خواطر حول مسألة التفاوت التاريخي بين العرب والغرب

الثورة العلمية في أوروبا فسرت العالم عقلانياً لا غيبياً

خواطر حول مسألة التفاوت التاريخي بين العرب والغرب
TT

خواطر حول مسألة التفاوت التاريخي بين العرب والغرب

خواطر حول مسألة التفاوت التاريخي بين العرب والغرب

لإيضاح هذه المسألة الشائكة جداً سوف أقول ما يلي: في العصور الوسطى وحتى القرن السابع عشر كان المسيحيون الأوروبيون متعصبين وظلاميين، وكانوا لا يسمحون بوجود أديان أخرى في بلدانهم غير الدين المسيحي والمذهب الكاثوليكي البابوي الروماني فيما يخص فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبقية البلدان ذات الأغلبية الكاثوليكية. وويلٌ للإنسان البروتستانتي هناك بأقليته الطائفية. وكانت عقوبة التجديف أو الاستهزاء بالمقدسات والأديان هي قطع الرؤوس تحت المقصلة بكل بساطة. وبالتالي فلا ينبغي أن تخدعنا صورة أوروبا الحالية الحداثية جداً والعلمانية جداً والخالية من كل أثر للقمع الديني أو الطائفي فيها. ينبغي أن نعود إلى الوراء عدة قرون لكي نعرف كيف كانت وكيف أصبحت. وهذا يساعدنا على حل مشكلة النظر إلى الإسلام من هذه الزاوية «الظلامية» التي تعززها أعمال التطرف والعنف الديني، وذلك عن طريق المقارنة والنظر. ينبغي العلم بأن الفيلسوف الكبير جيوردانو برينو دفع الثمن باهظاً عام 1600 لأنه ندد بالظلامية المسيحية، وأنكر صحة بعض العقائد اللاهوتية كعذرية مريم مثلاً. فقد قطعوا لسانه وألقوه حياً طعمة للنيران في كهوف الفاتيكان المظلمة. وكانت ميتة شنيعة ونهاية مرعبة لواحد من أكبر علماء أوروبا في ذلك الزمان. كانت الظلامية المسيحية عندئذ ترعب كل المفكرين تماماً كما الظلامية الإسلامية حالياً. ولكن لحسن حظ أوروبا فإنها شهدت بعدئذ ثلاث ثورات علمية وفلسفية وتنويرية دينية أنقذتها وأخرجتها من جحيم التعصب الديني الأعمى. الثورة الأولى تمت على يد كوبرنيكوس وجيوردانو برينو ذاته وغاليلو وديكارت وكيبلر ونيوتن وآخرين. وأما الثورة الفلسفية فقد تمت على يد ديكارت ولايبنتز وسبينوزا ومالبرانش كمرحلة أولى. ثم تواصلت على يد كانط وهيغل وماركس... إلخ. وأما الثورة التنويرية للدين فقد تمت على يد فولتير وديدرو والموسوعيين وسبينوزا وكانط... إلخ. هذه الثورات الثلاث مترابطة بشكل وثيق فيما بينها إلى درجة أن أحدهم قال: لولا نيوتن ما كان كانط! المقصود لولا الثورة العلمية ما كانت الثورة الفلسفية. فالعلم الفيزيائي الرياضي الفلكي الاستكشافي له الأولوية. بعدئذ تجيء الفلسفة لكي تنظَر على هامشه أو لكي تستخلص الدروس والعبر من مكتشفاته. وهذه الثورات الثلاث هي التي جعلت أوروبا تقلع حضارياً بشكل صاروخي وتتفوق على كل النطاقات الثقافية الأخرى وفي طليعتها النطاق الثقافي العربي الإسلامي الذي كانت تطبق عليه ظلاميات السلطنة العثمانية البائدة.
ولكن فلسفة الأنوار لم تستطع تغيير الوضع الظلامي التعصبي جذرياً إلا بعد أربعة قرون من النضال والعراك ضد الكنيسة ورجال الدين: أي من القرن السادس عشر وحتى أوائل القرن العشرين. وهذا أكبر دليل على مدى خطورة مواجهة الدين أو الظلامية الدينية. المسألة ليست سهلة على الإطلاق وليست مزحة بسيطة. كما أنه أكبر دليل على مدى صعوبة تغيير التفسير الظلامي للدين وإحلال التفسير الأنواري أو التنويري محله. ولذلك يخطئ من يظن أن العملية ستتم بسهولة في العالم العربي أو الإسلامي كله. ويخطئ من يظن أنها ستتم بين عشية وضحاها. هذه قصة طويلة؛ هذه قصة القصص ومعضلة المعضلات. نحن دخلنا الآن في صيرورة نرى بداياتها ولا نرى نهاياتها. لقد كان هذا الإنجاز البطولي طويلاً في أوروبا. كان صعباً عسيراً، بل دموياً أيضاً. لكنه نجح في نهاية المطاف وهذا هو المهم. أصبحت الشعوب الأوروبية لأول مرة في تاريخها متحررة من نير الاستبداد اللاهوتي والأصولية الدينية. وأصبح يحق لها الاستخفاف برجال الدين علناً ونقد العقائد الدينية الدوغمائية المتحجرة. ولكن بالمقابل يحق لمن يريد أن يظل مؤمناً متديناً أن يظل متديناً إذا ما أراد. فهذه هي الديمقراطية: الرأي والرأي المضاد يتجاوران جنباً إلى جنب، المؤمن والملحد، كلاهما موجود. ثم أصبحت أغلبية الشعوب الأوروبية لا دينية ولا ترهق نفسها بالطقوس والشعائر على عكس القرون الوسطى وعلى عكس الشعوب العربية والإسلامية حالياً. وإنما تكرس طاقاتها للعمل والإنتاج والإبداع. وحتى الأقلية التي بقيت متدينة أصبحت هي الأخرى متنورة قياساً إلى الماضي.
راحت الثورة العلمية التي دشنت في أوروبا إبان القرن السابع عشر تفسر العالم عقلانياً لا غيبياً كما كان يفعل التفسير الديني الموروث. لقد أخذت تفسره بواسطة الملاحظة العيانية والتجريب العملي والمنطق الرياضي أو الحسابي الدقيق. لقد تجرأت على تفسيره أو تفسير ظواهره خارج نطاق أي تأثير للعقائد الدينية الدوغمائية التي كانت تفرض نفسها كإلهية وبالتالي ملزمة قطعاً. إن التحرر من هذه الهيبة الطغيانية للدين ورجال الدين يمثل أكبر حدث في تاريخ البشرية. ولم تتجرأ عليه حتى الآن إلا مجتمعات أوروبا الغربية كفرنسا وألمانيا وإنجلترا... إلخ. أما مجتمعات أوروبا الشرقية فلا تزال متدينة أكثر بكثير. هذا وقد اضطر العلماء في البداية إلى إقناع السلطات الكهنوتية المسيحية المهيمنة بأن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس. وكان ذلك يعتبر كفراً في ذلك الوقت لأنه يتعارض مع ما جاء في الكتب المقدسة. ومعلوم أن الكنيسة أدانت نظرية كوبرنيكوس هذه ولم تعترف بها إلا بعد قرون طويلة. ثم أرعبت غاليليو كما هو معروف. ولكن الشيء غير المعروف كثيراً هو أنها أرعبت ديكارت أيضاً فتراجع عن نشر كتابه الذي يؤيد نظرية كوبرنيكوس ويبطل نظرية بطليموس. لقد تراجع بعد أن سمع بما لحق بغاليليو وأراد أن ينجو بجلده على الأقل مؤقتاً. ومعلوم أنه كان حذراً جداً ويحسب لرجال الدين ورهبتهم وطغيانهم ألف حساب.
ثم بعدئذ في القرن التاسع عشر رفض الفاتيكان نظرية داروين واعتبرها مضادة لما ورد في الكتاب المقدس، وبخاصة سفر التكوين عن نشوء الكون والعالم والإنسان. وهي فعلاً كذلك. ولكن برغم معارضة السلطات الدينية الكهنوتية الشديدة فإن الروح العلمية الجديدة استطاعت في نهاية المطاف أن تفرض نفسها. وبعدها أو بفضلها أصبحنا نعرف اليوم أشياء كثيرة مذهلة عن كيفية تشكل الكون والطبيعة وكيفية ظهور الإنسان على سطح الأرض.
ثم أدت الثورة العلمية إلى الثورة التكنولوجية وتحقيق إنجازات رائعة. فلولاها ما كنا نتمتع الآن بالهاتف الجوال، والتلفزيون، والبراد، والغسالة، والسيارة، وعشرات المخترعات الأخرى. وإذا كنا اليوم نركب القطار والطائرة ونتمتع باللقاحات ضد الأمراض العديدة، ونعمل راديو لجسمنا لمعرفة أين يكمن الخلل، فإن كل ذلك بفضل الروح العلمية أو الثورة التكنولوجية التي انتصرت في أوروبا على الظلامية الدينية والغيبيات والخرافات والمعجزات الخارقة التي لا هدف لها إلا انتهاك قوانين الطبيعة! وكلما انتهكتها أكثر زاد إيمان المتدينين وإعجابهم بها أكثر. أتذكر أني في طفولتي أو شبابي الأول كنت أستمتع كل الاستمتاع بالقصة التي تقول إن الإمام علي فتح باب خيبر وخلعه بيده ورفعه بإصبعه الصغيرة وكأنه ريشة خفيفة رغم أنه يزن ألف طن مثلاً! أنقل من الذاكرة ولا أعرف فيما إذا كان ذلك صحيحاً أم لا؟ ولكن هذه هي الفكرة. كنت أصدق ذلك كل التصديق وأعيش لحظات لا توصف من الإعجاب والانبهار والتبجيل والتقديس وإلغاء العقل كلياً. وكنت أشهق وأبكي وأضحك وأذوب ذوباناً في لحظات قدسية لا يتصورها العقل. وكلما ألغي العقل أكثر وتضخمت المعجزة وخرجت عن حد السيطرة كنت أستمتع أكثر. ولكن هل توجد ذرة عقل في مثل هذه التربية الدينية القروسطية الظلامية المتخلفة؟ نعم كنت أصولياً خرافياً قبل أن أتحول إلى حداثي تنويري من أعلى طراز. ولله في خلقه شؤون.
نعود إلى قصة الصور الكاريكاتيرية. هل نعلم أن الجرائد الهزلية في فرنسا من أمثال هارا كيري سابقاً وشارلي إيبدو حالياً تسخر من رموز الدين المسيحي أكثر بكثير مما تسخر من الرموز الدينية الأخرى. لقد صوروا السيد المسيح بشكل شنيع وكذلك مريم العذراء في صور قبيحة مشهورة. ورغم ذلك لم يتحرك أي مسيحي كاثوليكي لتوبيخ رسامي الكاريكاتير هؤلاء ناهيك عن ذبحهم! وإنما أخذوا الأمور بفلسفة وأقاموا مسافة للحظة بينهم وبين عقائدهم الحميمة وألقوا على كل ذلك ابتسامة ساخرة متسامحة. فهذه الرسوم والألاعيب لا تؤثر إطلاقاً على تعلقهم بعقيدتهم وإيمانهم. ولكن المشكلة هي أن هذا المسيحي الكاثوليكي كان سيقتلهم قبل مائتي سنة فقط. وهذا يعني أن مستوى وعي المسلم حالياً لا يقارن بمستوى وعي المسيحي الأوروبي حالياً وإنما بمستوى وعي أسلافه قبل مائتين أو ثلاثمائة سنة. وذلك لأن المسلم لم تتح له الفرصة لكي يهضم هذه الثورات العلمية والفلسفية والدينية التنويرية كما حصل لنظيره المسيحي الأوروبي. هل يعلم هؤلاء الجهلة عندنا أن الصور الكاريكاتيرية تظل صوراً كاريكاتيرية ولا يمكن أن تصل إلى الأنبياء؟ إنها أقل من أن تصل إلى كعبهم. ولا يمكن أن تخدشهم أو تخدش سمعتهم مجرد خدش. بالمقابل: هل نعلم أن أكبر كارثة يمكن أن تحل بالأنبياء ورسالتهم هي أن يدافع عنهم المجرمون وقطاع الطرق والأفاقون من أمثال هذا الشيشاني سيئ الذكر. الدواعش أساءوا إلى سمعة الإسلام أكثر من الصور الكاريكاتيرية بمليون مرة. هذه الأفعال الإجرامية هي التي شوهت صورة الإسلام على مدار الكرة الأرضية بأسرها. نضيف بأن المسؤولين الفرنسيين وعلى رأسهم ماكرون ليسوا ضد الإسلام بأي شكل. فقد صرحوا مراراً وتكراراً أن للإسلام المعتدل المتسامح كل مكانته في فرنسا. وهناك أكثر من 1500 مسجد في بلاد فولتير وموليير. ولكنهم ضد جماعات الإسلام السياسي العدوانية والمشاغبة كالإخوان المسلمين مثلاً. فهل هذا ممنوع أيضاً؟ وهي جماعات تكفر الآخرين وتحتقر أديانهم وتنظر إليهم شزراً وتثير القلاقل والمشاكل في المجتمع.
أخيراً في عام 1766 قطعت السلطات الكهنوتية رأس الشاب فرنسوا دولابار (20 سنة) لأنه اتهم بكسر تمثال المسيح في قريته. وبعد أن قطعوا رأسه وضعوا كتاب القاموس الفلسفي لفولتير على جسده وحرقوهما معاً. ومعلوم أنهم وجدوا هذا الكتاب في بيته واعتبروا ذلك أكبر دليل على كفره وزندقته. العالم العربي لا يزال هنا. العالم الإسلامي لا يزال هنا متسمراً ومتحجراً ومتجمداً عند عام 1766: أي قبل قرنين ونصف. وهي مسافة التفاوت التاريخي بين العرب - والغرب. فنحن أيضاً نقطع الرقاب على صور كاريكاتيرية سخيفة لا قيمة لها على الإطلاق، بل فاشلة من الناحية الفنية. ولولا غباؤنا لكانت قد ماتت في أرضها واندثرت.



الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر
TT

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

في خريف العام الماضي، أنهى أنطونيو بريسيو، استشاري هندسي مقيم في غوادالاخارا بالمكسيك، مسودة روايته الأولى ـ رواية خيال علمي مثيرة، تدور حول مؤامرة حكومية لطمس تاريخ أول اتصال للبشرية مع لاجئين فضائيين.

وبعد مراسلة عشرين وكيلاً أدبياً وتلقيه سلسلة من الرفض، أمضى عدة أشهر في مراجعة روايته، بجهدٍ كبير، على أمل أن يقع على ناشر يوماً ما.

اليوم، يساور القلق بريسيو من أن عملية الحصول على عقد نشر، وهي عملية شاقة بطبيعتها لمؤلف مبتدئ ـ قد ازدادت صعوبة. ويخشى أن يتجنب الوكلاء والناشرون مخاطرة التعامل مع مؤلفين غير معروفين، خشية أن يكونوا قد استعانوا بالذكاء الاصطناعي في كتابة روايتهم.

اللافت أن حالة الذعر والريبة حيال الكتب المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، تفاقمت الشهر الماضي، عندما قررت دار نشر كبرى، «هاشيت»، إلغاء إصدار رواية الرعب «فتاة خجولة» للكاتبة ميا بالارد في الولايات المتحدة، بسبب أدلة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أسهم في كتابتها. كما سحبت دار «هاشيت» الرواية من المملكة المتحدة، بعد أن أطلقتها بالأسواق، العام الماضي، بعد إقدام بالارد على نشرها بنفسها، بادئ الأمر.

من جهته، لدى علم بريسيو، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بقرار عدم قبول روايته، انتابه شعور مؤلم بخيبة الأمل. وأكد أنه لا يستعين بالذكاء الاصطناعي في الكتابة، إلا لترجمة كلمة أو عبارة عابرة من لغته الأم الإسبانية إلى الإنجليزية، التي يتقنها كذلك، باستخدام برنامج الترجمة بالذكاء الاصطناعي «ديبل» (Deepl). غير أنه تساءل عما سيقوله نظام كشف الذكاء الاصطناعي عن عمله.

وعليه، اشترك في موقع Originality.ai وحمل فصلاً من روايته. وكانت المفاجأة أن أكد النظام بثقة تبلغ 100 في المائة أنه اعتمد على الذكاء الاصطناعي بطريقة ما.

وبالفعل، بحث بريسيو عن العبارات التي توقف عندها النظام، وحذف بعض الجمل، ثم أعاد تشغيله. هذه المرة، أكد البرنامج بنسبة 100 في المائة أن كاتباً بشرياً يقف خلف هذا النص. في نهاية المطاف، أجرى بريسيو محادثةً عبر الدردشة مع أحد ممثلي خدمة العملاء، الذي أخبره أنه إذا تلقى نتائج تُصنّف عمله خطأً باعتباره مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، فقد يحتاج إلى نسخة مختلفة من البرنامج.

ولم تُسفر هذه المراسلات إلا عن مزيد من القلق لدى بريسيو؛ خاصة وأن تقارير موقع Originality.ai حول مسودته، التي شاركها مع صحيفة «التايمز»، كشفت أن إضافة أو حذف بضع جمل فقط يفضي إلى نتائج مختلفة تماماً.

وعن ذلك، علق بريسيو: «ماذا لو بدأ الناشرون أو الوكلاء الأدبيون بتشغيل أدوات الذكاء الاصطناعي هذه على الجميع؟ سيتعامل الجميع بحذر شديد من الآن فصاعداً».

وفي الوقت الذي يُصارع قطاع النشر، مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في كل جانب من جوانب العمل تقريباً، يبدو أن هناك إجماعاً ضئيلاً حول ما يمكن أو ينبغي للناشرين فعله لتنظيم كيفية استخدام الكُتّاب لهذه التكنولوجيا. ومع ذلك، فإن ما يتفق الكثيرون حوله اليوم أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار.

اليوم، يواجه عدد متزايد من الكُتّاب شكوكاً لا أساس لها حول استخدامهم للذكاء الاصطناعي، بينما يستخدمه آخرون دون الإفصاح عنه. في الوقت ذاته، يشعر الكثير من القراء بالحيرة والحذر، لعدم معرفتهم ما إذا كانت الكتب، التي يقرأونها من تأليف إنسان أم آلة.

في سياق متصل، جابه عدد من المؤلفين، الذين ينشرون أعمالهم بأنفسهم، انتقادات لاذعة من القراء وأقرانهم الكتاب على حد سواء، لاستعانتهم الواضحة بالذكاء الاصطناعي. غير أن الجدل الدائر حول رواية «الفتاة الخجولة» قد يُشكّل نقطة تحوّل على صعيد صناعة النشر بأكملها.

في أعقاب إلغاء نشر الرواية، تساءل الكثير من القراء والكُتّاب عن كيفية فشل دار نشر كبرى، في رصد دلائل على استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة. وقد اشتكى مُعلّقون عبر منصتي «غود ريدز» و«ريديت» على مدار شهور، ممَّا وصفوه بأنه دليل واضح على استخدام لغة برامج الدردشة الآلية. ودفعت هذه الفضيحة بعض القراء إلى التساؤل عن مدى تدقيق دور النشر للأعمال التي تستحوذ عليها.

في هذا الصدد، صرَّحت أندريا بارتز، كاتبة روايات الإثارة، التي كانت المدعية الرئيسة في الدعوى الجماعية، التي رفعها مؤلفون ضد دار نشر «أنثروبيك»، بأنه: «ندخل الآن عصر انعدام الثقة، حيث لا توجد طريقة سهلة لإثبات صدق كتاباتك». جدير بالذكر أن الدعوى انتهت بالاتفاق على تسوية بقيمة 1.5 مليار دولار.

حديثاً، أدخلت بارتز بعض كتاباتها في برنامج «إيس» لرصد الذكاء الاصطناعي، وفوجئت عندما صنَّف البرنامج عملها باعتباره مُولَّد بواسطة الذكاء الاصطناعي بنسبة 82 في المائة. وبعد ذلك، اقترح عليها البرنامج حلّاً: «هل ترغبين في إضفاء طابع إنساني على نصك؟».

وعندما كتبت بارتز عن تجربتها على منصة «سبستاك»، شاركها عشرات الكتّاب. وعلّقت الروائية رينيه دينفيلد قائلةً: «أعتقد أن هذا ما يحدث عندما تتعرض كتبك للسرقة، بغية برمجة الذكاء الاصطناعي»، مشيرةً إلى أن برنامجاً لكشف الذكاء الاصطناعي، قد صنَّف كذلك بعض كتاباتها بشكل خاطئ، باعتبارها مُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

في الإطار ذاته، قالت جين فريدمان، استشارية بمجال النشر: «يجب أن يكون هذا بمثابة جرس إنذار لصناعة النشر».

اللافت أن معظم دور النشر الكبرى لا تملك قواعد واضحة بخصوص استخدام الذكاء الاصطناعي للمؤلفين، وإنما تكتفي بالاعتماد على الثقة وتوقع الشفافية من الكتّاب. غير أنه مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في صناعة الكتب بطرقٍ عديدة، من البحث إلى التحرير إلى صياغة الجمل، يسود الارتباك حول أشكال استخدامه التي تتجاوز الحدود، ويتزايد الخوف من أن الكتابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تتجاوز، بل وستتجاوز، حدود المحررين المحترفين.

من ناحيتها، عندما سمعت راشيل لويز أتكين، التي تتولى مراجعة الكتب على مواقع «غود ريدز» و«إنستغرام» و«تيك توك» لآلاف المتابعين، لأول مرة عن رواية «فتاة خجولة» عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بدت لها الرواية وكأنها ستنال إعجابها - قصة رعب نسوية آسرة وملتوية. وبالفعل، التهمت الرواية في يوم واحد وأوصت بها على نطاق واسع. وقالت إنها صُدمت عندما علمت بسحبها، بسبب أدلة تشير إلى الاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

تكتب ألكسندرا ألتر عن الكتب والنشر وعالم الأدب لصحيفة التايمز.

* خدمة «نيويورك تايمز»وعلقت على الأمر بقولها: «لو كنت متأكدة من أن شيئاً ما كُتب باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنت تجنبته. أعتقد أنه يجب أن نكون قادرين على اتخاذ القرار بشأن ما إذا كنا نريد قراءة شيء كُتب باستخدام الذكاء الاصطناعي».

أما المؤثرة في عالم الكتب، ستايسي سميث، فقد وقعت على رواية «فتاة خجولة» على موقع «نيت غالي» ـ موقع يتيح للقراء الاطلاع على الكتب ومراجعتها قبل نشرها ـ ومنحتها تقييم خمس نجوم على موقع «غود ريدز». وقد شعرت هي الأخرى بالاستياء لدى علمها بالاتهامات الموجهة للرواية.

وقالت: «لا أمانع مطالعة الكتب المكتوبة باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنني أرغب في معرفة أنها كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي. إن الخداع هو ما يؤلمني هنا».

من جهتهم، يضيف بعض الكتّاب شعاراً إلى كتبهم ومواقعهم الإلكترونية، يُشير إلى أن «المؤلف بشري». هذه الشهادة، التي تُقدمها «نقابة الكتاب»، تُمكّن المؤلفين من الإقرار بأنهم ألفوا كتبهم دون استخدام الذكاء الاصطناعي، في توليد النصوص أو صياغتها بشكل جوهري. ورغم أن النقابة لا تتحقق بشكل مستقل من ادعاءات المؤلفين، فإن الكتّاب قد يتعرضون لدعاوى انتهاك حقوق الملكية الفكرية، إذا انتهكوا شروط استخدام الشعار.

يذكر أنه جرى توجيه اتهامات لسارينا بوين، كاتبة نشرت بعض كتبها بنفسها، وأصدرت أخرى بالتعاون مع دور نشر كبرى، باستخدام الذكاء الاصطناعي لتصميم غلاف إحدى رواياتها. وقد نفت الكاتبة هذه الاتهامات بسهولة؛ إذ نُشرت الرواية قبل سنوات من انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي على نطاق واسع. ومع ذلك، يساورها القلق اليوم بخصوص أغلفة الكتب التي يجري الحصول عليها من الإنترنت ـ ممارسة شائعة بين المؤلفين، الذين ينشرون أعمالهم بأنفسهم ـ وما إذا كان فنان ما قد استخدم هذه التكنولوجيا لإنتاجها.

وعن هذا، قالت: «لا أعرف إلى أين سيقودنا هذا، لكن لحظة اتهامي باستخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم الغلاف، كانت محبطة للغاية. كل من ينشر الكتب يغرق في هذا العالم، الذي لا يمكن فيه التأكد من مصدر محتوانا».

وقالت لورا تايلور نيمي، روائية: «إذا كان هناك من سينفق ماله على كتاب، فإنه يرغب في أن يكون نابعاً من عقل وقلب المؤلف، لا من جهاز كمبيوتر سلب عقل الكاتب. وأنا أؤيد ذلك».

يتردد عدد متزايد من الكُتّاب في استخدام الذكاء الاصطناعي بينما يستخدمه آخرون من دون الإفصاح عن ذلك


بودلير... الطفولة الجريحة المدمرة

 بودلير
بودلير
TT

بودلير... الطفولة الجريحة المدمرة

 بودلير
بودلير

لقد سقط بودلير وهو في عز الشباب (46 سنة فقط). وأصيب بالشلل في أواخر حياته، ويقال إنه جنّ. ومع ذلك فقد خلَّف وراءه أكبر ثورة شعرية في تاريخ العصور الحديثة. لولا بودلير لما كان رامبو. لقد انفجر بودلير بالشعر انفجاراً وعاش من أجله، وله، ولم يكن له هدفٌ آخر في الحياة. أليس هو القائل: لقد عجنت الطين (أو الوحل) وصنعت منه الذهب؟ بمعنى آخر: من كلمات عادية جداً خلقت مجازات إبداعية مبتكرة وصوراً خارقة تدوخ العقول. وهنا تكمن معجزة الشعر، سر الشعر. جوهر الشعر. إنه السهل الممتنع إلا على عباقرة العباقرة. ولكن سارتر في كتابه الرائع عن بودلير يضيف قائلاً: «لم يكن هذا الرجل بلا نقيصة ولا خالياً من التناقضات والعيوب. فهذا المنحرف الضال تبنى أكثر الأخلاق امتثالية وشيوعاً في عصره. وهذا الشخص المترف الناعم كان يتردد على المومسات العواهر. وحبه للبؤس والانحطاط والانهيارات السيكولوجية هو الذي جعله يتعلق بتلك الزنجية البشعة حنة دوفال التي كانت عشيقته لسنوات طويلة. وهذا المتوحد كان يخشى الوحدة كثيراً ولا يخرج إلا مع رفاقه إلى مقاهي باريس وحاناتها. وكان يتمنى بناء حياة عائلية وعش منزلي دافئ ولكنه فشل في تحقيق ذلك فشلاً ذريعاً، فعاش متسكعاً، مشرداً، هامشياً. وكان يثني على الجهد والعمل، ولكنه كان عاجزاً عن أن يكمل أي عمل ينخرط فيه. وكان يحمس الناس للسفر إلى الأصقاع البعيدة واكتشاف العوالم القصية، ولكنه بقي متردداً طيلة ستة أشهر قبل أن يحسم أمره ويقرر أخيراً زيارة أمه في مدينة هونفلير التي لا تبعد عن باريس أكثر من مائتي كيلومتر... باختصار شديد فقد كان شخصاً مليئاً بالتناقضات».

في الواقع إن مشكلة بودلير الأساسية هي زواج أمه بعد وفاة والده. هنا يكمن جرحه الأنطولوجي إذا جاز التعبير. هنا يكمن الجرح العميق الذي دمره من الداخل تدميراً، وفجره تفجيراً. ولم يقم من تلك الضربة القاصمة طيلة حياته كلها. بودلير كان متعلقاً بأمه إلى أقصى الحدود. وعندما مات أبوه وعمره ست سنوات فقط لم يحزن عليه كثيراً بل ربما سعد بذلك. فقد اعتقد أن أمه سوف تكون له وحده منذ الآن فصاعداً... وبالفعل فقد قضى معها فترة رائعة لمدة سنتين تقريباً قبل أن يضرب القدر ضربته ويحصل ما لا تحمد عقباه. فقد أبلغته في صبيحة أحد الأيام أنها سوف تتزوج من الجنرال جاك أوبيك الذي أصبح الحاكم العسكري لمنطقة باريس لاحقاً بل والسفير الفرنسي في إسطنبول. عندما سمع بودلير بالخبر جن جنونه. شعر وكأن السماء انطبقت على الأرض. شعر وكأنه سقط من الجنة. لقد انتهت «جنة الطفولة» بالنسبة لشارل بودلير. عندئذ تعرف لأول مرة على تجربة الشر في العالم. حتى ذلك الوقت كان هذا الطفل المدلل ساذجاً كبقية الأطفال. كان يعتقد أن العالم كله خير، وبركة، وسعادة، وطمأنينة. وفجأة يكتشف شيئاً جديداً لم يكن في الحسبان. فجأة يكتشف أن الشر موجود في قلب العالم بل وينخر فيه كما تنخر الدودة في الثمرة. منذ ذلك الوقت حصل صَدْع في الأعماق النفسية لشارل بودلير. ومنذ ذلك الوقت أصبح الشعر ممكناً.

يقول عنه أحد النقاد: كان بودلير ذا روح رقيقة وحساسة جداً وحنونة أيضاً. وقد انكسرت من أول صدمة من صدمات الحياة. لم يتحمل بودلير أبداً زواج أمه. أمه لم تعد له وحده، بل لم تعد له بالمرة. أصبحت لرجل آخر يختلي بها في الغرفة المجاورة مغلقاً الباب في وجهه. لقد خانته أمه وتركته وحيداً على قارعة الطريق. أبداً لن ينسى هذه الإهانة. أبداً لن يغفر لها فعلتها تلك. ولذلك راح يصرخ في وجهها قائلاً: «من كان لها ابن مثلي لا تتزوج»! كيف يمكنه أن يثق بالحياة بعد الآن؟ لقد انتهى عهد الطمأنينة والشفافية واختل نظام الأشياء. وهذا ما حصل لسارتر أيضاً. فقد تزوجت أمه بعد وفاة والده. لهذا السبب حقد عليها وعلى زوجها تماماً مثلما فعل بودلير. كان يكره زوج أمه كره النجوس. كان يكرهه إلى درجة أنه رفض أن يدفن في المقبرة ذاتها. حتى بعد الموت كان شبحه يلاحقه. وربما لهذا السبب نجح كتابه عن بودلير نجاحاً باهراً. لقد عاش التجربة المرة الساحقة الماحقة ذاتها. لا تكاد تشبع من قراءته: نثر فلسفي متفجر أين منه الشعر... (بين قوسين: لن أغفر للغة الفرنسية ما حييت أنها تدعو زوجة الأب «بالأم الجميلة». ما هذه الحماقة؟ ما هذه الفضيحة؟ الأم الجميلة هي وحدها الأم الحقيقية).

ماذا نستنتج من كل ذلك؟ نستنتج أن مرحلة الطفولة الأولى هي التي تصنعنا وتجبلنا وتصوغ شخصيتنا إلى الأبد. لا نستطيع منها فكاكاً. مستحيل. مؤخراً سمعت مطرباً فرنسياً شهيراً يقول بعد أن تجاوز الثمانين: والله حتى الآن لم أستطع أن أتجاوز طفولتي. والله حتى الآن لم أستطع أن أتصالح معها. ثم يضيف: من يستطيع أن ينجو من طفولته، من يستطيع أن يُشفى من طفولته؟ وهذا شخص شعبي، ناجح، تباع أشرطته بالملايين. فما بالك بالتعساء من أمثالنا؟ كيف يمكن أن تتصالح مع طفولة أصولية غياهبية، أو كارثية فجائعية؟

الآن دعونا نطرح هذا السؤال: كيف كانت شخصية بودلير في الحياة؟ لنستمع إلى مكسيم دوكامب، صديق فلوبير الشهير، يصوره لنا: «كان متوسط القامة، صلب الجسم، قوي العضلات، أو قل يُوحي بالقوة لمن يراه لأول وهلة. ولكن إذا ما تمعنَّا فيه عن كثب وجدناه مسحوقاً من الداخل أو حتى مدمَّراً تماماً. كانت تلوح عليه علائم التهالك والضعف والهُجران...».

كان بودلير ملاحقاً بالإحساس بالخطيئة والذنب دون أي ذنب. كان يشعر بأنه مدان أبدياً سرمدياً، ولا خلاص. طيلة حياته كلها لم يعرف القرار ولا الاستقرار النفسي السيكولوجي. يا جماعة اسمعوا وعوا: بودلير ما كان بحاجة إلى أعداء لكي يضربوه أو يجلدوه. كان هو يجلد نفسه بنفسه يومياً عشر مرات على الأقل. كان هو العدو اللدود لنفسه. أليس هو القائل:

أنا الطعنة والسكين

أنا الضحية والجلاد

أنا لقلبي مصاص الدم

وهو القائل أيضاً هذه الكلمات المعبرة:

«من يستطيع أن يقضي على الندم القديم، الطويل، ذلك الندم الذي يحيا، يختلج، يتلوى، يتغذى من أحشائنا كما تتغذى الدودة من جسد الميت، أو الأسروع من شجر السنديان؟

من يستطيع أن يقضي على الندم العنيد؟».

لقد عضت الحياة شارل بودلير أكثر مما ينبغي. لكن هل كان سيصبح شاعراً لولا ذلك؟ لولا زواج أمه إبان طفولته الأولى، لولا تلك الصدمة القاتلة، هل كان سيصبح أكبر شاعر في تاريخ فرنسا؟ كان بودلير يفكر على النحو التالي: بما أن الشر إجباري في هذا العالم، بما أنه سيد العالم، فلماذا لا نقبل يديه ورجليه وننحني أمامه؟ لماذا لا نجامله بل ونتغزل بأزهاره وجماله؟ آه أيها الشيطان يا أخي يا صديقي.. ولكن الخير ينتصر في نهاية المطاف على الشر، والله على الشيطان، وإلا فعلى الدنيا السلام... هذا ما يعتقده بودلير في قرارة نفسه. وهذا ما عبر عنه في قصائده مرات ومرات عندما كان يحلم بالشفافية ويحلق إلى أعلى السماوات. لكنه ظل يخشى ضربات الشر وغدرات الزمان. كيف يمكن أن تتحاشاها؟ هذا من جهة. وأما من جهة أخرى فلو أن بودلير عنون ديوانه «أزهار الخير» لما سمع به أحد بل ولربما فشل فشلاً ذريعاً. وذلك لأن «الشعر نكد بابه الشر فإذا دخل في باب الخير ضعف» كما يقول الأصمعي. أخيراً ينبغي العلم أن بودلير قد يتحول أحياناً إلى شخص آخر مختلف تماماً. قد يتحول من تراجيدي إلى كوميدي. والدليل على ذلك هذه القصيدة الفكاهية المرحة:

زوجتي ماتت أنا حر

أستطيع أن أشرب على كيفي

عندما كنت أعود بلا فلس في جيبي

كانت زعقاتها تمزق أعصابي

أنا سعيد كملك متوج

أنا ملك الملوك

يا إلهي ما أرحب البيت بعد رحيلها

أعيش أجمل لحظات حياتي

أغني على كيفي

الهواء نقي والسماء ساطعة

عشنا صيفاً مشابهاً

عندما كنت مغرماً بها

إلخ...


لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21
TT

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

صدر أخيراً عن «منشورات الربيع» في القاهرة، رواية «بيت الخلد: الحياة السرية لفريدة المفتي»، للروائية والناقدة المصرية الدكتورة هويدا صالح.

تقع الرواية في نحو 300 صفحة من القطع المتوسط، وتدور أحداثها في الفترة من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، وتعاين كثيراً من التحولات السياسية العالمية في تلك الفترات، بخاصة قضايا الاستعمار، واستعباد الأوروبيين لأبناء أفريقيا السوداء، وخطفهم من بلدانهم وقراهم في أفريقيا، وبيعهم في أوروبا؛ حيث يجري استعبادهم.

الرواية أقرب إلى نقد الفكر الاستعماري، فضلاً عن نقد الفكر الذكوري، ومن هنا تأتي مركزية المرأة ودورها في مجابهة هذا الاستعمار، وكيف تكون ضحية له في كثير من الأحايين، بوصفها الحلقة الأضعف، ومراوحتها بين مقاومة هذا الطابع الاستعماري، والخضوع والاستسلام له حيناً آخر، وفي الوقت ذاته مقاومة الاستبداد الذكوري الواقع عليها من بني جلدتها أحياناً.

تدور الرواية مكانياً في عدة فضاءات مترامية، بدءاً من مركز الأحداث في العاصمة المصرية، القاهرة، ومحافظة أسيوط في صعيد مصر، ثم إيطاليا؛ حيث ولد «بولدوين» الإيطالي الثري الذي وقع في عشق مصر والشرق عموماً، وحيث ولدت أيضاً عبدته «سورما». أما المكان الثالث فهو إثيوبيا، الموطن الأصلي لجدة «سورما» وأمها، اللتين اختطفتا وبيعتا في سوق العبيد بإيطاليا، واشتراهما جد «بولدوين».

الرواية تتمحور -حسب العنوان- حول شخصية «فريدة المفتي» التي تنحدر من مدينة قفط بمحافظة قنا، وتنتقل إلى القاهرة، وتؤسس وكالة تجارية كبيرة، على عكس الأعراف السائدة وقتها بأن التجارة والعمل للرجال فقط. ولا تكتفي بذلك؛ بل تؤسس بيتاً غريباً، وتسميه «بيت الخلد»، أقرب إلى بيت للمتعة، ولكنه يختلف عن بيوت البغاء التي كانت موجودة آنذاك ومعترفاً بها قانوناً؛ إذ وضعت قانوناً بأن تكون السيدات في هذا البيت لسن بغايا؛ بل سيدات فضليات، ولكنهن لا يشعرن بالحب تجاه أزواجهن، وأن كل امرأة في هذا البيت هي التي ستختار الرجل الذي تريده، وليس العكس كالمعتاد في هذه النوعية من البيوت، للحصول على متعتها، دون تقاضٍ لأي أموال، حتى تمنح كل امرأة حرية التصرف في جسدها.

في مقابل هذه الحرية التي تنطلق من الجسد، كانت شخصية «إستر»، الصعيدية ابنة أسيوط، خريجة الجامعة الأميركية، ترى هذا نوعاً من العبودية، وتؤمن بأن حرية المرأة تبدأ من امتلاك عقلها وليس الجسد، وانخرطت في حركات مقاومة الاستعمار، وكانت ضمن الطليعة الوفدية، وتزوجت «بولدوين» الإيطالي، المحب لمصر والكاره للميول الاستعمارية، والذي أطلق سراح جاريته «سورما» ومنحها حريتها، منذ أن جاءت معه إلى مصر.

ترصد الرواية حياة كل هؤلاء الشخوص، بجذورهم المختلفة، وخلفياتهم المعرفية المتباينة، وعلاقاتهم المركبة بعضهم ببعض، صانعةً خيوطاً درامية أشبه بضفيرة مركبة، تحضر فيها السياسة في الخلفية، وتقدم لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الماضي، مصورة الحياة الفنية الثرية آنذاك، فهناك حضور قوي لشخصيات فنية شهيرة، مثل: نجيب الريحاني، ويوسف وهبي، ومنيرة المهدية، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب.