وزراء الثقافة العرب يبحثون في الرياض اليوم دور اللغة العربية في التكامل الثقافي

يفتتحه اليوم نيابة عن خادم الحرمين الشريفين وزير الثقافة والإعلام السعودي ويتناول 4 محاور و15 دراسة

د. عبد الله محارب المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)
د. عبد الله محارب المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)
TT

وزراء الثقافة العرب يبحثون في الرياض اليوم دور اللغة العربية في التكامل الثقافي

د. عبد الله محارب المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)
د. عبد الله محارب المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)

نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، يفتتح الدكتور عبد العزيز الخضيري وزير الثقافة والإعلام السعودي اليوم الاثنين بالرياض، أعمال الدورة التاسعة عشرة لمؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي.
وسبق اجتماع الوزراء انعقاد فعاليات المؤتمر، حملت عنوان: «اللغة العربية منطلقا للتكامل الثقافي الإنساني»، وتوزعت على 4 محاور أساسية، بمشاركة باحثين وأكاديميين من أكثر من 30 دولة عربية ومنظمة ومؤسسة معنية، وتستمر لمدة 4 أيام.
وتتألف الوثيقة الأساسية لهذه الدورة، التي أعدتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، من 15 دراسة وضعها خبراء عرب رشحتهم اللجان الوطنية للتربية والثقافة والعلوم في الدول العربية لإعدادها، وكلفتهم المنظمة بذلك.
وأوضح الدكتور عبد الله محارب المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، أن الخطة الشاملة المحدّثة للثقافة العربية، هي ارتكاز النهضة الثقافية العربية المنشودة إلى رؤية علمية ونقدية للواقع بمستوياته المحلية والإقليمية والعالمية، مع ضرورة التفاعل مع العصر والفكر الآخر، لا الاكتفاء بالاستعارة منه وتقليده.
ولفت إلى أن المسؤولين عن الشؤون الثقافية يدركون عمق العلاقة بين اللغة والثقافة، فليس هناك ما هو أهم من اللغة في تطوير الثقافة الإنسانية، ويعتبرون اللغة عنصرا أساسيا لتطوير الثقافة العربية، الأمر الذي يستدعي مزيدا من النهوض بها وتحديث طرق تدريسها لتكون قادرة على التطوّر والصمود أمام اللغات الأجنبية.
وأكد أن هناك عملا دؤوبا للارتقاء بمستوى الجامعات العربية لتجاوز المعارف القديمة في مناهجها والتخصصات المحدودة، وجعلها تمتلك ما يلزم من مقومات إنتاج المعرفة وصناعة العلماء.
وأضاف محارب: «لا يمكن أن يكون لنا فعل في الواقع الحضاري، ولن تكون لنا مساهمة حقيقية في بناء الحضارة الإنسانية، إلا من خلال مزيد من العناية والاهتمام بلغتنا العربية، وتفعيل الاهتمام باللغات الأخرى، ونقل ما فيها من ذخائر معرفية إلى الأجيال العربية إذ تبرز أهمية التكامل بين اللغة والثقافة بوضوح من خلال دعم الركائز الأساسية التي أفرزت التقارب الثقافي والفكري والتكامل الإنساني الذي يتيح للجميع النظر للمستقبل في إطار من التعددية الفكرية والثقافية المبنية على ثوابت مشتركة ومد جسور من الحوار بين الثقافات والشعوب».
ونوه المدير العام لـ«ألكسو»، بالمنجزات السابقة، ومنها القرار المنبثق عن الدورة الثانية عشرة بالرياض 2000. الذي أقرّ فيه «دعم اللغة العربية في الصناعات المعلوماتية»، والقرار الصادر عن الدورة الرابعة عشرة بصنعاء 2004. الذي تضمن توصية «بدعم اللغة العربية تعزيزا للهوية القومية والتنمية المجتمعية».
وكانت الدورة الـ16 بدمشق 2008، قد وافقت على «مشروع النهوض باللغة العربية للتوجه نحو مجتمع المعرفة الذي أوصت به القمة العربية»، كما أكد الإعلان الصادر عن الدورة السابعة عشرة للمؤتمر بالدوحة 2010، بشأن القمة الثقافية العربية على أن «اللغة العربية عنصر أساس لتطوير ثقافتنا العربية ولا بد من النهوض بها».
وحث مؤتمر المنامة 2012 الدول العربية والمنظمة على «مواصلة الجهود في مجال الترجمة والتعريب ونشر اللغة العربية وتحديث طرائق وأساليب تدريبها والاعتناء بمعلميها وتطوير قدراتهم ليكونوا قادرين على النهوض بها، وتحديث طرق تدريسها لتكون قادرة على التطوير والصمود أمام اللغات الأجنبية».
ولفت المحارب إلى أن المنظمة تستغل حضورها في المحافل الدولية لتنضم إلى أصوات المدافعين عن «الاستثناء الثقافي»، لأنها لا ترى في المنتج الثقافي مجرّد سلعة ككل السلع؛ بل تراه تعبيرا عن روح الشعوب وإحساسها وعبقريتها.
ووفق المحارب، على هذا الأساس ساندت الاتفاقية التي أصدرتها اليونيسكو حول حماية تنوع المضامين الثقافية، وتعاونت مع الكثير من المنظمات الدولية والإقليمية ومن بينها مجموعة «الفضاءات اللغوية الثلاثة»، الفرنسية والإسبانية والبرتغالية.
وكانت «اليونيسكو»، قد نظمت سلسلة من الندوات والمؤتمرات بهدف تفعيل دور المثقف العربي، وشاركت في فعاليات أخرى أو قدمت لها الدعم دفعا للتكامل الثقافي بين البلدان العربية وبناء جسور التواصل مع بقية شعوب العالم وتحقيق التكامل الثقافي المنشود.
واستعرض المدير العام لـ«ألكسو»، أبرز نشاطات المنظمة، ومشروعاتها المستقبلية، منها إحداث جوائز مثل الجائزة العربية للتراث، والجائزة العربية للإبداع الثقافي، والبرنامج الذي تستعد المنظمة لتنفيذه بالتعاون مع الدول العربية، مشيرا إلى اعتزامها تنظيم ندوة دولية حول «الحرف العربي» خلال هذا العام.
وتناول المحور الأول «اللغة العربية: المفهوم والوظائف والاستخدامات» 4 دراسات، حملت الأولى عنوان «نحو منهاج موحد لتعليم اللغة العربية» من إعداد الدكتورة ديزيره سقال، والثانية «أثر المفردات الأجنبية في فكر النشء العربي»، من إعداد الدكتور خالد الحافي.
وتتناول الدراسة الثالثة «تعليم اللغة العربية، سنة كونية وقراءة تاريخية وواقع حداثي» من إعداد الدكتور مختار لزعر، والرابعة «المحيط اللغوي وتعليم اللغة العربية: مرحلة ما قبل المدرسة نموذجا»، من إعداد الدكتور علي الكبيسي.
وتناول المحور الثاني «إسهامات اللغة العربية في الثقافات الإنسانية» من خلال دراستين؛ الأولى تحمل عنوان «حركة الترجمة من العربية وإليها: الأهمية والواقع والطموح»، من إعداد الدكتور عادل الطويسي، والثانية «دور اللغة العربية في إثراء الاجتهاد والإبداع الثقافي الإسلامي»، من إعداد الدكتور عبد الله أبو بكر.
وجاء المحور الثالث تحت عنوان «لغة الشعوب ركن في ثقافتها وهويتها» من خلال 7 دراسات؛ الأولى حملت عنوان «لغة الشعوب ركن في ثقافتها وهويتها»، من إعداد الدكتور بلال عبد الهادي، والثانية «إسهامات اللغة العربية في الثقافات الإنسانية.. العلم والأدب»، من إعداد الدكتور جورج طراد.
وحملت الدراسة الثالثة عنوان «اللغة العربية وتأثيرها في ثقافة الشعوب غير العربية»، من إعداد الدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيِّع، والرابعة «استخدامات اللغة العربية في الحوار الثَّقافي بين الشُّعوب»، من إعداد الدكتور وجيه فانوس.
وجاءت الدراسة الخامسة بعنوان «إسهامات اللغة العربية في الثقافات الإنسانية» من إعداد الدكتورة مريم النعيمي، والسادسة «اللّغة العربيّة ركن في ثقافة الأُمّة وهويتها الثقافية» من إعداد الدكتور يوسف بكّار، والسابعة «التكوين الثقافي في المجتمعات ودور اللغة العربية في تحديد هويتها» من إعداد الدكتورة لمياء باعشن.
وتناول المحور الرابع «اللغة العربية وإنتاج المحتوى الرقمي»، حيث حملت الدراسة الأولى عنوان «المحتوى الثقافي الرقمي باللغة العربية على شبكة الإنترنت»، من إعداد الدكتور محمد القادري، والثانية «الأدب التفاعلي؛ والتجريب النقدي العربي» من إعداد الدكتور إحسان التميمي.
يذكر أن الدكتور ناصر الحجيلان وكيل وزارة الثقافة والإعلام للشؤون الثقافية في السعودية، قد عُين رئيسا للجنة الدائمة للثقافة العربية لمدة عامين، حيث ناقشت اللجنة موضوعات إحداث مجلس وزراء الثقافة العرب، ومشروعي القناة الفضائية العربية والأيام الثقافية العربية.
وبحثت اللجنة، اليوم العربي للشعر والميثاق العربي للمحافظة على التراث العمراني في الدول العربية وتنمية «المجلس الأعلى للتراث العمراني»، والمرصد العمراني والمعماري العربي، وقصر الألكسو الثقافي في مدينة القدس، وميثاق حماية التراث الثقافي البلدان العربية.
وتناولت موضوع البوابة الإلكترونية للتراث الثقافي في الدول العربية، ومشروع إنشاء الأرشيف العربي للمأثورات الشعبية، والجائزة العربية للإبداع الثقافي، وإشراك ممثلين عن الوزارات والمؤسسات والهيئات الوكالات والمنظمات.
ودعت إلى مشاركة المجالس المعنية بالتراث والسياحة والثقافة في دورات مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي، واللجنة الحكومية لصون التراث الثقافي غير المادي، إضافة إلى إنجاز دراسة حول الإعلام الثقافي في الوطن العربي، وتوصيات ندوة الدراسات المستقبلية في الوطن العربي.
وكانت أول دورة لمؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي، قد نظمت في عام 1976 بالعاصمة الأردنية عمّان، أي بعد 6 سنوات من إنشاء المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ومنذ ذلك التاريخ تتابعت دورات المؤتمر مرة كل سنتين.



على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
TT

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)

شهد مسرح مكتبة قطر الوطنية تأويلات موسيقية لرواية «مائة عام من العزلة»، إحدى روائع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وذلك ضمن فعالية «حديث الكتاب».

الحفل الموسيقي شاركت فيه الفنانة الكولومبية، أوريانا دا مارته، التي استكشفت العلاقة بين الموسيقى والسرد القصصي من منظور رواية «مائة عام من العزلة»، بالتعاون مع سفارة كولومبيا في الدوحة، وحملت الأمسية عنوان «أصوات ماكوندو: تأويلات موسيقية لرواية (مائة عام من العزلة)»، بما يعكس التزام المكتبة بمد جسور الحوار الثقافي بين الأمم، وإبراز ثراء التراث العالمي وتنوعه.

وقدَّمت الجلسة لعشاق الأدب ومتذوقي الموسيقى منظوراً فنياً جديداً لرواية تُعَد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها تأثيراً في أميركا اللاتينية، حيث استلهمت أوريانا من ألبومها الموسيقي الفائز بجوائز «رحلة إلى ماكوندو» مقطوعات موسيقية أصلية بعثت روحاً جديدة في أفكار ومعاني الرواية، بما تحمله من ذاكرة وخيال وملامح من تجربة أميركا اللاتينية.

واصطحبت الفنانة الكولومبية جمهورها لتحلق بهم في أجواء بلدة «ماكوندو»، في تجسيد لروح الواقعية السحرية في أعمال ماركيز، وذلك عبر توليفة فريدة جمعت بين أصالة النقاش الأدبي والعزف الموسيقي الحي.

وفي هذا السياق، أكدت هيا عبدالله الشيب، اختصاصي أول برامج الكبار في مكتبة قطر الوطنية، أن تنظيم هذه الفعالية الثقافية يعكس الحرص على تجاوز الآفاق التقليدية للقراءة؛ إذ إنه بفضل المزج بين أدب غابرييل غارسيا ماركيز وإبداعات أوريانا دا مارته الموسيقية، حظي رواد الجلسة بفرصة استثنائية للتحاور مع التراث الأدبي العالمي، والاحتفاء بالتقاليد الفنية الغنية والعريقة لجمهورية كولومبيا.

من جانبه، أكد السيد كاميلو فيزكايا السكرتير الأول القائم بالأعمال في سفارة جمهورية كولومبيا لدى الدولة، أن كولومبيا وقطر تحرصان على تعميق أواصر الصداقة بينهما من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية، وأنه على الرغم من تباعد المسافات الجغرافية بين البلدين، فإن مشاعر المودة والاحترام المتبادل تجمع بينهما؛ ما ينسج خيوطاً لصداقة متينة وعرى وثيقة لا تنفصم، فضلاً عن التقدير المشترك للتراث والإبداع والتبادل الثقافي.

وأوضح أن مثل هذه الفعاليات تقدم فرصة سانحة لتوطيد هذه الروابط، والاحتفاء بالقيم الإنسانية الغنية التي تجمع بين شعبي البلدين، عبر لغة الفن المشتركة.


«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية


أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»
TT

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

تنسج رواية «البحث عن سعيد مهران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبو غزالة، منذ عنوانها، علاقة نصية وطيدة مع رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»، إذ تعيد بطل الرواية المحفوظية إلى واجهة روايتها، ويتأكد هذا الحضور في الجملة التصديرية للرواية، التي تقول: «لن أنسى الماضي لسبب بسيط، هو أنه حاضر - لا ماضٍ - في نفسي» المقتبسة كذلك من رواية محفوظ نفسها. هذه الجملة التي يمكن فهمها بوصفها تعبيراً عن أبطال الرواية، وأثر الماضي الذي يظل يمارس حضوره في نفوسهم ويوجه اختياراتهم. كما يمكن فهمها بوصفها تعبِّر عن الروائية، التي تتعاطى مع موروث الرواية العربية بوصفه حاضراً وفاعلاً في مخيلتها، وفي بنائها لشخصياتها، فهي ليست منبتة عن هذا الموروث، الحاضر دوماً في نفسها.

الرواية صدرت في القاهرة عن «دار المحرر»، وتبدأ من نقطة تمثل ذروة الأحداث، بما تحمله من قدر كبير من الغرائبية، فأول جملة في النَّصِّ الروائي لها أهميتها الاستثنائية هنا، فهي التي ستوجه مسار الأحداث كلها، وتفتح مخزون الذكريات لدى كل شخوص الرواية: «تُقسم دميانة بالمسيح الحي أنها رأت سعيداً يخرج من قبره كمُخلِّص عاد من الموت ووجد قيامته، رسمت الصليب على صدرها، وأعادت القَسم، مؤكدة أنها لا تكذب». فالمحكي عنه هنا هو «سعيد الرفاعي مهران»، بطل الرواية، والمحكي لهما - عبر مكالمة هاتفية - هما ابنه، الذي يحمل اسم «سعيد» أيضاً، وابنته «نور»، ومَن تحكي هذا الحدث وتبلغهما به هي أمهما «حكيمة»، التي تطلب من ابنها أن يعود هو وأخته من العاصمة ليبحثا عن جثة أبيهما، والتوثق من حقيقة خروج الجثة من قبرها، خصوصاً بعد أن وجد أهل القرية القبر مفتوحاً بالفعل، ولا جثة فيه.

خروج الجثة من قبرها استعارة كبرى لعودة الماضي الذي يتوهم الجميع موته، وانكشاف الندوب والجروح التي توهَّم أصحابها أنها اندملت، لكنها حية وموجعة تحت جلودهم، وجميعهم ينزفون داخلياً في صمت. هذا الخروج المتخيل للجثة، الذي يقع في الوقت الحالي، يدفع الأحداث زمنياً إلى الماضي، فرغم أنَّ عودة الابنين إلى القرية للبحث، لم تستغرق فعلياً سوى أيام عدة، فإن تداعي الذكريات يعود بالزمن إلى حقبة الستينات، إلى أصل الندوب وسبب اللعنة التي حلت بالعائلة وأجيالها، وتاريخ حياة صاحب الجثة «سعيد»، وعلاقته بأبيه من جهة، ثم علاقته بابنه سعيد وابنته نور من جهة أخرى. وتعود الرواية إلى جذور الأزمة الضاغطة على الجميع، حين رُزق الفلاح البسيط «الرفاعي مهران» بمولود ذكر، كان يتمناه بعد إنجاب أكثر من فتاة، وعندما جاء هذا الابن أراد له الأب اسماً مميزاً، وكان قد رأى فيلم «اللص والكلاب»، وتعاطف مع بطله المظلوم «سعيد مهران»، فقرَّر أن يطلق على ابنه اسم «سعيد»، محبةً في ذلك البطل المعذب، وإنصافاً رمزياً له، لكنه بهذا التَّصرُّف العفوي أصاب ابنه بلعنة الشخصية واسمها، فصار بطل الرواية المحفوظية شبحاً يطارد البطل الحديث منذ طفولته، وتنمر الجميع عليه، واتهام زملاء الدراسة وأبناء القرية له بأنه سيكون لصاً مثل سميّه الروائي.

تبرز في الرواية فكرة الأشباح، وفق مفهومها التفكيكي لدى الناقد والفيلسوف الفرنسي، جاك ديريدا، بشكل شديد الإلحاح، بل إنها أشباح عدة، كل منها يضغط على الآخر ويوجهه.

لقد أصبح البطل «سعيد الرفاعي مهران» مسكوناً بشبح بطل «اللص والكلاب»، خصوصاً بعدما كبر وقرأ الرواية، وأصبح ناقماً على أبيه، الذي جعله عرضةً للتنمر والنبذ، لمجرد رغبة ذلك الأب في اختيار اسم موسيقي مميز، فتحوَّل إلى ناقم على الأب والأم والعالم، ويريد الانتقام من أبيه، متخذاً الطريق نفسه للبطل المحفوظي في الانتقام من ظالميه، حتى لو بدا أنه يحارب طواحين الهواء، فقرر أن يقضي على أراضي أبيه الزراعية، فكان على النقيض من أبيه الذي كان يعشق الزرع واللون الأخضر، فاقتلع الزرع وعمل على تبوير الأرض

هذا البطل المأزوم، المحكوم بشبح بطل الرواية المحفوظية، وبمنطق الكيد لأبيه والانتقام منه، قضى شبابه في صالات القمار وبيوت المتعة، واختار الغانية «حكيمة»، وتزوجها سراً دون علم أبيه، وأنجب منها فتاة أسماها «نور»، وذهب لأبيه في أواخر أيامه وفاجأه بزواجه هذا، وأخبره متحدياً: «أردتني أن أكون (سعيد مهران) وها أنا أسير على خطاه لأكون (سعيد مهران) في كل شيء، وقد بحثت عن غانية اسمها (نور) لأحقق كل ما دار في مخيلتك، لكنني لم أجد واحدة تحمل الاسم نفسه، فاخترت غانية تحمل أي اسم، لكنني عوضت الاسم بأن أطلقت على ابنتي الطفلة اسم (نور)، علها تعيد مسيرة بطلة الرواية والفيلم».

وبعد سنوات أنجب طفلاً، فأسماه «سعيد» أيضاً، ليعيد المأساة نفسها، فهو لم يكتفِ بالانتقام من أبيه، بل ينتقم من ابنه وابنته.

الابن والابنة، سعيد ونور، بدورهما عاشا محكومَين بشبح أبيهما نصف المجنون وأمهما الغانية السابقة. هذا الأب، نصف الجلاد ونصف الضحية، الذي عاش متخبطاً ومنتقماً من الجميع، عامل طفليه بعنف طيلة طفولتيهما، وكان يحبسهما لأيام في غرف مظلمة، بل إنه زوَّج ابنته «نور» من صديقه وزميله في الأماكن المشبوهة، نظير شراكة معه في بناء مصنع، فعاش الابن والابنة بمخزون من الكراهية تجاه هذا الأب السادي، وظلَّ شبحاً يؤرقهما رغم مغادرتهما القرية للأبد؛ الابنة بالزواج، والابن بالهرب والعمل بعيداً.

كان نبأ خروج الجثة من قبرها، واضطرار الابن والابنة للعودة للقرية شيئاً مفزعاً لهما، ينكأ جروح الماضي، فالأب شبح يرفض الموت، ويظل يطاردهما رغم موته منذ سنوات، ولم يعد فقط حاضراً بأثره السلبي عليهما، بل أصبح حاضراً بجثته الهائمة التي يبحثان عنها ليعيدا دفنها، لعلهما يدفنان كل أثر لهذا البطل المعذَّب والمعذِّب، ودفن اللعنة التي حلت بالعائلة ونسلها وامتدادها، ورغبة في إنهاء هذه الدائرة من الانتقام العبثي، من تدمير الذات والآخر، من إعادة إنتاج القهر، ولعل في هذا التوالد لأنظمة القهر استعارة رمزية لأزمات الإنسان العربي، الذي يعيد إنتاج أزماته، هذا الإنسان لا بد أن ينتهي، ربما لذلك نفهم معنى ألا ينجب «سعيد» أو «نور» بعد سنوات من زواجهما، ونفهم أيضاً معنى أن يجدوا الجثة أخيراً راقدةً في فراش الأب الأول «الرفاعي»، بحثاً عن سكينة ومصالحة مع الماضي، مع الجد الفلاح البسيط، في حين أن أهل القرية في حالة مسكونة بـ«الدروشة»، يستعدون لبناء ضريح لدفن جثة مَن عدّوه ولياً عاد من الموت.