وزير خارجية مصر: سننجح في استكمال خريطة الطريق وخلق منظومة سياسية أيا كان الثمن

نبيل فهمي يقول في حوار مع («الشرق الأوسط») إن القاهرة تسعى إلى حوار استراتيجي حقيقي مع أميركا يحدد نقاط الاتفاق والاختلاف

نبيل فهمي
نبيل فهمي
TT

وزير خارجية مصر: سننجح في استكمال خريطة الطريق وخلق منظومة سياسية أيا كان الثمن

نبيل فهمي
نبيل فهمي

الأجواء كانت أشبه بخلية نحل داخل مقر وزارة الخارجية المصرية الجميل المطل على نيل القاهرة التي تعيش أصلا أجواء سياسية استثنائية منذ ثلاث سنوات تقريبا، لها انعكاساتها على العمل الدبلوماسي الذي هو في النهاية امتداد للأوضاع الداخلية.
كان موعد لقاء «الشرق الأوسط» مع وزير الخارجية المصري نبيل فهمي العائد من جولة خارجية مرتبا مسبقا، لكنه تصادف أن جاء وسط أزمة اختطاف الدبلوماسيين في ليبيا، وتهديدات الخاطفين. ولم يكن قد جرى الإفراج عنهم، لكن الوزير فهمي كان هادئا ومنفتحا في الإجابة عن كل ما طرح، ولا بد أنه كان يعرف أن الأزمة في طريقها إلى الحل، بينما كان المتحدث باسم الوزارة السفير بدر عبد العاطي يتلقى سيلا من اتصالات الصحافيين الذين يستفسرون، ويحاول الموازنة بين اهتمام الإعلام وطبيعة هذه الأزمات التي تتطلب إخراج المعلومات بحساب بما لا يضر بموقف الرهائن.
كان طبيعيا في هذا الظرف أن يبدأ الحوار مع الوزير فهمي من قضية اختطاف الدبلوماسيين المصريين في ليبيا، وتأثير ذلك على العلاقات المصرية - الليبية، والبلدان في حالة ثورة، وإن كانت ظروفهما مختلفة. وامتد الحوار بعد ذلك إلى مؤتمر «جنيف 2» الذي شارك فيه الوزير فهمي، والموقف المصري من إيران، والمفاوضات النووية، والأهم طبعا جهود الدبلوماسية المصرية في تأمين المصالح المصرية، خلال فترة تنفيذ خريطة الطريق الانتقالية، وسط أجواء في أحيان كثيرة غير مواتية.
وإلى أهم ما جاء في الحوار..

* نبدأ من أزمة اختطاف الدبلوماسيين والموظفين العاملين بالسفارة المصرية في ليبيا..
- أولا هذه قضية تؤثر في العلاقات المصرية - الليبية، لكنها ليست قضية سياسية وإنما أمنية، وأعني بالتأثير هو أن تترك انطباعا سلبيا لدى الرأي العام هنا وهناك. ثانيا، لا مساس بالعلاقات على الإطلاق، ونؤكد تماما كما تؤكد السلطات الليبية أن احتجاز واختطاف أي مواطن وبشكل خاص من يعمل في المجال الدبلوماسي لتمثيل بلده لدى الطرف الآخر من أجل مقايضة غير مقبول، ففكرة أن أحتجز هذا مقابل ذاك غير مقبولة، وتتعارض مع كل المواثيق الدولية، وضمانات التمثيل الدولي. فالدول التي تعتمد دبلوماسيين لا بد أن تحمي وتوفر الأمن، بل حتى إذا نظرت في جواز السفر فسوف تجد عبارة موجهة للدولة المضيفة لمعاونة الشخص الفلاني للقيام بعمله.. لماذا؟ لأنه لا بد أن يكون هناك تفاهم في الظروف الطيبة، وحتى في الظروف الصعبة. إذن مسألة هذا مقابل هذا تعد أمرا مرفوضا من جانبنا، وكذلك من السلطات الليبية. ثالثا، ليس هناك غرض مصري على الإطلاق من احتجاز أي شخصية ليبية أو غيرها من دون وجه حق (رئيس غرفة ثوار ليبيا الذي احتجز في مصر) فهناك تحقيق يجري، إذا انتهى إلى إدانته بشيء معين فمن الطبيعي أن تكون هناك إجراءات قانونية، مع إعطائه كل الضمانات القانونية التي يحتاجها، وإذا انتهى التحقيق من دون ذلك فمن الطبيعي أن يجري الإفراج عنه.
وفي مصر التي تعرضت إلى عمليات عنف وإرهاب خلال الفترة الأخيرة من الطبيعي أن تأخذ الأجهزة الأمنية أقصى درجات الاحتياط في التعامل مع القضايا.
* قمت بجولة خارجية، وشاركت في مؤتمر «جنيف 2» الخاص بسوريا، وهذه أهم قضية مطروحة على الساحة العربية، وأعتقد أنها تؤثر على الوضع في مصر. ما هو انطباعكم عن «جنيف 2»؟
- المؤتمر حقق غرضه إنما لم ينته في مناخ إيجابي كما هو مطلوب. المجتمع الدولي أبدى تأييده للحل السياسي السلمي في سوريا، وحضر في جنيف أربعون دولة.. دول من المنطقة وخارجها.. وهذه المشاركة عكست رغبة الجميع في الحل السياسي. وبعد ذلك بيومين بدأ الاتصال غير المباشر بين الطرفين من خلال الأخضر الإبراهيمي (المبعوث الدولي والعربي إلى سوريا)، ثم اتصال مباشر واجتماعات مباشرة، إنما نغمة الخطابات في الحقيقة من قبل الأطراف السورية، خاصة الموقف الرسمي، لم تفتح الباب بما فيه الكفاية، ولم تترك انطباعا يسمح لنا بالتفاؤل.
ومع هذا فإن خطاب الدعوة لمؤتمر جنيف كان واضحا، وهو المسعى للحل السلمي على أساس تنفيذ «جنيف واحد»، حتى وإن وجدت تفسيرات مختلفة له. هذه الاختلافات هي في التفاصيل وليست في الجوهر، والتي تتحدث عن خلق مناخ يسمح لنا بتشكيل وضع سوري جديد عن طريق حكومة انتقالية، والكل حضر على هذا الأساس بما في ذلك الحكومة السورية والمعارضة، وكلاهما أخذ قراره بعد التشاور، وكلاهما موجود اليوم في جنيف. إذن، إذا كان من السابق الحديث عن تفاؤل فلن أتحدث عن تشاؤم، لأن الطرفين موجودان ويعلمان تماما أن هناك 40 دولة اتخذت القرار في جنيف للتأكيد على الحل السياسي. إذن، هذا المسار أمامه مشوار، إنما على الأقل لقد بدأ.
* هذا المشوار شهد دماء كثيرة..
- للأسف.
* يقال إن الحرب في سوريا تعد حربا بالوكالة، هل شعرت بأن الأطراف المنخرطة في حل الأزمة السورية جادة في مواقفها والحل السياسي، أم أن الأمر ما زال في دائرة المساومات؟
- إجابتي عنه تتلخص في الآتي: أولا، نحن نعتقد أن المسألة السورية أصبحت جيوسياسية وليست سورية - سورية فقط، والأطراف غير السورية أصبحت أكثر من السورية.
ثانيا، رغم أن القضية سياسية فهناك معاناة إنسانية غير مقبولة ولن يتحملها أي شعب.
ثالثا، لن ينجح هذا المسار إلا إذا اتفقنا على بناء سوريا جديدة تحافظ على كيان الدولة السورية ووحدة الأراضي السورية، لكن المنظومة السياسية يكون هيكلها جديدا، وتفاصيلها تكون وفق خيارات سورية. يجب أن يجتمع الكل حول بناء وضع جديد في سوريا، ولهذه الاعتبارات نحن في مصر اقترحنا ما يلي: أولا، أن يكون هناك مسار إنساني في إطار بناء الثقة خلال المفاوضات الجارية حاليا. ثانيا، أن يكون هناك مسار مواز للمفاوضات السياسية. ثالثا، أن تكون هناك اتصالات مع الأطراف الدولية الإقليمية المختلفة التي، كما ذكرت، إما تحارب بالوكالة أو تدعم الأطراف المختلفة، فهذه المسارات الثلاثة لم تنجح بعد.
* هل هناك في الحسابات المصرية احتمالات مواجهة وضع تفتت سوريا؟
- هناك تحذير علني، وذكرت ذلك في مؤتمر مونترو، ولوحظ هذا التحذير، وكل مسؤولي الدول الذين تحدثوا معي ذكروا أنهم لاحظوا هذا التحذير، فقلت لهم نعم، نحذر ونخشى ذلك، ونقدر الموقف ونعمل ضد الوصول إلى هذا التفتيت لأن انعكاساته ستكون عديدة، وتمتد بعيدا عن الحدود السورية، لأنها ستقسم سوريا على أساس طائفي، ونفس هذه التقسيمات يمكن أن تنعكس على دول الجوار والدول العربية. وقلت لهم نحن نحذر من ذلك ونعمل ضده ونسعى إلى خلق سوريا جديدة مع الحفاظ على الكيان السوري ووحدته.
* تقصد سوريا الجديدة من دون بشار الأسد؟
- من حيث المبدأ نحن لا نتدخل في خيارات الشعب السوري، إنما يجب أن تستجيب سوريا الجديدة إلى تطلعات المواطن السوري العادي للديمقراطية والحرية والاستقرار، ويكون النظام السوري يجمع الأطياف السورية مجتمعة ولا يقسمها. في اعتقادي أن هذا يتطلب تغيير تعاملات كثيرة، وجوهر النظام السياسي في سوريا، إذا كنا نتحدث عن نظام ديمقراطي، يجب أن يكون للطرف السوري وليس لأطراف أخرى، ويجب فهم أن العودة إلى ما مضى أمر مستحيل.
* أعلنت مصر أنها تستضيف قوى المعارضة السورية؟
- مصر أعلنت ذلك بمعنى حضور الائتلاف الوطني للمعارضة السورية وأي أطراف أخرى سورية تريد أن تجتمع وتنسق خاصة التي لم تشارك في مؤتمر مونترو، وأقصد بعض الأطراف التي عارضت مؤتمر «جنيف 2» ولم تشارك. فاستمرار بلورة الأفكار مسألة مطلوبة.
* ارتباطا بسوريا هناك موضوع إيران وموقف مصر من المفاوضات النووية والاتفاق الذي جرى بين «5+1» وإيران، كيف ترى ذلك؟
- الموضوع الإيراني يشمل عدة عناصر، جزء يتعلق بالموضوع النووي ثم الملف السوري والمشرق والشرق الأوسط والعلاقات الإيرانية - الخليجية، والعلاقات المصرية - الإيرانية، وكلها ملفات مهمة بالنسبة لمصر.
بالنسبة للاتفاق النووي أيدنا الاتفاق الأولي في المرحلة الأولى، ونأمل أن تتبعه خطوات أخرى ثم تطبق نفس المعايير الإيجابية في التعامل مع قضايا التسلح النووي في الشرق الأوسط، ومخاطر السلاح النووي مع إيران إلى كل الشرق الأوسط. ولنا مبادرة مصرية في هذا منذ عام 1974، وقمنا بطرحها مرة أخرى في عقد التسعينات من القرن الماضي، وهي إنشاء منطقة خالية من السلاح النووي في الشرق الأوسط أو خالية من أسلحة الدمار الشامل بما يعني كل الدول، بما في ذلك إسرائيل، إنما طالما أن هذا الاتفاق يتسق مع المنظومة الدولية، ولا يمس الحق السلمي النووي، ويقدم خطوة تجاه تطبيق المعايير نفسها على الكل، فنحن سعداء به.
المسألة ليست في هذا فقط وإنما الموقف الإيرانى من المنطقة ككل، وأبدأ بالثنائي أي العلاقات مع مصر.. هناك خلفية، أي اختلافات بيننا وبين إيران، حول مجموعة من الملفات بما فيها الملفات الأمنية، وهناك رئيس جديد في إيران، وهناك تغييرات في الساحة المصرية، ونأمل في المستقبل القريب أن تكون هناك مصارحة حقيقية. وأنا لست من مؤيدي مقاطعة الدول وأيضا لست من مؤيدي ترك القضايا من دون معالجة.. نختلف.. نتفق.. لا بد أن يكون هناك وضوح. وإيران دولة لها تاريخ عريق، ومصر دولة جذورها في المنطقة، وبالتالي لا يمكن تجاهلهم، ولا تجاهلنا. إذن، نتفق على أهمية المصارحة في القضايا الثنائية، وهي ترتبط بمصالح البلدين، ومن مصلحة الطرف المصري أن يكون هناك استقرار إيراني مع الدول العربية - الخليجية. إذن، من الطبيعي أن يثار هذا الموضوع على الأقل استراتيجيا، وليس بالضرورة التدخل في ملف ثنائي خليجي إيراني. لا بد أن أشعر في مصر بأن هناك حسن جوار ما بين إيران والدول الخليجية حتى أدخل في الحساب العلاقة المصرية - الإيرانية، ويرتبط بذلك الدور الإيرانى في سوريا ولبنان. وأنا لا أستبق الأمور، ولن أقلب الصفحة من دون ذلك.
إنما هناك فرصة مع وجود رئيس جديد لكي نرى أن الأفعال تتسق مع الأقوال الجديدة. فالمسألة ليست تعبيرا عن رأي، وإن كان ذلك في حد ذاته موقفا. المسألة هي اتخاذ مواقف عملية على الأرض تعكس جدية العلاقة. وبكل صراحة إيران دولة مهمة وسيكون لها دورها في الشرق الأوسط، والشعب الإيراني نكن له كل الاحترام، إنما لا أخفي عليك أن هناك خلافات بيننا، ويهمنا الآن أن نصارح بعضنا البعض سعيا لإدارتها بشكل أفضل، ومن ضمن هذه القضايا هناك قضايا ثنائية وخليجية وشرق أوسطية.
* لو انتقلنا للشأن المصري وإدارة الدبلوماسية المصرية في وقت صعب، وقد أشار تقرير أخير حول العمل الدبلوماسي إلى انتقالكم من مرحلة الدفاع عن 30 يونيو (حزيران) وشرعيتها إلى مرحلة الهجوم.. ما هو المقصود من ذلك؟
- ليس الهجوم، وإنما الأصح دبلوماسية المبادرة والعمل الإيجابي. فنحن لا نهاجم أحدا ولا نقبل بأن يهاجمنا أحد. وما أرغب في توضيحه هو أن الأسابيع والأشهر الأولى التي تلت 30 يونيو نظرا لضخامة الحدث وتكراره مرتين في عامين ونصف العام (الثورة وإطاحة الرئيس)، كان من الطبيعي خلالها أن ينظر العالم كله باتجاه مصر متسائلا: ماذا يفعل المصريون؟ وماذا حصل؟ بينما كان المصريون يهنئون بعضهم البعض في عام 2011 بثورة 25 يناير (كانون الثاني) وأن ما حدث كان مثالا يحتذى به، ثم قامت مصر بعمل الشيء نفسه في عام 2013، وبالتالي قمنا بشرح ما حدث، والالتزام ما زال موجودا والمرجع الأساسي لكل هذا التحرك أعاد الارتياح والتوافق إلى الشعب لأن الذي حدث في عام 2013 هو نفس رسالة 2011، أي أن الرأي العام غير قابل للوضع السياسي القائم أيا كانت التفاصيل، ومن الذي يرأس.
التطور السياسي الداخلي في مصر وضع وفق خريطة طريق لها مدتها. وقد يمتد بعدها في الممارسة العملية بعد استكمال البنيان الأساسي.
بعد خريطة الطريق كان هناك إلحاح من الدول الصديقة قبل الدول الأخرى على استعادة مصر مكانها. نريد أن نعود إلى المبادرة، ونريد أن نتطلع إلى المستقبل باعتبار أن ما يدور في مصر ينعكس على كل المنطقة، والحقيقة بدأنا من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقبلها كان السودان وجنوب السودان، قاصدا بذلك إعطاء رسالة للعالم ولمصر بأن العمق الاستراتيجي هو السودان ثم فلسطين والأردن، باعتبارها القضية الأساسية والمحورية.
انتقلنا في تحركنا من رد الفعل إلى الفعل، وطرحنا مجموعة أفكار على الجمعية العام للأمم المتحدة في نيويورك، وعملنا انتشارا واسعا في مختلف الساحات المتاحة لنا، وخلال هذا التحرك استغرقنا ثلث أو ربع الوقت في شرح ما يدور في مصر، ثم انتقلنا إلى السياسة الخارجية، ثم انتقلنا إلى تحرك إضافي في العالم العربي وأفريقيا وآسيا وروسيا، وفي كل هذه المرات كانت هناك رسالة مفادها أننا نريد تنويع خياراتنا ونبحث عن مصالح مشتركة، ولم نأت لطلب الدعم، ومن لديه استعداد نقدم له الشكر. إنما المهم هو أن تكون هناك علاقة تمثل شعبا ثائرا ويريد أن يعبر عن نفسه، وأن يكون له دور، ولم يعد يتقبل فكرة مسايرة الأوضاع، وإنما يريد أن يكون لمصر موقف. وحتى هذا الكلام لكي يكون له انعكاس واقعي قمنا بتشكيل سريع في الخارجية المصرية أبرزه تعيين مساعد وزير لشؤون دول الجوار (ليبيا - السودان - فلسطين - إسرائيل) وهي بالنسبة لنا مسألة استراتيجية، ودول نشترك معها في الحرب والسلام، ولا مجال للأخطاء أو التباطؤ، كما كانت هناك تغييرات أخرى في الوزارة من بينها تشكيل وحدة خاصة بالتكنولوجيا.
* ما هي أهدافها؟
- تعريف القوة في الماضي كان قدرة الدولة على ترجمة وزنها الاقتصادي إلى عمل سياسي من خلال القوة العسكرية البحرية تحديدا، بمعنى أن من لا يملك قوة بحرية لن يستطع نقل أي شيء خاص بالجيش أو الاقتصاد، من مكان إلى مكان. ومع تطور التكنولوجيا دخل الطيران ثم الصواريخ ثم وسائل توصيل أخرى، واليوم الحرب تجري بالتوجيه عن بعد.
وسيكون العنصر الأكثر فعالية في تعريف تحرك القوى في المستقبل هو التكنولوجيا.. ويهمنا أن نعرف ما هي التكنولوجيا الجديدة، ومن يقوم بتطويرها، حتى نخطط لمستقبل مصر. ولا بد أن يكون لدى صاحب القرار في الخارجية المصرية مركز يتابع ذلك.
* نتيجة الجهد الدبلوماسي خلال الفترة الماضية، هل أصبح هناك تفهم دولي خاصة لدى الأطراف التي كانت تتحفظ تجاه الموقف المصري من خريطة الطريق خصوصا بعد إقرار الدستور؟
- من دون أدنى شك هناك تفاهم أفضل وجزء منه نتيجة للجهد المبذول من قبل كل السفارات المصرية في الخارج، وهناك اهتمام دولي واسع بمصر، وفي الوقت نفسه من السابق لأوانه توقع أن الموضوع قد انتهى. لا يزال هناك قلق بسبب العنف، وهناك اهتمام بأن تستقيم الأمور في مصر، وإقرار الدستور عنصر إيجابي جدا باعتباره استحقاقا من خارطة الطريق، وعندما نستكمل العملية الانتخابية الرئاسية والبرلمانية سيكون مفيدا الجواب مطولا عن سؤالك. نعم هناك تحول إنما لا يوجد استقرار لهذا التحول.
* مصر محاطة بحزام من المشاكل الموجودة في ليبيا والسودان وغزة وسوريا والعراق، والمنطقة كلها بها مشاكل كثيرة، وخلال أحداث الربيع العربي الدولة التي حافظت على تماسكها هي مصر، وكثيرون يؤكدون أن الموجة سوف تستمر سنوات. هل مصر قادرة على الحفاظ على نفسها وسط هذه العواصف؟
- أنا عملت في الخارجية منذ عام 1974، ولو قال لي أحد في أي فترة من الفترات بما يحدث حاليا لم أكن لأصدقه. نحن سننجح في استكمال خارطة الطريق وخلق منظومة مصرية سياسية أيا كان الثمن، لكن في الوقت نفسه كان نائب وزير الخارجية في جنوب السودان يحاول مساعدة أطراف النزاع، وأنا كنت في مكان آخر أحاول المساعدة في قضية فلسطين، وكنت في جنيف للمشاركة في افتتاح مؤتمر سوريا للحل السياسي، ثم في دافوس كنت حاضرا مع رئيس الوزراء ورجال الأعمال وأمور أخرى كثيرة. إذن، مصر تتعامل مع أكثر من قضية في آن واحد، وهذه طبيعة وزنها وثقلها وتاريخها. والسؤال هو: هل سنعبر من هذه الأزمة؟ نعم سوف نخرج من هذه المرحلة رغم كثرة المشاكل. كيف؟ إذا وقف العنف سريعا ستجد المجتمع انفتح سياسيا على بعضه بشكل أفضل وأسرع، أما إذا استمر العنف فإن الأمر سوف يأخذ وقتا أطول إنما سنصل حتما في النهاية، لأن من خرجوا للشارع في 25 يناير و30 يونيو لا بد أن تكون لهم المشاركة في المستقبل، وكذلك إذا وقف المجتمع الإقليمي والدولي ضد العنف فسوف يساعد هذا في استقرار الأوضاع السياسية.
* أقصد أيضا تأثير الاضطراب الإقليمي والعنف في بلاد أخرى على مصر..
- مع تشكيل هذه الحكومة بالتحديد والنشاط الخارجي، كل وزراء الخارجية الذين التقيت بهم يقولون لي حمدا لله على السلامة، وبالإنجليزي «welcome back». العالم العربي يحتاج للدور المصري. والعالم العربي من دون الدور المصري، هناك فراغ كبير فيه. فمن دون شك عندما تكون هناك أزمات في مختلف مناطق العالم العربي وأيضا في بعض الدول الأفريقية، فلا شك أن هذا يعطل الطريق، ويعقده، لكنه يضيف إلى مسؤولياتنا.
* وبالنسبة لتطور العلاقات مع الولايات المتحدة.. هي لم تعين سفيرا لها في القاهرة منذ الإطاحة بحكم الرئيس السابق..
- أول شيء.. على المستوى الدولي، التعامل مع أميركا، نظرا لأهميتها السياسية والأمنية والاقتصادية، أمر حتمي لكل دول العالم. قد يكون التعامل إيجابيا في جانب أو سلبيا في جانب آخر، لكن لا بد من التعامل معها. على الجانب الآخر بالنسبة للشرق الأوسط، لا بد من التعامل مع مصر وتأثيرها الحضاري والاجتماعي والسياسي لدى كل الدول العربية، أيا كانت العلاقة إيجابية أو سلبية أو فيها دفء أو فيها برود. وحين تقول إنني لن أتعامل مع أكبر اقتصاد في العالم فأنت هنا تضيع الفرصة على نفسك.. والعكس صحيح. كانت هناك بلا شك حساسيات ومشاكل، وأنا وصفت العلاقة بأن فيها ضبابية، وحدث في البداية تحسن لكنه لم يستقر. كان في ذهنهم أن يرشحوا بعض الناس (لتولي السفارة في القاهرة)، وهذا ما قيل في الصحف، ثم غيروا رأيهم أو كما يقال في الصحف إنهم غيروا رأيهم بشأن مرشح. نحن لم يصلنا حتى الآن مرشح رسمي. وعندما يصلنا ترشيح سنبحث هذا. لكن السفارة (الأميركية في القاهرة) قائمة وتعمل. أهم شيء في المرحلة المقبلة، على ما أعتقد، هو الحوار الاستراتيجي، لأنه سيكون حوارا استراتيجيا بالمعنى الحقيقي.. ويجب أن يتضمن ما هي القضايا التي تهم أميركا ومصر، وكيف يجري التعامل معها في نقاط الاتفاق والاختلاف، فقد نتفق في موضوع، وفي موضوع آخر لا.. وقد نكون «متفقين» في عشرة موضوعات، وفي موضوع واحد لا، أو العكس. أقصد بالحوار الاستراتيجي المعنى العميق.
* وهل تقرر موعد لبدء مثل هذا الحوار؟
- لا.. نحن أرسلنا مقترحات، وننتظر الرد الذي ربما لن يصل قبل نهاية فبراير (شباط).
* وبرامج المساعدات؟
- المساعدات في جانبها المدني محدودة للغاية، وكانت موقوفة جزئيا نتيجة لموقف الإدارة الأخير.. إنما مع إقرار المساعدات في الميزانية الجديدة سننظر في الإجراءات.. لكن بالنسبة للجانب العسكري، فجزء ينفذ وجزء كان مؤجلا.
* وبالنسبة للعلاقات العربية.. طبعا هناك علاقات جيدة مع عدد من الدول العربية، وهناك توتر في علاقات مع دول عربية وغير عربية في الفترة الأخيرة. وبالطبع وزارة الخارجية أصدرت بيانات بشأن هذا في حينه، لكن لوحظ أن هناك أصواتا في الداخل، سواء من سياسيين أو حزبيين، تريدكم أن تأخذوا مواقف أقوى، وربما كانت هناك مصالح.. فكيف توازنون بين الضغط الموجود في الشارع الذي يطالب بإجراءات أشد، وفي الوقت نفسه مراعاة المصالح المصرية؟
- توجد غضبة شعبية في محلها. هناك محاولة للمساس بمصر، وهناك سياسات معينة من بعض الدول. ولن نقبل بالمساس بمصر، أما كيفية رد الفعل فيدخل ذلك في حساب ما هو الشيء الأكثر تأثيرا. أنا في النهاية مسؤول أمام الرأي العام المصري، أن أحقق له مصالحه، ولا أنعزل عن مواقفه، لكن بالمسؤولية في تحقيق تلك المصالح. إذا اتخذت إجراء محددا، وأعجب الرأي العام، فهذا لا يعني أن الإجراء صدر لكي يعجب به الرأي العام، ولكن لأنه يحقق له مصلحته. لكن إذا لم اتخذ إجراء ثانيا فهذا لا يعني أنني أتجاهل الرأي العام إطلاقا، وإنما علي أن أتحرك بما يحقق مصلحته، حتى لو كان هذا يحملني نسبة نقد، فأنا أتقبل هذا. الشيء الوحيد الذي لا أتقبله هو ألا يكون هناك اهتمام مصري بالشؤون الخارجية. كما أن الاهتمام الشعبي يدعمني في العمل. ونحن نتحرك بحساب دقيق وبأفعال بعضها ظاهر وبعضها غير ظاهر. إذا كانت هناك استجابة يكون في المرحلة المقبلة تحسن، وإذا لم يتحسن ووجدنا أن الأفعال لم تكف فقد نزيد من «الإجراءات» وقد تكون هناك أمور أخرى ظاهرة أو غير ظاهرة. لكن هدفنا بإيجاز هو أنه لا يمكن المساس بمصلحة مصر، وحماية هذه المصلحة وتحقيق أكبر قدر من الفائدة لمصر وحماية مصالحنا، وعلى الساحة العربية نتعامل بحسابات خاصة، لكن كما أقول دائما، المصلحة المصرية هي الأساس، ودافعنا للتحرك، ويجب ألا يشك أحد في استعدادنا أو قدرتنا على اتخاذ مواقف في إطار رسمي يشملنا ويشمل غيرنا. على سبيل المثال، عندما اتخذنا قرارا ضد تركيا، فكل قرار اتخذناه من أول خطوة إلى آخر خطوة كان بالتنسيق بيننا وبين أجهزة الدولة المختلفة، حسب الإجراء. وجرى التنسيق أفقيا ورأسيا.
* بالنسبة لما يتعلق بالعلاقات مع قطر وتركيا، هل هناك مؤشرات إيجابية، أم أن الوضع ما زال على ما هو عليه؟
- حتى الآن من السابق لأوانه أن نقول إن هناك تحسنا. هناك ترقب بيننا وبين تركيا. أحيانا تكون هناك مواقف سلبية وأحيانا تجد أن هناك مواقف إيجابية، بعضها قد يكون يعكس سياسة، وبعضها قد يكون رد فعل لشيء معين، أو حتى قد يكون غير صحيح.. خبر في صحيفة مثلا يثبت بعد ذلك أنه غير صحيح. وأيضا هم بالتأكيد يتابعون الوضع في مصر ويتصورون أن هذا موقف سلبي أو موقف إيجابي، بينما ربما لم يكن قد اتخذ أي موقف أصلا. نحن نتابع، لكن من السابق لأوانه أن نقول إن هناك تحسنا أو ما يستدعي اتخاذ خطوة إضافية.
* أحد أهم مقومات القوة للدول القدرة الاقتصادية.. والوضع الاقتصادي في مصر ضعيف. كيف يمكن لوزارة الخارجية أن تلعب دورا في جذب الاستثمارات أو تشجيع السياحة؟
- كل زياراتي الخارجية خلال الشهور الستة الماضية لم تخل زيارة واحدة منها من عنصر الاقتصاد. وليس شرطا أن أكون طرفا فيها مثلما جرى توقيعه أخيرا في آسيا، حيث جرى توقيع عقد استثماري كوري – مصري - أميركي، لمشروع بتروكيماويات ضخم في مصر. وكذلك في الصين جرى التشاور حول تنمية الاستثمارات الصينية في مصر. والشيء نفسه في اليابان حيث كانت هناك جلسة كبيرة مع رجال أعمال يابانيين. وأعطيت تعليمات هنا في الوزارة أن يكون هناك كل شهر اجتماع مع القطاع الخاص المصري للتشاور وما يمكن أن تقدمه الخارجية. فالجانب الاقتصادي جزء رئيس من عملنا. طموحاتي ليست مجرد سد الفجوة، ولكن أريد أن أعيد مصر إلى مكانها الطبيعي، ومن أجل هذا لا بد أن تكون لدي القدرة على اتخاذ القرار، في ما يتعلق بالاستيراد والتصدير والاستثمار في الخارج. وحين يطلب مني المواطن المصري أن أرد على دولة بعينها اتخذت مني موقفا سلبيا، فأسأل إن كان يتحمل الإجراءات التي أتخذها أم لا.. ولكي أكون في الموقف الريادي لا بد أن أقف على قدمي. الجانب الاقتصادي له عنصر أساسي. حين جئنا (بعد 30 يونيو) كنا تحت ضغط شرح المواقف، ثم إثبات كيف بدأنا ننطلق.
* وبالنسبة للعودة للاتحاد الأفريقي؟
- لا يوجد تقدم حتى الآن.. توجد اتصالات كثيرة جدا. يوجد تطور وتحول في مواقف العديد من الدول الأفريقية وتفهم أكثر بكثير جدا للموقف المصري، ويوجد اجتماع لمجلس الأمن والسلم الأفريقي على مستوى القمة أثناء القمة الأفريقية الأسبوع المقبل، لكن لم نصل بعد في تقديري إلى النقطة التي أستطيع أن أقول عندها إنني مطمئن لتعديل القرار في هذه اللحظة بالذات. وسنتابع ما يجري في المجلس، وأتمنى أن يجري تعديل القرار، في ضوء إقرار الدستور المصري، وهو من أهم خطوات خارطة الطريق.
* وماذا عن قضية المياه مع إثيوبيا؟
- القضية المتعلقة بموضوع المياه وسد النهضة بالتحديد مشكلة حقيقية مع إثيوبيا بصفة خاصة. لن نتنازل أبدا عن حقنا التاريخي في المياه. نتمسك دائما بالتعامل مع الممرات المائية العابرة للدول وفقا للقانون الدولي. وفي الوقت نفسه نحن منفتحون.. نريد التعاون في إيجاد شبكات حقيقية مع إثيوبيا أو السودان أو غيرهما لضمان الاستجابة لطموحات إثيوبيا الاقتصادية والتنموية واحتياجات السودان للمياه وموارد مياه منتظمة واحتياجات مصر.. لكن للأسف لم تصل الدورات الفنية الثلاث التي عقدت (تضم مصر والسودان وإثيوبيا) حتى الآن لإنجاز يسمح لنا بالقول إننا تجاوزنا مرحلة الأزمة، لكن سنواصل هذا الجهد. في جميع الأحوال المياه أمن قومي ولا يمكن التهاون في هذه القضية ولن يكون، إنما مدخلها هو الوضوح في أهمية هذا الموضوع وفي تمسكنا بحقوقنا وفي استعدادنا للتعاون مع دول حوض النيل للبناء على القائم تاريخيا ومزيد من التعاون مستقبلا.
* يقال إنه في فترات سابقة كان وزير الخارجية الحقيقي هو رئيس الجمهورية، خاصة في فترة حكم حسني مبارك.. فما رؤيتك لعمل الدبلوماسية المصرية في العهد الجديد، مقارنة بعمل وزراء الخارجية في العديد من الدول الأخرى؟
- أولا كل دولة لها تقاليدها وأساليبها. ثانيا حتى النظام في مصر يتطور، بمعنى أنه في النظام الرئاسي الصرف، الشؤون الخارجية، في نهاية المطاف، كانت تعرض أساسا على رئيس الجمهورية وليس على رئيس الوزراء. ومع وجود ثورتين ومحاولة لإيجاد توازنات، وإلى حين إقرار الدستور (الذي أقر منذ أسبوعين)، كنت أعرض القضايا السياسية الخالصة على رئيس الجمهورية، وبعض القضايا التي فيها عنصر اقتصادي، ليس فقط على رئيس الوزراء، ولكن أيضا على مستوى مجلس الوزراء، في ضوء أن المناخ العام مناخ المشاركة، والقرار النهائي في القضايا الاستراتيجية لرئيس الجمهورية، لكن هذا لا يعني إطلاقا أن العمل اليومي يرفع لرئيس الجمهورية. المطلوب الآن أن يقوم كل بدوره. رئيس الجمهورية مسؤول عن كل الدولة وكل القضايا، وفي ما يتعلق بالقضايا التي تستدعي اتخاذ قرار يجري رفعها لرئيس الجمهورية. وهناك مسار ثان بأن يجري إطلاعه (الرئيس) من باب المعلومات.
إن الدستور الجديد حدد مسؤوليات مختلفة. لذا هناك تشاور على مستوى رئيس الحكومة ومجلس الوزراء. في الماضي كان كل شيء على حدة. أحيانا تجد لجنة مشتركة يرأسها رئيس الوزراء ومعه وزير الخارجية، وأحيانا لا يكون معه. ويجب أن نضع مراسم معينة أو تقاليد معينة لأن ما يستدعي طرحه على رئيس الجمهورية لاتخاذ قرار فيه يجب أن يكون شيئا متميزا، والشيء نفسه مع رئيس الوزراء، وهنا الأمور تعالج تلقائيا على مستوى وزير الخارجية، كما تعالج بعض الأمور على مستوى السفارات. يجب أن تختفي المركزية في القرار، إنما لم نصل بعد إلى هذا إلى أن يستقر الوضع السياسي.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.