أوباما يصفّى حساباته العالقة في «أرض موعودة»

سيرته من طفولته إلى مايو 2011 حين اتخذ قراره بتصفية أسامة بن لادن

غلاف المذكرات- الجزء الأول ... أوباما ترك العمل المجزي في المحاماة لمصلحة خوض اللعبة السياسيّة لما تمنحه من قدرة على التغيير
غلاف المذكرات- الجزء الأول ... أوباما ترك العمل المجزي في المحاماة لمصلحة خوض اللعبة السياسيّة لما تمنحه من قدرة على التغيير
TT

أوباما يصفّى حساباته العالقة في «أرض موعودة»

غلاف المذكرات- الجزء الأول ... أوباما ترك العمل المجزي في المحاماة لمصلحة خوض اللعبة السياسيّة لما تمنحه من قدرة على التغيير
غلاف المذكرات- الجزء الأول ... أوباما ترك العمل المجزي في المحاماة لمصلحة خوض اللعبة السياسيّة لما تمنحه من قدرة على التغيير

إذا كان الكتاب يُقرأ من غلافه، فهذا باراك أوباما الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة (مواليد 1961 وحكم من 2009 - 2016) يظهر في صورة ملتقطة باحتراف معتلياً عتبة كاملة الثقة، تعلو محياه ابتسامة بشاشة وكأنها من زمان ذهبي آخر بعيد لا نكاد نذكره، بعدما غرقت الولايات المتحدة في صراعات استقطابيّة الطابع حول الانتخابات الأخيرة، وتفاقمت المصاعب العرقيّة فيها حد الانفجار، فيما ترزح - وهي دولة العالم الأعظم - تحت عبء الجائحة المستعرة فتسجّل تباعاً أرقاماً قياسيّة في أعداد المصابين والضحايا، ويعيش سكانها ضغوطاً اقتصادية غير مسبوقة.
لكن الغلاف هذه المرّة لا يوشوش أذنينا بكل شيء. إذ إن النصّ بمجمله - رغم نثر أوباما المتين ولغته الأنيقة - يبدو أقرب إلى سجّل لتصفية الحسابات العالقة من فترة رئاسته الأولى، وفرصة لقول كلمته حول مسائل حساسة سياسياً لم يكن بمقدوره ربمّا التوسع بطرحها أيّام إقامته في البيت الأبيض.
ومن الواضح أنّ لدى أوّل رئيس أميركي ذي بشرة ملونة المزيد من الحسابات التي تحتاج بدورها إلى الإغلاق تركها لجزء ثان من هذه المذكرات سيغطي فترته الرئاسية الثانية - ولم يعرف على الفور متى يمكن إنجازه - إلى جانب الفوائد الجانبيّة الأكيدة في مضاعفة دخله عبر عدّة ملايين من النسخ ستباع حول العالم ورقيّاً وإلكترونيّاً. وللحقيقة فإن هذا الجزء الأوّل الذي جاء متأخرا بالفعل لمدة سنتين إضافيتين على موعد نشره وفق العقد الأصلي مع الناشر، وتجاوز الحجم المتفق عليه ليصل إلى 700 صفحة (مقابل 500 تم الاتفاق عليها) قد قفز سريعا بعد نشره بساعات إلى قوائم الكتب الأكثر مبيعا في الولايات المتحدة وبريطانيا.
يغطّي أوباما في «أرض موعودة*» وسيرته من صغره إلى مايو (أيار) 2011 وبالتحديد تلك الليلة التي كان عليه أن يتخّذ قراره بشأن تصفية أسامة بن لادن في باكستان، حيث كان يتوارى. تحتل فترة يفاعته نحو 200 صفحة لا جديد فيها عملياً عمّا كان رواه في كتابه الشهير «أحلام من والدي - 1995» الذي نشره بخضمّ أجواء التحضير للترشح لعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية إلينوي، وإن بدا في «أرض موعودة» أكثر ارتياحا لناحية وصف ذكرياته عن طفولته بإندونيسيا، ومتعه الشخصيّة مراهقاً في أجواء هاواي الطبيعيّة والاجتماعية مقارنة بتجنّبه الحديث عن تلك المرحلة عندما كان رئيساً ووظفها الجمهوريّون ضدّه ذلك الحين لدرجة أن الرئيس دونالد ترمب صرّح علنا - إبان حملاته الانتخابيّة عام 2015 - عن اعتقاده بأن الرئيس «أوباما ليس من مواليد الولايات المتحدّة، ومجرّد واجهة لمسلمين متطرفين».
ولا يقتصر الأمر على تناقض صورة الغلاف مع المضمون، إذ إن العنوان أيضاً الشديد التفاؤل بـ«أرض موعودة» ويوجهه مؤلفه إلى «الأجيال الطالعة» لا يقدّم الكثير مما يحفّز إلى الحلم بالغد الأفضل بقدر ما يتولى تحديد قوى الرّفض الجامحة التي تتحكم بالسياق السياسي الأميركي برمته، وتجعل من شبه المستحيل عملياً فرض أجندات تغيير حقيقي حتى لو كنت تجلس على مقعد الرئيس، سواء في معسكر القوى الجمهوريّة اليمينيّة المحافظة، أو لوبيّات المال والنفط، ومع موظفي الإدارة الأميركية المؤدلجين، وأجهزة المخابرات، والجيش، كما اللوبي الصهيوني أنصار إسرائيل وغيرها من مراكز القوى المتغلغلة في كل مفاصل صناعة القرار السياسي الأميركيّ.
ورغم الوصف المفعم بتفاصيل منسوجة بنفس عاطفي ظاهر لجوانب إنسانيّة ولحظات مؤثرة في حياة الرئيس السابق، فإن كتابه «أرض موعودة» هو كتاب سياسي بالدّرجة الأولى، يقدّم فيه أوباما سرديته للقضايا الرئيسية التي واجهها خلال فترة ولايته الأولى، بما في ذلك دوره بمواجهة مترتبات الأزمة الماليّة العالميّة عام 2008 التي كانت على لائحة انتظاره فور تسلّمه مهام منصبه، كما صراعه مع الجمهوريين لإقرار برنامجه المتعلّق بمدّ مظلّة الرعاية الصحية للمزيد من الأميركيين - واشتهر لاحقا باسم (أوباماكير) - والحرب المستمرّة في أفغانستان كما مسائل الهجرة، والبيئة عبر أحداث اضطر للتعامل معها (مثل حادثة أسوأ تسرّب نفطي في تاريخ البلاد)، فيما سكت عن قضايا أخرى مشحونة بالجدل مثل الاغتيالات بالدّرونات، والكشف عن دولة المراقبة التي تمسك بخنّاق الأميركيين وآخرين كثيرين حول العالم، وأيضا الانتخابات التي أوصلت خلفه الرئيس ترمب للرئاسة 2016، ولا بدّ أنّه سيغطيها في الجزء التالي من المذكرات.
ومع أنّ أوباما حاول ارتداء عباءة البطل دوماً في القضايا التي تحدّث بها، إلا أن القراءة المعمقة للنص تكشف عن ثيمات تكررت عبر مختلف المراحل وشكّلت مجمل تجربته الرئاسيّة ومنها ميلٌ غالب لتجنّب الصّراع في المواجهات الحتميّة، والحاجة الدّائمة لدعم الآخرين له بما يخصّ اتخاذ القرارات (لا سيّما النساء القويّات)، إضافة إلى عدم وجود راحة دائمة بسبب لون بشرته الأسود.
يروي أوباما مثلا ما يعتبره إنجازه الشخصي في تعامله مع مترتبات أزمة 2008 الاقتصادية العالميّة، التي تسببت فيها وبشكل أساسي البنوك وبيوتات المضاربات الماليّة الأميركيّة، وأضرّت باقتصاد معظم دول العالم. لكنّه يذكر كيف أنّه اضطر للتنازل مبكراً عن أفكاره الطموحة في التغيير الهيكلي لكوادر الدّولة ومنح الفرص للمواهب الجديدة، لمصلحة الاستعانة بالخبراء المخضرمين، الذين كان جزء منهم على الأقل مشاركين في صنع الأزمة المتفاقمة بشكل أو بآخر. وهو تراجع أيضا - تحت تهديد الخبراء بإمكان حدوث انهيار شامل للنّظام الرأسمالي - عن تصوّراته الأوليّة لاتخاذ إجراءات جذريّة لتنظيم الاقتصاد على أسس جديدة، واكتفى بإنقاذ المؤسسات المنهارة بسبب الجشع وسوء الإدارة باستخدام مليارات من الخزينة العامة، وهي سلوكيّات تتوافق تماماً لما روي عنه من قبل أحد مرشديه في العمل الحزبي بشيكاغو الذي وصفه «بالتردد في خوض المواجهات مع الآخرين، تجنباً لانفجار الأوضاع».
ويذكر أوباما في مواضع عدّة تألمه من معاداة الجمهوريين له وتصويتهم ضد كل مشاريعه في الكونغرس، حتى من دون الاطلاع عليها والتفكير بعواقب رفضها على المجتمع الأميركي بعمومه، فيما يسعى بكل طاقته للحصول على دعم وتأكيد غالبيّة المحيطين بالبيت الأبيض قبل اتخاذه القرارات. ومن الظاهر أنّه بحاجة دائمة لوجود نساء قويّات في فضاءات أجوائه يستمدّ منهن القوّة. بداية من والدته، مروراً برفيقات سنوات مراهقته، ثم زوجته ميشيل أوباما، وفي دهاليز السياسة ملهمته هيلاري كلينتون، بينما لا نجد مثل ذلك التأثير البالغ لأي من الرّجال. وحتى كارل ماركس قرأه في الجامعة كي يحظى بفرصة أفضل للتقرب من الصبيّة اليساريّة الحسناء ذات الساقين الطويلتين! ومن المعروف مثلا أن الرئيس العتيد لم يقتنع بشعار الحملة الرئاسيّة الذي قدّم إليه «نعم بإمكاننا»، ورفَضَه، قبل أن يعود ويتبناه كما هو إثر إبداء السيّدة زوجته رأياً إيجابياً تجاهه.
ومع أن أوباما يخبرنا في سياقات أخرى بأنّه ركب مخاطرة ترك العمل المجزي في المحاماة لمصلحة خوض اللعبة السياسيّة ليس من أجل السلطة بحد ذاتها، ولكن لما تمنحه من قدرة على التغيير انطلاقاً من إحساسه المضني والدائم بعدم الراحة الذي يعرفه ذو البشرة السوداء في مجتمع تهيمن عليه أكثريّة بيضاء، وما زال شديد العنصريّة رغم إنهاء الرق رسمياً في الولايات المتحدّة منذ ما يقرب من 150 عاماً. إلا أنّه وقد صعد إلى المنصب التنفيذي الأعلى في البلاد فإن لا شيء جذريّاً تغيّر، وأصيبت غالبيّة الناشطين من الأقليّات بعد ثماني سنوات على توليه السلطة بخيبة أمل لناحية تقصيره الفادح.
وهو في المذكرات يمرر الأمر من دون إثارة زوبعات ويكتفي بتعبيره عن حزن من تغلغل المشاعر العنصريّة في مختلف مفاصل المجتمع الأميركي - لا سيّما داخل أوساط الطبقة العاملة البيضاء، في الوقت الذي يحاول وسم عداء الجمهوريين المبدئي تجاهه بارتباطه أكثر بموقعه السياسي كليبرالي تقدّمي، رغم اعتقاده أن الانتقال من عهد الرئيس الرابع والأربعين إلى عهد الرئيس الخامس والأربعين ليس من قبيل الصدفة، فإن مجرد حقيقة أن «رجلاً أسود بارعاً وذكياً وخالياً من الفضائح كان يسكن البيت الأبيض كاف لتحريك نقيضه».
في السياسة الخارجية، أوباما مشترك بحماس تام مع الاستثنائية الأميركية. ويذهب إلى الزّعم بأن أميركا ليس مرهوباً جانبها فحسب، بل تحظى بالاحترام والإعجاب أيضاً، ويردد أنّ «أولئك الذين انتقدوا دور الولايات المتحدّة في العالم لا يزالون يعتمدون علينا للحفاظ على النّظام الدّولي واقفا على قدميه»، ولذا لا نجد رؤية خاصة له في هذا المجال من العمل الرئاسي، ويكتفي بوصف العمليّة السياسيّة كما لو أنه ينظر إليها من بعد دون أن يكون مشاركا فيها.
ولعل ملاحظاته عن كبار رجال الدّولة الأميركيّة والسياسيين الأجانب الذين قابلهم وحدها تستحق الاهتمام هنا، وتشير إلى جانب ساخر يمتلكه الرئيس السابق وقدرة لاذعة على رسم البورتريهات للآخرين. فيصف فلاديمير بوتين بأنّ «وجوده الشخصي غير مؤثر»، فيما ديفيد كاميرون «يتحدّث بثقة من لم يسمح له الثراء الموروث بتجربة الأمور على حقيقتها»، وسارة بالين «لم تكن لديها أي فكرة عما كانت تتحدث عنه، بحق الجحيم»، بينما جوزيف بايدن هو لائق، وصادق، ومخلص «لكنّه من النّوع الذي قد يثير مشكلة كبيرة إذا اعتقد أنّه لم يأخذ حقه من الاحترام» وغيرها.
«أرض موعودة» التي ينحتها أوباما في (نصف) حكايته لذلك الشطر من حياته قد تكون مخيّبة لآمال الجذريين ربّما، لكّن النصّ لا يبتعد عن الأناقة والرفعة من الناحية الأدبيّة تليق بالصورة العامة عن ذلك الرجل الأسود الدّمث الذي كان أوّل ملّون سكن البيت الأبيض، ولم يتوقف يوما عن الابتسام حتى في أحلك اللحظات.


مقالات ذات صلة

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).