«الفوز بالرئاسة» يتوج حياة بايدن السياسية المخضرمة

جو بايدن (أ.ب)
جو بايدن (أ.ب)
TT

«الفوز بالرئاسة» يتوج حياة بايدن السياسية المخضرمة

جو بايدن (أ.ب)
جو بايدن (أ.ب)

توج المرشح الديمقراطي جو بايدن، البالغ 77 عاماً، حياته السياسية الحافلة، بالفوز بالرئاسة الأميركية، وهو سيدخل التاريخ بصفته الرجل الذي أسقط دونالد ترمب، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.
فبعد مآسٍ عائلية ومحاولتين خائبتين للوصول إلى الرئاسة الأميركية وحملة انتخابية طغى عليها وباء «كوفيد - 19»، تمكن بايدن المخضرم في السياسة (77 عاماً) من إقناع الأميركيين بأنه شخصية توحد الصفوف في مواجهة دونالد ترمب الذي أثار انقساماً في المجتمع.
وأكد نائب الرئيس الأميركي السابق: «يمكننا طي صفحة السياسة القاتمة والغاضبة التي سادت في السنوات الأربع الماضية، آن الأوان لجمع البلاد والالتقاء مجدداً كأمة، لكن لا يمكنني القيام بذلك من دونكم».
وبقي بادين على الدوام وفياً للرسالة التي أطلقها عند إعلان ترشيحه للرئاسة في أبريل (نيسان) 2019: «نحن نخوض معركة من أجل روح» الولايات المتحدة.
وقال جو بايدن، قبل فترة قصيرة بصريح العبارة، إن خسارته أمام ترمب الذي لا يحظى بشعبية، ستعني أنه «مرشح مثير للشفقة».
لكن فوزه، حسب تقديرات وسائل الإعلام وبانتظار التأكيد الرسمي للنتائج، يتوج مسيرة سياسية بدأها في سن التاسعة والعشرين، وشهدت في بدايتها انتقالاً مفاجئاً من الانتصار إلى الألم.
ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 1972، احتفل السيناتور الشاب المنتخب عن ولاية ديلاوير محاطاً بأسرته بفوزه في الانتخابات، وبعد شهر قضت زوجته وابنته في حادث سير وأصيب نجلاه بجروح.
نمت هذه المأساة التي تبعها فقدان ابنه الأكبر عام 2015، مشاعر التعاطف التي يكنها الناخبون له، وجعل بايدن من التعاطف أحد سمات مسيرته السياسية البارزة.
في 2020، لا يزال بايدن يتمتع بطلته الأنيقة، لكن هذا المخضرم في السياسة لم يعد كما كان في أوج عهده كنائب للرئيس باراك أوباما.
فحين يكون واقفاً على المنصة يبدو واهناً أحياناً، فيما يغطي الشيب شعره، ويخشى البعض حتى في صفوف داعميه عليه من ضغط معركته الطويلة ضد دونالد ترمب (74 عاماً) الذي اعتمد أسلوباً هجومياً.
ومع أنه استأنف في نهاية أغسطس (آب) رحلاته بشكل مكثف أكثر، إلا أن امتثاله الصارم للتعليمات الصحية يلجم وجوده على الأرض، ويرى منتقدوه أن ذلك سمح له القيام بحملة انتخابية بعيداً عن الناخبين ومتجنباً في غالب الأحيان الصحافة.
ويطلق عليه دونالد ترمب ساخراً اسم «جو الناعس»، وينتقد بشدة الأسئلة التي توجهها إليه الصحافة، معتبراً أنها «موجهة لأطفال»، ولا يتوانى عن انتقاد ضعف لياقته البدنية.
ويتناقل أنصار ترمب بكثرة عبر «تويتر» تلعثم جو بايدن، كما أن فريق حملة الملياردير الأميركي يصفه بأنه «رجل عجوز يعاني الخرف».
لكن بالتأكيد سيكون فوز النائب السابق للرئيس باراك أوباما بالرئاسة، الرد الأمثل على هؤلاء، بعد فوزه بالترشح عن الديمقراطيين في الانتخابات التمهيدية.
ومع أن البعض اعتبره متقدماً جداً في السن ووسطياً كثيراً، تمكن بايدن من الفوز بغالبية كبرى في كارولاينا الجنوبية بفضل أصوات الأميركيين السود، حجر الزاوية لكل ديمقراطي مرشح إلى البيت الأبيض.
متسلحاً بهذا الانتصار، حشد بايدن بسرعة تأييد معتدلين آخرين، ثم هزم منافسه الرئيسي بيرني ساندرز.
خلافاً للمعركة المريرة والطويلة بين هذا الاشتراكي وهيلاري كلينتون في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية عام 2016، تمكن بايدن سريعاً من جمع التيار اليساري في الحزب مركزاً على هدف واحد يتمثل بإلحاق الهزيمة بدونالد ترمب.
وتبقى معرفة ما إذا كان بايدن «الموحد» المعتدل سينجح في إبقاء الوحدة بعد فوزه بالرئاسة.
وقال أوباما إنه حتى لو عرض بايدن البرنامج «الأكثر تقدمية» في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأميركية، فإن البعض من اليسار سيعتبرونه فاتراً للغاية.
كانت المحاولة الثالثة هي الصائبة لهذا السياسي المخضرم، بعد فشل محاولتين للترشح للانتخابات التمهيدية الديمقراطية في 1988 و2008.
فخلال محاولته الأولى، اضطر سريعاً للانسحاب بعدما تبين أن خطابه تضمن عبارات مسروقة.
شغل منصب عضو مجلس شيوخ على مدى أكثر من 35 عاماً (1973 - 2009)، ثم نائب الرئيس من 2009 إلى 2017 ما مكنه من الوجود على مدى عقود في أروقة السلطة في واشنطن.
وتخللت حياته السياسية الطويلة فصولاً مثيرة للجدل، فضلاً عن نجاحات يبرزها اليوم.
في السبعينيات، وفي خضم عملية إلغاء الفصل العنصري، عارض ما يسمى بسياسة «الحافلات» التي تهدف إلى نقل أطفال سود بالحافلات إلى مدارس ذات غالبية بيضاء لتشجيع التعليم المختلط.
وأرضى هذا الموقف الناخبين البيض في ولاية ديلاوير، لكنه عاد ليطارده بعد عقود عندما أخذته عليه السيناتور السوداء كامالا هاريس، التي كانت منافسته في الانتخابات التمهيدية، في خضم مناظرة تلفزيونية.
لكن بايدن أعلن أنه «غير حاقد»، حين اختار كامالا هاريس مرشحته لنيابة الرئاسة، لتكون أول سوداء من أصول هندية تترشح لهذا المنصب.
يحظى جو بايدن بشعبية كبرى في صفوف الأميركيين السود، وكان دعا في بداياته السياسية حين كان نائباً محلياً في ويلمنغتون إلى تطوير المساكن الشعبية، ما أثار استياء السكان البيض.
وغالباً ما يروي كيف أسست تجربته كمنقذ بحري في حي تقطنه غالبية من السود لعمله السياسي.
لكنْ ثمة فصول أخرى تلقي بثقلها على مسيرته السياسية، مثل تصويته لصالح الحرب في العراق عام 2003، أو جلسة الاستماع العاصفة برئاسته في مجلس الشيوخ عام 1991.
يضاف إلى ذلك تأييده القوي لـ«قانون الجريمة» عام 1994 الذي اعتبر مسؤولاً عن ارتفاع كبير في عدد السجناء، وبينهم نسبة كبيرة من الأميركيين السود.
ويعترف جو بايدن اليوم بأن ذلك كان «خطأ»، مشدداً على شق آخر من هذا الإصلاح الواسع النطاق يتعلق بقانون مكافحة العنف بحق النساء، الذي يشكل «أكبر مصدر فخر» بالنسبة له.
فور وصوله إلى البيت الأبيض نائباً للرئيس باراك أوباما، في أوج الأزمة المالية، عمل السيناتور السابق على اعتماد الكونغرس خطة إنعاش هائلة بقيمة 800 مليار دولار.
وغالباً ما يذكر هذا الأمر لكي يثبت أن بإمكانه إنعاش الاقتصاد مجدداً، بعدما تضرر كثيراً بسبب تداعيات الوباء.
سعى دونالد ترمب إلى انتقاد بايدن باستمرار، وقال عنه «يعمل في السياسة منذ 47 عاماً، ولم يقم بشيء إلا في عام 1994، عندما تسبب في الكثير من الأذى لمجتمع السود».
رد بايدن بأن هذه الانتخابات تمثل اختياراً بين الطبقتين العاملة والوسطى اللتين يدافع عنهما، و«بارك أفينيو» الجادة النيويوركية الفخمة التي تشكل رمزاً للوريث الثري.
ويؤكد بايدن باستمرار على أصوله المتواضعة. فقد ولد جوزف روبينيت بايدن الابن في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1942 في مدينة سكرانتون في بنسلفانيا. وكان والده بائع سيارات.
وفي الخمسينات من القرن الماضي شهدت المدينة الصناعية فترة صعبة بحث والده عن عمل في ولاية ديلاوير المجاورة، ثم بعد عدة زيارات نقل العائلة إلى ويلمنغتون، وكان جو بايدن في سن العاشرة، وجعل منها معقله لاحقاً.
وقال بايدن: «كان والدي يقول دائماً: نحكم على رجل ليس بحسب عدد المرات التي يقع فيها، وإنما بحسب الوقت الذي يستغرقه للنهوض».
ونددت عدة نساء بسلوكيات جو بايدن الذي يقبل على ملامسة الناس، واعتبرن أنها غير مناسبة، ووعد بالانتباه من الآن وصاعداً «للمساحة الشخصية» للآخرين، واعتذر في أبريل 2019.
أما دونالد ترمب المتهم من قبل أكثر من عشر نساء بالاعتداء الجنسي أو التحرش، فلم يعلق كثيراً على الاتهامات الخطيرة من امرأة تدعى تارا ريد، وتقول إن جو بايدن تعدى عليها في التسعينيات، وهو ما نفاه المرشح الديمقراطي بشكل قاطع.
ولم تعلق زوجته جيل بايدن (69 عاماً) التي قامت بحملة من أجله في جميع أنحاء البلاد، على هذا الاتهام.
وجيل بايدن المعلمة الديناميكية، شكلت إحدى الأوراق الرابحة في حملة بايدن، وهما تزوجا عام 1977، ولهما ابنة تدعى آشلي.
وروى بايدن، في مذكراته، أن ابنيه بو وهانتر اقترحا عليه حين كانا لا يزالان صغيرين الزواج من جيل. ويقول عنها «لقد منحتني الحياة مجدداً».
غالباً ما يتحدث بايدن عن الألم الذي لا يزال يسكنه منذ وفاة نجله بو بايدن بمرض سرطان الدماغ عام 2015، قائلاً «هذا لا يختفي أبداً». وحالت وفاة نجله دون خوضه الانتخابات الرئاسية عام 2016.
تولى جو بايدن الذي أصبح أرملاً بعد حادث السيارة المأسوي، مهامه كسيناتور في 1973 وكان في المستشفى بجانب ابنيه اللذين أصيبا في حادث السير.
حتى اليوم، غالباً ما يوجه التحية إلى المسعفين مذكراً بأنهم «أنقذوا حياة» ولديه وحياته أيضاً.
ففي عام 1988، نقله مسعفون إلى المستشفى بشكل طارئ إثر تمدد في الأوعية الدموية. اعتبرت حالته خطيرة لدرجة أنه تم استدعاء كاهن لرفع الصلوات الأخيرة.
وبايدن كاثوليكي فخور بأصوله الآيرلندية، ويذهب كل يوم أحد تقريباً إلى كنيسة القديس يوسف الصغيرة في برانديواين في الحي الراقي الذي يسكنه في ويلمنغتون، ففي مقبرة هذه الكنيسة يرقد والداه وزوجته الأولى نيليا وابنتهما ناومي، وكذلك ابنه بو تحت شاهد قبر مزين بأعلام أميركية.
في يناير (كانون الثاني)، قال جو بايدن عن ابنه: «كل صباح أستيقظ وأسأل نفسي: هل هو فخور بي؟».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».