أوباما يصفّى حساباته العالقة في «أرض موعودة»

سيرته من طفولته إلى مايو 2011 حين اتخذ قراره بتصفية أسامة بن لادن

غلاف المذكرات- الجزء الأول ... أوباما ترك العمل المجزي في المحاماة لمصلحة خوض اللعبة السياسيّة لما تمنحه من قدرة على التغيير
غلاف المذكرات- الجزء الأول ... أوباما ترك العمل المجزي في المحاماة لمصلحة خوض اللعبة السياسيّة لما تمنحه من قدرة على التغيير
TT

أوباما يصفّى حساباته العالقة في «أرض موعودة»

غلاف المذكرات- الجزء الأول ... أوباما ترك العمل المجزي في المحاماة لمصلحة خوض اللعبة السياسيّة لما تمنحه من قدرة على التغيير
غلاف المذكرات- الجزء الأول ... أوباما ترك العمل المجزي في المحاماة لمصلحة خوض اللعبة السياسيّة لما تمنحه من قدرة على التغيير

إذا كان الكتاب يُقرأ من غلافه، فهذا باراك أوباما الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة (مواليد 1961 وحكم من 2009 - 2016) يظهر في صورة ملتقطة باحتراف معتلياً عتبة كاملة الثقة، تعلو محياه ابتسامة بشاشة وكأنها من زمان ذهبي آخر بعيد لا نكاد نذكره، بعدما غرقت الولايات المتحدة في صراعات استقطابيّة الطابع حول الانتخابات الأخيرة، وتفاقمت المصاعب العرقيّة فيها حد الانفجار، فيما ترزح - وهي دولة العالم الأعظم - تحت عبء الجائحة المستعرة فتسجّل تباعاً أرقاماً قياسيّة في أعداد المصابين والضحايا، ويعيش سكانها ضغوطاً اقتصادية غير مسبوقة.
لكن الغلاف هذه المرّة لا يوشوش أذنينا بكل شيء. إذ إن النصّ بمجمله - رغم نثر أوباما المتين ولغته الأنيقة - يبدو أقرب إلى سجّل لتصفية الحسابات العالقة من فترة رئاسته الأولى، وفرصة لقول كلمته حول مسائل حساسة سياسياً لم يكن بمقدوره ربمّا التوسع بطرحها أيّام إقامته في البيت الأبيض.
ومن الواضح أنّ لدى أوّل رئيس أميركي ذي بشرة ملونة المزيد من الحسابات التي تحتاج بدورها إلى الإغلاق تركها لجزء ثان من هذه المذكرات سيغطي فترته الرئاسية الثانية - ولم يعرف على الفور متى يمكن إنجازه - إلى جانب الفوائد الجانبيّة الأكيدة في مضاعفة دخله عبر عدّة ملايين من النسخ ستباع حول العالم ورقيّاً وإلكترونيّاً. وللحقيقة فإن هذا الجزء الأوّل الذي جاء متأخرا بالفعل لمدة سنتين إضافيتين على موعد نشره وفق العقد الأصلي مع الناشر، وتجاوز الحجم المتفق عليه ليصل إلى 700 صفحة (مقابل 500 تم الاتفاق عليها) قد قفز سريعا بعد نشره بساعات إلى قوائم الكتب الأكثر مبيعا في الولايات المتحدة وبريطانيا.
يغطّي أوباما في «أرض موعودة*» وسيرته من صغره إلى مايو (أيار) 2011 وبالتحديد تلك الليلة التي كان عليه أن يتخّذ قراره بشأن تصفية أسامة بن لادن في باكستان، حيث كان يتوارى. تحتل فترة يفاعته نحو 200 صفحة لا جديد فيها عملياً عمّا كان رواه في كتابه الشهير «أحلام من والدي - 1995» الذي نشره بخضمّ أجواء التحضير للترشح لعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية إلينوي، وإن بدا في «أرض موعودة» أكثر ارتياحا لناحية وصف ذكرياته عن طفولته بإندونيسيا، ومتعه الشخصيّة مراهقاً في أجواء هاواي الطبيعيّة والاجتماعية مقارنة بتجنّبه الحديث عن تلك المرحلة عندما كان رئيساً ووظفها الجمهوريّون ضدّه ذلك الحين لدرجة أن الرئيس دونالد ترمب صرّح علنا - إبان حملاته الانتخابيّة عام 2015 - عن اعتقاده بأن الرئيس «أوباما ليس من مواليد الولايات المتحدّة، ومجرّد واجهة لمسلمين متطرفين».
ولا يقتصر الأمر على تناقض صورة الغلاف مع المضمون، إذ إن العنوان أيضاً الشديد التفاؤل بـ«أرض موعودة» ويوجهه مؤلفه إلى «الأجيال الطالعة» لا يقدّم الكثير مما يحفّز إلى الحلم بالغد الأفضل بقدر ما يتولى تحديد قوى الرّفض الجامحة التي تتحكم بالسياق السياسي الأميركي برمته، وتجعل من شبه المستحيل عملياً فرض أجندات تغيير حقيقي حتى لو كنت تجلس على مقعد الرئيس، سواء في معسكر القوى الجمهوريّة اليمينيّة المحافظة، أو لوبيّات المال والنفط، ومع موظفي الإدارة الأميركية المؤدلجين، وأجهزة المخابرات، والجيش، كما اللوبي الصهيوني أنصار إسرائيل وغيرها من مراكز القوى المتغلغلة في كل مفاصل صناعة القرار السياسي الأميركيّ.
ورغم الوصف المفعم بتفاصيل منسوجة بنفس عاطفي ظاهر لجوانب إنسانيّة ولحظات مؤثرة في حياة الرئيس السابق، فإن كتابه «أرض موعودة» هو كتاب سياسي بالدّرجة الأولى، يقدّم فيه أوباما سرديته للقضايا الرئيسية التي واجهها خلال فترة ولايته الأولى، بما في ذلك دوره بمواجهة مترتبات الأزمة الماليّة العالميّة عام 2008 التي كانت على لائحة انتظاره فور تسلّمه مهام منصبه، كما صراعه مع الجمهوريين لإقرار برنامجه المتعلّق بمدّ مظلّة الرعاية الصحية للمزيد من الأميركيين - واشتهر لاحقا باسم (أوباماكير) - والحرب المستمرّة في أفغانستان كما مسائل الهجرة، والبيئة عبر أحداث اضطر للتعامل معها (مثل حادثة أسوأ تسرّب نفطي في تاريخ البلاد)، فيما سكت عن قضايا أخرى مشحونة بالجدل مثل الاغتيالات بالدّرونات، والكشف عن دولة المراقبة التي تمسك بخنّاق الأميركيين وآخرين كثيرين حول العالم، وأيضا الانتخابات التي أوصلت خلفه الرئيس ترمب للرئاسة 2016، ولا بدّ أنّه سيغطيها في الجزء التالي من المذكرات.
ومع أنّ أوباما حاول ارتداء عباءة البطل دوماً في القضايا التي تحدّث بها، إلا أن القراءة المعمقة للنص تكشف عن ثيمات تكررت عبر مختلف المراحل وشكّلت مجمل تجربته الرئاسيّة ومنها ميلٌ غالب لتجنّب الصّراع في المواجهات الحتميّة، والحاجة الدّائمة لدعم الآخرين له بما يخصّ اتخاذ القرارات (لا سيّما النساء القويّات)، إضافة إلى عدم وجود راحة دائمة بسبب لون بشرته الأسود.
يروي أوباما مثلا ما يعتبره إنجازه الشخصي في تعامله مع مترتبات أزمة 2008 الاقتصادية العالميّة، التي تسببت فيها وبشكل أساسي البنوك وبيوتات المضاربات الماليّة الأميركيّة، وأضرّت باقتصاد معظم دول العالم. لكنّه يذكر كيف أنّه اضطر للتنازل مبكراً عن أفكاره الطموحة في التغيير الهيكلي لكوادر الدّولة ومنح الفرص للمواهب الجديدة، لمصلحة الاستعانة بالخبراء المخضرمين، الذين كان جزء منهم على الأقل مشاركين في صنع الأزمة المتفاقمة بشكل أو بآخر. وهو تراجع أيضا - تحت تهديد الخبراء بإمكان حدوث انهيار شامل للنّظام الرأسمالي - عن تصوّراته الأوليّة لاتخاذ إجراءات جذريّة لتنظيم الاقتصاد على أسس جديدة، واكتفى بإنقاذ المؤسسات المنهارة بسبب الجشع وسوء الإدارة باستخدام مليارات من الخزينة العامة، وهي سلوكيّات تتوافق تماماً لما روي عنه من قبل أحد مرشديه في العمل الحزبي بشيكاغو الذي وصفه «بالتردد في خوض المواجهات مع الآخرين، تجنباً لانفجار الأوضاع».
ويذكر أوباما في مواضع عدّة تألمه من معاداة الجمهوريين له وتصويتهم ضد كل مشاريعه في الكونغرس، حتى من دون الاطلاع عليها والتفكير بعواقب رفضها على المجتمع الأميركي بعمومه، فيما يسعى بكل طاقته للحصول على دعم وتأكيد غالبيّة المحيطين بالبيت الأبيض قبل اتخاذه القرارات. ومن الظاهر أنّه بحاجة دائمة لوجود نساء قويّات في فضاءات أجوائه يستمدّ منهن القوّة. بداية من والدته، مروراً برفيقات سنوات مراهقته، ثم زوجته ميشيل أوباما، وفي دهاليز السياسة ملهمته هيلاري كلينتون، بينما لا نجد مثل ذلك التأثير البالغ لأي من الرّجال. وحتى كارل ماركس قرأه في الجامعة كي يحظى بفرصة أفضل للتقرب من الصبيّة اليساريّة الحسناء ذات الساقين الطويلتين! ومن المعروف مثلا أن الرئيس العتيد لم يقتنع بشعار الحملة الرئاسيّة الذي قدّم إليه «نعم بإمكاننا»، ورفَضَه، قبل أن يعود ويتبناه كما هو إثر إبداء السيّدة زوجته رأياً إيجابياً تجاهه.
ومع أن أوباما يخبرنا في سياقات أخرى بأنّه ركب مخاطرة ترك العمل المجزي في المحاماة لمصلحة خوض اللعبة السياسيّة ليس من أجل السلطة بحد ذاتها، ولكن لما تمنحه من قدرة على التغيير انطلاقاً من إحساسه المضني والدائم بعدم الراحة الذي يعرفه ذو البشرة السوداء في مجتمع تهيمن عليه أكثريّة بيضاء، وما زال شديد العنصريّة رغم إنهاء الرق رسمياً في الولايات المتحدّة منذ ما يقرب من 150 عاماً. إلا أنّه وقد صعد إلى المنصب التنفيذي الأعلى في البلاد فإن لا شيء جذريّاً تغيّر، وأصيبت غالبيّة الناشطين من الأقليّات بعد ثماني سنوات على توليه السلطة بخيبة أمل لناحية تقصيره الفادح.
وهو في المذكرات يمرر الأمر من دون إثارة زوبعات ويكتفي بتعبيره عن حزن من تغلغل المشاعر العنصريّة في مختلف مفاصل المجتمع الأميركي - لا سيّما داخل أوساط الطبقة العاملة البيضاء، في الوقت الذي يحاول وسم عداء الجمهوريين المبدئي تجاهه بارتباطه أكثر بموقعه السياسي كليبرالي تقدّمي، رغم اعتقاده أن الانتقال من عهد الرئيس الرابع والأربعين إلى عهد الرئيس الخامس والأربعين ليس من قبيل الصدفة، فإن مجرد حقيقة أن «رجلاً أسود بارعاً وذكياً وخالياً من الفضائح كان يسكن البيت الأبيض كاف لتحريك نقيضه».
في السياسة الخارجية، أوباما مشترك بحماس تام مع الاستثنائية الأميركية. ويذهب إلى الزّعم بأن أميركا ليس مرهوباً جانبها فحسب، بل تحظى بالاحترام والإعجاب أيضاً، ويردد أنّ «أولئك الذين انتقدوا دور الولايات المتحدّة في العالم لا يزالون يعتمدون علينا للحفاظ على النّظام الدّولي واقفا على قدميه»، ولذا لا نجد رؤية خاصة له في هذا المجال من العمل الرئاسي، ويكتفي بوصف العمليّة السياسيّة كما لو أنه ينظر إليها من بعد دون أن يكون مشاركا فيها.
ولعل ملاحظاته عن كبار رجال الدّولة الأميركيّة والسياسيين الأجانب الذين قابلهم وحدها تستحق الاهتمام هنا، وتشير إلى جانب ساخر يمتلكه الرئيس السابق وقدرة لاذعة على رسم البورتريهات للآخرين. فيصف فلاديمير بوتين بأنّ «وجوده الشخصي غير مؤثر»، فيما ديفيد كاميرون «يتحدّث بثقة من لم يسمح له الثراء الموروث بتجربة الأمور على حقيقتها»، وسارة بالين «لم تكن لديها أي فكرة عما كانت تتحدث عنه، بحق الجحيم»، بينما جوزيف بايدن هو لائق، وصادق، ومخلص «لكنّه من النّوع الذي قد يثير مشكلة كبيرة إذا اعتقد أنّه لم يأخذ حقه من الاحترام» وغيرها.
«أرض موعودة» التي ينحتها أوباما في (نصف) حكايته لذلك الشطر من حياته قد تكون مخيّبة لآمال الجذريين ربّما، لكّن النصّ لا يبتعد عن الأناقة والرفعة من الناحية الأدبيّة تليق بالصورة العامة عن ذلك الرجل الأسود الدّمث الذي كان أوّل ملّون سكن البيت الأبيض، ولم يتوقف يوما عن الابتسام حتى في أحلك اللحظات.


مقالات ذات صلة

دائرة الكُتّاب المجهولين

ثقافة وفنون دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).