وزيرة الخارجية الإندونيسية: على المجتمع الدولي دعم حل أزمتي اليمن وسوريا سياسياً

قالت في حوار مع «الشرق الأوسط» إن رئاسة السعودية لمجموعة العشرين وحدتها أمام أزمة الجائحة

ريتنو مارسودي (الشرق الأوسط)
ريتنو مارسودي (الشرق الأوسط)
TT

وزيرة الخارجية الإندونيسية: على المجتمع الدولي دعم حل أزمتي اليمن وسوريا سياسياً

ريتنو مارسودي (الشرق الأوسط)
ريتنو مارسودي (الشرق الأوسط)

أكدت ريتنو مارسودي وزيرة الخارجية الإندونيسية على ضرورة إيقاف تصعيد النزاع ووقف عسكرة بحر الصين الجنوبي فورا كضرورة ملحة. وأشارت إلى ضرورة تدعيم العملية السلمية السياسية في اليمن وسوريا.
وأرسلت جاكرتا 3 رسائل لمجموعة العشرين، شددت خلالها على ضرورة تعزيز تعاون مجموعة العشرين من أجل توفير اللقاحات العادلة والقدرة على تحمل تكلفتها، ودعم تعافي التجارة والاستثمار الدوليين، وتمكين منظمة الصحة العالمية، لدعم البلدان النامية في مواجهة جائحة «كورونا».
وأكدت الوزيرة، أن السعودية أبلت بلاء حسنا لدى قيادتها لأعمال مجموعة العشرين، في أحلك الظروف التي تمر على البشرية.
وقالت مارسودي في حوار مع «الشرق الأوسط» إن «هناك حاجة إلى مزيد من الإجراءات الملموسة للاستجابة للصدمات العالمية غير المسبوقة، ومساعدة دول العالم الأشد فقرا في النجاة من تداعيات الأزمة. أعتقد أنه في ظل رئاسة السعودية، يمكن لمجموعة العشرين أن تظل موحدة وتعمل معا لمعالجة هذه الأزمة وتحدي التعددية». وتابعت: «نشيد برئاسة المملكة لمجموعة العشرين على قيادتها وجهودها القصوى في قيادة هذا المنتدى لضمان أهمية مجموعة العشرين خلال الأزمة، حيث التزمت المجموعة بضخ أكثر من 5 تريليونات دولار من الحوافز المالية المستهدفة في الاقتصاد العالمي، من شأنها أن تساعد في الحد من الآثار الاقتصادية المدمرة، فضلا عن مساعدة البلدان المحتاجة لمكافحة تفشي الجائحة مع الدعوة إلى مشاركة الدائنين من القطاع الخاص». وفيما يلي تفاصيل الحوار:
> تنعقد قمة مجموعة العشرين في نوفمبر (تشرين الثاين) المقبل برئاسة السعودية. ما أهمية هذه القمة من حيث التوقيت والمكان؟ وما هي أهم الملفات التي سيتم بحثها؟
- لنتذكر أن مجموعة العشرين ولدت من رحم أزمة في عام 1999، وواجهت مرة أخرى تحديات في 2008 - 2009 مع الأزمة المالية العالمية. منذ ترقيتها إلى القمة رفيعة المستوى لرؤساء الدول والحكومات في عام 2008، لعبت دورا أساسيا في تمكين التعاون الدولي وتحمل مسؤولية القيادة العالمية في وقت الأزمات، لذلك، كمنتدى يمثل معظم الاقتصاد العالمي، فإنه حان الوقت لمجموعة العشرين لإظهار الوحدة والتضامن من خلال استجابة عالمية منسقة للانتعاش الاقتصادي.
من هذا المنطلق أرغب في تسليط الضوء على بعض العناصر المهمة لأكون جزءا من نتائج زعيم مجموعة العشرين في نهاية هذا العام، تتمثل في 3 رسائل، أولا، يتحتم أن تتعاون مجموعة العشرين من أجل توفير اللقاحات العادلة والقدرة على تحمل تكلفتها، حيث يتحتم أن تحقق منفعة عامة عالمية يمكن الوصول إليها عالميا. ثانيا، مواصلة مجموعة العشرين دعم تعافي التجارة والاستثمار الدوليين، كمحرك مهم للنمو وخلق فرص العمل خلال فترة الأزمة هذه.
ثالثا، تعزيز عمل مجموعة العشرين مع المنظمات الدولية، بما في ذلك منظمة الصحة العالمية، لدعم البلدان النامية في مواجهة التعافي الصحي والاجتماعي والاقتصادي بسبب جائحة «كورونا».
> ما تقييمك للدور الذي لعبته السعودية في نجاح أنشطة واجتماعات دول مجموعة العشرين في ظل جائحة «كورونا» والتوصيات والاقتراحات التي نتجت عنه على مختلف المستويات؟
- تأتي رئاسة السعودية لمجموعة العشرين في عام استثنائي، حيث يستمر تفشي جائحة «كوفيد - 19» في حماية الاقتصاد العالمي. في خضم هذه الأزمة، نشهد أيضا عدم وجود بيئة مواتية، بما في ذلك التنافس بين القوى الكبرى، وتدهور روح التعاون، وتراجع القيادة العالمية الجماعية. لا يمكن حلها إلا إذا وضعنا الاختلافات جانبا وقمنا بزيادة التعاون العالمي.
لذلك، نشيد برئاسة السعودية لمجموعة العشرين على قيادتها وجهودها في القيادة لضمان أهمية مجموعة العشرين خلال الأزمة.
>على الصعيد الثنائي ما تقييمك للعلاقات السعودية الإندونيسية على مختلف المستويات؟
- تعد السعودية من شركاء إندونيسيا المهمين على المستويات الثنائية والإقليمية والمتعددة الأطراف. ومع احتفالنا بالذكرى السنوية الثالثة والسبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية، واثقون من أنه يمكننا تعزيز التعاون الوثيق بين البلدين، حيث تتجاوز علاقتنا الوثيقة السياق الثنائي، من خلال التعاون على المستوى الإقليمي ومتعدد الأطراف مثل مجلس التعاون الخليجي، وجامعة الدول العربية، والأمم المتحدة، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وحركة عدم الانحياز ومجموعة 77. بهذه الطريقة، سنعمل على تعزيز مساهمتنا في الحفاظ على السلام والاستقرار والازدهار في مناطقنا وكذلك من أجل مصلحة الأمة. منذ عام 1982 أصبح لدى البلدين آلية ثنائية على شكل اجتماع للجنة المشتركة. في عام 2018 اتفقنا على رفع هذه اللجنة المشتركة إلى المستوى الوزاري. ففي الوقت الحالي نخطط لرفع الآلية الثنائية للبلدين إلى مستوى رئيس الحكومة.
> ما هو تقييمك للدور الذي تلعبه السعودية في المنطقة في مكافحة الإرهاب على وجه التحديد؟
- إندونيسيا والمملكة لديهما نفس الالتزام في مكافحة الإرهاب وتعزيز وجه الإسلام السلمي والتسامح الحقيقي. حاليا، يعمل البلدان عن كثب لتعزيز تعاونهما في مجال مكافحة الإرهاب، وسيصبح هذا التعاون الوثيق معيارا للتعاون الأكبر بين البلدين في المنطقة وفي المنتدى الدولي، ويتحتم أن تصبح كل من السعودية وإندونيسيا «جزءا من الحل» وليست «جزءا من المشكلة» في القضاء على الإرهاب والمساهمة في الحفاظ على السلام العالمي.
>ما هي آخر التطورات في مجال التعاون والشراكة الاستراتيجية بين البلدين؟
- بناء على نتائج الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى بين البلدين وديناميكيات العلاقات الثنائية، يعمل البلدان حاليا على إنشاء وتنفيذ أوجه تعاون مختلفة في مجالات مختلفة وإن أهم ما يميز العلاقات الثنائية الحالية بين إندونيسيا والمملكة هو خطة تشكيل مجلس قيادي إندونيسي سعودي، وهو الآن في مرحلة المفاوضات.
>ما رأيك في الأزمة في منطقة الشرق الأوسط كالأزمة السورية وكذلك اليمنية وهل يمكن أن يكون لإندونيسيا دور في المساهمة فيه؟
- تعلمت إندونيسيا بشكل مباشر أن الحل السلمي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تعزيز الشمولية والجسر البناء. وللقيام بذلك، يتحتم أن نبتعد عن أي أعمال تتعلق بالمصلحة الذاتية من شأنها أن تعرقل التقدم. ومن المهم أن يواصل المجتمع الدولي تقديم الدعم لمحادثات السلام. في النهاية، نعتقد أن الحل السياسي هو السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة السياسية وتحقيق السلام المستدام.
>على صعيد العلاقات الإندونيسية الأميركية يلاحظ تعزيز الشراكة الاستراتيجية على أهداف مشتركة بين البلدين في بحر الصين الجنوبي... ما السرّ في ذلك؟
- في السنوات السبعين الماضية، كانت علاقاتنا مع الولايات المتحدة قوية وتتحسن باطراد، حيث تمثل رابع أكبر شريك تجاري لنا وسادس أكبر مستثمر. وفيما يتعلق بالتعاون الإنمائي، كانت الولايات المتحدة تدعم إندونيسيا في الكثير من الطرق، بما في ذلك التعامل مع الجائحة، وإلى جانب التعاون الاقتصادي والتنموي، لدينا أيضا شراكة قوية في مجالات التعاون الدفاعي والتعليم والابتكار والبحث والاتصال بين الناس. وفي عام 2015 وافقت إندونيسيا والولايات المتحدة على الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى جديد. من شراكة شاملة إلى شراكة استراتيجية. وفي إطار الشراكة الاستراتيجية، اتفقنا على تحسين علاقاتنا ليس فقط على المستوى الثنائي، ولكن أيضا على المستوى الإقليمي والمتعدد الأطراف، وكشريكين استراتيجيين، ستواصل إندونيسيا والولايات المتحدة تعزيز الأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة.
وبدلا من المبالغة في خلافاتنا، نحن ملتزمون بتعزيز شراكتنا الثنائية والعمل معا على مصالحنا المشتركة والقيم المشتركة. فعلى المستويين الإقليمي والدولي، نتعاون في الكثير من المجالات، مثل بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، ومكافحة الإرهاب وغيرها الكثير. أما فيما يتعلق بعلاقاتنا مع الولايات المتحدة والنزاع الحالي في بحر الصين الجنوبي، أود أن أكرر وأؤكد موقفنا وهو أن إندونيسيا ليست طرفا في النزاع. وسندعم ونحترم دائما مبادئ القانون الدولي، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.
عموما فإن إندونيسيا تحث جميع الأطراف على دفع الحوارات والتسوية السلمية للنزاعات، ولا سيما مدونة قواعد السلوك، التي تعمل «الآسيان» عليها حاليا. وعليه نشدد على إيقاف تصعيد النزاع ووقف عسكرة بحر الصين الجنوبي على الفور، مع ضرورة أن نعطي الأولوية لتعاوننا لمكافحة الوباء واستعادة اقتصادنا.
وفي هذا السياق، أتطلع إلى العمل مع جميع الأطراف للحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة، حيث نقلت رسالتنا إلى الوزيرين الأميركي مايك بومبيو ووزير الخارجية الصيني وانغ يي في مناسبات كثيرة، كلاهما يتفهم ويحترم موقف إندونيسيا.
>أبدى مجلس العلماء الأندونيسيين الاهتمام بدراسة عملية السلام الأفغانية. ما هي رؤيتك للمفاوضات التي جرت مؤخرا بين الحركة الطلابية والإدارة الأميركية؟
- إندونيسيا ملتزمة بعملية السلام في أفغانستان، ونحن نقوم بدور في دعم مفاوضات السلام في أفغانستان، وعلى سبيل المثال، قمنا بتقديم المنح وبرامج بناء القدرات بالإضافة إلى تسهيل عدد من المبادرات المتعلقة بأفغانستان في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
وفي محاولة لبناء أساس أقوى لعملية السلام، لا سيما بعد أن قدم الرئيس الأفغاني أشرف غني طلبا رسميا إلى الرئيس جوكو ويدودو للمساعدة في هذا المشروع المهم، نظمت إندونيسيا مؤتمر العلماء في مايو 2018، والذي كان موضع تقدير كبير من قبل الأفغان وأشادت بها الدول الأخرى. كما نجح المؤتمر في حشد الزخم نحو عملية السلام في ذلك الوقت باستضافة مجلس العلماء الإندونيسي، حيث كان موضوعه «الإسلام باسم رحمة للألمين: السلام والاستقرار في أفغانستان»، وكان جزءا من التزام إندونيسيا بتعزيز دور العلماء في تعزيز السلام، لأنهم يمثلون الشخصيات التي يتابعها معظم الأفغان ويُصغى إليهم، بالإضافة إلى أن إندونيسيا بدأت أيضا في إنشاء شبكة التضامن النسائي الأفغاني - الإندونيسي، وتتكون الشبكة من الكثير من الشخصيات النسائية المهمة والمؤثرة من إندونيسيا وأفغانستان، حيث تم تشكيلها بغرض مساعدة أفغانستان في النهوض بدور المرأة في إقامة السلام والحفاظ عليه.
وفيما يتعلق بآخر التطورات في المفاوضات المباشرة بين حكومة أفغانستان و«طالبان»، مفاوضات السلام في أفغانستان «APN»، فإن إندونيسيا ترحب بالعملية وتدعمها بالكامل.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».