تسونامي «الأخبار الزائفة» و«الحقائق البديلة» في الانتخابات الأميركية

مواقع التواصل خصصت أنظمة إلكترونية لمواجهتها ومنعت قصصاً مدفوعة من ترمب وبايدن

وضعت منصة «تويتر» حواجز أمام إعادة التغريد السريع
وضعت منصة «تويتر» حواجز أمام إعادة التغريد السريع
TT

تسونامي «الأخبار الزائفة» و«الحقائق البديلة» في الانتخابات الأميركية

وضعت منصة «تويتر» حواجز أمام إعادة التغريد السريع
وضعت منصة «تويتر» حواجز أمام إعادة التغريد السريع

طوال فترة الحملات الانتخابية، تبادل المرشح الجمهوري الرئيس دونالد ترمب ومنافسه الديمقراطي نائب الرئيس السابق جو بايدن الاتهامات بمحاولة تضليل الرأي العام الأميركي، سعياً إلى استمالة العدد الأكبر من الناخبين. وعبر كل منهما بوضوح عن الهواجس من «المعلومات المضللة» و«الأخبار الزائفة» و«الحقائق البديلة» في انتخابات 2020. على غرار الادعاءات عام 2016 وما تلاه عن تدخل كل من روسيا والصين وإيران ودول أخرى في اللعبة السياسية داخل الولايات المتحدة.
ليس أدل على ذلك إلا ما كتبه ترمب في حسابه على «تويتر» خلال الساعات القليلة الماضية عن أن «خطاب بايدن 90 في المائة منه قصص مفبركة وأكاذيب». وفي المقابل، غرد بايدن عبر المنصة ذاتها بأنه «يمكن لدونالد ترمب أن يكذب كيفما شاء عن الاقتصاد، لكن الحقيقة أنه أسوأ رئيس للوظائف منذ 1929». هذه ليست مجرد اتهامات عادية وسط انقسامات لا سابق لها تعانيها الولايات المتحدة منذ عقود؛ فقد سمحت وسائط التواصل الاجتماعي بنشوء ظاهرة «الحقائق البديلة»، فاتحة الأبواب لتقاسمها مباشرة مع عدد غير محدود من الجماهير، ومن دون تحقق من صحتها.
في واحدة من الحوادث الأخيرة، غرد إعلامي محافظ عبر «تويتر» أنه «اكتشف» 1000 بطاقة اقتراع بالبريد، مرمية في حاوية قمامة في ولاية كاليفورنيا. وأرفق تغريدته بصور. وفي غضون ساعات قليلة، نشر موقع إخباري يميني متطرف الصور مع قصة «حصرية» تتهم سلطات المنطقة بأنها «تخلصت من آلاف الأصوات غير المحسوبة وقد حاول العمال التستر عليها». وأشار الرئيس ترمب إلى هذه القصة في إطار حملته الواسعة ضد الاقتراع بواسطة البريد، معتبراً ذلك دليلاً على عمليات احتيال. غير أن مسؤولي المنطقة كشفوا أن صور المغلفات الفارغة هي من مخلفات الانتخابات النصفية في «الكونغرس» لعام 2018، وجمعت لإعادة تدويرها. وبالإضافة إلى ذلك، لم تكن السلطات أرسلت بعد بطاقات الاقتراع الخاصة عبر البريد لهذا العام. ومع ذلك، شهدت هذه الواقعة الكاذبة مشاركة من أكثر من 25 ألفَ مستخدم على «تويتر»، وبينهم دونالد ترمب الابن، الذي لديه 5.7 مليون متابع. وكذلك لوحظ أنه في الأيام الـ30 الماضية، نالت صفحة ترمب على «فيسبوك» 130 مليون رد فعل ومشاركة وتعليق، مقارنة بـ18 مليوناً لصفحة بايدن، وفقاً لبيانات «كراود تانغل»، وهذا أكبر بكثير من فجوة المشاركة خلال الأيام الـ30 السابقة، عندما حصل ترمب على 86 مليون تفاعل مقابل 10 ملايين تفاعل مع بايدن.

أنظمة مراقبة
يُعتقد على نطاق واسع في الولايات المتحدة أنه خلال عام 2016، اضطلع عملاء روس بدور رئيسي في نشر معلومات مضللة على وسائل التواصل الاجتماعي في محاولة لبث الفتنة والتأثير على الانتخابات الرئاسية الأميركية. لكن الباحثين يقولون إن الجزء الأكبر من المعلومات المضللة حول انتخابات هذا العام نشأ مع مجموعات محلية في محاولة للتشكيك بنزاهة الانتخابات، لا سيما التصويت عبر البريد. وأظهر تحليل أعدته مؤسسة «شراكة النزاهة الانتخابية» أن «القصة الكاذبة حول بطاقات الاقتراع في كاليفورنيا انتشرت إلى حد كبير عبر مواقع إلكترونية موجودة في الولايات المتحدة».
وعملت الصحف والدوريات ووسائط التواصل الاجتماعي وغيرها من أجهزة البث خلال الأشهر الماضية على تحديد المعلومات الخاطئة والمضللة التي تنتشر على الإنترنت وكشف زيفها. وأشار بعضهم إلى «تسونامي من التضليل الإعلامي». وتتبعت صحيفة «نيويورك تايمز» على سبيل المثال ثلاث فئات من الشائعات باستخدام نظام «كراود تانغل» الذي تملكه «فيسبوك». واستخدمت نظام «بازسومو» لمعرفة حجم التغريدات حول الشائعات التي يمكن لواحدة منها أن تروج لرواية كاذبة يمكن أن تكتسب زخماً سريعاً على «فيسبوك» و«تويتر»، لتولد بالتالي عشرات آلاف المشاركات والتعليقات.
وأجرى مركز «بيركمان كلاين» لدى جامعة «هارفرد» فحصاً لكيفية دخول ادعاءات الاحتيال بالبطاقات البريدية إلى الخطاب العام. وحلل باحثو المركز أكثر من 55 ألف قصة خبرية عبر الإنترنت و5 ملايين تغريدة و75 ألف مشاركة على صفحات «فيسبوك» بين مارس (آذار) وأغسطس (آب).

مخاوف مبالغة
وجد بعض مراقبي التغطيات الإعلامية ونشاطات وسائل التواصل الاجتماعي أدلة على أن حملة ترمب دفعت أموالاً لهذه الغاية. وكتب باحثون أن «ترمب أتقن فن تسخير وسائل الإعلام لنشر حملته الإعلامية المضللة وتعزيزها». وعملت مؤسسة «شراكة النزاهة الانتخابية» مع شركات التواصل الاجتماعي لمساعدتها على تحسين سياساتها، وتمكينها من الاستجابة بسرعة أكبر للمعلومات المضللة. واتخذت هذه الشركات أخيراً خطوات للإبلاغ عن المحتوى، أو إزالته، أو جعل مشاركته أكثر صعوبة. وكانت هذه هي الحال مع شركة «تويتر» التي وضعت حواجز إلكترونية أمام مشاركة المقالات التي لم يفتحها القراء، مما يشجعهم على قراءتها أولاً قبل مشاركتها. فيما منحت شركة «فيسبوك» 17 باحثاً أكاديمياً إمكانية الوصول إلى البيانات المتعلقة بنشاطات عدد كبير من المستخدمين بغرض التحقيق في تأثير «فيسبوك» على المواقف والسلوكيات السياسية، فضلاً عن النظر فيما إذا كان الأشخاص الذين شاركوا في الانتخابات تأثروا بتجاربهم في «فيسبوك» و«إنستغرام»، بما في ذلك التعرض لمعلومات مضللة عن الانتخابات.
وتشير بعض الأدلة إلى أن التأثيرات قد لا تكون بالقدر الذي يُخشى منه. وتشير دراسة نُشرت في مجلة «ساينس» عام 2019 أن 80 في المائة من التعرض للأخبار الكاذبة يتركز في 1 في المائة فقط من مستخدمي «تويتر».

حسابات آلية
أصدر باحثون في جامعة ساوث كاليفورنيا في نهاية الأسبوع الماضي دراسة جديدة حددت الآلاف من الحسابات الآلية، أو «الروبوتات»، على موقع «تويتر» لنشر معلومات تتعلق بترمب وبايدن وحملاتهما. وفحصت الدراسة أكثر من 240 مليون تغريدة متعلقة بالانتخابات من يونيو (حزيران) حتى سبتمبر (أيلول) الماضيين. وخلصت الدراسة إلى أن العديد من هذه الروبوتات تنشر الأكاذيب المتعلقة بفيروس «كورونا» ونظريات المؤامرة اليمينية المتطرفة مثل «كيوآنون». وفي الأسبوع الماضي، أعلن موقع «فيسبوك» أنه أزال إعلانات من حملتي ترمب وبايدن الرئاسيتين يمكن اعتبارها مضللة للناخبين في الولايات التي لم يبدأ فيها التصويت المبكر. وأبلغ الحملتين أنه لن يقبل أي إعلانات سياسية جديدة خلال الأسبوع الذي يسبق يوم الانتخابات.
وعلى غرار شركات التواصل الاجتماعي الأخرى، حاولت شركة «يوتيوب» اختبار قدرتها على إبقاء المعلومات المضللة ومقاطع الفيديو الأخرى المثيرة للجدل بعيداً عن موقعها. وأعلنت أنها ستكون متيقظة بشكل خاص في شأن المحتوى الذي يشجع على التدخل في العملية الانتخابية، مثل مقاطع الفيديو التي تحرض الآخرين على ارتكاب أعمال عنف في مراكز الاقتراع أو تلك التي تقدم مزاعم كاذبة بأن بطاقات الاقتراع عبر البريد جرى التلاعب بها.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».