهان لوبن الرئاسي

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

يعيش حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف أزمة وجودية لم يكن يتوقعها أحد. فمارين لوبن، مرشحته إلى الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في الربيع المقبل، آخذة في صقل صورتها «الرئاسية» رغم الحكمين القضائيين اللذين صدرا بحقها وبحق حزبها، وآخرهما عن محكمة الاستئناف في 7 يوليو (تموز) الماضي. واستطلاعات الرأي المتواترة منذ أشهر تضعها في مقدمة المرشحين، لا بل تُرجّح فوزها برئاسة الجمهورية. وتفيد المعلومات المتوافرة بأن «التجمع الوطني» الذي يرأسه جوردان بارديلا، 31 عاماً، بصدد وضع اللمسات الأخيرة على برنامج الحكم وعلى توزيع المناصب الحكومية.

والمنصب الأول؛ أي رئاسة الحكومة، محصور في بارديلا. وسبق لمارين لوبن أن أكّدت مراراً أنها ستعينه رئيساً لأولى حكوماتها عند دخولها قصر الإليزيه. بيد أن الأخير أصيب بخيبة عندما أتاحت محكمة الاستئناف الترشح لزعيمة الحزب المطلقة، في حين كان يمنّي النفس بأن يكون هو المرشح بسبب متاعبها القضائية الثقيلة. غير أنه استدرك الأمر وعاد ليؤكد دعمه المطلق لزعيمته، وأنه بصدد التحضير للميزانية المقبلة في الوقت الذي تعاني فيه فرنسا من مديونية ساحقة تبلغ 3600 مليار يورو، ومن سعي الحكومة الحالية لتمرير ميزانية تقشفية. ولأن الحراك الطلابي قد انطلق في 21 من الشهر الماضي، ولأن الوسط واليمين التقليدي واليمين المتطرف دأبوا على اتهام حزب «فرنسا الأبية» وجان لوك ميلونشون، مرشحه الرئاسي، بدعم التصعيد الطلابي وما يصاحبه من عنف واشتباكات وحرائق... فإن لوبن وبارديلا وجدا في ذلك فرصة ذهبية لحملة سياسية محمومة ضد ميلونشون، المرشح لمواجهة لوبن في الجولة الرئاسية الحاسمة التي ستجرى يوم 2 مايو (أيار) المقبل.

الصاعقة غير المنتظرة

هذه كانت حالة المشهد السياسي حتى يوم الاثنين الماضي، عندما نشرت مجلة «ميديا بارت» الاستقصائية مقاطع من مراسلات جوردان بارديلا على منصة «ميسنجر» عندما كان عمره 17 و18 عاماً، والتي كتبها ما بين عامَي 2013 و2015.

مارين لوبن وجوردان بارديلا يشاركان في تجمّع انتخابي بليفان شمال فرنسا يوم 4 يوليو (أ.ب)

وما نُشر كان أثره كوقع الصاعقة على بارديلا ولوبن واليمين المتطرف؛ لأن المقتطفات تبرز بشكل واضح ميول بارديلا المزعوم لمعاداة السامية. بيد أن بارديلا سارع إلى نفي ما نُشر؛ لأنه «ملفّق»، وأنه «لم يكتبه بتاتاً»، وأن «(ميديا بارت) اليسارية ركبتها» للإساءة إليه، وهدفها «القضاء على مستقبله السياسي». وأفاد بارديلا، الذي نشرت لوبن مظلتها الواقية فوقه، بأنه تقدم «بشكل عاجل» بدعوى قضائية ضد المجلة المذكورة. بيد أن «ميديا بارت» عادت بعد ثلاثة أيام إلى نشر صور محادثات بارديلا وأكدت أنه تم التصديق عليها من قبل كاتب العدل.

ما جاء في المقتطفات، التي تقول عنها «ميديا بارت» إنها مأخوذة «من عشرات المحادثات المكتوبة»، والتي «جرى التحقق منها بشكل مستقل»، يعكس استعادة بارديلا لصور نمطية مسيئة لليهود.

مارين لوبن... ماذا بعد؟

منذ أن نشرت «ميديا بارت» مقتطفاتها، وبعد الإفصاح عن طريقة حصولها عليها والتأكد من صحتها، انصبت التحليلات على استشراف تبعاتها على حزب «التجمع الوطني»، وعلى مرشحته. ولكن قبل كل ذلك على مصير بارديلا نفسه.

ليس سراً أن مارين لوبن ورثت عن والدها جان ماري لوبن زعامة الحزب الذي كان يجر وراءه ذيول معاداة السامية والعنصرية. لوبن الأب كان معروفاً بعنصريته وبمعاداته للسامية. فمن تصريحاته مثلاً أن «محرقة اليهود كانت تفصيلاً» مما جرى في الحرب العالمية الثانية. وعندما اقتنعت مارين لوبن أن والدها سيكون عقبة كبرى في مسارها السياسي، فإنها لم تتردد في إخراجه من الحزب الذي عملت على تنظيفه من قدامى محازبيه وضخّ دماء جديدة إليه.

مارين لوبن وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)

هنا، جاء دور بارديلا الذي كان لفترة طويلة رفيق درب ابنة أخت مارين لوبن، ما سهّل له تسلق المناصب الحزبية سريعاً. وفي عام 2021 كلّفته لوبن برئاسة الحزب بالوكالة بسبب خوضها الانتخابات الرئاسية السابقة.

وفي العام التالي، تمّ انتخابه رئيساً أصيلاً بنسبة ساحقة؛ إذ حصل على 84.84 في المائة من أصوات أعضائه. وبارديلا هو أول رئيس لا ينتمي لعائلة لوبن يرأس الحزب الذي كان يسمى سابقاً «الجبهة الوطنية». ومن المعروف أن لوبن «استثمرت» في شخص بارديلا من خلال دورات تدريبية، وراهنت عليه لتحديث صورة حزبها. وعندما كانت تعتبر أنها ستُمنع قضائياً من الترشح للرئاسة، اختارته بديلاً عنها.

من هنا، يمكن فهم مسارعتها لمساندته وتسخير كل قدرات شخصيات حزبها للوقوف إلى جانبه. ويهدّد ما نشرته «ميديا بارت» بهدم كل العمل الذي قامت به لوبن لـ«تطبيع» حزبها ونزع صفة التطرف ومعاداة السامية عنه، وبالتالي يمكن أن ينعكس على نتائج حملتها الرئاسية.

والرأي الشائع لدى المحللين أن لوبن لن تستطيع، مستقبلاً وقبل حلول موعد الانتخابات، الاحتفاظ ببارديلا إلى جانبها، وأن ورقة الأخير قد «احترقت». ويتعين ترقب ما سيحصل خلال المؤتمر العام للحزب يومَي 24 و25 من الشهر الحالي في مدينة أورليان، حيث كان من المنتظر إعادة انتخاب بارديلا رئيساً.

صمت وانتقادات

ثمة تاريخ يتعين التوقف عنده، وهو 26 مارس (آذار) الماضي، حيث قام بارديلا بزيارة لإسرائيل بدعوة من حكومتها، وتحديداً من وزير شؤون الشتات أميخاي شيكلي بحجة المشاركة في مؤتمر دولي حول محاربة معاداة السامية.

جوردان بارديلا عند وصوله إلى ساحة «لا كونكورد» في باريس لحضور قداس البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)

وكانت المرة الأولى التي يزور فيها مسؤول حزبي من «التجمع الوطني» إسرائيل. واستفاد بارديلا من الزيارة للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس الكنيست أمير أوحانا، وزار نصب «ياد فاشم» التذكاري للمحرقة اليهودية. واستفاد بارديلا من المناسبة ليعلن أن حزبه «أفضل درع حامٍ لليهود» في فرنسا، رابطاً بين «صعود تيار الإسلاموية في فرنسا وانتشار معاداة السامية»، ومعتبراً أن «كره اليهود ودولة إسرائيل يعد وبالاً عالمياً يتعين محاربته».

وقال بارديلا لصحيفة «جيروزاليم بوست»، خلال زيارته، إن فرنسا «تقف إلى جانب إسرائيل في حربها ضد الإرهاب الإسلاموي»، كما أعلن معارضته العام الماضي اعتراف باريس بـ«دولة فلسطين». ورأت الصحافة الفرنسية في زيارة بارديلا «خطوة استراتيجية» على درب التطبيع بين «التجمع الوطني» وإسرائيل.

كل ما سبق قد يذهب هباءً. فجوناتان عارفي، رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا، رأى أنه «إذا صحّت» التصريحات المنسوبة لبارديلا، فإن ذلك يُعدّ «نفياً ساطعاً» لاستراتيجية التطبيع بين «التجمع الوطني» والمجتمع اليهودي في فرنسا.

وبشكل عام، بقيت ردود فعلها محصورة وحذرة بعكس ما صدر عن الرئيس إيمانويل ماكرون، وعن أحزاب الوسط واليسار واليسار المتشدّد، الذين ندّدوا جميعهم بـ«نزعة بارديلا في معاداة السامية».

وكان لافتاً أن قادة حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي بقوا صامتين لحسابات محض انتخابية. ورئيسه ومرشحه للرئاسة الوزير السابق برونو روتايو غاب عن المشهد، والمرجح أنه لا يريد القطيعة مع اليمين المتطرف وهو طامع، على ما يبدو، في أن يجتذب أصوات بعض منتسبيه. ومن أشدّ المنتقدين إلى جانب اليسار بجناحَيه، المرشح الرئاسي أدورا فيليب، ووزير العدل جيرالد دارمانان، وكلاهما ندّد بقوة بتصريحات بارديلا، ولكن أيضاً باعتماده «الكذب» من خلال نفي صحة ما جاءت به «ميديا بارت».

وحتى الرئيس ماكرون علق على ذلك، خلال مؤتمر صحافي في مدريد يوم 30 سبتمبر (أيلول)، بقوله إن «التصريحات المذكورة بالطبع خطيرة للغاية وغير مقبولة، ولا تترك مجالاً للتعليق. إنها تتطلب أقوى إدانة ممكنة». وأضاف أنه «يتعين على الزعماء السياسيين توضيح الخطّ السياسي الذي يتخذونه، والتصريحات التي يعتبرونها مقبولة، والأفراد داخل حزبهم الذين قد يدلون بمثل هذه التصريحات».