الأسماء البديلة للشعراء والمبدعين

هل هي مجرد «استعارة» إضافية أم رغبة في استيلاد هويات جديدة لهم؟

الأسماء البديلة للشعراء والمبدعين
TT

الأسماء البديلة للشعراء والمبدعين

الأسماء البديلة للشعراء والمبدعين

يبدو الشعراء والفنانون في كثير من الزوايا كائنات قلقة ومتمردة على التقاليد والأعراف الموروثة، ومتبرمة بكل ما هو ناجز ومكرّس ومفروض على البشر بشكل مسبق دون اختيار منهم. وهو أمر لا ينحصر بالأنظمة الوضعية والقوانين المعمول بها فحسب، بل يتعدى ذلك إلى اللغة والأسلوب وطرائق التعبير.
إن الانتقال بهذه الأخيرة من حيّزها المعجمي المشاع بين الجميع، إلى حيّز الخصوصية والاختلاف هو ما يعطي للكتابة مسوّغها، ويمنح الشعراء والكتاب الفرادة التي يحلمون دائماً بتحقيقها. فالهويات الحقيقية، وفق هؤلاء ليست معطى ناجزاً وقبْلياً على الإطلاق، وليست تلك المركّبات والجينات المورثة التي يتم نقلها بالتواتر من جيل إلى جيل ومن جماعة إلى جماعة، بل هي تلك التي تُصنع لبنة لبنة بواسطة الأفراد الخلاقين والساعين أبداً إلى التجّدد.
وإذا كان الشعر والإبداع بشكل عام نوعاً من إعادة التسمية للعالم والأشياء والموجودات، فإن كثيراً من الشعراء والمبدعين يرتأون تغيير الأسماء الممنوحة لهم دون إرادتهم واختيارهم. فالأسماء التي نحملها في المهد ليست سوى الحلقة الأولى من سلاسل القيود والعبوديات التي تثقل كواهلنا على امتداد الحياة، وفق ما يرى جبران خليل جبران.
هكذا يصبح التبرم بالأسماء الممنوحة للبشر عند الولادة نوعاً من التعبير الرمزي عن رغبة الكتاب والمبدعين في استيلاد أنفسهم من الصفر التكويني، دون أن يدينوا لأحد بشيء مما يتوقون إلى تحقيقه. وبذلك يصبح تغيير الاسم الشرط البديهي لتغيير المسمى من جهة، والمقدمة الطبيعية والمنطقية لتغيير اللغة نفسها بما تتضمنه من أسماء وأفعال ودلالات، من جهة أخرى.
على أن التاريخ العربي يُظهر لنا بوضوح أن العرب الأقدمين لم يتركوا للشعراء في أحيان كثيرة فرصة المبادرة إلى تبديل أسمائهم، بل يتولون المهمة بأنفسهم، مطلقين على هؤلاء ألقاباً ونعوتاً مستنبطة من سلوكياتهم حيناً، ومن مظهرهم الخارجي حيناً آخر، بحيث تجبّ هذه الألقاب الاسم الأصلي وتحيله إلى النسيان الكامل.
فالعرب في الجاهلية لقّبوا عدي بن ربيعة بالمهلهل، لأنه أول من هلهل الشعر، بمعنى رقّقه وهذّبه. وقيل لُقب بذلك لأنه كان يلبس ثياباً مهلهلة. وفي رواية أخرى أن اسمه الأصلي هو سالم وليس عديّاً، وأن أخاه كليب أطلق عليه لقب الزير لأنه كان زيراً للنساء، فعرفته السير الشعبية باسم الزير سالم. أما ميمون بن جندل فقد لُقب بالأعشى لأنه كان ضعيف البصر، ولم يترك اللقب للاسم من يتذكره. واحتفظ زياد بن معاوية بلقب النابغة دون سواه، بعد أن أطلق عليه لنبوغه في الشعر.
وحمل جرول بن أوس لقب الحطيئة، لقصر قامته، كما اشتُهر غياث بن غوث التغلبي بالأخطل، بعد أن لاحظ المحيطون به خطلاً في لسانه غير قابل للتصحيح. وسواء حمل أبو نواس هذا اللقب بفعل الذؤابتين اللتين كانتا تنوسان على جبهته، أو تيمناً بأحد ملوك اليمن، فإن هذا اللقب استطاع أن يدفع إلى الخلف بالحسن بن هانئ، وهو الاسم الأصلي، تماماً كما حدث لأحمد بن الحسين، الذي أطاح باسمه لقب المتنبي بعد أن اتُّهم بادعاء النبوة.
ولم تأخذ ظاهرة الأسماء البديلة عند الشعراء والكتاب طريقها إلى الاضمحلال في القرنين الماضيين. وهي ظاهرة لم تنحصر في العرب وحدهم، بل تجد نظائر لها عند سائر الشعوب، وعلى امتداد العالم برمته. لكن الذي ميز الغربيين عن سواهم، هو أنهم لم ينتظروا من جهتهم من يخلع عنهم أسماءهم الأصلية، ليستبد بها ألقاباً متصلة بأخلاقهم أو انحرافاتهم السلوكية أو علاماتهم الجسدية الفارقة، بل بادروا بأنفسهم إلى اختيار أسماء بديلة، ما لبثت مع الزمن أن طغت على الأسماء الأصلية للشعراء وحجبتها تماماً.
وغالباً ما يكون هذا التبديل ناجماً عن عدم استساغة أسمائهم الأصلية لطولها وصعوبة نطقها، الأمر الذي يدفعهم إلى اختيار أسماء أكثر سلاسة، وأسهل نطقاً. وهو ما يبدو واضحاً في حالة الشاعر التشيلي بابلو نيرودا الذي آثر أن يختار اسمه الأدبي بنفسه، فراراً من اسمه الأصلي المعقد والفضفاض: ريكاردو أليسير نفتالي رييس باسولانو.
وفيما لا يكاد أحد من عشاق نيرودا وقرائه يعرفه بهذا الاسم، فإن القليلين أيضاً يعرفون أن الاسم الأصلي للشاعر الفرنسي بول إيلوار هو يوجين إميل بول جريندل.
أما على المستوى العربي فقد بدا واضحاً أن تقلص دور الشعر وتبدل وظيفته دفعا بالمجتمعات العربية إلى إعفاء نفسها من مهمة البحث عن أسماء وألقاب جديدة للمشتغلين بهذا الفن، الذي لم يعد ديوانها ومرآتها وشغلها الشاغل.
وإذا كان ثمة ألقاب ونعوت أُطلقت على الشعراء زمن النهضة الأولى لأسباب مختلفة، كأن ينعت البارودي بشاعر السيف والقلم وخليل مطران بشاعر القطرين وحافظ إبراهيم بشاعر النيل، فإن هذه الألقاب لم تحل محل الأسماء الأصلية ولم تنافسها في الشهرة والانتشار.
بعد ذلك تُرك للشعراء وحدهم أن يسبغوا على أنفسهم ما يرتأونه من الأسماء. وحيث بدا بعض الشعراء مصرّين على الاحتفاظ بالأدوار السياسية والإعلامية التي سبق أن لعبوها في الماضي، فإن الأسماء الجديدة التي اختاروها لم تكن ناجمة عن تنافر في حروف أسمائهم الأولى، أو عن صعوبة في نطقها، بقدر ما كانت ترجمة رمزية لقناعاتهم ومواقفهم السياسية والآيديولوجية. فاختيار الشاعر اللبناني بشارة الخوري لنفسه اسم الأخطل الصغير، لم يتم لأسباب إبداعية بحتة، بل لأن الخوري، وهو المسيحي المدافع عن قضايا العرب، أراد أن يتماهى مع جده الأول الذي لم تمنعه نصرانيته من الدفاع عن الأمويين العرب، بصرف النظر عن الاختلاف في الدين. ولم يكن رشيد سليم الخوري ليختلف في مواقفه القومية عن زميله الآخر، إلا أنه ارتأى، وهو الشاعر الرومانسي المغترب في البرازيل أن يختار لنفسه لقب الشاعر القروي، تعبيراً عن حنينه إلى مسقط الرأس ورائحة التراب الأم.
أما محمد سليمان الأحمد، فيدين باسمه البديل «بدوي الجبل» إلى يوسف العيسى، صاحب جريدة «ألف باء» الدمشقية الذي اقترح عليه أن يوقع قصائده بهذا الاسم، ليس فقط للبداوة التي تسِم لغته ولكونه ابن الجبال المعروفة بجبال العلويين، بل «لأن الاسم المستعار سيدفع الناس إلى قراءة نصوصه والتساؤل عن حقيقة كاتبها»، كما يروي عزيز نصار في كتاب له.
وفي السياق نفسه، حمل شاعر الأردن الشهير مصطفى وهبي التل لقب «عرار»، ليس فقط تيمناً بأحد الشعراء الصعاليك في العصر الأموي، بل لأن شعره يلتصق بجذوره المحلية، ويتسم بطيب الرائحة، مثل تلك النبتة المنتشرة في صحارى العرب التي يشير إلى عبقها الصمة القشيري بقوله: «تمتّع من شميم عرار نجدٍ/ فما بعد العشية من عرارِ».
وإذا كان من المتعذر أن نضع ثبتاً شاملاً بكل الشعراء والكتاب العرب الذين اختاروا لأنفسهم أو اختيرت لهم أسماء بديلة طغت على الأسماء الأصلية وطمستها، فإن من الواضح تماماً أن معظم شعراء الحداثة المؤسسين قد عزفوا عن اختيار أسماء بديلة لهم، بدءاً من السياب والملائكة والبياتي والحيدري وعبد الصبور، وصولاً إلى الفيتوري وحجازي والماغوط وأنسي الحاج ودرويش وغيرهم.
ومع أن البعد التموزي كان أحد الأبعاد الرئيسية للحداثة الشعرية العربية ذات المنحى «القيامي»، فإن فكرة الموت والانبعاث، أو الجدب والخصب التي شهدت ترجمتها الفعلية في الأدبين المشرقي والمصري على وجه الخصوص، حيث تقاطعت الأسطورة مع الدين في غير زاوية ومكان، وحيث بدت عذابات المسيح وقيامته الوجه الآخر لصورة تموز، كما لصور أوزبريس والطمي والعنقاء وطائر الفينيق، فإن أياً من شعراء الحداثة المصريين لم يخطر له أن يستبدل اسمه بواحد من الآلهة الكثر المنتشرين على ضفاف النيل. فيما أن الرواية المصرية، خصوصاً عند نجيب محفوظ هي التي قامت بالمهمة.
أما في المشرق، فإن الأبعاد التموزية للحداثة لم تنعكس في النصوص وحدها، بل في أسماء المبدعين أنفسهم، حيث عمد الشاعر والكاتب اللبناني فؤاد سليمان إلى توقيع كتاباته باسم «تموز»، فيما كان الشاعر السوري علي أحمد سعيد يستبدل باسمه الأصلي اسم أدونيس، ليصبح بعد سنوات أحد أكثر الشعراء العرب حضوراً وفرادة وإثارة للأسئلة. وسواء كان أنطون سعادة هو الذي أطلق عليه هذا الاسم، أو هو الذي اختاره بنفسه، فإن الأمر سيان في رأيي، لأن منبع التسمية يأتي من جهة الآيديولوجية السورية القومية التي نادى بها سعادة واعتنقها أدونيس، التي رأت في أساطير سومر وأكاد وبابل وكنعان، ما يؤكد المنابع الثقافية المشتركة لمنطقة الهلال الخصيب.
على أن الاسم وحده لا يكفي بأي حال لبلوغ الاسم منتهى غاياته، أو لجعل الأسطورة الأصلية رافعة للشهرة والمجد. فحيث تمكن محمد الماغوط أن ينتزع لنفسه بالاسم الأعزل والإبداع المجرد مكانة تقارب الأسطورة في الشعر العربي المعاصر، لم يشفع لمواطنه وقريبه صدر الدين الماغوط تسلحه بلقب «زيوس»، كبير الآلهة عند اليونان، لأن نصوصه الشعرية ظلت أسيرة الخيال الشحيح والأفق التعبيري المحدود.
أخيراً، تجدر الإشارة إلى غياب ظاهرة الأسماء البديلة عن المشهد الشعري العربي في عقوده الأخيرة. ذلك أن الشعر لم يعد يتغذى من مصادر رومانسية وغيبية وفوق أرضية، ولا من شياطين عبقر وأوديتها، إنما من حواضر الحياة القريبة وفُتاتها اليومي.
لقد سقطت فكرة الشاعر النبي والشاعر الفحل والشاعر الأسطورة، و«لم يعد للشعراء من يكاتبهم» حتى على عناوينهم الأولى وأسمائهم الأصلية!



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».