«يوتيوبر» طبخ عربية تمنحها إيطاليا سحر «التكنيك»

معجنات وحلويات أدخلتها إلى عالم «ألف ليلة وليلة»

«يوتيوبر» طبخ عربية تمنحها إيطاليا سحر «التكنيك»
TT

«يوتيوبر» طبخ عربية تمنحها إيطاليا سحر «التكنيك»

«يوتيوبر» طبخ عربية تمنحها إيطاليا سحر «التكنيك»

«ما بال صابرين توقفت عن نشر وصفات جديدة لمخبوزاتها وحلوياتها»، تساؤل يشوبه القلق راود الكثير من متابعي الطاهية الفلسطينية ممن انهالت رسائلهم على بريدها؛ أرادوا أن يطمئنوا على حالها، متمنين ألا يكون قد أصابها مكروه؛ وذلك بعد أن تفشى فيروس كورونا في أرجاء إيطاليا.
هذا المؤشر لقوة العلاقة معهم أسعدها كثيراً؛ فخرجت عليهم بفيديو تخبرهم أن ظروف الحجر الصحي تقيد حركتها ونشاطها.
تقول «يوتيوبر الطبخ»، إن السادة المتابعين لهم حق عليها بأن تطلعهم بين وقتٍ وآخر على جانب من حياتها الشخصية، كأن تصطحبهم كاميرتها إلى مشوار من يومياتها يبدأ بساعة باكرة تستقلّ فيه دراجتها متجهة إلى العمل.
- صابرين طه تعيش في إيطاليا منذ 16 عاماً؛ وتتعاون مع شركاتٍ غذائية للترويج لمنتجاتها بواسطة تحضير وصفات على طريقتها الخاصة.
- قَدمت إلى بلادٍ بعيدة لدراسة الطهي في معهد إيطالي- ألماني لأربع سنوات؛ واجتهدت كثيراً لتصل إلى مرحلة امتلاك متجرٍ للمعجنات استمرت فيه لأربعة أعوام ونصف العام، لكن أمومتها شكّلت ضغطاً هائلاً في تقسيم وقتها بين إدارة متجر يتطلب ساعات طويلة وبين احتياج أطفالها لها، حيث لا سند لديها إلا زوجها بحكم أن عائلتها لا تعيش بالقرب منها.
- قبل بضعة أشهر اضطرت آسفة إلى اتخاذ قرار بإغلاقه والتفرغ لقناتها على «يوتيوب» ساعية إلى «التركيز على التكنيك»؛ فمن وجهة نظرها أن في الطبخ تكنيكاً دقيقاً؛ تتحقق به الوصفة المثالية؛ ومهما كان المرء هاوياً متمرساً فإنه لن يكتسبه إلا في معاهد الطبخ.
- ومما يلفت الانتباه أن عدداً من «أصحاب القنوات» باتوا يأخذون من وصفاتها، حيث تعمد إلى تنفيذها بطرقٍ مُبسطة تشرحها بصوتها الرخيم.
> عن تأثير نشأتها
سألناها عن سر التنوع في شخصيتها الطهوية؛ فقالت، إنها تشكلّت جرّاء تنقل عائلتها بين الكثير من دول العالم نظراً لطبيعة عمل والدها؛ مما تسنى لها التعرف على تقاليد البلدان في الطبخ؛ إذ تنحدر أصولها من مدينة الناصرة فيما أمها تونسية الجنسية، وهذا وحده أكسبها غِنى؛ بالجمع بين عراقة مطبخ المغرب العربي والمطبخ الشامي بخيرات أرضه- خاصة زيت الزيتون الفلسطيني- وكلاهما لا تتسع لجمالهما السطور، بحسب تعبيرها، ثم بقدومها إلى أوروبا للدراسة تعلمت المطابخ الغربية، لتزخر حصيلتها أكثر.
ابتسامتها تسبق حديثها عندما تقول «في مطبخ بيتي تتوفر البهارات العربية والغربية والمغربية على حدٍ سواء، لأدمج بين الوصفات بما يروق لي؛ كأن أحضّر لازانيا وأدخل فيها (منزّلة الباذنجان).
البنت الوحيدة بين إخوانها الذكور، كانت أحلى أيامها تلك التي شاركت فيها أمها الطبخ وراحت بفضولٍ ومرح تحاول معرفة ما يدور داخل «الطنجرة» فتلسعها وربما تحرق أصابعها، لكن هذه الصغيرة لا تتوب! والذكرى الأجمل التفاف العائلة حول «الطبلية» للفّ ورق العنب ونسج الأحاديث الدافئة فيما بينهم، إذن لا عجب أن الطعام من وجهة نظرها معجونٌ بالذكريات، بدليل «ورق العنب» الذي بقي محطّ مشاعرها الفياضة.
عندما سافرت صابرين طه إلى إيطاليا في عمر باكر «مرحلة الثانوية»؛ انعقد لسانها ذهولاً ما أن دخلت بوابة الأحلام التي فُتحت لها في أحد معاهد الفندقة العالمية... وكأن حكايات «ألف ليلة وليلة» صارت ملء يدها، ففي المعهد تعرفت على مختلف المطابخ العالمية و«البارات»، وتقصد بها فنون تحضير القهوة؛ كان عالماً شاسعاً، هناك أقسام لتعليم الحلويات؛ وأخرى للمخبوزات والمعجنات؛ واللحوم، ولإعداد الشاي والمشروبات أيضاً؛ تبعاً لكلامها.
- وعن فضل إيطاليا في صقل وتطوير موهبتها، تخبرني أنه لولا انتقالها للإقامة فيها لما أخذت من كل بستان وردة، وتقصد بذلك تشربّها أبجديات المطبخ الإيطالي والألماني والفرنسي، مردفة بالقول «المعاهد هنا مجهزة من الألف إلى الياء، والصرح الذي تعلمتُ فيه يتكفل بنفقات الدراسة لكل الطلبة بلا استثناء، وإلا كنت تكبدت مبالغ طائلة لو درست في دولة أخرى حتى أتشبّع بهذا القدر من الخبرة».
- في بلاد الغربة بمفردها؛ عاركت صعوبات اللغة والتأقلم مع مجتمع جديد ونجحت؛ ثم أسسّت أسرة جميلة ومستقبلاً واعداً؛ تصارحني صابرين بما أسرّته في داخلها منذ اللحظة الأولى من وصولها؛ أنها ستكون يوماً في مصاف خبراءٍ صنعوا نجومية الطعام لدولتهم.
- أجول بنظري في قناتها بين خبز النمر العجيب وخبز فلورنسا الذهبي ودانتيل الشوكولاتة؛ ثم أسألها «أي المطابخ تأسرك أيتها السيدة؟»... تقول على الفور «المطبخ الفرنسي (بياخد العقل) بذوقه الفني الرفيع في تقديم الحلويات بطرقٍ لا تخطر على البال، أما المطبخ الإيطالي أمتنّ له بتعدد أنواع معجناته، ناهيك عن الباستا والصلصات، وكذلك المطبخ الياباني المدهش بأسلوبه في تقديم الأطباق البسيطة بحرفية تُرفع لها القبعّات».
> أسرار النجاح
في الحديث الشائق؛ تناولت «الشرق الأوسط» مع صابرين الكثير من المَحاور، نوردها على النحو التالي:
- «لطفاً لا تنسي: المعجنات طفلٌ يحب الدلال»... يا لها من نصيحة مخلصة تفوّه بها أحد الطهاة أثناء دراستها، فالمُنتج الفني البديع من المخبوزات أو الحلويات يتطلب وقتاً وصبراً وعناية أكثر من الجهد نفسه، وكم يبدو «الدلال» متباهياً في وصفاتها.
- العمل في الميدان يختلف كلياً عن الدراسة الأكاديمية أو حتى الطهي في البيت؛ إنه يضع الإنسان في قلب الخبرة؛ ليصبح قادراً على العمل تحت الضغط وحسه في المسؤولية أعلى ومراعياً للدقة الفائقة؛ لأن الطلبيات لا تحتمل التأخير عن موعدها... خلاصة تلمح بها صابرين إلى الهواة ليتذكروا أن عاماً من الحياة العملية يساوي ثلاثة من الدراسة.
- امتلاك متجرٍ خاص للحلويات في شمال إيطاليا؛ لم يحدث بين يوم وليلة، فقد امتثلت للقانون الذي يقضي بضرورة توفر الخبرة بما لا يقل عن عامين في الفنادق أو المطاعم؛ حتى تجيد التعامل مع الأطعمة وطرق حفظها وتخزينها.
- بعد تجربة طويلة؛ تبيّن لها أن المكونات البسيطة الجيدة من طحينٍ وسكر وشوكولاتة وبكينج باودر وخلافه كفيلة بإخراج منتج رائع، بل يمكن إنتاج أكثر من 300 نوع من المعجنات؛ مما يعني أن طاولة فارغة بوسعنا أن نجعلها «سفرة عامرة و«الجود في الموجود»؛ نهجٌ أثبت حقاً نجاعته في قناتها على «يوتيوب».
- في ضوء انتشار قنوات الطبخ العربية، والتي - بحسب رأيها - «كثير منها أرقام ليس إلا»، فإن القناة التي تستحق التقدير؛ تنشر وصفات مضمونة النتائج؛ إلا أن هناك ما هو أهم؛ تواصل الحديث بقولها «لنركز على التكنيك والمعلومات الصحيحة؛ ومن المهم التحذير بشأن الخطوة التي قد تتسبب بفشل الوصفة تماماً؛ في حين أنه من الممكن بخطوة واحدة صحيحة أن نضمن نجاحها، وبالتالي يتوجب أن ننّبه بخصوصها».
كل ما سبق توجزه بسرد أسرار نجاح الوصفة للمتابعين عبر شرحٍ وافٍ وجذاب، لا سيما فيما يتعلق بوضع المكون الأساسي في الوقت الصحيح، مع التنويه لبعض التفاصيل التي قد لا يدرك البعض أثرها «مثل إضافة الحليب البودرة إلى المعجنات لأجل عجينة لينة، وإضافة السكر لإعطاء الخميرة مفعولاً ولوناً مميزاً للعجائن».
> لا مكان لندب الحظ
يحلو للشابة المقبلة على الحياة أن تغنّي أثناء الطهي؛ فالمطبخ بالنسبة لها كنادي يوغا تسترخي فيه وتُهدّئ من عصبيتها، وفي «المختبر» كما تسميه لا مجال لندب الحظ عند فشل وصفة ما؛ ومن دون الصبر وضبط النفس في الأوقات الحرجة يفسد كل شيء... تقول صابرين لـ«الشرق الأوسط».
تشاركنا في موقف حدث معها أثناء عملها في فندق قبل سنوات؛ كانت منهمكة مع الفريق في تحضير كعكة بطوابق عدة لعرس، وبعد جهد جهيد وفي لحظة الاستعداد لإدخال القالب إلى القاعة ليتزامن مع موسيقى دخول العروسين، انقلبت الكعكة رأساً على عقب؛ وعلى مرأى من الناس، تحكي لنا «كنا في وضع لا نحسد عليه؛ بالكاد أخذت نفساً عميقاً وكتمت غضبي؛ لا خيار أمامنا إلا إصلاح ما حدث... مجدداً جهزنا قالباً من طابق واحد أثناء ساعات الفرح وقدمناه هدية للعروسين».
ومن إحدى مهارات الطاهية الصاعدة؛ العثور على طرق عدة للتعامل مع منتج فاشل بابتكار طبقٍ جديد وشهي منه وبأقصى سرعة.
ربات البيوت غالباً ستصغينّ لنصيحتها «طالما أن نعمة الله موجودة بين يديّنا فلماذا لا نُعمل العقل؟! لا أبالغ... ستتدفق أكثر من مائة فكرة تتشعب عن مجرد كيك إسفنجي غير ناجح مثلاً بدلاً من إلقائه في القمامة، وأبسطها (حشوات الشوكولاتة)» أو حلا الكاسات)».
وتذكر أنه بفتات الخبز يمكن مفاجأة عائلتك بأنواع عدة من التيراميسو، وفي الفنادق؛ الفائض من كيك الأعراس يتم حفّه من الأطراف، ومن ثم تجميع الزوائد المتراكمة لإنتاج حلويات للبيع، مثل كرات التمر أو اللوتس، وكذلك الحال في معجنات الكرواسون قد تخفق معنا العجينة المورقة، وعندئذٍ يكون من الجيد أن تخطر لنا «أم علي» أو بودنج الخبز بالزبدة».
أما علم «الشوكولاتة» المتجدد، فلا تكتفي عاشقة مثل صابرين منه، وحتى ترتوي أكثر التحقت مدة عام بدورة تدريبية بمصنع متخصص في سويسرا... تستفيض بقولها «هي وعجينة السكر تحسنّان مزاجي بعد أن أرى مكونات أولية قد تحولت بأناملي إلى لوحة ناطقة»؛ في حين أن حبها وسعادتها يكبران مع الداكنة منها بحسب حديثها.
وبالعودة إلى القناة؛ فإن صاحبتها عادة تولي تعليقات المتابعين اهتماما وتتعاطف إن لزم الأمر، مضيفة «ذات مرة أرسلت لي أم تحدثني عن طفلها المصاب بـ(حساسية الجلوتين)، ورغبته في أن أنشر وصفات حلوى لا تسبب الحساسية حتى يحظى بتناولها كأخوته، لبّى قلبي طلبه وبدأت في تخصيص وصفات للأطفال الذين لديهم مشاكل صحية ولمرضى السكري».
رأسها يبدو مليئاً بالطموحات؛ وأياً كان ما حققته أو ستحققه؛ فإنها لا تبخل على نفسها التي «تنافسها وحسب» بنجمة متألقة كلما حققت هدفا لتشجعها بأعلى صوت «برافّو صابرين»، فتقدير الذات والتصالح معها «قانونها الفعال».


مقالات ذات صلة

«جارك».. تجمع الغرباء للأكل على مائدة واحدة

مذاقات «جارك».. تجمع الغرباء للأكل على مائدة واحدة

«جارك».. تجمع الغرباء للأكل على مائدة واحدة

على مائدة طعام، يتحلّق 14 شخصاً لا يعرفون بعضهم بعضاً، تدور مبادرة «جارك» التي أطلقتها غيدا حلو.

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات باستا نادرة جداً تصنع بواسطة اليد (نيويورك تايمز)

«سُو فيلينديو».. أندر معكرونة في العالم تتحدى الزمن بين جبال سردينيا

في أعماق جبال جزيرة سردينيا الإيطالية، لا تزال واحدة من أندر أنواع المعكرونة في العالم تُصنع يدوياً وفق تقاليد تعود إلى قرون.

مات غولدينغ (سردينيا - إيطاليا)
مذاقات أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)

المطاعم اللبنانية في لندن بين الإغلاق والافتتاح... والبقاء للأقوى

مشهد المطاعم اللبنانية حالياً في لندن متقلب وغير مستقر، حيث سمعنا منذ أيام قليلة عن إقفال عدد كبير من مطاعم «مروش» التي تُعد من أبرز الأسماء التي ساهمت في...

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟

كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟

لا يكاد مطبخ في العالم يخلو من الملح، ذلك المكون البسيط الذي يملك قدرة استثنائية على إبراز النكهات ومنح الأطعمة توازناً محبباً.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات يشارك في المهرجان نخبة من الطهاة والمطاعم (هيئة الفنون الطهوية السعودية)

السعودية في مهرجان «نكهة لندن»

تستضيف لندن مهرجان «تيست أوف لندن» أو «نكهة لندن» أحد أبرز الفعاليات العالمية المتخصصة في فنون الطهي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«جارك».. تجمع الغرباء للأكل على مائدة واحدة

جلسة دافئة تستحدثها «جارك» حول مائدة غيدا حلو (الشرق الأوسط)
جلسة دافئة تستحدثها «جارك» حول مائدة غيدا حلو (الشرق الأوسط)
TT

«جارك».. تجمع الغرباء للأكل على مائدة واحدة

جلسة دافئة تستحدثها «جارك» حول مائدة غيدا حلو (الشرق الأوسط)
جلسة دافئة تستحدثها «جارك» حول مائدة غيدا حلو (الشرق الأوسط)

على مائدة طعام، يتحلّق 14 شخصاً لا يعرفون بعضهم بعضاً، تدور مبادرة «جارك» التي أطلقتها غيدا حلو.

في لبنان، أمثلة كثيرة تُظهر أهمية العلاقات بين الجيران، إذ لطالما شكَّلت الأحياء والعمارات مساحة تواصل إنساني. كان الجيران يتبادلون الزيارات و«الصبحيات»، ويتشاركون موائد الغداء والعشاء. وحتى عند تحضير طبق لذيذ أو حلوى منزلية، لا يغيب الجار عن البال، فيُخصَّص له صحن محمّل بالمحبة.

من هذه الخلفية الاجتماعية تنطلق غيدا حلو، التي اعتادت في قريتها رؤية الجيران في منزل أهلها كجزء من الحياة اليومية. ومع انتقالها إلى بيروت لمتابعة دراستها الجامعية، قررت نقل هذا التقليد إلى المدينة. وتروي: «لم أكن أعرف أحداً في بيروت، كانت حياتي تسير بوتيرة روتينية. وفي أحد الأيام، في أثناء عودتي من الجامعة إلى المنزل في سيارة أجرة، اكتشفت أن زميلة لي تسكن في الحي نفسه وفي العمارة عينها. كنا جارتين من دون أن نعلم».

جلسة دافئة تستحدثها «جارك» حول مائدة غيدا حلو (الشرق الأوسط)

تساءلت غيدا: لماذا لا نستحدث مساحات نتعرّف فيها إلى أشخاصٍ جددٍ ونتبادل خبراتنا الحياتية، ونخلق علاقات تشبهها وصديقتها: «فكرت بإقامة نشاطات ومعارض وورشات تعليمية صغيرة. فأكوِّن بذلك مجتمعاً يكون بمثابة نموذج للشراكة وتبادل علاقات إنسانية مفيدة، يسهم في تطوير المهارات على أنواعها».

مع صديقتها، قررتا في عام 2018 المشاركة في مسابقة أطلقتها جامعة «ESA» في بيروت. وتوضح غيدا: «كان الهدف من المسابقة تقديم مشروع يسهم في تحريك وتطوير المدينة. لكنني وصديقتي رغبنا في طرح فكرة تتعلّق بالعلاقات الاجتماعية».

وتتابع: «فزنا بالمسابقة وحصلنا على مبلغ 5 آلاف دولار، على أمل ترجمة المشروع إلى واقع تحت اسم (جارك). لكن الأزمة الاقتصادية سرعان ما نسفت الحلم، بعد الاستيلاء على أموال المودعين من قبل المصارف».

وُلدت مبادرة «جارك» خلال جائحة «كورونا» (الشرق الأوسط)

تمسَّكتْ غيدا بمشروعها رغم هجرة صديقتها، لتتبلور فكرته بشكل أوضح خلال فترة الجائحة. وفي أثناء إقامتها في قريتها، أطلقت صفحةً إلكترونيةً خاصةً بالمبادرة، وبدأت من خلالها بدعوة الأصدقاء إلى التلاقي.

تقول: «تعرَّفت عبرها إلى مجموعات كبيرة من الناس انضمّت إلى (جارك) أونلاين».

وخلال سنتيّ الجائحة، تطوّر المشروع ونما، وتوسعت حلقات التلاقي لتشمل لبنانيين مقيمين في كندا وأوروبا وبلدان عربية.

ومع عودة الحياة تدريجياً إلى طبيعتها، راحت غيدا تنظّم ورش عمل، وتدعو الأصدقاء للمشاركة فيها. وتوضح: «هي ورش فنية وثقافية تتضمَّن معارض، إضافة إلى دعوات على الغداء أو العشاء».

كبرت هذه الحلقات لتخصّص لها أسواق مونة، وأخرى تُقام في مناسبات الأعياد. ومن موسم لآخر، تدعو غيدا 14 شخصاً إلى مائدة عشاء؛ بهدف توطيد العلاقات الاجتماعية في المدينة. وتشرح: «كنت أهدف إلى توثيق العلاقات الإنسانية عبر (جارك)، فصرت أدعو بين فترة وأخرى أشخاصاً لا يعرفون بعضهم بعضاً لتناول العشاء في منزلي. يساعدني في تحضير المائدة شيف لبناني، مع اختيار لائحة طعام ذات طابع محدّد».

مائدة «جارك» لتعزيز التواصل الإنساني بعيداً عن الـ«سوشيال ميديا» (الشرق الأوسط)

في التجربة الأولى، أعدّت غيدا إفطاراً مغربياً في شهر رمضان. وفي مرة أخرى، حضَّرت أطباقاً لبنانية كلاسيكية وتقليدية. وتروي: «منذ أيام قليلة، أعددنا مائدة طعام ترتكز على الحمضيات، فنحن في موسم الشتاء، وهي تنمو فيه، كما تساعد على التصدّي للرشح وأمراض البرد».

وتألّفت لائحة الطعام من حساء بالحوامض مع العدس، وطبق أساسي لبناني شهير هو «الكبّة الأرنبية»، المُحضَّرة بصلصة الطحينة والحامض أو «البوصفير»، وكانت محشوة بجبن الشنكليش. كما ضمَّت المائدة طبق سلطة من خضار موسم الشتاء، فيما جاءت الحلوى على شكل كيك نباتي مع صلصة بنكهة الليمون الحامض. ووقّع هذه الأطباق الشيف هشام أسعد.

تعلّق غيدا: «تعرَّفت إلى الشيف هشام منذ أيام الجائحة، وعندما طلبت منه مشاركتي في العشاء الأخير وافق من دون تردّد».

وتنوي غيدا تنظيم مائدة طعام جديدة مع أشخاص جدد مع بداية فصل الربيع. أما المدعوون، فتختارهم بعناية ليكونوا متجانسين ويشعروا بالراحة، بعضهم ينتمي إلى مشروع «جارك» فيدعون بدورهم أصدقاء لهم.

تقول: «في النهاية، أنا أدعوهم إلى منزلي في منطقة الأشرفية، وأحب أن يشعروا وكأنهم يتناولون الطعام في بيوتهم الخاصة».

وخلال هذه اللقاءات، يحصل التعارف بين الضيوف. فتُطرح أحياناً أسئلة تستحضر ذكريات بيروت الجميلة. وأحياناً أخرى يتم التعرّف إلى عادات وتقاليد رائجة في بلدات لبنانية.

وتضيف غيدا حلو: «أغتنم الفرصة أيضاً لتقديم أطباق بمكوّنات صحية، وأستعين بمجموعة من الحرفيين اللبنانيين العاملين في تحضير المونة، وآخرين يملكون مواهب في الرسم والتطريز وغيرها من الأعمال اليدوية. فهدفي الأساسي من مبادرة (جارك) هو تمكين التواصل المباشر بين الناس، بعيداً عن وسائل التواصل الاجتماعي».

وتضيف غيدا متحدثة عن حصيلة هذه المبادرة الإنسانية: «حقّقت ربحاً معنوياً ومادياً في آن. هناك أصحاب إنتاجات محلية وحرفيون يقدِّمون أعمالاً رائعة لكنهم غير معروفين. سلّطت الضوء عليهم وأسهمت في التعريف بهم من خلال الأسواق والمعارض».

وتختم: «كما أحرص دائماً على الاعتماد على أسواقنا المحلية لإعداد الطعام بمكوّنات عضوية. كل ذلك يشعرني بالامتنان، وبأن (جارك) تشقّ طريقها بقوة، تماماً كما تمنّيت».


«سُو فيلينديو».. أندر معكرونة في العالم تتحدى الزمن بين جبال سردينيا

باستا نادرة جداً تصنع بواسطة اليد (نيويورك تايمز)
باستا نادرة جداً تصنع بواسطة اليد (نيويورك تايمز)
TT

«سُو فيلينديو».. أندر معكرونة في العالم تتحدى الزمن بين جبال سردينيا

باستا نادرة جداً تصنع بواسطة اليد (نيويورك تايمز)
باستا نادرة جداً تصنع بواسطة اليد (نيويورك تايمز)

في أعماق جبال جزيرة سردينيا الإيطالية، لا تزال واحدة من أندر أنواع المعكرونة في العالم تُصنع يدوياً وفق تقاليد تعود إلى قرون. ويُعرف هذا الطبق باسم «سو فيلينديو»، ويُنظر إليه باعتباره أندر أشكال المعكرونة بين أكثر من 350 شكلاً معترفاً به رسمياً في إيطاليا.

وتُعد باولا أبرايني واحدة من قلة قليلة ما زالت تتقن هذه الحرفة النادرة، مؤكدة أن اندثارها سيعني فقدان جزء من هوية الجزيرة الثقافية.

فمن خلال عملية شدّ يدوية دقيقة، تتحول كرة واحدة من العجين إلى 256 خيطاً بالغ الرقة، وهي عملية متقنة أثبتت صعوبة نقلها إلى الأجيال الشابة. وكل تفصيل في «سو فيلينديو» له أهميته، بما في ذلك ارتباطها الوثيق ببيئتها المتوسطية المحيطة. وقالت أبرايني: «عندما تُجفف تحت أشعة الشمس تصبح خفيفة وذات لون ذهبي».

الباستا النادرة في إيطاليا (نيويورك تايمز)

وقبل عشرين عاماً فقط، كانت أبرايني من بين آخر الحراس لهذا التقليد المهدد بالاندثار، إلا أن جهودها الدؤوبة في تعليم الأجيال الجديدة أسهمت في إنقاذه من حافة الاختفاء.

وعلى مدى معظم تاريخها الممتد لقرون، انتقلت أسرار صناعة «سو فيلينديو» عبر مجموعة من النساء في مدينة نوورو الواقعة في الداخل الجبلي للجزيرة، حيث تعلمت أبرايني هذه الحرفة من حماتها وهي في السادسة عشرة من عمرها.

وبينما تُفرد معظم أنواع المعكرونة اليدوية في إيطاليا باستخدام عصا خشبية تُعرف باسم «ماتاريلو»، فإن كل عملية شدّ لعجين «سو فيلينديو» تقلل عرض الخيوط إلى النصف وتضاعف عددها.

من مراحل تصنيع الباستا النادرة في إيطاليا (نيويورك تايمز)

وبعد تكرار العملية ثماني مرات، يصل العدد إلى 256 خيطاً كما تقتضي الوصفة. ويتطلب هذا المستوى من الدقة مكوناً أساسياً غير سري تماماً هو الملح، الذي يقوي شبكة الغلوتين في الدقيق ويمنح العجين المرونة اللازمة لتمديده إلى هذا الحد من الرقة.

ولا يمكن تعلم هذه الحرفة من خلال الوصفات المكتوبة وحدها، بل تتطلب سنوات من الممارسة والخبرة العملية حتى تتمكن أطراف الأصابع من التمييز بين الدرجة المثالية والخطأ البسيط.

كما يتطلب إتقانها السيطرة على متغيرات كثيرة، منها تأثير المياه العسرة مقارنة بالمياه غير العسرة، وتوقيت إضافة محلول الملح، وكيفية التكيف مع الظروف الجوية. وقد جعل هذا المستوى من الالتزام كثيراً من الشابات المحليات يعزفن عن تعلمها.

وقد جاء كثيرون إلى نوورو لتعلّم هذه الصناعة الدقيقة، لكن القليل فقط تمكنوا من النجاح فيها. وحتى خبراء شركة بارِيلا، أكبر شركة معكرونة في العالم، لم يتمكنوا من فك أسرار هذه الخيوط.

باستا نادرة تصنع بواسطة اليد (نيويورك تايمز)

وترتبط «سو فيلينديو» ارتباطاً وثيقاً بموطنها في سردينيا، وهي بيئة قليلة السكان تزخر بالنباتات الخضراء والمتحدرات الصخرية الحادة والطعام الريفي والإيمان الراسخ.

وقد تشكّل جزء كبير من تاريخ الجزيرة وثقافتها بفعل العزلة، ولا يظهر ذلك بوضوح أكبر من مدينة نوورو، التي وصفتها الكاتبة غراتسيا ديليدا، الحائزة على جائزة نوبل للآداب عام 1926، بأنها «أكثر مدن الجزيرة ثقافة ونضالاً».

وفي قلب هذه الثقافة تقف رحلة حج كاثوليكية تُقام مرتين سنوياً، وتنطلق من كنيسة روزاريو في نوورو خلال شهري مايو (أيار) وأكتوبر (تشرين الأول).

فعند منتصف ليل الأول من مايو، ينطلق مئات الحجاج من نوورو، ويقطعون معاً أكثر من 20 ميلاً عبر تضاريس جبلية للوصول إلى كنيسة سان فرانشيسكو دي لولا في قرية لولا. ويسافر بعضهم ضمن مجموعات من الأقارب والأصدقاء يتبادلون القصص والأحاديث حتى ساعات الليل المتأخرة، بينما يفضل آخرون خوض رحلة تأمل فردية في الظلام.

هذا النوع من الباستا مرتبط بتقاليد إيطالية تاريخية (نيويورك تايمز)

وتصل أولى مجموعات الحجاج إلى مزار سان فرانشيسكو دي لولا مع شروق الشمس فوق القمم الكلسية لسلسلة مونتي ألبو الجبلية، لتغدو الرحلة الروحية مغمورة بضوء النهار.

وتقول الروايات المحلية إن قاطع طريق في القرن السابع عشر اتُّهم زوراً بجريمة قتل. وبعد تبرئته، بنى كنيسة خارج قرية لولا وكرسها للقديس فرنسيس الأسيزي، المدافع عن الفقراء وحامي الطبيعة.

وتثير الرحلة الليلية طيفاً واسعاً من المشاعر لدى حجاج سردينيا، من الفرح والأمل إلى الوقار والتطهر الروحي. ويحتمل الحجاج مشقة الطريق، فيما يرد المجتمع المحلي بكرم ضيافة يعيد إليهم نشاطهم عبر الماء والقهوة وحمامات القدمين، وأخيراً طبق من المعكرونة.

وإذا سألت الحجاج عن سبب قيامهم بهذه الرحلة، فستحصل على إجابات مختلفة: من أجل الإيمان، أو الفخر، أو شخص عزيز، أو الرياضة، أو بالطبع من أجل المعكرونة. لكن أمراً واحداً يكاد يجمع عليه معظمهم: هنا تبلغ «سو فيلينديو» أفضل مذاق لها.

ولقرون طويلة، كانت هذه المعكرونة تُقدم حصرياً في سان فرانشيسكو دي لولا. لكن بعض مطاعم سردينيا بدأت في السنوات الأخيرة بتقديمها خارج إطار الحج. ومع ذلك، يبقى للسياق أهميته؛ فالمذاق لا يكون نفسه عندما تُؤكل في أي وقت آخر بعيداً عن مسيرة جبلية استمرت طوال الليل. فالعبرة تكمن في الجهد المبذول، سواء في إعداد المعكرونة أو في الرحلة للوصول إليها.

ويفوق عدد الأغنام، التي يعيش كثير منها في تلك الجبال نفسها، عدد سكان سردينيا بنسبة اثنين إلى واحد.

وتؤدي الأغنام دوراً محورياً في ثقافة الجزيرة ومطبخها، بما في ذلك استخدامها أساساً لمرق «سو فيلينديو».

ويتطلب إعداد الطبق جهود مجتمع كامل، لكن توزيع الأدوار في مطبخ سان فرانشيسكو دي لولا واضح: الرجال يُعدون المرق، والنساء يطهين المعكرونة ويباركنها. وقبيل التقديم مباشرة تُضاف مكعبات طرية من جبن حليب الأغنام إلى المرق. والنتيجة النهائية أكثر نعومة مما قد يوحي به هذا المزيج؛ فهي عطرية ولطيفة وتميل إلى الحلاوة الخفيفة.

وعلى مدى ثلاثة قرون، ظل الحج وطبق «سو فيلينديو» مرتبطين ارتباطاً لا ينفصم. وتكمن قوة هذه الرحلة في التوازن بين العزلة والتواصل، والتضحية والضيافة، والألم والبهجة. وبينما واظب بعض الحجاج على تناول عشرات الأطباق من «سو فيلينديو» على مدى عقود، يبدأ آخرون اليوم أولى خطواتهم في هذه الرحلة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


المطاعم اللبنانية في لندن بين الإغلاق والافتتاح... والبقاء للأقوى

أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
TT

المطاعم اللبنانية في لندن بين الإغلاق والافتتاح... والبقاء للأقوى

أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)

مشهد المطاعم اللبنانية حالياً في لندن متقلب وغير مستقر، حيث سمعنا منذ أيام قليلة عن إقفال عدد كبير من مطاعم «مروش» التي تُعد من أبرز الأسماء التي ساهمت في ترسيخ حضور المطبخ اللبناني في العاصمة البريطانية على مدى أكثر من أربعة عقود. وجاء هذا الخبر بعد اختفاء أسماء معروفة أخرى من الساحة اللندنية مثل «عبد الوهاب» و«نورا»، وهي مطاعم لعبت دوراً أساسياً في التعريف بالمطبخ اللبناني واستقطاب أجيال من الزبائن من العرب والبريطانيين على حد سواء.

ديكورات تذكرك ببيوت لبنان العتيقة (الشرق الأوسط)

لكن الصورة ليست سوداوية بالكامل، فبالتوازي مع هذه الإغلاقات، تشهد لندن افتتاح مطاعم لبنانية جديدة تسعى إلى تقديم تجربة مختلفة تجمع بين الأصالة والحداثة، ومن بينها مطعم «كينز» وغيره من المشاريع التي تعكس استمرار جاذبية المطبخ اللبناني وقدرته على التجدد. وبين أفول أسماء صنعت تاريخاً طويلاً وولادة علامات جديدة تحمل رؤى مختلفة، يبرز سؤال جوهري حول التحولات التي يشهدها قطاع المطاعم اللبنانية في لندن ومستقبله في سوق تتغير ملامحه باستمرار، مع إقرار بأن البقاء سيكون للأقوى بينها. وفي ظل هذا المشهد، أصبح افتتاح أي مطعم لبناني جديد يحمل رؤية واضحة حدثاً يستحق التوقف عنده. من هنا يأتي مطعم «كينز» (Kinz) في منطقة نوتينغ هيل، الذي يسعى إلى إعادة تقديم المطبخ اللبناني كما يعرفه أبناؤه: مطبخاً قائماً على المشاركة والكرم والنكهات الأصيلة، ولكن ضمن إطار عصري يواكب الذائقة اللندنية المعاصرة.

الكبة من الأكلات اللذيذة في "كينز" (الشرق الأوسط)

كنا من بين أوائل الزوار الذين قصدوا «كينز» بعد يومين فقط من افتتاحه. والمفارقة أن اللافتة الخارجية للمطعم لم تكن قد رُكبت بعد، إلا أن ذلك لم يمنع عشاق الطعام من العثور على العنوان الجديد. فالمكان كان مكتظاً بالكامل، فيما تنوعت جنسيات الحاضرين في مشهد يعكس الفضول الكبير الذي أثاره المطعم منذ أيامه الأولى.

ويحتل المطعم مبنى تاريخياً كان سابقاً فرعاً لبنك «لويدز» يعود إلى ثلاثينات القرن الماضي، من تصميم المعماري البريطاني الشهير السير إدوارد موف. وقد نجح القائمون على المشروع في الحفاظ على الكثير من الملامح المعمارية الأصلية للمبنى، مع إعادة توظيفها ضمن تصميم داخلي أنيق يجمع بين الحداثة والتراث، واللافت هو أن هناك تفاصيل صغيرة تعيد إلى ذاكرة اللبنانيين حيثيات صغيرة يرونها كل يوم في شوارع بيروت ودكاكينها مثل الخيم المقلمة التي تظلل مدخلها وواجهاتها وأرضية وبلاط بيوتها القديمة الأملس من كثرة المشي عليه، فيُخيَّل للناظر أن الزمن أذابه من كثرة المشي عليه، والزهرة التي رسمت على فناجين القهوة التراثية التي حولها «كينز» إلى شعار على شكل دبوس يضعه الندل على زيهم وأسياخ توضع عليها المشويات.

ديكور بسيط وجميل (الشرق الأوسط)

منذ اللحظة الأولى يلفت الانتباه المدخل الواسع والأسقف المرتفعة التي تمنح المكان إحساساً بالرحابة. كما جرى الحفاظ على عدد من التفاصيل الأصلية في الجدران، ومنها بقايا كلمات إنجليزية تعود إلى متجر كان ملاصقاً للبنك في الماضي، في لمسة تضيف بعداً تاريخياً للمكان.

ويقود سلم طويل إلى الطابق العلوي حيث تتوزع جلسات مريحة تطل على القاعة الرئيسية، بينما يوفر الطابق الأعلى مساحة أكثر خصوصية للراغبين في أجواء هادئة. وعلى امتداد السلم تتزين الجدران بصور فوتوغرافية كبيرة توثق مشاهد من لبنان بعدسات مصورين محليين.

جلسات جميلة ومتوزعة بشكل مريح (الشرق الأوسط)

أما أبرز مفاجآت التصميم فتتمثل في غرفة الطعام الخاصة الموجودة في الطابق العلوي، والتي تتسع لمجموعة محدودة من الضيوف. وتلفت الأنظار فيها وحدات الإضاءة المصممة على شكل أزهار بيضاء، والتي قامت شركة لبنانية بتصميمها وتنفيذها في بيروت خصيصاً لهذا المشروع.

وعند العودة إلى الطابق الأرضي، تبدو العناية بالتفاصيل واضحة في توزيع الطاولات؛ إذ تفصل بينها مساحات مريحة تتيح للزبائن الاستمتاع بوجباتهم من دون الشعور بالازدحام. كما تسود المكان ألوان هادئة مستوحاة من طبيعة البحر المتوسط وحقول الزيتون.

أما لمن يرغب في استكشاف تاريخ المبنى، فيمكنه اختيار الجلوس داخل الغرفة الخلفية التي كانت في السابق خزنة البنك. ولا يزال الباب الحديدي السميك والثقيل قائماً حتى اليوم، شاهداً على الوظيفة الأصلية للمكان قبل تحوله إلى أحد أكثر العناوين الجديدة إثارة للاهتمام في نوتينغ هيل.

أصحاب مطعم "كينز" الجديد (الشرق الأوسط)

ويقف وراء المشروع رشا خوري بروزو، الشريكة المالكة لمطعم «أكوب»، بالتعاون مع الشقيقين جاد وكريم لحود، في رؤية مشتركة ترتكز على الكرم والدفء العائلي وتقاليد الضيافة اللبنانية الأصيلة.وتعتمد قائمة الطعام على مفهوم المشاركة، حيث تنقسم الأطباق بين مجموعة من المقبلات اللبنانية التقليدية وأطباق رئيسية أكبر حجماً مستوحاة من وصفات توارثتها الأجيال.

وفي حديث مع رشا خوري بروزو وجاد لحود، أوضحت رشا أن الفكرة الأساسية للمطعم تقوم على تقديم أطباق لبنانية تشبه «أكل البيت» بأسعار معقولة. وقالت إنها لا تؤمن بالمبالغة في أسعار الطعام إلى درجة تحول دون تمكين الناس من الاستمتاع بمكونات جيدة وأطباق محضرة بعناية.

من جهته، أوضح جاد لحود أن معظم الوصفات المدرجة على قائمة الطعام تعود إلى والدته إيلين لحود، التي لا تزال تشرف بنفسها على إعداد عدد من الأطباق داخل المطبخ، بمساعدة فريق متعدد الجنسيات، حفاظاً على النكهة المنزلية الأصيلة التي يقوم عليها مفهوم المطعم.

ويولي «كينز» اهتماماً خاصاً بالأطباق النباتية المستوحاة من مطبخ القرى اللبنانية. ومن أبرزها فتة الباذنجان الغنية باللبن والرمان والمكسرات والخبز المقرمش، إضافة إلى الملفوف المحشي.

وعند المدخل، سيكون بإمكان الزوار شراء المأكولات الجاهزة مثل الكبة والفطاير وخلطات التوابل والمعلبات المنزلية.

ديكورات جميلة وبسيطة بنفس الوقت (الشرق الأوسط)

وعندما سألنا رشا وجاد عن شعورهما بعد الإقبال الكبير الذي شهده المطعم خلال أيامه الأولى، بدت الدهشة واضحة على وجهيهما. وقالت رشا: «الأمر لا يصدق. لا توجد حتى الآن لافتة تحمل اسم المطعم فوق الباب، ومع ذلك لم نكن نتوقع هذا الكم من الزبائن. بعض الأطباق نفدت اليوم لأننا لا نخزن الطعام ولا نثلجه، وكل شيء يُحضّر طازجاً وفي وقته».

ومن التفاصيل المحببة أيضاً أن المطعم يحيي جانباً من الثقافة الاجتماعية اللبنانية من خلال دمج طاولات الزهر والطاولة في تصميم البار وبعض المساحات المشتركة، في استحضار لذكريات الجلسات الطويلة التي تجمع الأهل والأصدقاء.

غرفة طعام خاصة للمجموعات الباحثة عن الخصوصية (الشرق الأوسط)

ويحمل المطعم اسم «كينز» أو «كِنز» بكسر الكاف، في إشارة إلى الكنز الثقافي والغذائي الذي يمثله المطبخ اللبناني. وهو اسم يعكس فلسفة المشروع القائمة على الحفاظ على الوصفات التقليدية والنكهات الأصيلة، مع تقديمها برؤية معاصرة تناسب جمهور لندن المتنوع.

في وقت أصبحت فيه المطاعم اللبنانية المتميزة أقل عدداً مما كانت عليه في السابق، يبدو «كينز» إضافة مرحَّباً بها إلى المشهد الغذائي في العاصمة البريطانية. فالمطعم لا يراهن على الفخامة أو الاستعراض بقدر ما يراهن على وصفات عائلية صادقة، ومكونات جيدة، وأجواء تذكر بزمن كانت فيه مائدة الطعام اللبنانية مساحة للقاء والمشاركة والكرم. وربما لهذا السبب بالتحديد، امتلأت طاولاته منذ أيامه الأولى.