إقبال متفاوت بين المناطق في الاستفتاء على دستور «الجزائر الجديدة»

معاقل المعارضة التقليدية قاطعت... والسلطات تراهن على مشاركة عالية

جزائري يخضع لقياس درجة الحرارة قبل الإدلاء بصوته بخصوص الدستور الجديد في العاصمة أمس (رويترز)
جزائري يخضع لقياس درجة الحرارة قبل الإدلاء بصوته بخصوص الدستور الجديد في العاصمة أمس (رويترز)
TT

إقبال متفاوت بين المناطق في الاستفتاء على دستور «الجزائر الجديدة»

جزائري يخضع لقياس درجة الحرارة قبل الإدلاء بصوته بخصوص الدستور الجديد في العاصمة أمس (رويترز)
جزائري يخضع لقياس درجة الحرارة قبل الإدلاء بصوته بخصوص الدستور الجديد في العاصمة أمس (رويترز)

توجه الجزائريون إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في استفتاء شعبي على دستور؛ اختاره فريق خبراء عينته السلطات السياسية؛ وعلى رأسها الرئيس عبد المجيد تبون. وبينما تصر السلطة السياسية على أن الدستور يؤسس لـ«جزائر جديدة»، فإن الانقسام بدا واضحاً على المستويين السياسي والشعبي إزاء التفاعل إيجاباً مع الوثيقة الجديدة.
وقد شهد التصويت، أمس، معدلات ضعيفة في مناطق المعارضة التقليدية؛ خصوصاً ولايات القبائل (شرق) حيث غالباً ما يقاطع السكان الاستحقاقات، في مقابل إقبال لافت نسبياً على الصناديق في الولايات الداخلية؛ خصوصاً الهضاب العليا بوسط وجنوب البلاد.
وجرى إغلاق كل مكاتب الانتخاب في تيزي ووزو وبجاية، وهما أكبر ولايتين في منطقة القبائل، قبل الموعد الرسمي (السابعة مساءً بالتوقيت العالمي)، بساعات بعد أن تبين لممثلي «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» محلياً، أن المشاركة ستبقى ضعيفة طول النهار. وقال عضو منها، فضل عدم نشر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن القرار اتخذه المسؤولون الحكوميون، خشية تعرض مكاتب الانتخاب للتخريب. وكان مشهد «السيدة الأولى»، حرم الرئيس عبد المجيد تبون، وهي داخل مكتب انتخاب بالعاصمة، أكثر ما شدّ انتباه الصحافيين. ونشرت الرئاسة صورتها وهي تنتخب، على حساباتها في شبكات التواصل الاجتماعي، وكتبت: «رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، يؤدي واجبه الانتخابي بالوكالة، نابت عنه حرمه للإدلاء بصوته في الاستفتاء على مشروع تعديل الدستور، بمدرسة أحمد عروة باسطاوالي (الضاحية الغربية للعاصمة)، لوجود السيد الرئيس بأحد المستشفيات المتخصصة بألمانيا لتلقي العلاج».
ويوجد تبون في ألمانيا، منذ الأربعاء الماضي، لـ«إجراء فحوصات طبية معمقة»، حسب بيان للرئاسة صدر في اليوم نفسه لم يوضح المرض الذي يعاني منه الرئيس (74 سنة). وكانت الرئاسة أكدت في وقت سابق، أنه دخل في حجر صحي «طوعي»، على أثر تأكد إصابة كوادر بالرئاسة والحكومة بفيروس «كورونا». ثم نقل إلى المستشفى العسكري بالعاصمة، بعد تعقَد حالته.
وفي رسالة نشرتها وكالة الأنباء الرسمية مساء السبت، قال تبون من مكان علاجه إن «الشعب الجزائري سيكون مرة أخرى على موعد مع التاريخ من أجل التغيير الحقيقي المنشود، الذي سيكون جسراً إلى الجزائر الجديدة، بتكاتف الجزائريات والجزائريين، وبفضل الإرادات الوطنية الخيّرة لتحقيق أمل الشهداء وبناء الجزائر القوية بشاباتها وشبابها، الذين هم ثروة الأمة الحقيقية، والمعوَل عليهم في حمل لوائها للمُضي نحو تجسيد تطلعات الحراك الأصيل المبارك».
يذكر أن الاستفتاء تزامن مع مرور 66 سنة على تفجير ثورة التحرير من الاستعمار الفرنسي.
وجرى الاستفتاء في حالة من التشكيك في صحة الأخبار التي ترد من الرئاسة بشأن الحالة الصحية للرئيس تبون، خصوصاً بعدما خاطب الجزائريين برسالة. فقد اتخذ الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، من «الرسائل» طريقة للتواصل مع شعبه خلال فترة مرضه التي استمرت 6 سنوات، وكانت الرئاسة تؤكد دائماً أن «حالته لا تدعو إلى القلق»، وبأنه في سويسرا حيناً، وفي فرنسا أحياناً «من أجل فحوصات طبية معمَقة»، بينما الحقيقة أنه كان في حالة عجز كامل عن تسيير شؤون الحكم، مما كان سبباً مباشراً في انفجار الشارع ضده يوم 22 فبراير (شباط) 2019.
وأكدت سيدة بمكتب انتخاب في بلدة بن شعبان، جنوب العاصمة، كانت بصدد التصويت: «أكد لي رئيس بلديتي، وهو كواحد من أبنائي الخمسة، أن الدستور الجديد سيفتح الباب واسعاً أمام تنمية البلاد، وبأنه سيوفر مناصب الشغل لشبابنا. كما أنه سينهي عهد الفساد الذي كان في النظام السابق، فقررت أن أصوت عليه بـ(نعم)».
وأعلن محمد شرفي، رئيس «سلطة الانتخابات»، لوسائل إعلام أن نسبة المشاركة بلغت 13.03 في المائة في الثانية ظهراً، وكانت في حدود 5.88 في المائة قبل ذلك بساعتين. وقال: «من خلال اطلاعي على ما يجري في مختلف مكاتب الاقتراع بالبلاد، يمكنني القول إنها كلها فتحت أبوابها للتصويت، ماعدا في منطقة واحدة أو منطقتين»، من دون ذكر الأسباب، وكان يشير إلى ظروف التصويت في منطقة البويرة (100 كيلومتر شرق العاصمة)، حيث أغلق متظاهرون بعض مكاتب الانتخاب باستعمال القوة.
وتعهد شرفي بـ«اتخاذ القرارات المناسبة؛ لتمكين المواطنين من أداء واجبهم الانتخابي في ظروف حسنة». وأضاف: «عدم انطلاق العملية الانتخابية، كان في عدد قليل من المكاتب، وهو لا يؤثر على السير العام للعملية، ويحدث في كل عمليات الاقتراع لأسباب عدة، وعموماً فإن 99 في المائة من مكاتب التصويت ظلت مفتوحة، والعملية الانتخابية تجري بوتيرة عادية». وعدّ شرفي الاستفتاء على تعديل الدستور «نفساً جديداً لنوفمبر (تشرين الثاني)»، وكان يقصد الشهر الذي شهد اندلاع ثورة الاستقلال. كما عدَه «انطلاقة جديدة للجزائر الجديدة»، وهو الشعار الذي اختاره تبون، في بداية حكمه، للتأكيد على قطيعة مع ممارسات الحكم في عهد بوتفليقة. ودعا شرفي «جميع المواطنين إلى وضع بصمتهم في مسار بناء الجزائر الجديدة، وعدم تفويت قطار التاريخ حتى لا نتحسر مستقبلاً (...) فالعد التنازلي للتغيير انطلق فعلياً مع بدء عملية التصويت».
من جهته، صرح سليمان شنين، رئيس «المجلس الشعبي الوطني (الغرفة البرلمانية الأولى)» بأن الاستفتاء «يسمح للشعب بأن يختار ويقرر في الوثيقة الأساسية لتسيير شؤونه، وقد كانت إعادة الكلمة للشعب من مطالب الحراك المبارك»، مشيراً إلى أن «الشعب الجزائري يملك الوعي الكامل والمسؤولية لإدراك الرهانات وحجم التحديات التي تحيط بالبلاد».
وشدد رئيس الوزراء عبد العزيز جراد، في تصريحات للصحافة، على أن «هذا اليوم يعدّ يوماً لمستقبل الجزائر الجديدة، التي نريد بناءها جميعاً لأجل أبنائنا وأحفادنا. فالصوت اليوم هو صوت الشعب والمواطن، ولكل واحد منا الحرية في اختيار الاتجاه الذي يريده ويتمناه لبلده»، مشيراً إلى أن «هذا اليوم المصادف لأول نوفمبر، يعدّ بالنسبة للشعب الجزائري تاريخاً عريقاً؛ وهو تاريخ الشهداء والمجاهدين، استطاع من خلاله أجدادنا وآباؤنا تحرير الوطن».



الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» يُنذر بتعميق عسكرة البحر الأحمر

احتجاجات صومالية على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» (وكالة أنباء الصومال)
احتجاجات صومالية على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» (وكالة أنباء الصومال)
TT

الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» يُنذر بتعميق عسكرة البحر الأحمر

احتجاجات صومالية على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» (وكالة أنباء الصومال)
احتجاجات صومالية على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» (وكالة أنباء الصومال)

يُنذر الاعتراف الإسرائيلي الأخير، بـ«إقليم أرض الصومال»، دولة مستقلة، بتعميق «عسكرة» منطقة البحر الأحمر، التي تشهد وجوداً عسكرياً لدول متنوعة، بعضها يتعارض في المصالح والأهداف.

وحذّر مراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، من أن يكون الاعتراف الإسرائيلي مقدمة لمزيد من الوجود العسكري بمنطقة البحر الأحمر، وأشاروا إلى أن «إسرائيل تستهدف الحصول على قاعدة عسكرية بالمنطقة ما يفاقم من مخاطر النفوذ العسكري الأجنبي في القرن الأفريقي».

وقد يتيح الاعتراف الإسرائيلي وجوداً عسكرياً لإسرائيل على ساحل البحر الأحمر، وفق تقديرات الحكومة الصومالية، وقال رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري، في تصريحات متلفزة الأحد، إن «وجود إسرائيل في شمال الصومال، يتيح لها إقامة قواعد عسكرية في المنطقة».

التقدير نفسه أشار إليه رئيس بعثة جامعة الدول العربية لدى الأمم المتحدة، السفير ماجد عبد الفتاح، حينما أكد في حديث لقناة «القاهرة الإخبارية» الأربعاء، أن «إسرائيل لا تكتفي بالدعم السياسي لـ(أرض الصومال)، بل تسعى فعلياً إلى بناء قواعد عسكرية فيها».

صورة نشرها وزير الخارجية الإسرائيلية جدعون ساعر للقاء مع رئيس «أرض الصومال»

وتواصلت الاعتراضات الدولية، على المساعي الإسرائيلية بـ«أرض الصومال»، ورفضت بكين (التي تمتلك قاعدة عسكرية في جيبوتي)، خطوة الاعتراف الإسرائيلي، وقالت الخارجية الصينية، إن هذه الخطوة «تضرب ميثاق الأمم المتحدة في مقتل، وأدانتها دول ومنظمات دولية كثيرة».

وناقش رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري، مع سفير بكين في مقديشو، وانغ يو، «سبل التصدي للتدخل الإسرائيلي في سيادة الصومال، والتعاون في مجالي الأمن والسياسة»، وحسب «وكالة أنباء الصومال»، أكد يو «دعم بلاده لوحدة الأراضي الصومالية».

ويقول وزير الإعلام الصومالي الأسبق، زكريا محمود، إن «تحركات إسرائيل ستفاقم من مخاطر النفوذ العسكري الأجنبي بمنطقة القرن الأفريقي». وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الوجود العسكري المتنامي في البحر الأحمر يعكس صراع المصالح بين القوى الكبرى بتلك المنطقة»، مشيراً إلى أن «مخاطر هذه التحركات لا تقتصر على الصومال فقط، ولكنها تمتد إلى مصالح الدول العربية والأفريقية بالمنطقة»، وحذر في الوقت نفسه، من «توسع نشاط التنظيمات الإرهابية على وقع المساعي الإسرائيلية هناك».

ويزداد الحشد العسكري الدولي بالمنطقة بصورة تتعدى هدف تأمين الممر الملاحي والمواني البحرية، ففي دولة مثل جيبوتي، رغم صغر مساحتها (23200 كيلومتر، وتمتلك خطاً ساحلياً بطول 370 كيلومتراً)، هناك 6 قواعد عسكرية لدول مختلفة، وهي: الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، والصين، واليابان، وإسبانيا، وإيطاليا.

وتعتمد جيبوتي على الرسوم السنوية لتأجير أراضي القواعد العسكرية الأجنبية، في جزء مهم في دخلها القومي السنوي، حيث بلغت إيرادات تلك الرسوم في 2020 نحو 129 مليون دولار أميركي، بواقع 18 في المائة من دخل البلاد، حسب معهد أبحاث «جايكا» التابع لـ«الوكالة اليابانية للتعاون الدولي».

وتسهم تركيا في بناء قدرات الجيش الصومالي، بقاعدة عسكرية للتدريب والتأهيل في مقديشو، جرى افتتاحها عام 2017، كما تقدم القاهرة دعماً عسكرياً بموجب بروتوكول تعاون عسكري، جرى توقيعه بين البلدين في 14 أغسطس (آب) 2024.

اجتماع الحكومة الصومالية بعد الخطوة الإسرائيلية (وكالة أنباء الصومال)

وإلى جانب الوجود العسكري الأجنبي بالمنطقة، تسعى روسيا إلى الحصول على موطئ قدم لها على ساحل البحر الأحمر، عبر إقامة قاعدة بحرية في السودان، وفي فبراير (شباط) الماضي، قال وزير خارجية السودان السابق علي يوسف الشريف، حينما كان بمنصبه، إن «موسكو والخرطوم توصلتا إلى تفاهم بشأن قاعدة بحرية روسية في البحر الأحمر».

ويرى الخبير العسكري المصري، اللواء سمير فرج أن «أي وجود إسرائيلي بأرض الصومال سينعكس على الأوضاع الأمنية والاستراتيجية بتلك المنطقة»، وقال إن «مخطط إسرائيل يستهدف إيجاد موطئ قدم عسكري لها في مدخل مضيق باب المندب، مما يُشكّل تهديداً مباشراً للملاحة الدولية في هذه المنطقة».

وشدّد فرج، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، على ضرورة «التحرك لمجابهة المساعي الإسرائيلية في تلك المنطقة»، وقال إن «التحركات المصرية والعربية يجب أن تشمل تقوية ودعم قدرات الجيش الصومالي، بما يمكنه من فرض سيادته على كامل الأراضي الصومالية»، ونوه بأن «القاهرة تساعد مقديشو لمواجهة التحديات المختلفة، ومنها خطر الإرهاب».


إقليم أرض الصومال ينفي عزمه استضافة فلسطينيين أو قاعدة إسرائيلية

صوماليون يتظاهرون في مقديشو يوم 30 ديسمبر 2025 رفضاً لاعتراف إسرائيل بأرض الصومال (أ.ب)
صوماليون يتظاهرون في مقديشو يوم 30 ديسمبر 2025 رفضاً لاعتراف إسرائيل بأرض الصومال (أ.ب)
TT

إقليم أرض الصومال ينفي عزمه استضافة فلسطينيين أو قاعدة إسرائيلية

صوماليون يتظاهرون في مقديشو يوم 30 ديسمبر 2025 رفضاً لاعتراف إسرائيل بأرض الصومال (أ.ب)
صوماليون يتظاهرون في مقديشو يوم 30 ديسمبر 2025 رفضاً لاعتراف إسرائيل بأرض الصومال (أ.ب)

نفى إقليم أرض الصومال الانفصالي، الخميس، ادعاءات الرئيس الصومالي بأن الإقليم سيستضيف فلسطينيين مهجّرين من أرضهم وقاعدةً عسكرية إسرائيلية مقابل الاعتراف الإسرائيلي الأخير باستقلاله.

وكانت إسرائيل أصبحت الأسبوع الماضي أول دولة تعترف بأرض الصومال «دولةً مستقلة وذات سيادة»؛ مما أثار احتجاجات في مختلف أنحاء الصومال.

والأربعاء، صرّح الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، نقلاً عن تقارير استخباراتية، بأن أرض الصومال قد قبل 3 شروط من إسرائيل؛ هي: إعادة توطين الفلسطينيين على أراضي الإقليم، وإنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية على خليج عدن، وتطبيع العلاقات بتل أبيب.

ونفت وزارة خارجية أرض الصومال الشرطين الأولين.

وكتبت الوزارة في منشور على منصة «إكس»: «تنفي حكومة جمهورية أرض الصومال نفياً قاطعاً المزاعم الكاذبة التي أدلى بها رئيس الصومال عن إعادة توطين الفلسطينيين أو إنشاء قواعد عسكرية في أرض الصومال». وأكدت أن الاتفاق «دبلوماسي بحت».

وأضاف المنشور: «تهدف هذه الادعاءات، التي لا أساس لها من الصحة، إلى تضليل المجتمع الدولي وتقويض التقدم الدبلوماسي لأرض الصومال».

لكنّ محللين يرون أن التحالف مع أرض الصومال مفيد للغاية لإسرائيل؛ نظراً إلى موقع هذا الإقليم الاستراتيجي على مضيق باب المندب؛ بالقرب من الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن الذين شنّوا هجمات متكررة على إسرائيل منذ بدء حرب غزة.

يُذكر أن إقليم أرض الصومال أعلن استقلاله من جانب واحد عام 1991، ونعم بفترة سلام أطول بكثير من بقية الصومال الذي مزقته الصراعات؛ إذ أجرى انتخاباته، وسكّ عملته، وكوّن جيشه الخاص.

وقد جعله موقعه على أحد أشد الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم شريكاً رئيسياً لدول أجنبية.


«السكن البديل» لا يغري مستأجري الإيجار القديم في مصر

الحكومة المصرية حاولت امتصاص استياء البعض من تعديل قانون الإيجار القديم بتوفير وحدات بديلة (الشرق الأوسط)
الحكومة المصرية حاولت امتصاص استياء البعض من تعديل قانون الإيجار القديم بتوفير وحدات بديلة (الشرق الأوسط)
TT

«السكن البديل» لا يغري مستأجري الإيجار القديم في مصر

الحكومة المصرية حاولت امتصاص استياء البعض من تعديل قانون الإيجار القديم بتوفير وحدات بديلة (الشرق الأوسط)
الحكومة المصرية حاولت امتصاص استياء البعض من تعديل قانون الإيجار القديم بتوفير وحدات بديلة (الشرق الأوسط)

عزفت أسماء قطب (53 عاماً)، التي تقطن في شقة وفق نظام «الإيجار القديم» بحي العجوزة في محافظة الجيزة، عن تقديم طلب لـ«السكن البديل»، الذي ستوفره الحكومة للمستحقين وفق شروط محددة تنطبق عليها، قائلةً لـ«الشرق الأوسط»: إنها «متمسكة بالبقاء في وحدتها ولا تنوي التقديم».

ويُلزم قانون رقم 164 لسنة 2025، الحكومة بتوفير سكن لقاطني الإيجار القديم ممن ليست لديهم وحدات بديلة، والفئات الأكثر احتياجاً، قبل انتهاء المدة الانتقالية المحددة بـ7 سنوات تتحرر بعدها العلاقة الإيجارية بين المالك والمستأجر. ويقطن في هذه الوحدات نحو 1.6 مليون أسرة، وفق تقديرات رسمية.

وحتى الآن لا يُغري السكن البديل الكثير من المستأجرين، من المتمسكين برفضهم المادة التي تجبرهم على إخلاء منازلهم؛ فخلال شهرين ونصف، لم تتلقَّ الحكومة سوى 58 ألف طلب للحصول على وحدة بديلة، وفق تصريحات تلفزيونية للرئيسة التنفيذية لـ«صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري»، مي عبد الحميد، الأحد الماضي، مشيرةً إلى أن الحكومة قد تقرر تمديد فترة التسجيل إذا ظهرت حاجة إلى ذلك. وينتهي التسجيل رسمياً في 13 يناير (كانون الثاني) المقبل.

إحدى جلسات الاستماع في مجلس النواب المصري حول مشروع تعديل قانون الإيجار القديم (مجلس النواب)

ويرى مراقبون أن انخفاض الأعداد المتقدمة حتى الآن، التي لا تُمثل سوى أقل من 5 في المائة من مجمل قاطني الإيجار القديم، يضع الحكومة في أزمة، ويجدد الجدل والمخاوف من إثارة أزمات مجتمعية، إذ كان السكن البديل وسيلة الحكومة لامتصاص غضب المستأجرين، وتأكيد أنها «لن تترك مواطناً في الشارع»، ووعدت بتسليم هذه الوحدات قبل انتهاء المدة الانتقالية.

وبالنسبة إلى قطب التي تحصل على معاش نحو 2000 جنيه فقط (الدولار 47.5 جنيه)، لا تتعدى هذه التصريحات سوى محاولة لتهدئة الرأي العام، متسائلةً: «كيف ستبني الحكومة وحدات لكل هؤلاء وحتى الآن ما زال الكثيرون من المستفيدين بالإسكان الاجتماعي، لم يحصلوا على شققهم؟ وكيف ستعطيني الوحدة وأنا لا أملك أي مبلغ كمقدمة؟ وإذا كانت لديَّ أموال فلن أقبل أن يتم نقلي إلى الصحراء في المشاريع الجديدة».

التساؤلات نفسها تتكرر على الغروبات الخاصة بالمستأجرين، وسط تحذيرات من البعض من أن التسجيل يعني إقراراً بالتخلي عن الوحدة المُستأجرة، والاعتراف بالقانون. فيما يمضي «ائتلاف المستأجرين» في مسار قانوني وآخر سياسي، لإلغاء المادة التي تجبر المستأجرين على ترك وحداتهم.

بنايات في منطقة الدراسة في القاهرة تضم العديد من الوحدات بنظام الإيجار القديم (الشرق الأوسط)

ويشكك رئيس «ائتلاف المستأجرين»، شريف الجعار، بالتصريحات الرسمية حول أعداد المتقدمين، قائلاً: «أتحدى الحكومة أن تُظهر لنا 10 آلاف استمارة وليس 50 ألفاً»، مؤكداً أن «غالبية المستأجرين يرفضون المبدأ... الناس لن يتركون مساكنهم حتى يقدموا على وحدات بديلة»، لافتاً إلى أنهم «نجحوا في الوصول بالقانون إلى المحكمة الدستورية العليا للطعن بعدم دستورية المادة التي تُجبرهم على إخلاء منازلهم».

وإلى جانب هذا المسار، يسعى «الائتلاف» إلى تعديل القانون في البرلمان المقبل، حسب الجعار، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «إن نائبين تبنيا مشروع قانون لتعديل عدد من مواده»، داعياً الحكومة إلى «استيعاب حقيقة أن المستأجرين لن يقبلوا ترك منازلهم».

في المقابل، دعت الرئيسة التنفيذية لـ«صندوق الإسكان الاجتماعي»، المستأجرين المُستحقين، إلى التسجيل، «حتى نتمكن من الحصر وتجهيز الوحدات»، مؤكدةً أن «التقديم ليس معناه أن المستأجر سيترك شقته حالياً، فالتسجيل لإخبارنا بحاجتك إلى وحدة بعد انتهاء الفترة الانتقالية، حتى نُجهزها». وأضافت أن «وزارة التنمية المحلية حصرت الأراضي المتاحة داخل المحافظات، بالإضافة إلى المدن الجديدة بوصفها خياراً آخر للراغبين».

ويتهم رئيس «ائتلاف المُلاك»، مصطفى عبد الرحمن، بعض النشطاء في الملف، بـ«تضليل المستأجرين حتى لا يقدموا على الوحدات، مما سيضر بهم»، لكنه لا يتخوف من أزمات مستقبلية بين الملاك والمستأجرين بسبب القانون، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «بعض المستأجرين لديهم وحدات بديلة بالفعل، وآخرون تفاهموا مع الملاك بشكل ودّي، إما بشراء الوحدات وإما برفع قيمة الإيجار مقابل بقائهم»، وهكذا يرى أن قلة أعداد المتقدمين لا تعني بالضرورة أننا أمام أزمة مؤجلة.

كانت مي عبد الحميد قد لفتت إلى أن التقديرات حول عدد قاطني الوحدات المستأجرة بـ1.6 مليون أسرة، تعود لـ10 سنوات، ومن ثم «من المؤكد أن العدد تقلص، فهناك علاقات إيجارية تنتهي... متوقعين أن يكون هذا العدد انخفض إلى النصف».

الحكومة المصرية تطمئن قاطني الإيجار القديم (الشرق الأوسط)

وتفكر الأربعينية هناء محمد، التي تعمل بوسط القاهرة، في تقديم طلب للحصول على وحدة بديلة مقابل الشقة التي تقطن فيها هي وأسرتها وأسرة عمها في شبرا (شمال القاهرة)، قائلةً لـ«الشرق الأوسط»، إن «عقد الشقة باسم جدي، لذا نتشارك فيها مع ورثة عمي، وليس لدى أيٍّ منَّا مكان آخر للبقاء فيه».

يبلغ والد هناء 73 عاماً، وتتخوف من أنه حال وفاته قبل مرور فترة سبع سنوات، لن تجد لها ملجأ، متسائلةً: «هل سيعطونني وحدة بديلة، وهل سيعطون عائلة عمي أيضاً؟ أم أن الشقة مقابلها شقة أخرى فقط؟».

تتكرر حيرة هناء مع آخرين، ممن لا يعلمون قيمة الشقق البديلة أو أماكنها، فقرروا التمسك بما عندهم على أمل تغيير القانون، أو حكم محكمة يقلب الموازين.

ويُرجع أستاذ علم الاجتماع السياسي، سعيد صادق، العزوف عن التقديم، إلى غياب التفاصيل اللازمة عن البدائل المتاحة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «كان يُفترض أن تصمم الحكومة الوحدات وتختار أماكنها ثم تخبر المستأجرين بمكانها حتى يتمكنوا من الاختيار بناءً على معلومات محددة».

وانتقد صادق، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، غياب البعد الاجتماعي والثقافي عن القرارات والخطط الحكومية، موضحاً: «الحكومة تقرر نقل سكان من منطقة إلى أخرى نائية أو جديدة، ولا تضع في حسبانها الكثير من التفاصيل والشبكات الاجتماعية التي تربط الساكن بمنطقته»، محذراً من أن «بقاء الوضع على ما هو عليه، يُنذر بأزمات وكوارث قد تحدث بعد انتهاء المرحلة الانتقالية».

Your Premium trial has ended