إدغار موران... من «الإنفلونزا الإسبانية» وصولاً إلى «كورونا»

الفيلسوف الفرنسي يصدر في عيده المائة كتابه «فلنغيّر الطريق»

إدغار موران
إدغار موران
TT

إدغار موران... من «الإنفلونزا الإسبانية» وصولاً إلى «كورونا»

إدغار موران
إدغار موران

من الإنفلونزا الإسبانية وصولاً إلى «كورونا»، تسعة وتسعون عاماً، عاشها الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي الكبير إدغار موران. لم تكن سنوات سهلة، لكنها صنعت منه شاهداً استثنائياً على عصر، ليس ككل العصور، وأخرجت منه كائناً مفكراً سطع نجم أفكاره الخارجة من رحم نضال فكري وحياتي.
في كتابه «فلنغيّر الطريق» الذي سطره تحت وطأة الوباء الجديد أو ما أسماه «دروس كورونا»، وهو يقارب الاحتفال ببلوغه المائة، يستعيد موران شريط حياته الشخصي، من خلال رؤيته لمسار البشرية منذ الحرب العالمية الأولى وما تركته من ويلات، وما بين الحربين الكبيرتين من فوضي واضطراب ومن ثم فظائع الحرب الثانية، وما تبعها من تيارات وإعادة نظر في تركيب العالم، ومن ثم النهوض، والازدهار، المفخخ ببذور الفشل والانهيار، وصولاً إلى اللحظة المزلزلة التي نعيشها اليوم.
فاجأ الوباء الجديد موران، لكنه كما يقول لم يباغت تفكيره الذي تعود المحن. فهو «طفل كل الأزمات»، وحكيم يعرف كيف «يتوقع غير المتوقع». موران يكتب كمن يوصينا بالعودة عن الضلال؛ لأنه يخشى من الانحدار، وقلق من اندلاع البربرية واحتمال حدوث كوارث تاريخية، يرى نذرها ماثلة أمامه. لهذا «أريد أن أوقظ الوعي، وأكرّس طاقاتي الأخيرة لهذا الكتاب».
ولد ادغار موران مختنقاً بحبله السري، ونجا كأنه استفاق من الموت. ولا يزال إلى اليوم يشعر بنوبات اختناق وضيف تنفس. والدته توفيت وهو صغير ضحية الإنفلونزا الإسبانية. غفت ولم تستيقظ في محطة قطارات «سان لازار» الباريسية.
في عمر العاشرة أصبح يتيماً يعيش مع والده الذي يعاني من موجة الكساد الاقتصادي الكبير، وقد أخذت تجتاح العالم. «بين عامي 1921 - 1931 انقلبت حياتي رأساً على عقب، بسبب الإنفلونزا الإسبانية. منذ عام 1931 بدأ يتشكل ذهني من خلال المعاناة، وتحت وطأة الصدمات المتتالية الناجمة عن آثار معاهدة فرساي، التي وضعت حداً للحرب العالمية الأولى، وزرع بذور الثانية، وتأجيج الأزمات. مما تسبب في دمار سياسي واجتماعي».
لا يرى موران فصلاً بين الخاص والعام، فتلك الأحداث كانت من الأهمية بحيث إنها دخلت كل بيت، ومسّت كل عائلة. «كنت في الثالثة عشرة من عمري عندما دخلت السياسة في رأسي». هتلر أصبح مستشاراً لألمانيا، فضائح فساد عارمة، تحالف الشيوعيين والاشتراكيين ضد الفاشية، مواجهات بين اليمين واليسار. دخلت الانقسامات حتى الصفوف المدرسية، وبدا العالم سائراً بقوة صوب الحرب.
«أصبح كل شيء موضع تساؤل»، يقول موران «كل شيء تحول إلى مشكلة: الديمقراطية، الرأسمالية، الفاشية، مناهضة الفاشية، الشيوعية الستالينية، مناهضة الشيوعية الستالينية (التروتسكية)، الإصلاح، الثورة، القومية، الأممية، الطريق الثالثة، الحرب والسلام، الخطأ، الصواب».
الحرب الثانية جاءت نتيجة حدوث كل ما لم يكن متوقعاً. «لقد غيرتني الحرب»، يقول «كانت مقاوماً معادياً للنازية، ولم أكن أبداً معادياً لألمانيا... بينما كنت شيوعياً كنت أيضاً ناشطاً في حركة المقاومة الديجولية، وبينما كنت مرتبطاً بالحبل السري للحزب، بقيت مستقلاً». الحماسة للشيوعية انطفأت بعد حين. «انجرف ذهني تحت المسار العنيف للأحداث، واستخلصت الدرس في كتابي (النقد الذاتي) لأستعيد روحي الناقدة ويقظتي الداخلية». كل ما يعنيه اليوم من تلك الفترة هي روح المقاومة لديه، التي أدرك سريعاً أن لها وجوهاً كثيرة عليه أن يختار بينها.
انحاز إلى جانب مطلب الجزائريين في الاستقلال، ثم كان من المتحمسين لثورة الطلاب في مايو (أيار) 68. وبدأ وعيه البيئي باكراً منذ مطلع السبعينات وهو يطلع على تقرير «ميدوز» الذي جعل منه أحد رواد السياسة البيئية، يوم لم يكن هذا الموضوع يعني كثيرين. فهم أن الأمر لا يقتصر على حماية الطبيعية من حجر وشجر، وإنما أيضاً حفظ الإنسان. لكنه يستغرب في الوقت نفسه «البطء الشديد في الوعي البيئي، وعدم اكتماله بعد خمسين عاماً رغم وصول البشرية إلى حافة الكارثة».
منذ ثمانينات القرن الماضي وموران يقاوم ضد بربريتين تهددان الإنسانية: البربرية القديمة الآتية من أعماق عصور الهيمنة والاستعباد والكراهية والازدراء للآخر، وما رافقها من عنصرية في الحروب في الشرق الأوسط وأفريقيا. وبربرية ثانية هي حسابات الربح والجشع التي باتت تتحكم في العالم.
وفي النصف الثاني من الكتاب الذي خصصه للفترة الراهنة يتحدث عن الأزمة العملاقة الناتجة عن الوباء، ويعتبر أنها تكشف غور أزمة النموذج الغربي أو نموذج الحداثة، الذي ولد بجميع فروعه التنظيمية، في القرن السادس عشر. وها نحن بعد أربعة قرون، نعيش مخاض ولادة نموذج جديد وتفكك القديم، في ظل الألم والفوضى، دون جهوزية كافية.
ومن مفاعيل «كورونا» ودروسها، انهيار الأسطورة الغربية عن الإنسان «سيد الطبيعة ومالكها». وانتهاء القناعة بأن التقدم التكنولوجي والاقتصادي وحدهما يحققان الغايات الإنسانية. وقد تيقن البشر من أن المنافسة الحرة والنمو الاقتصادي ليسا الشرطين الرئيسيين للرفاهية الاجتماعية. ومن النتائج المفيدة زعزعة اليقينيات والعودة إلى الشك، والتفكير بأن الحياة مغامرة غير مؤكدة. أوليس ما يحدث يدفع إلى التساؤل حول جدوى الاستهلاك، ونحن نشاهد الحركات التضامنية التي عمّت العالم مع بروز الوباء، وهو ما كان عزيزاً قبله. لقد تكشفت أوضاع مأساوية في مجتمعات متحضرة. أشخاص وحيدون، أرامل، نساء مهجورات، كبار في السن متروكون، شباب معدمون، موظفون فقدوا أعمالهم، عاملون في المجال الصحي تركوا يجابهون الموت وحدهم. الوباء أثبت أكثر من أي وقت، فشل المجتمع الفرنسي، ومجتمعات غربية أخرى، مقارنة بمجتمعات آسيوية، في الشرق الأقصى مثل فيتنام وكوريا الجنوبية أو حتى شمال أفريقيا، بدت أكثر فاعلية وتكاتفاً، وتعاضداً.
ولا يفهم موران لماذا، يزدري الطب الغربي العلاجات الآسيوية مثلاً، بدلاً من أن يستفيد منها، كالوصفات الأفريقية التي استخدمت بنجاح ضد الملاريا، أو تلك التي تستخدم في مدغشقر، واعترفت بها منظمة الصحة العالمية.
إنه «ثقب أسود هائل» في الذهن الغربي، ينمّ عن خلل في أسلوب المعرفة. «فقد تمت تجزئة كل القضايا، بينما هي مجموعة عناصر، تتكامل مع بعضها بعضاً». إذ يعود موران في هذا الكتاب إلى فلسفة التعقيد والتركيب التي عرف بها. ويعيب على الغرب، تقسيمه المعارف وتشتيتها بدلاً من ربطها، وتقييده لنفسه بحتميات بينما الحياة قائمة باستمرار على حدوث غير المتوقع. ثمة اطمئنان مبالغ فيه، إلى المعرفة الحسابية، رغم أن حقائق بشرية مثل الحزن والفرح، والألم، السعادة، الكراهية، لا تخضع للدراسات الاستقصائية البيانية، كما يحتسب الناتج المحلي.
تسبب هذا التشخيص الغربي الحسابي، والتعطش المحموم للربح، إلى كوارث بشرية، تصاعدت منذ بدء الوباء ولا تزال تتعاظم.
ويخصص الكتاب صفحات للسياسة النيوليبرالية التي هيمنت على معظم دول العالم ويحملها آثام الإخفاقات المتتابعة. حيث طرحت المنافسة الحرة، كحل لكل المشكلات الاجتماعية، فيما هي الطريق الأقصر لجعل التفاوت الطبقي رهيباً وظالماً، خاصة في ظروف خاصة كالوباء. كذلك كشفت «كورونا» عن مخاطر الاعتماد الكامل على المنتجات الأجنبية، من أدوية ومعدات صحية وغيرها، وترك المجتمعات الغربية عارية من احتياجاتها الأولية، حين تكون في أمس الحاجة إليها. وهو ما يطرح السؤال حول ضرورة تنظيم العولمة، لا سيما في موضوعي الصحة والغذاء، وحتى العلاقات الإنسانية والصحة النفسية، وغيرها.
ثمة فصل يحمل اسم «طريق التغيير»، يرى من خلاله أن الثورة ليست السبيل الأنجع لإرساء نظام جديد؛ لأن الثورات غالباً ما تنتج اضطهاداً بدلاً من أن تولد تحرراً. الحل هو في بلورة مشروع اجتماعي ثابت وصلب، وفتح مسارات التحول التدريجي، من خلال المثابرة والإصرار.
ولموران «اقتراحات إرشادية» لإنقاذ المستقبل، من بينها «إضفاء الطابع الإنساني على المجتمع»، وإعادة إحياء السياسات الوطنية المبنية على قيم العدالة. ومن غير الوارد إيقاف قطار العولمة، لكن من الضروري عدم حصر أغراضها بالطابعين التقني الاقتصادي السائدين، دون تنمية الروابط والتعاون بين أهل الأرض.
الكتاب الصغير لموران، يرسم رؤية بانورامية شاملة لما يمكن أن تكون عليه طريق الغد، تشمل معالجته كل جانب، بما فيها الزراعة، المياه، الصناعة، السياسة، الاقتصاد، المناخ، الصحة، التعليم. وهي رؤية تعول على التكامل والتناغم والانسجام. ترى في العولمة فرصة، لابتكار إنسانية جديدة أكثر رفاهية وأقل هدراً. فالمطلوب فعلياً اليوم هو التخلي ولو جزئياً عن «اقتصاد العبث والخداع»، وخفض إنتاج المواد الغذائية المصنعة والتقليل من المنتوجات غير القابلة للتدوير، والحد من حركة السيارات. والتوقف عن التلويث وتسميم الطبيعة، والسعي من أجل حياة خضراء، بدلاً من تبرير كل الخراب الذي يرتكب باسم المكننة التي يراد لها أن تطبق على دون رحمة على الإنسان كأنه مجرد آلة.



الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
TT

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)

ودّع الوسط الفني في مصر، الخميس، الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق، الرئيس الأسبق للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الذي قدم العديد من الأعمال المسرحية المهمة على مدى تاريخه الفني الذي بدأ منتصف الثمانينات من القرن الماضي، كما شارك في العديد من الأعمال الدرامية لتي قدم فيها أداءً متميزاً.

ونعت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، الفنان القدير ياسر صادق، الذي وافته المنية، الخميس، «بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإبداع، قدّم خلالها نموذجاً للفنان المثقف الملتزم بقضايا مجتمعه، فأسهم بإخلاص في إثراء الحركة المسرحية والفنية في مصر، سواء من خلال أعماله الإبداعية أو إدارته للمؤسسات الثقافية، تاركاً بصمة واضحة في وجدان جمهوره وتلاميذه ومحبيه»، وفق بيان للوزارة.

ونعت نقابة المهن التمثيلية الفنان الراحل، وقالت في بيان: «رحل الفنان القدير بعد مسيرة فنية مشرفة قدّم خلالها العديد من الأعمال التي تركت أثراً واضحاً في الساحة الفنية، وكان مثالاً للفنان الملتزم صاحب الحضور الهادئ والروح الطيبة».

ونعى المخرج هشام عطوة، رئيس قطاع المسرح في وزارة الثقافة، الفنان، قائلاً في بيان: «فقدنا اليوم شخصية فنية جادة، قدمت العديد من الأعمال الفنية الناجحة»، مشيراً إلى ما قدمه الفنان القدير ياسر صادق من جهود مخلصة بالوزارة أثْرت العمل الثقافي.

الفنان ياسر صادق (وزارة الثقافة)

وقدم الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق العديد من الأعمال في التلفزيون والسينما والمسرح، وحصل على جوائز عديدة بالمسرح الجامعي منذ بداية دخوله مجال الفن، منها مخرج أول جامعة القاهرة وممثل أول الجامعة، ثم ممثل أول الجامعات المصرية عام 1985، والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل والإخراج وتخرج فيه عام 1994، وشغل منصب مدير عام المسرح الحديث، ثم رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.

ونعى رئيس دار الأوبرا المصرية، الدكتور علاء عبد السلام، صادق وقال إن «الراحل ترك بصمات واضحة في الساحة الإبداعية بأعمال بارزة، كما شارك بجهود دؤوبة ورؤية فريدة فى إثراء ميدان الثقافة المصرية».

ونعى المخرج عادل حسان، مدير المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الفنان الراحل، وقال: «لقد كان الراحل رئيساً للإدارة المركزية للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية لمدة أربع سنوات، قدم خلالها العديد من الإنجازات الإدارية الملموسة داخل هذا الصرح الفريد بوزارة الثقافة، كما أثرى الساحة الفنية المصرية بأعمال خالدة، وترك بصمة مميزة في وجدان الجمهور وذاكرة الفن المصري، وتميز الفقيد بإخلاصه لفنه».

وبالإضافة إلى شهرته في التمثيل والإخراج المسرحي، حيث قدم العديد من الأعمال من بينها «لكع ابن لكع» في مسرح الجامعة، ومسرحية «سي علي وتابعه قفة» و«حوش بديعة»، فقد شارك الفنان الراحل في العديد من الأعمال السينمائية والدرامية وعرف بأدواره البارزة في المسلسلات التاريخية مثل «أبو حنيفة النعمان»، و«عصر الأئمة» و«القضاء في الإسلام» و«ابن حزم»، وأحدث أعماله التاريخية كان ضمن مسلسل «الحشاشين»، وشارك في مسلسل «المداح» و«عهد أنيس» في السنوات الأخيرة، كما شارك في العديد من الأفلام من بينها «امرأة هزت عرش مصر» و«دانتيلا» و«بالألوان الطبيعية».


هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
TT

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام؛ نظراً لصيام ساعات طويلة يليها تناول وجبات دسمة بعد الإفطار.

ويسعى كثير من الناس خلال الإفطار لتعويض الطاقة المفقودة بسرعة، وغالباً ما يكون البروتين جزءاً كبيراً من وجبات الإفطار والسحور، سواء من اللحوم الحمراء أو البيضاء، أو منتجات الألبان.

ويؤكد خبراء التغذية أن البروتين عنصر أساسي لبناء العضلات، وصيانة الأنسجة، ودعم جهاز المناعة. وتحتوي اللحوم، والأسماك، والدواجن، والبيض، على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، في حين يمكن الحصول على البروتين النباتي من مصادر مثل البقوليات والمكسرات. والسؤال هنا: هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان مفيد أو ضار للصحة؟

تشير الدكتورة فينا في، أخصائية التغذية السريرية في الهند، إلى أن البروتين الحيواني يمتصه الجسم بكفاءة أكبر مقارنة بالمصادر النباتية، ويمنح شعوراً بالشبع لفترة أطول، ما يساعد على التحكم في الشهية خلال الإفطار بعد يوم طويل من الصيام، حسب شبكة «إنديا تي في» الهندية.

وتضيف أن قوائم الإفطار غالباً ما تركز على اللحوم، ويمكن أن يكون ذلك مفيداً إذا تم اختيارها بعناية، موضحة أن تناول البروتين باعتدال يبطئ امتصاص الكربوهيدرات، ويساعد على استقرار مستويات السكر في الدم.

وتوصي الدكتورة فينا باختيار مصادر بروتين منخفضة الدهون، وطهيها بطريقة صحية، مثل الدجاج المشوي، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب القلي الذي يزيد من الدهون غير الصحية ويؤدي إلى شعور بالكسل بعد الوجبة.

ووفق الدكتورة روزماي تراوت، أستاذة علوم الغذاء في جامعة دريكسل الأميركية، فإن اللحوم مصدر غني بالبروتين الكامل الذي يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، إضافة إلى فيتامين «B12»، والحديد، والزنك، وفق صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

في حين تشير اختصاصية التغذية الأميركية لورين مانكر إلى أن تناول اللحوم يومياً ممكن إذا كانت طازجة وغير مصنعة وبحصص معتدلة، مع دمجها بالخضراوات والألياف لتحقيق توازن غذائي صحي.

مخاطر الإفراط في البروتين

رغم فوائد البروتين العديدة، يشير خبراء التغذية إلى أن الإفراط في تناوله بشكل يومي، خصوصاً خلال رمضان، قد يؤدي إلى عدة مشاكل صحية؛ فاللحوم الغنية بالدهون تحتوي على كولسترول ودهون مشبعة قد ترفع مستويات الكولسترول الضار في الدم، مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب.

عبء إضافي

كما أن تناول كميات كبيرة من البروتين يفرض عبئاً إضافياً على الكلى والكبد، خصوصاً لدى من لديهم مشاكل صحية سابقة. إضافة إلى ذلك، فإن اللحوم المصنعة مثل النقانق واللحم المقدد، تحتوي على ملح وسكر ودهون إضافية، وهي غير مناسبة للاستهلاك اليومي، وقد يرهق الإفراط في البروتين بعد صيام طويل الجهاز الهضمي، مسبباً شعوراً بالثقل أو الانتفاخ أو الإمساك، خصوصاً إذا قل تناول الألياف والخضراوات.

ولتجنب هذه المخاطر، ينصح خبراء التغذية بالاعتدال في حصص البروتين، بحيث لا تتجاوز الوجبة الواحدة 3 إلى 4 أونصات، مع مزج البروتين الحيواني بمصادر نباتية مثل الفاصوليا والمكسرات.

كما يُفضل اختيار البروتين الصحي، مثل الدجاج الأبيض، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب اللحوم المصنعة والمقلية.

ويُنصح أيضاً بتوزيع البروتين على وجبتَي الإفطار والسحور لتقليل الضغط على الجهاز الهضمي، والحفاظ على مستويات الطاقة طوال اليوم، مع التركيز على تناول الخضراوات والألياف التي تساعد على الهضم وتحافظ على صحة الأمعاء، وشرب الماء بانتظام لتعويض السوائل اللازمة لترطيب الجسم بعد الصيام.

أما بالنسبة للكميات الموصى بها، فالجرعة اليومية من البروتين تبلغ 0.8 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم، وقد تختلف حسب مستوى النشاط البدني. ووفقاً لإرشادات النظام الغذائي الأميركي، يُنصح بتناول نحو 26 أونصة؛ أي نحو 736 غراماً، من اللحوم والدواجن والبيض أسبوعياً.


«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

في الفيلم الأرجنتيني «قطار النهر»، لا يبدأ كلُّ شيء من لحظة الهروب، بل من لحظة الشكّ الأولى؛ تلك اللحظة الخفية التي يُدرك فيها طفلٌ أن العالم أكبر من حدود قريته، وأن الصورة التي رسمها في خياله عن المدينة قد تكون أوسع من قدرته على احتوائها.

هنا، لا تبدو المغادرة فعلاً بطولياً ولا نزوة عابرة، بل سؤالاً داخلياً ينمو بصمت حتى يصير قراراً. الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى في الدورة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، كتب السيناريو الخاص به وأخرجه الثنائي الأرجنتيني الشاب لورينزو فيرو ولوكاس فينيالي. لا يتعامل العمل مع الرحلة بوصفها مغامرةً طفولية، بل بوصفها عتبة عبور بين مرحلتين: براءةٍ تعتقد أن الحلم وحده يكفي، ووعيٍ يتعلّم تدريجياً أن الطريق إلى الحلم ليس كما تصوّره الأفلام.

ومن هذه المسافة بين الصورة والواقع، تتشكّل حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتحوّل تدريجياً إلى تأمّل بصري وإنساني في معنى الحرية الأولى، وفي الثمن الصامت الذي يدفعه الإنسان حين يقرر أن يختبر العالم وحده.

مخرجا الفيلم الأرجنتيني (الشركة المنتجة)

تدور القصة حول «ميلو»، الطفل الذي يعيش في قرية أرجنتينية نائية، ويتدرّب يومياً على رقصة المالامبو تحت إشراف والده، ضمن إطار عائلي واضح التوقعات والملامح. ترى الأسرة فيه امتداداً لتقاليدها، بينما يرى هو في نفسه شيئاً آخر لم تتضح ملامحه بعد.

العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيرس، ليست بالنسبة إليه مجرد مدينة؛ إنها صورة تعلّمها من السينما والتلفزيون، مساحة افتراضية للحرية والانطلاق. وحين يقرر أن يستقل القطار ويرحل، فإن الرحلة لا تقوده فقط من الريف إلى العاصمة، بل من طفولة ساكنة إلى تجربة أكثر تعقيداً.

يقول لورينزو فيرو لـ«الشرق الأوسط» إن الدافع الأول وراء «قطار النهر» كان الرغبة في العودة إلى سؤال الطفولة بوصفها أرضاً أولى نفقدها ولا نتوقف عن الحنين إليها، مشيراً إلى أن ما جذبه إلى شخصية «ميلو» هو هذا التناقض الحاد بين الجسد الصغير والحلم الكبير، وبين انضباط التدريب اليومي الصارم ورغبة داخلية في الانفلات واختبار المجهول.

ويضيف أن الطفل في السينما يمتلك قدرة استثنائية على كشف الحقيقة، لأن نظرته لم تُثقل بعد بالحسابات أو المجاملات، ولأنه يعيش اللحظة بعفوية كاملة. وبالنسبة إليه، لم يكن الهدف أن يروي قصة صبي هارب، بل أن يتتبع لحظة وعي تتكوّن ببطء؛ لحظة يبدأ فيها الإنسان الصغير في إدراك أن العالم لا يشبه تماماً ما تخيّله.

ويشير فيرو إلى أن فكرة القطار لم تكن عنصراً سردياً فحسب، بل هي رمز للحركة المستمرة، وللرغبة في تجاوز المألوف حتى من دون ضمانات. فالقطار، في نظره، هو المسافة بين ما نعرفه وما نظن أننا نريده، بين البيت بوصفه أماناً والمدينة بوصفها احتمالاً.

ويؤكد أن «الفيلم يتعمد ترك مساحات صمت طويلة، لأن الصمت ليس فراغاً، بل زمن داخلي يتشكل فيه الإدراك. لحظات الانتظار على الرصيف، والمشي في شوارع لا يعرفها الطفل، والتحديق في وجوه الغرباء؛ كلها ليست تفاصيل عابرة، بل جوهر التجربة»، مشيراً إلى أن «الكاميرا كانت مطالَبة بأن تصبر، وأن تمنح الزمن حقه، لأن التحول الحقيقي لا يحدث في لحظة صاخبة، بل في تراكم لحظات صغيرة لا تكاد تُرى».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في برلين (إدارة المهرجان)

أما لوكاس فينيالي فيؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم يقوم على مفارقة دقيقة تتعلق بـ«ميلو» نفسه؛ فهو يعتقد أنه يهرب من ضغط العائلة وتوقعاتها، لكنه يكتشف أن ما يرافقه في الرحلة ليس مجرد حقيبة صغيرة، بل خوفه وحيرته ورغبته العميقة في أن يُعترف به.

ويقول فينيالي إن الحرية، كما يتناولها الفيلم، ليست شعاراً سهلاً ولا حالة رومانسية، بل وضعية معقّدة؛ فهي تمنح الإنسان مساحة للاختيار، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام مسؤولية هذا الاختيار. ويشير إلى أن الإيقاع البطيء للفيلم كان قراراً مسبقاً اتخذه مع فيرو، لأن التجربة الإنسانية، وخصوصاً في الطفولة، لا تحدث في انفجار درامي واحد، بل في تراكم لحظات صغيرة قد تبدو عابرة.

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

ويؤكد فينيالي أن «منح الزمن حقه داخل الكادر يسمح بظهور تفاصيل لا يمكن كتابتها في السيناريو: نظرة مترددة، وابتسامة خافتة، وخطوة متباطئة فوق رصيف محطة. هذه التفاصيل، في رأيه، هي التي تصنع صدق التجربة».

ويلفت إلى أن «العمل لا يسعى إلى تقديم رسالة مباشرة أو خاتمة مطمئنة، بل إلى خلق حالة شعورية تدعو المشاهد إلى أن يعيش الرحلة مع ميلو، لا أن يكتفي بتفسيرها من الخارج».