اتهامات إسرائيلية لجميل مردم بيك بأنه كان «عميلاً مزدوجاً»

مؤرخون في دمشق يشككون في الرواية عن رئيس وزراء سوريا الأسبق

جميل مردم بيك
جميل مردم بيك
TT

اتهامات إسرائيلية لجميل مردم بيك بأنه كان «عميلاً مزدوجاً»

جميل مردم بيك
جميل مردم بيك

يصف كتاب سيصدر في تل أبيب قريباً، جميل مردم بيك، رئيس الوزراء السوري في سنة 1948، بـ«العميل المزدوج» لكل من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، وقام بتزويد أول رئيس حكومة ديفيد بن غوريون، بـ«معلومات» وحذّره من أن «بريطانيا هي التي تخطط لمنع قيام دولة عبرية في فلسطين».
في المقابل، استغرب مؤرخون سوريون في دمشق من توقيت صدور الكتاب والحديث عن استناده إلى «وثائق سورية»، إلى انطلاقه من «فهم خاطئ للموقف الذي كان يتخذه جميل مردم بيك في التحالفات الإقليمية في بدايات القرن الماضي».
والكتاب المذكور يُصدره البروفسور مئير زمير، المؤرخ المتخصص في شؤون المخابرات وتاريخ سوريا، واشتهر بنظرية جديدة لبحث العلاقات الدولية من خلال كشف دور المخابرات. ومنذ سنة 2010 وهو ينشر أبحاثاً تقول إن المخابرات الفرنسية نجحت ابتداءً من شهر يوليو (تموز) سنة 1944 في إدخال جواسيس لهم إلى الحكومة السورية، وأن بريطانيا نجحت في تجنيد عدد كبير من قادة الحركة القومية السورية واللبنانية للتعاون معها، منذ سنة 1941 تحت يافطة الاستعمار الفرنسي، معظمهم -يقول زمير- تم تخليد ذكراهم في الشام وأُطلقت أسماؤهم على الكثير من الميادين والساحات والشوارع، حتى اليوم. وذكر منهم شكري القوتلي الذي أصبح رئيساً للجمهورية، وجميل مردم الذي شغل منصب رئيس الوزراء مرتين بين نهاية عام 1936 ومطلع عام 1939 ثم من نهاية 1946 حتى نهاية عام 1948، ورياض الصلح الذي أصبح رئيساً لوزراء لبنان. وقد تم ذلك بعدة أساليب، بينها الرِّشى المالية بمبالغ طائلة أو الابتزاز. ويقول إن موافقتهم على هذا التعاون جاءت لرهانهم على انتصار الغرب في الحرب العالمية الثانية، وقدرة بريطانيا على دعمهم بشكل شخصي للوصول إلى الحكم.
ويقول زمير إن «الشرط البريطاني لدعم هؤلاء هو أن يوافقوا على أن تكون بلادهم تحت الهيمنة البريطانية والحكم الهاشمي، ولو بشكل سرِّي، وترفض الانتداب الفرنسي. بريطانيا أوفت بوعدها ودفعت إلى انتخابهم ولكنهم نكثوا الوعد معها وتراجعوا عن موافقتهم على هذه الهيمنة». ويرى أن القضية الفلسطينية كانت في ذلك الوقت قضية ثانوية، وتغلب عليها من حيث الاهتمام التنافس العربي الداخلي من جهة والتنافس البريطاني الفرنسي من جهة أخرى.
لكن الكتاب يركز في عدة فصول منه على دخول الحركة الصهيونية على هذا الخط، منذ سنة 1945. ويتضح أن جميل مردم كان قد وقع أيضاً في حبائل الفرنسيين، عندما اكتشفوا أنه متعاون مع بريطانيا فهددوه بنشر أمر تعاونه. وقد طلبوا منه التعاون مع الحركة الصهيونية، على اعتبار أنه يمس ببريطانيا.
ويقول زمير في كتابه، الذي سيصدر بالعبرية العام المقبل لكنّ صحيفة «هآرتس» نشرت بعض فصوله، أمس (الجمعة)، إن المخابرات البريطانية الخارجية (إم آي )) جنّدت مردم، ليؤيد خطة «سوريا الكبرى» البريطانية، التي قضت بتوحيد سوريا والعراق والأردن، تحت قيادة الهاشميين، مقابل أن تحصل بريطانيا على هيمنة في دمشق، التي كانت تابعة للانتداب الفرنسي. ومقابل موافقته، تلقى مردم أموالاً من بريطانيا، التي وعدته بأن يحكم سوريا، تحت قيادة الملك الأردني، طلال ابن الشريف حسين. ولكن المخابرات الفرنسية، علمت بأمره وراحت تهدده بنشر الوثائق التي حصلوا عليها بشأن الخطة البريطانية، وتسريبها إلى خصومه السياسيين. وإثر ذلك استقال مردم، بعد مشاورات مع المخابرات البريطانية، التي لم تكن تعلم بأن مردم استسلم لابتزاز فرنسي، وتحول إلى «عميل مزدوج»، وزوّد فرنسا بمعلومات بالغة الأهمية حول نيات بريطانيا.
ثم قرر الفرنسيون التقرب إلى الحركة الصهيونية عن طريق إطلاعها على المخططات البريطانية، مؤكدة أن هناك قراراً في لندن يقضي بمنع إقامة دولة لليهود في فلسطين في تلك المرحلة، لأن القيادة الصهيونية كانت مستقلة أكثر من اللازم. وقد وصلت بين ابن غوريون وبين مردم. وعندما أدرك القيادي الإسرائيلي أنّ لديه كنزاً من المعلومات، عُيِّن ضابط مخابرات كبيراً مسؤولاً عن الصلة الدائمة بالزعيم السوري، هو رئيس الشعبة العربية في الدائرة السياسية للوكالة اليهودية، إلياهو ساسون.
وساسون هو سوري الأصل، تولى منصب منسق للتعاون مع المخابرات الفرنسية في عام 1945، واتضح أن ساسون ومردم متعارفان من زمان، والتقيا في عام 1937 عندما كان الأخير يتولى رئاسة الحكومة. فقد كان ساسون يُعرف في دمشق باسم إلياس ساسون، وبرز في العمل السياسي هناك على أنه زعيم في الحركة العربية الوطنية وحارب ضد سياسة التتريك التي فرضتها الدولة العثمانية على العرب. وقد أصبحت علاقاتهما وثيقة. والتقيا عدة مرات، بينها عندما جاء مردم إلى القدس على رأس وفد من الجامعة العربية. ويشير الكتاب إلى أن ابن غوريون التقى مع ساسون، ودوّن في مذكراته تفاصيل حول مضمون محادثات ساسون مع مردم. وهذه كانت واحدة من المرات القليلة التي تسلط الضوء على مردم كمصدر استخباري لابن غوريون.
وجاء في الكتاب أن من بين أهم المعلومات التي أوصلها مردم لابن غوريون، عن طريق ساسون، أن عليه ألا يخاف من حرب يشنها العرب. وقال: «في يوليو 1945، كان ابن غوريون قد أمر قواته بالاستعداد لمواجهة هجوم من الجيوش العربية، حالما يعلن عن إقامة دولة إسرائيل، لكن المعلومات التي نقلها مردم إليه تبيّن أن (التهديد المباشر) لم يكن من جانب الجيوش العربية، وإنما يكمن في خطة ضباط الجيش والمخابرات البريطانييّن في الشرق الأوسط، وأن بريطانيا تنوي منع قيام إسرائيل والإعلان عن ميليشيا (الهاغانا) الصهيونية أنها تنظيم إرهابي ونزع سلاحه، وأيضاً من خلال تطبيق خطة (سوريا الكبرى)، التي بموجبها سيقام كيان يهودي في فلسطين ولكن ليس دولة مستقلة».
ونقل مردم بيك إلى الوكالة اليهودية أن القادة العرب قرروا الوقوف إلى جانب بريطانيا في حال نشوب حرب، تخوفاً من التغلغل السوفييتي، وأنه خلال المداولات في جامعة الدول العربية، جرى التعبير عن التخوف من استمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين، الأمر الذي سيمد «الهاغانا» بثمانين ألف جندي. وأضاف مردم أن الدول العربية «لن تتمكن أبداً من تحصيلكم بالتأهيل والتنظيم، حتى لو ساعدَنا الإنجليز».
ويقول الكتاب إن أحداثاً خلال عام 1946 أثبتت أن المعلومات التي نقلها مردم إلى الوكالة اليهودية حول الخطط البريطانية بشأن فلسطين كانت دقيقة. فقد نقل مردم بيك إلى الوكالة اليهودية معلومات من مؤتمرٍ بادر البريطانيون إلى عقده في مصر، في مايو (أيار)، وتقرر فيه لأول مرة أن الصهيونية تشكِّل خطراً على الدول العربية وليس على الفلسطينيين فقط. كذلك تبين أن ساسون كان حاضراً في مؤتمر آخر عقدته جامعة الدول العربية قرب دمشق، في يونيو (حزيران). واتخذ هذا المؤتمر قراراً سرياً حول احتمال مواجهة عسكرية مع الحركة الصهيونية، وأنه في هذه الحالة على الدول العربية مساعدة أشقائهم الفلسطينيين بالمال والسلاح والقوة العسكرية. وتبين أن المعلومات التي نقلها مردم إلى الوكالة اليهودية حول خطط بريطانيا تجاه «الهاغانا» كانت دقيقة أيضاً. فقد نفّذت القوات البريطانية في فلسطين، في ذلك الشهر، عمليات ضد قادة الحركة الصهيونية وأعلنت حظر تجول في العديد من المدن، واعتُقل خلالها أحد زعمائها، موشيه شاريت. وأفلت ابن غوريون من الاعتقال بسبب وجوده في باريس.
وجاء عن دور الرئيس السوري شكري القوتلي، أيضاً أنه قدم خدمات للبريطانيين. وفي ديسمبر (كانون الأول) عام 1946، أقال بطلب منهم رئيس حكومته سعد الله الجابري، وعيّن مكانه جميل مردم بيك.
وفوجئ مختصون سوريون بالتاريخ السوري بتوقيت الحديث عن تاريخ مردم بيك. وقال أحدهم إنه كان متحالفاً تماماً مع المحور الآخر في العالم العربي، وكان على عَداء مع العراق والأردن وقتذاك، بل إنه اتُّهم بأنه وراء اغتيال عبد الرحمن الشهبندر في عام 1940 الذي كان مؤيداً للمحور بين بغداد وعمان و«صديقاً للهاشميين». كما أن جميل مردم بيك كان أساسياً مع شكري القوتلي وفخري البارودي ولطفي الحفار في «الكتلة الوطنية».
غير أن أحد الخبراء أشار إلى أن جميل مردم بيك التقى كغيره من المسؤولين العرب وقتذاك مبعوثين من الوكالة اليهودية، موضحاً: «التقى وفد من الوكالة مع الكتلة الوطنية لإقناعهم بدعم الاستقلال مقابل تقديم دعم لليهود. وقتذاك كان جميل مردم بيك في باريس في 1936، حيث التقى وفداً من الوكالة وحاول استغلال نفوذ الوكالة اليهودية في فرنسا وخصوصاً مع رئيس الوزراء الفرنسي ليون بلوم الذي كان يهودياً، لدعم استقلال سوريا وجلاء فرنسا».
وقال باحث آخر: «النقطة الوحيدة غير المفهومة: لماذا اعتزل العمل السياسي لدى قيام دولة إسرائيل في 1948 مع أن عمره كان 54 سنة؟». وزاد: «باعتبار أنه كان متعلماً ومثقفاً، أدرك أن المنطقة ذاهبة إلى الخراب مع قدوم العسكر إلى الحكم. قرر الذهاب إلى مصر وعاش فيها ورفض عروضاً عدة للعودة للعمل السياسي بما في ذلك الترشح للرئاسة مع شكري القوتلي وخالد العظم في عام 1955، إلى أن توفي في القاهرة».



مصر وسوريا لتعزيز الترابط بترتيبات لعودة «الرحلات الجوية»

وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
TT

مصر وسوريا لتعزيز الترابط بترتيبات لعودة «الرحلات الجوية»

وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)

في خطوة جديدة للتقارب بين مصر وسوريا، بحث وفدٌ من سلطة الطيران المدني المصري إجراءات استئناف الرحلات الجوية من القاهرة لدمشق.

وتدعم عملية استئناف الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق تحقيق مزيد من التقارب بين البلدين، وفق دبلوماسيين ومراقبين مصريين أشاروا إلى أن «النقل الجوي سيسهل التعاون المشترك في مجالات عدة خصوصاً التبادل التجاري، وحركة الأفراد».

وأجرى وفد من سلطة الطيران المدني المصري، ترأسه رئيس الإدارة المركزية لأمن الطيران ياسر محمد عبد الحليم، جولة ميدانية، الاثنين، في مطار دمشق، وفق إفادة الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السورية.

وحسب البيان، استهدفت الجولة «الاطلاع على الإجراءات والتدابير المتّبعة في مطار دمشق الدولي، تمهيداً لاستئناف تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين مصر وسوريا وعودة الربط الجوي بين البلدين».

وتوقفت الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق منذ عام 2011، على خلفية الأوضاع الأمنية هناك.

تنشيط الحركة

وستساعد عودة رحلات الطيران بين القاهرة ودمشق في «تنشيط حركة النقل الجوي، وتسهيل حركة المسافرين، وتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين»، حسب هيئة الطيران المدني السوري.

وسبقت جولة الوفد المصري بمطار دمشق، محادثات مع رئيس الهيئة العامة للطيران المدني السوري، الأحد، وحسب إفادة من الهيئة، ناقش الجانبان «سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال الطيران المدني، بما في ذلك استئناف تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين».

ولم تعلن سلطة الطيران المدني المصري، حتى الآن، عن عودة رحلات الطيران الجوي إلى دمشق.

وتشكل ترتيبات الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق، «خطوة إيجابية على صعيد تفعيل العلاقات الثنائية بين البلدين»، وفق مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير يوسف الشرقاوي، وقال إن «هذه الخطوة ستدعم حركة التبادل التجاري، وتعزز من التعاون في مجال الخدمات والسياحة ونقل الأفراد».

ويرى الشرقاوي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «القاهرة تتعامل في تطوير علاقاتها مع الجانب السوري، بمنهج قائم على الانفتاح الاقتصادي بما يعزز من الترابط السياسي»، منوهاً بأن «القاهرة تعول على زيادة الاستثمارات المشتركة، للمساهمة في عملية إعادة إعمار سوريا».

مصر وسوريا لمزيد من التقارب عبر تدابير لاستئناف الرحلات الجوية المباشرة (هيئة الطيران المدني السوري)

وبينما يتسم مسار التعاون السياسي المصري مع سوريا بالحذر منذ تولي الرئيس السوري أحمد الشرع الحكم، يتخذ البلدان عدة خطوات للتعاون والتقارب على الصعيد الاقتصادي والتجاري، حيث استضافت العاصمة السورية دمشق، مطلع العام الحالي، «الملتقى الاقتصادي السوري - المصري» الأول، بمشاركة مسؤولين سوريين وقيادات من قطاع الأعمال في البلدين، بهدف تعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين.

تعزيز التقارب

ويرى مستشار وزير السياحة المصري، وليد البطوطي، في ترتيبات عودة رحلات الطيران مع سوريا، «خطوة تحقق إضافة في مستوى التعاون والترابط بين البلدين»، وقال إنها «تعكس تطور العلاقات بين البلدين، وأن هناك فرصة مشتركة يمكن التعويل عليها لتحقيق مزيد من التقارب».

وتتعدد أهمية استئناف النقل الجوي بين القاهرة ودمشق، وفق البطوطي، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «رحلات الطيران ستسهل إجراءات نقل الرعايا بين البلدين، خصوصاً وأن هناك جالية سورية كبيرة في مصر»، إلى جانب «تسهيل حركة السياحة، وعملية التبادل التجاري».

وهناك نحو مليون ونصف المليون سوري يقيمون في مصر، بينهم أكثر من 15 ألف منتسب لاتحاد الغرف المصرية، باستثمارات تقارب مليار دولار، وفق اتحاد الغرف التجارية المصري.

Your Premium trial has ended


هل تنجح «التدابير المشتركة» بين القاهرة وأبوظبي في احتواء أزمة «بنك مصر؟»

مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)
مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)
TT

هل تنجح «التدابير المشتركة» بين القاهرة وأبوظبي في احتواء أزمة «بنك مصر؟»

مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)
مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)

شرعت مصر والإمارات في اتخاذ «إجراءات وتدابير» وصفت بـ«اللازمة»، للتعامل مع تداعيات أزمة «التعاملات البنكية الإيرانية»، التي شملت الاتهامات فيها فرع «بنك مصر» بالإمارات، في خطوة يتوقع مراقبون أنها «ستفضي إلى حل الأزمة»، وسط تلويح أميركي بفرض عقوبات جديدة ضد أي مؤسسات متورطة في تحويلات مشبوهة لصالح إيران.

ورجح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لـ«رويترز»، أن تكشف وزارة الخزانة عن عقوبات ثانوية جديدة أسبوعية تهدف إلى زيادة الضغط الاقتصادي على إيران، مع التركيز في البداية على البنوك.

وزير الخزانة سكوت بيسنت (أ.ب)

وبعد فرض إجراءات وتدابير خاصة، يوم الجمعة الماضي، على فرع لـ«بنك مصر» في الإمارات بسبب ما تردد عن صلات مالية ‌بإيران، قال بيسنت ‌في مقابلة، مساء الأحد، إن «الخطوة التالية ‌قد ⁠تتمثل في عزل ⁠مؤسسة ما تماماً عن النظام المالي القائم على الدولار»، وأضاف قبل انعقاد اجتماع وزراء مالية «مجموعة العشرين»: «سترون مزيداً من هذه الإجراءات كل أسبوع... نبدأ بالبنوك، ونخبر البنوك بأنه من ⁠غير المقبول أن تحتفظ بأموال إيرانية ‌أو أن ‌تساعد النظام (الإيراني)».

وكان «مصرف الإمارات المركزي» و«البنك المركزي المصري»، أكدا في بيان مشترك، مساء الأحد، التعاون والتنسيق التام والدائم بينهما فيما يتعلق بالتعامل مع تداعيات أزمة «بنك مصر» في الإمارات، وشددا على «اتخاذ كل الإجراءات والتدابير اللازمة».

عملية ضغط

ويرى الأكاديمي الاقتصادي المصري كريم العمدة أن «البنك المركزي المصري ونظيره الإماراتي لديهما القدرة على تدارك الأزمة... المركزي المصري والإماراتي لا يسمحان بحدوث أي مخالفات، وهو ما سيعمل البنكان على إثباته للسلطات الأميركية، ومن ثم حل الأزمة نهائياً».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «ما يحدث ليس مستهدفاً به بنك مصر ولا القطاع المصرفي الإماراتي أو المصري، بل هو عملية ضغط على إيران، وحينما تحقق واشنطن أهدافها فإن هذا الضغط سيخفف ولن تكون هناك أزمة، خصوصاً أن هناك بنوكاً كثيرة حول العالم تتعامل مع إيران في التجارة وبعلم الولايات المتحدة والهدف من ذلك تلبية الاحتياجات الأساسية للشعب الإيراني».

وأعلن «مصرف الإمارات المركزي» السبت إجراء تفتيش خاص وعاجل على فروع «بنك مصر» العاملة في البلاد، يتضمن «مراجعة متعمقة للتعاملات المصرفية للشركات الواردة في بيان السلطات الأميركية»، على خلفية مقترح لاتخاذ تدبير خاص يتعلق بفروع البنك في الإمارات بوصفها مؤسسة مالية تعمل خارج الولايات المتحدة ذات مخاوف رئيسية تتعلق بغسل الأموال.

تحقيق شفاف

ويرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن «المصرفين المركزي الإماراتي والمصري يعملان حالياً على إجراء تحقيق شفاف ومتكامل حول ما أثارته وزارة الخزانة الأميركية تجاه فرع بنك مصر لتوضيح كل الملابسات، وإثبات أن البنك المعني لم يتورط في أي أنشطة مخالفة، سواء فيما يتعلق بإيران أو غيرها».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط»: «التحقيق قد يشمل معاملات معينة أو فترة معينة تغطي كل ما أثارته السلطات الأميركية، وبالتالي حين إثبات عدم صحة كل ما أثير ستنتهي الأزمة ولن يصل الأمر لحظر أو عقوبات مباشرة على البنك، خصوصاً أن القطاع المصرفي الإماراتي وأيضاً المصري يتعاملان بجدية وشفافية كاملة مع أي مخالفات، لكن ستستمر عملية قيود وزارة الخزانة الأميركية على خدمة المراسل بالدولار التي تقدمها لبنك مصر في الإمارات أو غيره من البنوك الأخرى من أجل تشديد الضغط على إيران».

تجدر الإشارة إلى أن بيسنت قال الأحد إنه يعتزم نقل ‌الرسالة بوضوح لوزراء مالية «مجموعة العشرين» ‌ومحافظي البنوك المركزية لقطع العلاقات الاقتصادية مع إيران، وإلا فسوف يواجهون عقوبات ثانوية.

وأطلقت وزارة الخزانة الأميركية هذه المبادرة، التي أطلق عليها اسم «عملية ‌الإقصاء الاقتصادي»، الأسبوع الماضي.

فرص الاحتواء

فيما يرى مدير الاستثمار والمحلل المالي المقيم في الإمارات حسام الحسيني أن «فرص احتواء أزمة بنك مصر ما زالت مرتفعة، خصوصاً أن الإجراء الأميركي الحالي يخص فروع بنك مصر في الإمارات، ولا يمتد إلى البنك الأم في مصر، كما أنه ما زال في مسار تنظيمي وليس عقوبة نهائية شاملة، والأهم هنا هو سرعة استجابة السلطات الإماراتية؛ فمصرف الإمارات المركزي بدأ فحصاً عاجلاً ومراجعة متعمقة للمعاملات محل الملاحظات الأميركية، بالتنسيق مع البنك المركزي المصري وبنك مصر. هذه الاستجابة المؤسسية السريعة تعزز فرص معالجة أي ثغرات امتثال قبل تحول الملف إلى مستوى أكثر تشدداً».

وأوضح الحسيني لـ«الشرق الأوسط» أن «تصريحات وزير الخزانة الأميركي تعني أن واشنطن ستواصل تشديد الضغط على المؤسسات المرتبطة بالمعاملات الإيرانية، لذلك سيعتمد احتواء الأزمة على نتائج الفحص الإماراتي، وشفافية الإجراءات التصحيحية، ومدى اقتناع الجانب الأميركي بأن المخاطر عولجت بالكامل. وحتى الآن، لا أرى ما يبرر الحديث عن عقوبات مباشرة على بنك مصر ككل أو عن أزمة أوسع في القطاع المصرفي المصري».


الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
TT

الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)

بعد أسابيع من التصعيد الحوثي متعدد المسارات، بدت خطوط المواجهة أكثر هدوءاً خلال اليومين الأخيرين، وسط مخاوف الجماعة المدعومة من إيران من عملية برية متزامنة تحضر لها القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها.

وشهد أغسطس (آب) تصعيداً حوثياً واسعاً امتد من جبهات مأرب، وشبوة، وحضرموت، وتعز، والضالع، إلى الساحل الغربي، وباب المندب، واستخدمت خلاله الجماعة الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، في واحدة من أكثر موجات التصعيد اتساعاً منذ 2022.

وفي المقابل، ردت القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها بعمليات عسكرية، وضربات بالطيران المسيّر، إلى جانب التصدي للهجمات الحوثية على خطوط التماس، وإسقاط أعداد من الطائرات المسيّرة، في حين أظهرت التطورات الميدانية أن الجماعة لم تتمكن من تحويل تصعيدها إلى تغيير واضح في موازين السيطرة على الأرض.

عضو مجلس القيادة اليمني عبد الرحمن المحرّمي يجتمع عبر الفيديو مع قادة عسكريين (إكس)

وتتزايد، وفق مصادر عسكرية، مخاوف الحوثيين من أن يكون رفع الجاهزية الحكومية جزءاً من استعداد لعملية برية مباغتة، خصوصاً في ظل تعزيز التنسيق بين الوحدات المنتشرة في قطاعات المواجهة، ورفع مستوى الرصد، والمتابعة.

وفي أحدث مؤشر على ذلك، بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، مع قيادة محور المشاة والإسناد الثاني مستوى الجاهزية، والاستعداد في مختلف قطاعات المحور، والتطورات في جبهات المسيمير، وكرش، وحيفان، إلى جانب إجراءات تأمين باب المندب.

شهر من التصعيد والردود

لم يكن التصعيد الحوثي خلال أغسطس محصوراً في جبهة واحدة. فقد امتدت الهجمات من مناطق التماس في مأرب، وشبوة، وحضرموت، إلى الساحل الغربي، بينما تحولت مدينة المخا وميناؤها إلى أحد أبرز مسارح المواجهة، مع إطلاق الجماعة صواريخ باليستية، وطائرات مسيّرة باتجاه المدينة، والمنشآت الساحلية.

وفي إحدى أبرز الهجمات، تعرضت المخا لقصف صاروخي ومسيّر أدى إلى سقوط قتلى، وجرحى، وأضرار في الميناء، والمنشآت، كما امتدت المواجهات خلال الشهر إلى جبهات أخرى، بينها مأرب، وشبوة، وحضرموت، والضالع، وتعز.

طائرة مسيرة يستخدمها الجيش اليمني في الرد على تصعيد الحوثيين (إكس)

وبينما واصلت الجماعة تحركاتها على خطوط التماس، ومحاولاتها استخدام مناطق مدنية وريفية قريبة من الجبهات لإطلاق الصواريخ، والطائرات المسيّرة، ردت القوات الحكومية على هذا التصعيد بعمليات وضربات استهدفت قدرات حوثية، ومواقع إطلاق، إلى جانب التصدي للهجمات على الأرض.

كما اتخذت المواجهة بعداً بحرياً خلال الشهر، مع استهداف الحوثيين سفناً تجارية في منطقة باب المندب، وجنوب البحر الأحمر، الأمر الذي أعاد المخاوف الدولية من التهديد الذي تشكله الجماعة لحركة التجارة والملاحة العالمية.

وفي تطور متصل، أعلنت القوات البحرية التابعة للمقاومة الوطنية ضبط شحنة معدات عسكرية في البحر الأحمر كانت في طريقها إلى الحوثيين، وقالت إن العملية جاءت بعد رصد استخباراتي لنشاط شبكات تهريب مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

وضمت الشحنة أنظمة توجيه وتحكم للطائرات المسيّرة، ومعدات لبث ومعالجة الفيديو، وهوائيات اتصال، ومكونات إلكترونية، إضافة إلى أجزاء لأنظمة حقن الوقود، وأجهزة اتصال لا سلكية مخصصة للطائرات المسيّرة.

تذكير بالدعم الإيراني

بالتوازي مع التحركات العسكرية، تكثف القيادة السياسية اليمنية رسائلها إلى المجتمع الدولي بشأن طبيعة التهديد الحوثي، خصوصاً مع ارتباط التصعيد الداخلي بأمن البحر الأحمر.

وفي هذا السياق التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي عثمان مجلي السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون بمناسبة انتهاء فترة عملها، مشيداً بالدعم السياسي والدبلوماسي الفرنسي للحكومة اليمنية، وموقف باريس الرافض للجماعة الحوثية.

عضو مجلس القيادة اليمني عثمان مجلي مع السفيرة الفرنسية (سبأ)

وربط مجلي بين القدرات العسكرية الحوثية والدعم الإيراني، مشيراً إلى ضبط أسلحة، ومعدات، وخبراء إيرانيين، ومعتبراً أن استمرار هذا الدعم يمثل عاملاً أساسياً في قدرة الجماعة على مواصلة نشاطها العسكري.

كما أكد أهمية الدعم السعودي لليمن، وحكومته، وربط استعادة الاستقرار اليمني بحماية أمن المنطقة، وحرية الملاحة في البحر الأحمر، ومضيق هرمز.