الحظ بين الغيب والقدر... والفلسفة

ستيفن هيلز رئيس قسم الفلسفة في جامعة بلومزبيرغ الأميركية يفكك «الوحش الأسطوري»

تمثال معبودة الحظ في الأساطير القديمة فورتشونا
تمثال معبودة الحظ في الأساطير القديمة فورتشونا
TT

الحظ بين الغيب والقدر... والفلسفة

تمثال معبودة الحظ في الأساطير القديمة فورتشونا
تمثال معبودة الحظ في الأساطير القديمة فورتشونا

يبدو الحظ كما خيط ذهبي يمتد عبر نسيج تاريخ الأفكار جامعاً الآلهة القديمة والمقامرين والفلاسفة واللاهوتيين والأباطرة والعلماء والعبيد على صعيد واحد. ومع أن البشرية ألقت عبر العصور كل ما أوتيت من القدرة والخيال والمعرفة لتفكيك الحظ سعياً لجلبه سعيدا أو لتجنبه شقياً: فهناك أساطير لاهوتية كثيرة منذ البدايات الأولى عن الحظ بصفته مفسراً للأقدار، وقامت حركات فلسفية كاملة للتعامل مع سطوته، ونشأت فروع وتطبيقات جديدة من الرياضيات لتحليله وتحديده، واستمرت أجيال من الأفاقين وتجار الأمل تحصيل عيشهم من التجارة به، لكننا لم نحقق حتى الآن أي نجاح يذكر في نضالنا المتوارث لاستئناس هذا الوحش العنيد أو قهره. البروفسور ستيفن هيلز، رئيس قسم الفلسفة بجامعة بلومزبيرغ (بنسلفانيا - الولايات المتحدة) يعتقد أنه يملك الآن نظرية علمية تفسر سبب فشل البشرية المتراكم هذا: لقد كنا نقاتل أو نسترضي طوال هذا الوقت وحشاً أسطورياً لا وجود فعلياً له، وإن كل الحكاية مرتبطة بنظرة الأفراد للعالم، وموقفهم الشخصي الذاتي من الأحداث حولهم.
أجرى هيلز لاختبار نظريته هذه سلسلة تجارب (رفقة زميلته جنيفر جونسون) نشرت نتائجها في مجلات أكاديمية متخصصة بعلم النفس الفلسفي أثبتت افتراضه بأن الناس المتفائلين بطبعهم يأخذون تجارب الآخرين على أنها من قبيل الحظ الحسن، في حين يرى المتشائمون التجارب ذاتها علامة على سوئه. واستخدم هيلز لاختبار فرضيته قصصاً من الحظ الغريب، وطلب إلى العينة المشاركة - بعد تحديد نظرتها للحياة وفق اختبار مستقل -، الإشارة فيما إذا كان أبطال تلك القصص سعداء الحظ، أم تعساء. على سبيل المثال، كانت هناك قصة تسوتومو ياماغوتشي الموظف الياباني البسيط في شركة ميتسوبيشي للمعدات الثقيلة الذي كان في رحلة عمل إلى مدينة هيروشيما عام 1945 ونجا من القنبلة النووية التي ألقاها الأميركيون عليها في الأيام الأخيرة للحرب العالمية الثانية، قبل أن يعود إلى مقر عمله في ناجازاكي لينجو مرة ثانية من القنبلة النووية الأميركية الثانية التي ألقيت على ثاني مدينة قبل إعلان اليابان استسلامها. وفقاً لبحث هيل، فقد تبين أن هناك علاقة إيجابية كبيرة بين مستوى التفاؤل عند الشخص وكيفية وصفه طبيعة حظ الآخرين في تجربة حياتية معينة. الأكثر تفاؤلاً، اعتبروا أن ياماغوتشي – مثلاً – كان سعيد الحظ بعدما كان الياباني الوحيد الذي نجا من القنبلتين الغادرتين معاً، في حين اعتبر المتشائمون أن الرجل يمكن أن يكون الأيقونة المثالية لسوء الحظ. وقد تغيرت مواقف الطرفين عند إعادة صياغة القصص بلغة إيجابية أو سلبية؛ ولذا بدا أن تصورات الناس عن الحظ ليست نهائية ولا متناسقة وتتأثر بالإطار الذي تعرض فيه ويصعب عموماً التنبؤ بها. ويقود ذلك تلقائياً إلى بوابة نقاش مثيرة يطلق عليها العلماء «معامل الحظ» تزعم بأنه نوع من النبوءة الشخصية التي تحقق ذاتها. ففي إحدى التجارب، نشر ريتشارد وايزمان، أستاذ السيكولوجيا التجريبية، إعلاناً من نصف صفحة جريدة يومية يعد فيه بجائزة مالية لمن يستجيب للإعلان. المتشائمون بالطبع رأوا أنفسهم حكماً سيئ الحظ وامتنعوا عن الاستجابة للإعلان، في حين استجاب المتفائلون وحصلوا على المال، ليتعزز عندهم الشعور بكونهم محظوظين. ومن المفهوم بالطبع أن الشعور بامتلاك حظ سيئ يخلق الخوف والقلق؛ مما يجعل صاحبه أقل قدرة على اغتنام الفرص مقارنة بمن يعدون أنفسهم أفضل حظاً.
كتاب هيلز الأحدث الذي عنونه «أسطورة الحظ: الفلسفة والأقدار والغيب – بلومزبري، 2020»، يستعرض خلاصة هذه التجارب، لكن بعد جولة مثيرة للبحث في تصورات البشر عن الحظ عبر الحقب التاريخية المتعاقبة، بداية من كلاسيكيات الإغريق والرومان فيقرأ توصيف أفلاطون في «الجمهورية» للحظ والأقدار، كما أسطورة أوديب وفلسفة الرواقيين، قبل استكشاف تحولات مفهوم الحظ تالياً مروراً بتوماس الأكويني، وغاليليو، وفلاسفة الأخلاق، وانتهاء إلى عصرنا الحديث: ثرثرات ألبير كامو، ومدارس علم النفس الحديث ونظرية الاحتمالات الرياضية. ويعمد هيل إلى تطعيم نصه في كل مراحل الرحلة باللطائف والنوادر بشأن الحظ مما يكسب المناقشة الصريحة - المزعجة ربما للكثيرين - دفئاً ملحوظاً. فالحظ تشخصن عند الإغريق القدماء وكان يحمل اسماً مؤنثاً (توتشيه) نُسبت ابنة لزيوس كبير الآلهة الأسطورية عندهم، قبل أن يتبناها الرومان لاحقاً باسم (فورتشونا) وكان يعبّر عنها برمز عجلة ضخمة لا يعرف من يقودها وتأخذ معها في دورانها مصائر البشر صعوداً فهبوطاً. ويذكر هيل أن الإمبراطور قسطنطين عندما بنى روما الجديدة (القسطنطينية) عاصمة للمسيحية أبقى مع ذلك معبد للإلهة (فورتشونا) لعل وعسى. وقبل الإغريق والرومان وبيزنطة، كان الفراعنة المصريون يتداولون روزنامات سنوية تحدد يوماً بيوم الموقف من الحظ حول شيء من مصالح البشر: لا تسافر في النهر هذا اليوم، ولا تأكل هذا النوع من الطعام في ذاك، وهكذا. وقد تركت لنا معظم شعوب العالم القديم تعويذات لجلب الحظ الجيد وتجنب السيئ، وهي أصول بعض الرموز المؤسطرة التي لا تزال متداولة إلى اليوم كالخرزة الزرقاء وعلاقة اليد المنقوشة. ويشير هيل إلى أن أصل منصب نديم – أو مهرج البلاط – كانت نتيجة اعتقاد ساد في بعض العصور القديمة عن أنه يمكن حماية الملك بمرافقة نديم له بشكل دائم لعل الحظ يخطأ بينهما فينزل عواقب الحظ السيئ بالنديم لا بسيده.
وبينما حفلت الوثائق والنصوص القديمة بقصص عن ارتباط الحظ بالأقدار – كقصة الرجل الذي لمح ملك الموت من بعيد صباح يوم ببغداد، فهرب بحصانه ساعات نحو سامراء ليجد أن موعده مع قدره المحتم كان في سامراء مساءً -، فإن الرواقيين مثلوا نقلة نوعية في فلسفة تعامل البشر مع الحظ. فهم تحدوا سطوته عبر التخلي عن الآمال وقمع الشغف الذي قد يجعلهم بحاجة إلى الحظ من حيث المبدأ، بل ذهب أحدهم – وهو الفيلسوف سينكا إلى اعتبار ما يراه الناس بأعطيات الحظ الطيب إن هي إلا النقيض من ذلك لأنها تغوي بالأمل الزائف، في حين سعادة الإنسان متأتية حصراً من الذات المتصالحة مع نفسها. أما الأديان السماوية فقد كانت واضحة لناحية حصر الأقدار جميعها بالخالق، فأدانت كل ما قد يسئ إلى التسليم الكامل بإرادته – مع أن كثيرا من المجتمعات المحلية عبر العالمين المسيحي والإسلامي استمرت في تناقل ممارسات وأشياء مرتبطة بالحظ كتراث ثقافي للبسطاء لا يتعارض مباشرة مع الإيمان.
ويفرد كتاب هيلز صفحات كثيرة لمناقشة ممتعة عن دور المقامرين في الانخراط الشخصي أو حفز المعارف من الملمين بعلوم الحساب على تطوير نظريات للتنبؤ الرياضي وعلم الاحتمالات في إطار سعيهم الحثيث والدائم والتاريخي لتعظيم حظوظ الربح وتقليل الخسارات.
وفي هذا الارتحال عبر التقاليد والأوقات والثقافات يجادل كاتب «أسطورة الحظ» باقتدار وتمكّن، ويسوق محاججات مقنعة لوضع (الحظّ) في مكانه المناسب: أسطورة تامة، وسمة شخصية وموقفاً أخلاقياً وانحيازاً معرفياً من قبل منطقنا الذاتي على نحو يمنح تعبير «إن البشر يصنعون حظهم» معنى جديداً، حاثاً الناس على استعادة المبادرة في التعاطي مع العالم وعدم الوقوع في سحر تلك الأسطورة الخالدة عن وهم يقال له «الحظ».


مقالات ذات صلة

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كتب كورت أندرسن

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

لا تقتصر الروايات التي تدور أحداثها في المستقبل على أدب الخيال العلمي؛ فالأوقات العصيبة والمشحونة بالقلق غالباً ما تولّد أعمالاً أدبية تصوّر عوالم مستقبلية...

جوناثان دي
كتب «مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

تُطلق «دار رفّ للنشر»، الذراع المتخصصة في قطاع النشر والتابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام»

«الشرق الأوسط» (الرياض)
كتب التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)

خدام: احتياطي سوريا 12 مليار دولار كان مسجلاً باسم حافظ الأسد

توقيع مزوّر سحب 65 مليون دولار من الاحتياطي... والخيط قاد إلى رئيس الحكومة محمود الزعبي الذي انتحر في 24 مايو 2000 

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون جبران خليل جبران

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران.

شوقي بزيع

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن
TT

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن

لا تقتصر الروايات التي تدور أحداثها في المستقبل على أدب الخيال العلمي؛ فالأوقات العصيبة والمشحونة بالقلق غالباً ما تولّد أعمالاً أدبية تصوّر عوالم مستقبلية قاتمة (ديستوبيا) تتسم بالقلق والتحذير - ومتى كانت آخر مرة شعرت فيها بالاطمئنان التام؟ لقد حفلت حقبة القرن العشرين، على وجه الخصوص، بمثل هذه الرؤى؛ وقد أثبتت بعض الأعمال مثل «حكاية الجارية» (The Handmaid’s Tale) لمارغريت آتوود، أو «عالم جديد شجاع» (Brave New World) لألدوس هكسلي، التي نُشرت عام 1932، وتزداد أحداثها إثارةً للرعب يوماً بعد يوم - أنها كانت أكثر دقة في استشراف المستقبل مقارنة بغيرها. ومع ذلك، فإن أفضل طريقة لفهم هذه الأعمال ليس باعتبارها تنبؤات حقيقية لمستقبلنا، بل كإطلاقٍ لجام المخاوف الراهنة - التي تشبه أحلام اليقظة - بشأن التقلبات العمياء التي تميز لحظتنا الحالية.

غلاف الرواية

في روايته الجديدة «الانفصال» (The Breakup)، يقدم كورت أندرسن شيئاً نادراً ما نراه في هذا النوع من الكتب (وتتبادر إلى الذهن هنا رواية جون رايموند الممتازة الصادرة عام 2022 حول الكوارث المناخية، وهي «الإنكار» Denial)؛ فهو لا يختار مسرحاً لأحداثه في قرن بعيد حيث تصبح مشاكلنا الحالية مجرد جزء من التاريخ، بل يختار وقتاً لا يبعد سوى 19 عاماً من الآن، وهي فترة من المرجح أن يعاصرها معظم قرائه.

وفي محاولة لاستشراف الحالة الانتقالية المقلقة للحياة الأميركية في عام 2026، يرسم الكاتب صورة لعام 2045 - بعد مرور سنوات على حرب أهلية أميركية ثانية قصيرة وقذرة ومصوّرة ببراعة لافتة، حيث انقسمت البلاد إلى كيانين منفصلين بشكل فوضوي ولكنهما لا يزالان رسميين: «الولايات المتحدة الأميركية» (التي تقلصت لتضم 39 ولاية فقط) و«الجمهورية الأميركية الحرة» (Free American Republic)، وهي كيان يغلب عليه السكان البيض والمسيحيون، ويمثل عودة إلى أفكار رجعية نألفها جميعاً - ونشعر بالأسى تجاهها - في واقعنا الحالي.

ومع حلول السلام، يُسمح لسكان الولايات المتحدة السابقة بأسرهم التصويت لتحديد الكيان الذي يرغبون في الانضمام إليه. وهكذا، لا نجد هذه المرة حدوداً فاصلة مرتبة جغرافياً أو متخيلة بوضوح كما كان الحال مع «خط ميسون - ديكسون»؛ فعلى سبيل المثال، نرى المسافرين عبر الولايات الجنوبية - حيث لا ترغب المناطق الحضرية في الانضمام إلى «الجمهورية الأميركية الحرة» (F.A.R)، تماماً كما أن الجمهورية نفسها لا ترغب في ذلك... - نراهم يعبرون الحدود «الوطنية» ذهاباً وإياباً طوال الوقت. إنها ليست حالة انفصال تام (secession)، بل «تفكك للوحدة» (disunion)؛ ورغم أن هذا الحل يمثل فوضى عارمة، فإنه أوقف على الأقل هجمات الطائرات المسيرة الإرهابية ونشر الجيش للروبوتات - كرد فعل - لقتل مواطنين أميركيين متمردين في الشوارع. هذا في الوقت الراهن على الأقل.

يأخذنا المؤلف في جولة عبر هذه الحياة الأميركية الجديدة عبر عائلة «زيمباليست»، التي تعكس خطوط التصدع فيها ما تعيشه الأمة بأسرها، وهو أمر تدركه العائلة تماماً. ففي عام 2044، انتقلت العائلة من ولاية تينيسي إلى سان فرانسيسكو ليتولى «آشر زيمباليست» إدارة «معهد» غامض المهام نيابةً عن شخص قد يمثل أندر الكائنات وجوداً: الملياردير المُحب للخير. لكن زوجته «ناتالي» لم تتحمل الصدمة الثقافية؛ فهي شاعرة - من بين كل المهن - وقد اكتسبت سمعة مثيرة للجدل (أو «سيئة السمعة» ثقافياً) لكونها صريحة ومباشرة في انتقاد المسلمات الليبرالية، بأسلوب يذكّرنا بالكاتبة ليونيل شرايفر؛ ونتيجة لذلك، عادت ناتالي إلى تينيسي قبل ستة أشهر.

إذن، هل انفصلا نهائياً؟ وهل السياسة هي السبب؟ لا أحد منهما متأكد (ولا حتى طفلاهما)، والآن يجدان نفسيهما أمام أمر واقع يفرض عليهما التحرك: اقتراب موعد جولة - خُطط لها منذ فترة طويلة - لزيارة جامعات محتملة لابنهما الأصغر «لوغان». ستأخذهم هذه الجولة عبر قلب أميركا الذي أعيد تشكيله حديثاً.

إنها بداية موفقة للقصة. لكن الأمر المحير هو انقضاء أكثر من 300 صفحة من الرواية قبل أن يدور محرك سيارة عائلة زيمباليست - وبالتالي محرك حبكة الرواية نفسها - وتبدأ أخيراً تلك الرحلة البرية التي طال الحديث عنها. فقبل ذلك، نواجه قسماً ضخماً وساكناً درامياً مما يمكن أن يطلق عليه أصحاب الخيال التأملي (أو التكهني) مصطلح «بناء العالم» (world-building)؛ وهو تصوير شامل ومبتكر ومفصل للغاية لرؤية الكاتب «أندرسن» للسنوات الـ19 المقبلة من التاريخ الأميركي. ورغم ذلك، فإن القراءة ممتعة، لا سيما أنها تتضمن تخيلات لمصائر العديد من المشاهير المعاصرين. (من بين عشرات الظهورات الخاطفة لشخصيات حقيقية، وبالتأكيد لن يضر الكشف عن تفصيل واحد: يموت إيلون ماسك إثر جرعة زائدة أثناء رحلته إلى المريخ).

بصفته روائياً، يُعد أندرسن - الذي تشمل أعماله غير الروائية «أرض الخيال: كيف فقدت أميركا صوابها» (Fantasyland) و«العباقرة الأشرار: تقويض أميركا» (Evil Geniuses) - فيلسوفاً أكثر منه صانعاً للحبكات القصصية. فالدراما العائلية التي تدور حول علاقة الزوجين «زيمباليست» - وما إذا كانت ستستمر أم ستنتهي - تفتقر إلى التشويق بمجرد أن تبدأ الأحداث فعلياً؛ إذ تشبه إلى حد كبير قضاء أسبوع في سيارة مع ثلاثة أشخاص يضحكون على سلسلة من النكات الخاصة بهم، ثم يشرحون لك لاحقاً سبب كون تلك النكات مضحكة.

ولكن، ما المشكلة في ذلك؟ الأعمال الأدبية التي تتناول الدراما العائلية منتشرة بكثرة في الأدب الأميركي. وما سيجذب قراء رواية «الانفصال» (The Breakup) في هذه اللحظة التي تتسم باستقطاب وغضب يبدوان غير قابلين للاستمرار، وبانتهاك صارخ للمؤسسات والمبادئ المدنية الأميركية، هو تقديم رؤية لمستقبلنا القريب؛ رؤية تتسم بالعنف والتحذير، وهي مروعة لدرجة تمنح شعوراً بالتفريغ العاطفي (التطهير)، ومع ذلك تظل قابلة للنجاة منها بطريقة ما. وفي هذا الجانب، ينجح أندرسن في تقديم تلك الجرعة من الإثارة والمتعة التي جعلت أعماله السابقة ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعاً.

* جوناثان دي هو مؤلف ثماني روايات، أحدثها رواية «شارع السكر» (Sugar Street)، وهو يشغل منصب مدير برنامج الدراسات العليا في الكتابة بجامعة سيراكيوز

*خدمة: «نيويورك تايمز»


«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية
TT

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

تُطلق «دار رفّ للنشر»، الذراع المتخصصة في قطاع النشر والتابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام»، وهو كتاب في مجلد واحد مستمد من الأرشيف الشخصي والسياسي لنائب الرئيس السوري الأسبق الراحل عبدالحليم خدّام، الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود داخل دوائر الحكم في سوريا قبل إعلان انشقاقه في باريس عام 2005.

ويضع هذا الكتاب، الذي جمع مادته وحرّره إبراهيم حميدي، رئيس تحرير «المجلة» بين أيدي القارئ أرشيفاً سياسياً بُني على مدى عقود في قلب النظام السوري السابق، ويضم آلاف الوثائق، والمذكرات المكتوبة بخط اليد، والمراسلات الخاصة، والملفات الشخصية، والروايات المباشرة التي تغطي فترة حكم حافظ الأسد، وصعود بشار الأسد، وحقبة الأسدين في لبنان، وصولاً إلى العلاقات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط. ومن خلال ذلك، يكشف الكتاب عن مواد غير معروفة للمرة الأولى، وروايات جديدة من قلب دوائر السلطة.

ويعدّ الكتاب نافذة على الشؤون الداخلية لسوريا وصراعات القوة داخل النظام السوري السابق، فضلاً عن علاقاتها مع لبنان، والمملكة العربية السعودية، ومصر، إلى جانب الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، حيث يسلط الكتاب الضوء على أكثر الأحداث تعقيداً وجدلاً في المنطقة خلال الحقبة الماضية.

ويتضمن الكتاب أيضاًً شهادة خدّام حول أحداث كبرى متعددة في المنطقة، بينها، أحداث الأشهر التي سبقت حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، بما في ذلك تحذيره الأخير للحريري قبل ستة أيام من الاغتيال، مدعوماً بتفاصيل ولقاءات جرت بينهما. كما يغطي صراعات القوة الداخلية التي تلت وفاة حافظ الأسد، والادعاءات المحيطة بالإدارة المالية للنظام السوري السابق، وإبعاد شقيق حافظ الأسد، رفعت، من سوريا إثر صراع الأخوين على السلطة في أوائل الثمانينات. ويكشف الكتاب كذلك، وللمرة الأولى، عن مراسلات دبلوماسية مع قادة إقليميين ودوليين.

في تعليقه على إطلاق الكتاب، يقول إبراهيم حميدي: «تكمن أهمية هذا الأرشيف في كونه نابعاً من داخل المنظومة ذاتها. فهو ليس مجرد سرد استرجاعي من الهوامش، بل سجل توثيقي مبني على مستندات ومراسلات وشهادة مسؤول رفيع المستوى، كان حاضراً خلال بعض أهم اللحظات المفصلية في تاريخ سوريا الحديث».

ويضيف: «لا يسعى هذا الكتاب إلى طي صفحة التاريخ لتلك المرحلة، بل يفتح باباً أوسع لمزيد من القراءة والفهم؛ حيث يقدم للقراء والصحافيين والباحثين وصنّاع القرار مادة جديدة لدراسة الشأنين السوري واللبناني، والنظام الإقليمي الأوسع الذي أحاط بهما».

يُشكّل كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام» جزءاً من سلسلة كتب سياسية مرتقبة تُركز على منطقة الشرق الأوسط، ستصدرها «دار رفّ للنشر» بالتعاون مع حميدي. وسيكون متاحاً ابتداءً من 31 أغسطس (آب) 2026 على منصات «أمازون» (Amazon)، و«أبل بوكس» (Apple Books)، و«جوجل بوكس» (Google Books)، بالإضافة إلى توفره في مكتبات مختارة.


التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم
TT

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني، منطلقاً من أن الروائي الراحل، الذي تحل ذكرى رحيله الأولى هذه الأيام، قد امتلك وعياً حاداً بالتحولات الاجتماعية العميقة في مصر، وحساسية فائقة لانعكاساتها القاسية على أفراد المجتمع وطبقاته، مما جعله ينتقي شخصيات رواياته من الشعب المصري، ليحلل من خلال حيواتهم ومصائرهم بنية المجتمع وتغيراته الحادة، وجسَّد تحليله في شكل روائي معبراً عن الحقيقة، وإن اصطدم مع وجهة النظر السائدة، التي تفرضها قوة السلطة وغواية الدعاية.

ويؤكد الكتاب أن الواقع حاضر بقوة في روايات صنع الله، وأنه تناول قضاياه تناولاً جماليّاً، بعيداً عن ابتذال الالتزام السياسي الآيديولوجي، مهتمّاً بإنسان الحياة اليومية، الذي لا يتزين بالسياسة، ولا يتغنى بأناشيدها، ولا يؤمن بأساطيرها؛ إنسان البيوت والشوارع والعمل غير المجزي، ذو الآمال العريضة المجهضة دائماً، والآلام السائدة، والأفراح المختلسة. مشيراً إلى أن النظر العميق في واقع الإنسان المصري يكشف المأساة في كل تفاصيل حياته، التي لا تنفصل عن مأساة مجتمعه في عالمه الثالث، الذي صار عرضة لكل أشكال الاستغلال، فما إن تحرر من الاستعمار التقليدي حتى وقع في براثن استعمار أشد وأنكى، هو الاستغلال السلعي.ويقول المؤلف في مقدمته للكتاب إن صنع الله «يعد واحداً من أصحاب المشروعات الروائية المتكاملة التي تعمل على مقاربة المرجع الاجتماعي/ التاريخي دون أن يتنازل في سبيل ذلك عن القيمة الجمالية للنص السردي، بل نجده في تجريب مستمر يتجاوز نفسه دائماً ويضع لنصه سمات فريدة تدل على تصور خاص حول الإبداع الروائي، ويستنطق التاريخ الاجتماعي والسياسي مقترحاً تأويله الخاص لتحولات بنية المجتمع المصري المتسارعة والعنيفة في ستة عقود فحسب».

يتكون الكتاب من تمهيد يتناول تاريخ الدراسة الاجتماعية للأدب، ثم ثلاثة فصول، بعناوين «المنهج والمصطلح»، و«الإجراء السردي»، و«التأويل السردي»، ثم خاتمة عن أهم ما توصلت إليه الدراسة.

واعتمد المؤلف منهجياً على علم اجتماع النص، كما تقدمه مقولات بيير زيما، بغرض استخلاص رؤية العالم للجماعة التي يعبر عنها الروائي، وركز على دراسة عنصري الشخصية واللغة، اللذين كانا محل اهتمام الروائي في تبيان الأثر العميق للتحولات الاجتماعية المتباينة والمتسارعة على المجتمع المصري وأفراده. واستبعد بعض روايات صنع الله التي تناقش مجتمعات أخرى عربية وعالمية. وكان قد صدر لمحمد ماهر بسيوني من قبل كتابان: «الصين في 65 عاماً»، و«المكان في الرواية العربية (دراسة ثقافية تطبيقية)».