حميدتي لـ «الشرق الأوسط»: سلاح «المقاطعة» بلا قيمة... والتطبيع مكسب لنا

نائب الرئيس الانتقالي السوداني قال إن «الدعم السريع» من الجيش وستعود إليه

حمدان دقلو (حميدتي) خلال الحوار مع «الشرق الأوسط» في القصر الجمهوري بالخرطوم أمس
حمدان دقلو (حميدتي) خلال الحوار مع «الشرق الأوسط» في القصر الجمهوري بالخرطوم أمس
TT

حميدتي لـ «الشرق الأوسط»: سلاح «المقاطعة» بلا قيمة... والتطبيع مكسب لنا

حمدان دقلو (حميدتي) خلال الحوار مع «الشرق الأوسط» في القصر الجمهوري بالخرطوم أمس
حمدان دقلو (حميدتي) خلال الحوار مع «الشرق الأوسط» في القصر الجمهوري بالخرطوم أمس

قال نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني محمد حمدان «دقلو» إن الموقف التاريخي للسودان من القضية الفلسطينية لا يمنعه من إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، واصفاً سلاح المقاطعة بأنه بلا قيمة، ولم يستفد منه أحد، قاطعاً بأن 90 في المائة من السودانيين يدعمون إقامة علاقات مع إسرائيل، في الوقت الذي يقفون فيه إلى جانب حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.
وأكد دقلو في حوار مع «الشرق الاوسط»، أن بلاده لم تتعرض لأي ابتزاز من الولايات المتحدة للتطبيع مع إسرائيل، مشيراً إلى أن هذا الخيار كان خيار السودانيين. واضح أن «اللاءات الثلاث» التي أطلقها مؤتمر القمة العربي في الخرطوم عام 1967 «لا سلام، لا مفاوضات، لا اعتراف بإسرائيل» لم تفد السودان شيئاً، «لذلك نعمل للتصالح مع كل العالم، وإسرائيل جزء منه». وأضاف: «عانينا من العزلة الدولية لأكثر من 27 عاماً، بسبب إدراجنا في قائمة الإرهاب الأميركية... لذلك نسعى للتصالح مع العالم». وقال: «إسرائيل جزء من العالم، والسلام معها يحقق مكاسب لنا».
ووصف دقلو الحرب في دارفور بأنها كانت تمرداً ضد الدولة. وقال الدولة هي المسؤولة عن الجرائم التي ارتكبت، نافياً بشدة حدوث «تطهير عرقي»، وقال: «الذين يروجون لهذه المزاعم، كانوا يريدون الانتصار لقضيتهم».
وكشف دقلو رفضه طلب الرئيس المعزول عمر البشير ضرب المتظاهرين، بقوله: «قلت له بوضوح؛ قوات الدعم السريع لن تضرب المحتجين»، وتابع: «النظام المعزول كان يخطط لعمليات قتل بطريقة بشعة وواسعة، لذلك استدعينا قوات الدعم السريع لحماية المتظاهرين».
وأشار قائد الدعم السريع إلى أن مصير قواته الدمج في الجيش السوداني، «هي منه وستعود إليه»، وفق ما نصت عليه اتفاقية السلام بين الحكومة والحركات المسلحة.
وحول لقائه بالمدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا، إبان زيارتها للسودان، قال دقلو: «تحدثت معها حول تحقيق العدالة لضحايا دارفور، لكنها لم تطلب تسليم المطلوبين بأوامر قبض لـ(الجنائية)».

> أعلنتم تأييد العلاقات مع إسرائيل، متجاهلين الموقف التاريخي السوداني الرافض للتطبيع.
- لا أرى موقفاً تاريخياً يحول بين السودان وإقامة علاقات مع إسرائيل، فلا عداء بيننا ولا حرب. ولا يوجد هناك جيش مسلم أو عربي يقاتلها لنقف معه، وهذا يعني أن سلاح المقاطعة بلا قيمة، فقط أدخلتنا في عزلة دولية استمرت 27 عاماً، وهذا ما يستوجب تطبيع علاقتنا بإسرائيل وإقامة علاقات مع كل العالم، فالسلام يحقق المكاسب للسودان.
> ماذا كسب السودان؟
- السودان سيكسب كثيراً، كان مصنفاً مع الدول الراعية للإرهاب، وعلينا الخروج من هذا الوضع... والوصول لسلام مع العالم مثل الآخرين، فلا حدود تجمعنا مع إسرائيل.
يملك الإسرائيليون تكنولوجيا متقدمة، ولا سيما الزراعية، فمثلما لم نكسب شيئاً من العداء مع إسرائيل، يمكن أن نكسب بإقامة علاقات معها، دون أن نتخلى عن موقفنا من حق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة، لأن علاقتنا مع إسرائيل لن تمنع ذلك. الفلسطينيون أنفسهم أقاموا علاقات معها، إضافة إلى دول عربية وإسلامية طبعت العلاقات معها، أظن أننا سنكون أكثر فائدة للقضية الفلسطينية وليس العكس.
> هل كان تطبيع العلاقات مقايضة بحذف السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب؟
- الحذف من قائمة الإرهاب وإقامة علاقة مع إسرائيل موضوعان منفصلان، مع ذلك بذل الرئيس دونالد ترمب جهده لإقامة علاقة تجمعنا مع إسرائيل، فالأولى قضية التزامات أوفينا بها، وبالتالي تم حذف السودان من قائمة الإرهاب، تم الفصل بين الملفين في زيارة وزير الخارجية الأميركي للسودان، لكن الإدارة الأميركية وآخرين اجتهدوا لتطبيع العلاقة مع إسرائيل، وخروجنا من العزلة الدولية مكسب كبير في نظري. والتطبيع كان خيارنا ولم نتعرض لاي ابتزاز أميركي كما اشيع
> هل تتوقع ردة فعل من الجماعات المتطرفة تجاه الاتفاق؟
- أجندة التطرف لن تنتهي، لكننا مستعدون للسيناريوهات كافة، لكن 90 في المائة من الشعب السوداني يدعم إقامة علاقات مع تل أبيب.
> التقيتم المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، ماذا دار بينكما؟
- تحدثنا حول العدالة واستقلال القضاء وحقوق الضحايا، وخاصة ضحايا دارفور، تكلمت عن 5 مطلوبين معروفين، أحدهم موجود في المحكمة، و3 في سجن كوبر بالخرطوم، والخامس خارج السودان، وبحثنا خيارات المحاكمات، ما إن كانت مختلطة أو مراقبة أو في محاكم خاصة.
> لماذا لا تسلمون المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية؟
- لم تطلب فاتو بنسودا ذلك.
> هناك اتفاقات بين السودان والاتحاد الأوروبي بشأن مكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، كانت على رأسها قوات الدعم السريع التي تقودها أنت.
- نساعد ضحايا الاتجار بالبشر منذ العام 2016. وأعدنا كثيراً من الضحايا، كنا قوات الدعم السريع نسلمهم للشرطة، لأن مهمتنا مراقبة الحدود وإنقاذ الضحايا من عصابات الاتجار بالبشر، ألقينا القبض على كثير من المجرمين، بينهم متطرفون ومرتكبو جرائم. نتمنى أن تقوم الدولة والمعنيون برسم خطط لإنقاذ الضحايا ومعالجة جذور المشكلة.
> هل تراجعت تجارة البشر أم تزايدت؟
- تراجعت، لكنها مستمرة، لأننا قبضنا على معظم رؤوس العصابات وسلمناهم للسلطات، وأغلب المهاجرين من الآرتريين والإثيوبيين والسوريين، وأعداد السودانيين بينهم قليلة.
> هل التعاون بينكم والاتحاد الأوروبي قائم، أم حدثت متغيرات بعد الثورة؟
- لا يوجد تواصل مباشر بيننا والاتحاد الأوروبي، فالشرطة ووزارة الداخلية هي المسؤولة.
> كشاهد، ما دوافع الحرب في دارفور؟
- بدأت المشكلات القبلية في دارفور في ثمانينات القرن الماضي بين الرعاة والمزارعين، لكنها تطورت من حرب قبلية إلى تمرد في عام 2003. واضطرت الحكومة للاستعانة بالقبائل المحلية بعد أن فشلت القوات الحكومية في دحر التمرد، فأشارت أصابع الاتهام لدور القبائل العربية، لكن الحكومة كانت قد استعانت بكل القبائل. للحرب إفرازاتها من لجوء ونزوح وتشريد، وحدث كثير من الأخطاء أثناء النزاع، وكان لنا رأي واضح ضد الإجراءات الحكومية، لكن ما حدث هو مسؤولية الدولة، وقد عبرت عن ذلك للمسؤولين وقلت لهم إن ذلك سيؤلب الرأي العام ضد الدولة، ولم يستجيبوا له إلا في 2013.
> أين كنت في ذلك الوقت؟
- حين بدأت الحرب كنت أمارس التجارة، ثم انضممت لقوات حرس الحدود بداية 2004 بقوات قليلة، نحو 200 شخص، تم تدريبهم في الجنوب كقوات نظامية، بعد تخرجهم شاركنا في عمليات محدودة وفي مناطق محددة. ثم اختلفت مع الحكومة على ما يحدث في دارفور 3 مرات، في 2004. وقواتي كانت نحو 400 من العسكر المدربين، الذين ينفذون خطط هيئات العمليات، ولم نرتكب خطأ واحداً، حتى اختلفت معهم في عام 2007. وتم تكوين قوات الدعم السريع في 2013 بعد أن اعتصمت وقواتي، لكننا لم نتمرد.
> من أين جاءت تسمية «الجنجويد» والمحمول السالب المرتبط بها؟
- جنجويد مصطلح قديم وجد رواجاً إعلامياً بعد أن ألصق بالقبائل العربية، ويقصد به «اللص أو الحرامي» ونتجت الاتهامات المعروفة، فأصبحت «جنجويد» تشير إلى القبائل العربية في دارفور.
> لماذا ألصق المصطلح بقوات حرس الحدود؟
- حرس الحدود لم تكن كلها نظامية، خليط من الدفاع الشعبي، ويقودها أشخاص غير عسكريين، ألصقت بها التهمة لأن غالبها كان من القبائل العربية.
> هل ارتُكبت جرائم دارفور من قبل القوات الحكومية وحدها، أم أن حركات التمرد أيضاً مسؤولة؟
- القوات المسلحة هي التي تقود العمليات، وما حدث تُسأل عنه قيادات «الفرق» وقادة القوات لأنها تتحرك بتعليمات محددة ضمن خطة العمليات.
> كيف أخذت الحرب طابع التطهير العرقي، بعد أن كانت تمرداً؟
- هذه دعاية وتأليف، هي تمرد ضد حكومة، لم يحدث تطهير عرقي، فمن روجوا لهذه المعلومات موجودون الآن، وحين بحثنا الأمر معهم ذكروا أنهم كانوا يريدون ترويج قضيتهم، لكن لا يوجد تطهير عرقي، كل القبائل تشردت وقتل منها من قتل.
> هل كانت تصدر الأوامر من القائد الأعلى بشكل مباشر؟
- ترسم قيادة الجيش خطة القتال، ولا أحد يستطيع التحرك دون خطة عمليات متسلسلة من أعلى حتى آخر جندي.
> ما حدود مسؤولية الرئيس المعزول عمر البشير عما حدث في دارفور؟
- الدولة مسؤولة عن تلك الحرب، ولا أستطيع القول إن الرئيس وجّه تعليمات مباشرة، صحيح التوجيهات تصدر منه بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكن هناك قادة مسؤولين.
> هل قام بمحاسبات بصفته القائد الأعلى على التجاوزات؟
- لم أشهد أو أرى محاسبات، فالمسؤولية عن الضحايا والجرائم التي حدثت في دارفور مشتركة بين المقاتلين من الحكومة أو المتمردين، هي مسؤولية مشتركة، وقد نبهت لهذا، ولديّ شهود عليه، بأن ما يحدث سيؤلب الرأي العام ولا يحقق نتيجة، ولو كانت القيادة العليا تريد حسمه لحسمته، قلت حديثي هذا في 2004، ثم عادوا في 2013 فحسمت القضية.
> بعد بداية الثورة استدعيت الدعم السريع للخرطوم، وراج أنها جاءت لحماية النظام وقمع المحتجين والمتظاهرين؟
- استدعيناها نحن لحماية المتظاهرين، ولم يكن الرئيس أو غيره يعلم بالأمر.
> متى اتخذت قرار حماية المتظاهرين؟
- نحن جزء من هذا التغيير، واخترنا أن نكون جزءاً منه، نصحنا الحكومة السابقة، لكنها لم تقبل النصح ووصلت لطريق مسدودة، هناك أسرار عن التغيير لا أريد الحديث عنها الآن، لكن اللجنة الأمنية حمت المتظاهرين.
> ومع ذلك قتل كثير من المتظاهرين.
- كان مخططاً أن تحدث عمليات قتل بشعة وواسعة، ولو لم نجرد العسكريين من سلاحهم، ونمنع استخدام الرصاص، مع وجود اللجنة الأمنية (التي كوّنها البشير وقامت بتنحيته)، لضربت الثورة من اليوم الأول. نحن من أوقف العنف المفرط وضرب المتظاهرين، وحرصنا على سلمية المظاهرات. لم نكن راضين عن المتاريس وحرق الإطارات وإغلاق الطرق، لكن بما أنها كانت سلمية قلنا تستمر لأننا نقبل الرأي والرأي الآخر، وهذه كانت نصائحنا، لم نخف موقفنا الرافض لضرب المتظاهرين، وقلنا لن نضربهم ولن نمنعهم، البشير كان يعلم بذلك.
> ألم يطلب منكم الرئيس المعزول قمع الاحتجاجات؟
- طلب منا ضرب المتظاهرين، لكن قلنا له بوضوح، لن نضرب المتظاهرين، وكانت ردة فعلة أن سكت.
> هل كان هناك دور لرئيس جهاز الأمن والمخابرات الأسبق صلاح عبد الله «قوش» في دعم التغيير؟
- لا أعرف له دوراً، لكن هناك أسراراً كثيرة جداً يمكن أن نتكلم فيها مستقبلاً، لكني لم أر له دوراً في التغيير.
> لماذا رفضت عضوية المجلس العسكري برئاسة نائب الرئيس عوض بن عوف؟
- رفضت لأن مجلس ابن عوف ليس تغييراً فقط، غيرنا المؤتمر الوطني، لكننا وجدناه باقياً، لذلك رفضت، وليتني رفضت التغيير الثاني.
> لماذا؟
- المجلس الثاني جاء فيه نفس القدامى، وللأسف الشديد وافقنا، وكان من المفروض ألا نوافق.
> الدعم السريع وبعض صغار ضباط الجيش انحازوا للثوار.
- الدعم السريع جزء من الشعب، وحين وصل الثوار إلى القيادة وقفت معهم، ومعهم جنود وضباط في الجيش، بينهم رتب كبيرة حالت التراتبية العسكرية دون ظهورهم.
> شهد ميدان الاعتصام هتافات مؤيدة للدعم السريع، لكن المشهد انقلب فجأة ضدها.
- هم أصحاب الأجندات المعادية، تم فض الاعتصام، لأنهم كانوا يريدون إزالة الصورة التي استطعت رسمها عند المواطن، من خطط لذلك كان يريد إنزال صورتي هذه.
> من هم أصحاب الأجندة؟
- لا أستطيع تحديدهم الآن، لكن أقول هم من يروجون لتجريم قوات الدعم السريع وقائدها «حميدتي»، هم من فضوا الاعتصام.
> ما تفسيرك للعداء للأجندة المعادية للدعم السريع؟
- هي أجندة واضحة للعلن، وقد ألقي القبض على خلايا تعمل على ضرب الدعم السريع وتشويه صورته وشيطنته، ولا أدرى ما قصدهم، هو عمل منظم ضدنا.
> من هم المنظمون، قوى داخلية أم خارجية؟
- لا أتهم أي دولة خارجية، لكنهم سودانيون بالخارج يعملون ضد الدعم السريع، بجانب أنصار النظام البائد، وبعض أنصار الثورة لعبوا دوراً في التأليب ضدنا.
> ظللت فترة طويلة تتكلم عن معلومات تتعلق بفض الاعتصام، ألم يحن الأوان لكشف النقاب عنها؟
- هناك تحقيق، ولا نريد التأثير على العدالة، سنتكلم في وقتها.
> إذا وجّهت لجنة التحقيق اتهامات للدعم السريع، فهل ستستجيبون لها؟
- استجبنا لها، وهناك من أدلوا بأقوالهم.
> توصلت عبر مفاوضات لاتفاق سلام مع الحركات المسلحة في جوبا، هل سيسهم ذلك في الاستقرار وتحقيق السلام؟
- دخلنا المفاوضات إخوة، ولم ندخلها أعداء، قضية السلام قضيتنا كلنا سودانيين، لأن هنالك مظالم تاريخية نعمل مع الإخوة في الكفاح المسلح على حلّها.
> البعض يصف الاتفاقية بأنها مجرد محاصصات.
- هذا سلام حقيقي، لكن أكيد هناك محاصصات، شاركوا بموجبها في السلطة، لكن المحاصصات يجب أن تقوي الدولة وتكون حكومة قوية ومسؤولة، فالحركات تستحق المشاركة في السلطة، لأنها عانت التهميش.
> الحركات المسلحة التي كانت معادية للدعم السريع، وخاضت ضده المعارك أصبحت أكثر قرباً منه، ما تفسيرك؟
- نحن قاتلنا رجالاً وصالحنا رجالاً، نحن جزء لا يتجزأ من السودان، فالطرفان كانا خاسرين من المعارك.
> أين وصل التفاوض مع عبد العزيز الحلو؟ وكيف أقنعته بالتفاوض معك بعد أن كان يرفض، إلى جانب عبد الواحد محمد نور؟
- يرجع الفضل للرئيس سلفاكير ميارديت ومستشاره توت قلواك، فقد تبنيا المبادرة، جلست مع عبد العزيز في بيته ساعتين، فوجدت رجلاً هادئاً يرغب في السلام، لكن عنده عدم ثقة في الناس، طمّأنته ووجدنا أن رؤيتنا أحدنا قريبة من الآخر. للأسف الشديد أعداء السودان والثورة في الخرطوم، ومجموعة معه، يروجون ويشوهون صورة الدعم السريع، حين يرفض الحلو التفاوض معي فلا مشكلة، لكن مشكلتي في الاتهامات. قلت لعبد العزيز؛ الدعم السريع قامت بحماية المدنيين في كادوقلي وبورتسودان وفي كسلا والقضارف وحلفا، وقلت له ظلمتني وظلمت قوات الدعم السريع، فتوافق معي تماماً، ونتمنى انضمام أخينا عبد العزيز الحلو وعبد الواحد النور لركب السلام، تكلمنا مع عبد الواحد محمد نور وأرسلنا له الوفود، وما يزال الاتصال بيننا مستمراً.
> شاركت في تحقيق سلام دولة جنوب السودان، كيف أفلحت في جمع الفرقاء هناك؟
- بعد توقيعهم اتفاق سلام، كان هناك فقدان ثقة بين الرئيس سلفاكير ميارديت ونائبه الأول رياك مشار، واستطعنا إعادة الثقة بين الرجلين من خلال التواصل الذي نجم عن اصطحابي رياك مشار لجوبا، ثم أدخلنا القوات التدريب، وأعدنا الثقة بينهم فتحقق السلام، وسيتجاوزون العقبات.
> ترأست لجنة الطوارئ الاقتصادية ووعدت بتحقيق مكاسب في وقت وجيز.
- كنا نخطط لجعل سعر صرف الجنيه في حدود 80 جنيهاً للدولار، للأسف الشديد أفشلنا أعداء السودان، وقرر بنك السودان رفع السعر إلى 120. فارتفعت السوق الموازية إلى 200 جنيه للدولار، ما أفشل عمل اللجنة، لأن خططنا وشروطنا لم يتم قبولها، لكنا نحاول «التماشي» مع الأمر، حتى لا تنهار البلد منذ بدايات تكوين الحكومة.
> ما القوى التي تعمل على إفشال عمل لجنة الطوارئ الاقتصادية؟
- لا أستطيع تسمية شخص، لكن أعداء السودان موجودون، ولو لم نضعهم في الطريق الصحيحة، لن تمضي البلد إلى الأمام.
> لماذا لم تُفعلوا هذا القانون؟
- لا نريد الدخول في خلافات، ونوقف الحديث عن تغول العسكريين، فبنص الوثيقة مجلس السيادة سلطة تشريفية، وما نقوم به مساعدة للجهاز التنفيذي لإنجاح المرحلة الانتقالية.
> نصت الاتفاقية على إعادة دمج وتسريح كل القوات في الجيش وتكوين جيش سوداني واحد، ما مصير قوات الدعم السريع في هذه العملية؟
- الاتفاقية حددت جداول لتنفيذ إعادة الدمج والتسريح، وباعتبارنا جزءاً من القوات المسلحة، ونعمل وفق خططها، سنعمل على التأسيس لجيش سوداني واحد، الدعم السريع مصيره القوات المسلحة.
> بنهاية الفترة الانتقالية، هل تفكر في الاستمرار كسياسي وتقوم بدور؟
- تحدثنا في هذا الموضوع كثيراً، لكن الظروف تتغير، دعنا نترك الأمر للظروف، وأن تستقر البلاد فلا تحتاج لنا، فأنا اليوم لو لم أكن «مغلوباً على أمري» لما واصلت، دعنا نترك الأمر للقدر والظروف.
> الشراكة بين قوى الثورة داخل الحكومة الانتقالية والعسكريين.
- لا نواجه مشكلة مع تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، لكن الصفوف تمايزت وظهر الصادق من غير الصادق، والوطني وغير الوطني، نحن لا نقول «الحرية والتغيير» كلها غير صادقة، فغالبهم يسعون لاستقرار البلد. سنعمل بالاشتراك مع «الحرية والتغيير» وشركاء العملية السلمية بجانب المكون العسكري لوضع خطة لتغيير الأوضاع القائمة، نحن نريد الوصول لحكومة الفترة الانتقالية، وأن ننتقل من العداء والخلافات لإخراج البلاد من هذه الورطة. ولا نريد التقسيم إلى عسكريين ومدنيين.
> الرئيس البرهان قال أمس إن الشراكة في أحسن حالاتها.
- صحيح في أحسن حالاتها لو تم تنفيذ ما اتفقنا عليه، لكن لو لم ينفذ فستكون في أسوأ حالاتها.
> قلت إن الحكومة الانتقالية فاشلة في تحقيق أهداف الثورة حتى الآن.
- الفشل واضح، سعر صرف الدولار 250 جنيهاً، نحن لا نلوم الحكومة وحدها على ذلك، فهناك أطراف أخرى، بعد توقيع اتفاق السلام يفترض أن نعيد هيكلة الحكومة الانتقالية؛ المجلس السيادي ومجلس الوزراء، ونُكون مجلساً مشتركاً بين الأطراف لتكوين حكومة قوية مسؤولة. سنعمل على اختيار الرجل المناسب للمكان المناسب، نحن لا نتحدث عن مستقلين بالطبع، بل عن خبرات وقدرات، ففكرة المستقلين لم تعد موجودة.
> هل يتحمّل الشق المدني في الحكومة الانتقالية المسؤولية وحده؟
- لا، بل يتحملها الكل، هذه مسؤولية جماعية...
> الحكومة المدنية ظلت تشكو أنها بلا أنياب، أو أدوات تنفيذ.
- هذا كلام غير صحيح، الحكومة تملك كل الصلاحيات.
> هل يملك رئيس الوزراء مثلاً تحريك قوات الدعم السريع؟
- لم يطلب أي طلب وتأخرنا دقيقة...
> يتردد أنك كنت أكثر قرباً من رئيس الوزراء، ربما ثمة جفوة في العلاقة.
- لا توجد جفوة، لكن السياسات لا يتم تنفيذها، لا توجد مشكلة بيني ورئيس الوزراء، وأنا لا أعمل من أجله، بل من أجل البلد، اتخذنا 51 قراراً لم تنفذ.
أقدم صوت اعتذار للشعب السوداني على صفوف الخبز والوقود وغلاء الدولار، وفي ذات الوقت أقول لهم بلدنا ستعبر، فنحن متفائلون، لكن ساعدونا، وأوقفوا المظاهرات والمتاريس وحرق الإطارات، وتعالوا نتحاور ونتناقش لنحلّ المشكلات.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.