الصحافيون الأميركيون والعنصرية: عقلانيون.. وعاطفيون

اهتمام إعلامي داخلي وخارجي بعد اتهام الشرطي الأبيض بقتل الرجل الأسود

مظاهرات السود في نيويورك بعد اتهام الشرطي الأبيض داري ويلسون بقتل الشاب الأسود مايكل براون في فيرغسون (ولاية ميسوري) استقطبت تغطية إعلامية واسعة داخل أميركا وخارجها («الشرق الأوسط»)
مظاهرات السود في نيويورك بعد اتهام الشرطي الأبيض داري ويلسون بقتل الشاب الأسود مايكل براون في فيرغسون (ولاية ميسوري) استقطبت تغطية إعلامية واسعة داخل أميركا وخارجها («الشرق الأوسط»)
TT

الصحافيون الأميركيون والعنصرية: عقلانيون.. وعاطفيون

مظاهرات السود في نيويورك بعد اتهام الشرطي الأبيض داري ويلسون بقتل الشاب الأسود مايكل براون في فيرغسون (ولاية ميسوري) استقطبت تغطية إعلامية واسعة داخل أميركا وخارجها («الشرق الأوسط»)
مظاهرات السود في نيويورك بعد اتهام الشرطي الأبيض داري ويلسون بقتل الشاب الأسود مايكل براون في فيرغسون (ولاية ميسوري) استقطبت تغطية إعلامية واسعة داخل أميركا وخارجها («الشرق الأوسط»)

يوم 25 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بعد يوم من قرار هيئة المحلفين القضائية في فيرغسون (ولاية ميسوري) بعدم اتهام الشرطي الأبيض داري ويلسون الذي قتل الشاب الأسود مايكل براون، قال بيرني غولدبيغيرغ، صحافي يميني، في تلفزيون «فوكس» اليميني: «يجب ألا نخلط الأمور. يجب أن نتذكر دائما أن ويلسون هو البطل، وبراون هو الخائن».
كان الصحافي يتحدث بلغة أفلام الكاوبويات. واستمر يقول: «من فضلكم أيها الأميركيون، يجب ألا نحول هذا الصبي إلى شهيد من شهداء الحقوق المدنية. لسبب واحد بسيط، وهو أنه ليس كذلك».
لكن، الذي حدث، على الأقل بالنسبة لكثير من السود، هو العكس. مباشرة بعد إعلان قرار هيئة المحلفين، تظاهر آلاف منهم احتجاجا وغضبا، في فيرغسون، وغير فيرغسون.
وسارعت كاميرات التلفزيونات تغطي المظاهرات. خاصة كاميرات «فوكس» و«سي بي إس» و«إي بي سي» و«إن بي سي»، و«سي إن إن». غطت كل ثانية من الأحداث، وخاصة النهب، والغضب، وتحطيم النوافذ، ورمي الشرطة بالحجارة.
عادة، في مثل هذه الأحوال، يتأثر الإعلام العالمي بالإعلام الأميركي. لهذا، سارعت إلى فيرغسون كاميرات تلفزيونات عالمية. منها: «بي بي سي» البريطانية، و«روسيا اليوم» الروسية، و«فرانس 24» الفرنسية، و«دويتش فيلت» الألمانية.
وحدث نفس الشيء تقريبا بعد قرار هيئة المحلفين في نيويورك بعد اتهام الشرطي الأبيض الذي قتل الرجل الأسود اريك غارنر (43 عاما). وهذه المرة، كان (ولا يزال) الاهتمام الإعلامي، الداخلي والخارجي، أكثر، وذلك بسبب أهمية نيويورك، ليس فقط كمركز إعلامي، ولكن، أيضا، كمدينة فيها عشرات الأعراق، والإثنيات، والأديان، والثقافات. وطبعا، كلما زادت التغطية الإعلامية، زادت التغطية الإعلامية. وذلك لأن كثيرا من الصحافيين ينقلون الأخبار عن بعضهم البعض.
الآن، مع نهاية العام، راجعت بعض هذه الأجهزة الإعلامية ما فعلت. وسألت خبراء ومعلقين عن سر هذا الاهتمام. عن سر هذه الإثارة. خاصة لأن بعض الناس اتهموا الصحافيين بأنهم هم المسؤولون عن انتشار المظاهرات، وذلك لأنهم يجرون وراء الإثارة، ويبالغون في تغطيتها.
سأل تلفزيون «دويتش فيلت» الألماني روبرت انتمان، أستاذ الشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن (في واشنطن العاصمة). المتخصص في العلاقة بين الإعلام والعنصرية. قال: «دائما، تكون صور الاحتجاج جذابة لوسائل الإعلام. دائما، تكون صور العنف
في الشوارع وصور النوافذ المحطمة جذابة. وللتلفزيون بصورة خاصة». وأضاف 3 نقاط أخرى:
أولا: مثل هذه الصور تساهم في نقص المعلومات الأساسية عن الموضوع، لأنها صور مثيرة، أكثر منها تحليلات عميقة.
ثانيا: لأن الموضوع هام (المشاكل بين البيض والسود منذ قبل تأسيس الولايات المتحدة بأكثر من مائة عام)، صار يغطى على ما عداه.
ثالثا: لأن الموضوع حساس، وعاطفي (خاصة عدم رغبة البيض في الحديث عنه)، اختلط الخبر بالرأي (خاصة آراء السود، وهم يتظلمون من ظلم الشرطة).
وأضاف انتمان: «يوجد انقسام آيديولوجي في الولايات المتحدة (بين الليبراليين واليمينيين). ويقف الإعلام اليميني مع رجال الشرطة، حتى إذا ارتكبوا خطأ فادحا. لهذا، مثل هذه المواقف الآيديولوجية لا تساعد في حل موضوع حساس كالاختلافات العنصرية بين البيض والسود. بل تزيد الفجوة بين الجانبين. وهذه هي المأساة الحقيقية».
لهذا، أحيانا، تختلط الحقائق بالعواطف، وتختفي:
مثلا: حاول تلفزيون «سي إن إن» الليبرالي التوفيق بين الجانبين. وجمع صحافيين، أبيض وأسود. قال الأبيض بأن السود يبالغون في الشكوى من ظلم الشرطة البيض. لكن، قال الأسود بأنه «في كل يوم يقتل شرطي أبيض أسود». اعتمد الأسود على معلومات من موقع «مالكوم اكس» (زعيم أسود، وصار مسلما، خلال حركة الحقوق المدنية في ستينات وسبعينات القرن الماضي). لكن، قال موقع «بوليتي فاكت» (حقائق السياسة)، ويديره صحافيون بيض، ليس صحيحا أنه «في كل يوم يقتل شرطي أبيض أسود». وقدم معلومات أثبتت خطأ ذلك. وهكذا، تختلط الحقائق بالعواطف. وليس فقط من جانب الصحافيين السود.
في بداية هذا الشهر، قال بيل اورالي، الأبيض اليميني، ومقدم برنامج يومي في تلفزيون «فوكس» اليميني، بأنه: «حسب أرقام الحكومة الأميركية، انخفض عدد السود الذين تقتلهم الشرطة البيض بنسبة 70 في المائة خلال الـ50 عاما الماضية». لكن، سارع موقع «بوليتي فاكت»، وأعلن أن هذا ليس صحيحا.
في كل الحالات، بينما يعرض تلفزيون «فوكس» رأي البيض اليمينيين، يعرض تلفزيون «سي إن إن» رأي البيض الليبراليين. وتظل القناتان تقودان هذا النقاش عن العنصرية، وعن المواضيع الأخرى.
ربما لهذا السبب تظلان في مقدمة القنوات الأميركية. وحسب استطلاع أجراه مركز «بيو» في واشنطن في العام الماضي، تشاهد «سي إن إن» نسبة 44 في المائة من الأميركيين، وتشاهد «فوكس» نسبة 39 في المائة. بينما انخفضت نسبة مشاهدة القنوات التلفزيونية التقليدية (والمحايدة تقريبا): تشاهد نسبة 37 في المائة كلا من «إي بي سي» و«إن بي سي»، ونسبة 33 «سي بي إس».
في نفس الوقت، حسب مركز «بيو»، تنخفض نسبة كل الذين يشاهدون أخبار التلفزيون في أميركا، وذلك بسبب تحول نسبة كبيرة منهم إلى الإنترنت.
في وسط هذا الانقسام الآيديولوجي (الإعلامي، وغير الإعلامي)، يقف الرئيس باراك أوباما (ابن الأب الأسود، والأم البيضاء). وطبعا، رحب به الإعلام الأميركي منذ البداية. وحتى في الوقت الحاضر، يظل رئيس أميركا، ويظل الإعلام يعامله المعاملة المحترمة التي يستحقها. وطبعا، في أميركا، انتهت «ريشيال دسكريمنيشان» (التفرقة العنصرية). لكن، تبقى «ريشيال بريجيوديس» (التحيز العنصري). انتهت الرسمية، وتبقى الخاصة.
لهذا، فتح تردد أوباما في موضوع العنصرية الباب أمام الأميركيين البيض، بصورة عامة، للتنفيس، قليلا جدا، عما في دواخلهم، هذا تنفيس الأغلبية القوية التي لا تخلو من التعالي التقليدي (الطبيعي؟) بسبب تعدد أنواع قوتها: العددية، والاقتصادية، والثقافية، والعلمية، والحضارية كلها. لهذا، يوجد رأيان وسطهم:
أولا: يقول العقلانيون: يقدر السود، في عهد الحرية، على النجاح في الحياة. لكن، لا شفقة على الفاشلين.
ثانيا: يقول العاطفيون: لا بد من مساعدة الفاشلين لتعود الفائدة على الجميع.
هذا ما يعكسه الإعلام الأميركي في موضوع العنصرية. وهذا ما يعكسه تلفزيون «فوكس» في جانب، وتلفزيون «سي إن إن» في الجانب الآخر. الحقيقة هي أن أوباما تردد: في جانب، دعا إلى الالتزام بالقانون والنظام. وفي جانب، تحدث (في عبارات دبلوماسية) عن ظلم الشرطة للسود. لهذا، عامله الإعلام الأميركي، بنوعيه، المعاملة المتوقعة:
قال الإعلام اليميني: يلعب أوباما دور «فيكتيم» (ضحية). ويشتكي مثلما يشتكي السود من البيض، منذ مئات الأعوام.
قال الإعلام الليبرالي: يلعب أوباما دور «برثار» (أخ). لأنه لا بد أن يعطف على «إخوانه» المظلومين.
قبيل عيد الكريسماس، وكعادتها كل عام، نشرت مجلة «بيبول» (الناس) الأسبوعية الناجحة جدا، مقابلة مع أوباما وميشيل. وكعادتها، تسألهما أسئلة رسمية وأسئلة خاصة. هذه المرة، طغت العنصرية على العام، وعلى الخاص.
عنوان المقابلة: «لم ينتهِ التحيز العنصري كما يتوقع». لم يتحدث أوباما وميشيل عن «دسكريمنيشان» (التفرقة)، ولكن تحدثا عن «بريجوديس» (التحيز). وعبارة «كما يتوقع» تعود إلى المجلة. أي ما يتوقع كثير من الناس. أي كما يتوقع كثير من البيض. أي أن أوباما وميشيل في وادٍ، والأميركيين في واد آخر.
في المقابلة اشتكت ميشيل من معاملة البيض لها، حتى وهي سيدة أميركا الأولى. قالت: إنها كانت في زيارة «رسمية» إلى متجر «تارغيت» في ضواحي واشنطن، وطلب منها رجل أبيض أن تساعد امرأة بيضاء في شيء ما. (ربما كان قصد الرجل بريئا، لكن، فسرت ميشيل هذا تفسيرا عنصريا). وقال أوباما بأنه، قبل أن يصير رئيسا، كان في حفل عشاء وهو يرتدي بدلة رسمية، عندما طلب منه رجل أبيض أن يملأ فنجان القهوة أمامه. (ربما كان قصد الرجل بريئا. لكن فسر أوباما هذا تفسيرا عنصريا).
وقال أوباما: «تظل هذه الإهانات الصغيرة لا شيء بالمقارنة مع ما شهدت الأجيال السابقة من السود». هذا كلام دبلوماسي يمكن أن يعني شيئين: أولا: انتهت «التفرقة»، لكن لم ينته «التحيز».
ثانيا: لم تنته «التفرقة» أصلا.
وسارعت المعلقة اليمينية إليزابيث هاسلبيك، في تلفزيون «فوكس» اليميني وانتقدت ليس فقط أجوبة أوباما وميشيل، ولكن، أيضا، أسئلة مجلة «بيبول» (الليبرالية). وقالت: «هكذا، يجد الصحافيون الليبراليون عذرا بعد عذر للدفاع عن السود». وسألت: «ألا تؤذي هذه المقابلة الصحافية المشكلة العنصرية أكثر مما تحلها؟». وأضافت: «نعم، من حق الرئيس والسيدة الأولى أن يتحدثا عما يحسان به. وأن يقولا أن هناك نوعا من أنواع الظلم وقع عليهما. لكن، هو الرئيس وهي السيدة الأولى، أليس من واجبهما أن يمثلا جميع الأميركيين؟».
وصرخ، وكرر الصراخ، رش ليمبو، ربما أهم معلق يميني في أميركا. ومما قال: «ها نحن نقرأ أن رئيس الولايات المتحدة الأميركية، والسيدة الأميركية الأولى، يعلنان أنهما ضحيتان. ها هما، بعد 6 أعوام في البيت الأبيض، يتحدثان عن أحداث وقعت قبل 6، أو 7، أو 8 أعوام. لماذا؟» وأضاف: «ليس الموضوع عنهما فقط. هذا موضوع يهم كل الأميركيين، إنهما يسيئان إلى الولايات المتحدة الأميركية».
لم يقل ليمبو بأنهما «خائنان»، لكنه ربما كان يريد أن يقول ذلك.
وسألت المعلقة اليمينية لورا انغراهام: «كيف يقولان هذا عن أعظم بلد في تاريخ البشرية؟».
وقال المعلق اليميني جون رانسوم: «تريد ميشيل أوباما منا أن نحس بالعطف نحوها، ونحو زوجها، لأنهما أسودان».
وكتبت المعلقة اليمينية دانا لوش: «ليس الذنب ذنب أوباما وميشيل. الذنب ذنب الصحافيين الليبراليين البيض». وكان أوباما تحدث، قبل مجلة «بيبول»، مع تلفزيون «بي إي تي» (تلفزيون الترفيه عن السود). وكان أكثر صراحة. وقال: «العنصرية عميقة الجذور في أميركا». ومرة أخرى، انتقده صحافيون يمينيون. مثل مجلة «ناشيونال ريفيو» التي قالت: «ليست التفرقة العنصرية عميقة الجذور، التفرقة العنصرية من دون جذور. إنها ميتة».
لهذا، تمكن ملاحظة أن كثيرا من البيض (والإعلام الذي هو إعلام أبيض) يعيش في واد، وأوباما (والسود) يعيشون في واد آخر. هؤلاء يقولون: إن العنصرية ماتت، وهؤلاء يقولون: إنها حية ترزق.



«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
TT

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة من ميزانية الحكومة السنوية، ما سيؤثر على عشرات الوظائف داخل القناة. وللمرة الثانية خلال سنتين، تقرّر الحكومة الألمانية تخفيض ميزانية تمويل القناة بعدما اقتطعت قبل سنتين 20 مليون يورو، ما تسبب بعمليات طرد جماعية آنذاك لتحقيق أهداف خفض الميزانية.

الاقتطاع الجديد في ميزانية القناة، التي تبث بـ32 لغة مختلفة، سيؤدي إلى إغلاق الخدمة اليونانية بشكل كامل بعد أكثر من 60 سنة على عملها. وحقاً، أثار إغلاق الخدمة اليونانية جدلاً في العاصمة اليونانية أثينا، خاصة أن القناة لعبت دوراً مهماً في التخلص من الديكتاتورية العسكرية في اليونان عام 1974، باصطفافها الواضح إلى جانب اليونانيين الذين كانوا يناضلون في سبيل الديمقراطية.

ثم لعبت القناة، مجدداً، دوراً مهماً إبّان أزمة اليورو عام 2015، وكانت تبث وجهة نظر ألمانيا إلى اليونانيين. ولقد برّر مجلس إدارة القناة قرار إغلاق الخدمة اليونانية بالكامل بالقول إن «اليونان بات بلداً ديمقراطياً وجزءاً من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات».

وقف عدد من البرامج

إضافة إلى سبق، سيصار إلى وقف عدد من البرامج في مختلف الخدمات واللغات، ومن أبرزها البرامج الحواري «بتوقيت برلين» الذي يبث بـ4 لغات من بينها العربية. ويستضيف هذا البرنامج صحافيين ومحللين أسبوعياً لتحليل أبرز حدث في الأسبوع. وبإلغاء هذا البرنامج لا يبقى للخدمة للعربية سوى برنامج واحد هو إخباري مسائي يومي، علماً بأن الخدمة ألغت أيضاً نشرات الأخبار التقليدية.

من جهة ثانية، على الرغم من تعهد القناة بأن تخفيض الميزانية إلى 395 مليون يورو، لن يؤدي إلى عمليات طرد جماعية، فإنه سيؤثر على قرابة 160 وظيفة، معظم شاغليها لا يعملون بعقود دائمة. وسيعاد من ثم توزيع هؤلاء وربما تخفيض مرتباتهم.

أيضاً، قد يخسر قرابة 200 موظف يعملون بالدوام الحر (فريلانسر) عملهم نتيجة تخفيض الميزانية، بحسب نقابة «فيردي» التي دعت للمظاهرة الأسبوع الماضي. وذكرت النقابة، وهي الأكبر في ألمانيا، أن الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي «إلى التخلي عن 200 موظف، بشكل أساسي من الذين يعملون بنظام العمل الحر». وانتقدت قرار تخفيض التمويل بالقول إن «هذا سيؤدي إلى خسارة كبيرة في مدى الوصول، وإلى تقوية الأصوات التي تنشر المعلومات المضللة». وبالتالي، اعتبرت أن هذا الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي إلى «خسارة ألمانيا للمنافسة الدولية، كما أن الأصوات التي تدعم القوى الديمقراطية في العالم ستصبح أكثر هدوءاً».

شعار القناة (دويتشه فيله)

من البنية التحتية والإدارة

بحسب مجلس إدارة «دويتشه فيله»، سيأتي أكثر من ثلث إجمالي التخفيضات من البنية التحتية والإدارة، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي. وللعلم، يعطي تمويل القناة من ميزانية الحكومة بُعداً سياسياً لا تحمله القنوات الألمانية الأخرى التابعة للدولة والمموّلة من ضريبة البث التي يدفعها المواطنون ولا تتأثر بالميزانيات السنوية للحكومة.

كارل يونغستين، رئيس مجلس البث في القناة، انتقد قرار الحكومة تخفيض الميزانية المخصصة للقناة، واصفاً القرار بالـ«مؤسف»، وأردف: «بسبب هذا القرار يجب على القناة أن تتوقع انخفاضاً كبيراً في مدى وصولها إلى المشاهدين، وهذا أمر مؤسف للغاية، خاصةً أن روسيا والصين تتوسعان بشكل ضخم في قنوات البروباغندا التابعة للدولة، وانسحاب الولايات المتحدة من البث الدولي يخلق فجوة متزايدة».

ورأى يونغستين أن تخفيض الميزانية «سيضعف وجهات النظر الألمانية والأوروبية دولياً في وقت تسعى فيه أوروبا بشكل طارئ للحصول على شركاء وحلفاء جدد».

كذلك، وصف أشيم ديرك، أمين عام مجلس إدارة قناة «دويتشه فيله»، قرار تخفيض ميزانية القناة بأنه «يتعارض» وتعهدات الحكومة «بتقويتها»، كما يذكر بيان الحكومة الائتلافية التي تشكلت العام الماضي بقيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

وأضاف ديرك أنه «من دون زيادة الميزانية العام المقبل، فإن ارتفاع التكلفة في كل المجالات سيؤثر على نوعية العمل الصحافي والبنية التحتية ومدى الوصول الذي تتمتع به القناة». واعتبر أنه «فقط من خلال تمويل مناسب يمكن لقناة (دويتشه فيله) أن تقدم مساهمة أساسية ناجحة في الصحافة الحرة ومواجهة المعلومات المضللة».

التخفيض يقتصر على السنة الحالية

تخفيض ميزانية القناة يقتصر الآن على العام الحالي، ومن غير المعروف ما إذا كانت الحكومة ستزيد من مخصصاتها لها في ميزانية العام المقبل. ولا تستهدف الحكومة الألمانية ميزانية القناة بحد نفسها، بل تقول إن كل الوزارات عليها تخفيض ميزانياتها بهدف إعادة تحويل بعض التمويل إلى استثمارات تتعلق بالأمن والنمو.

في المقابل، يتعين على إدارة القناة تعديل إنفاقها سنوياً بحسب الميزانية المخصصة لها. وفي العام الماضي مثلاً، خصّصت لها ميزانية أعلى بـ15 مليون يورو عن العام الذي سبق. ولكنها في عام 2024 اضطرت لاتخاذ خطوات بعدما قلصت الحكومة ميزانيتها من 413 مليون يورو إلى 410 ملايين يورو. وأنهيت حينذاك عقود أكثر من 50 موظفاً وتم تقليص ساعات عمل أكثر من 100 موظف آخر. وهذا مع الإشارة إلى أن القناة توظف حالياً أقل بقليل من 4 آلاف موظف.

أخيراً، يبقى أن نذكر أن «دويتشه فيله» تحوّلت في السنوات الماضية، أكثر من مرة، إلى مادة إخبارية دسمة بعد سلسلة من الفضائح ارتبطت بها، خاصة في الخدمة العربية. وإثر فضائح تتعلق بتحرّشات داخل القناة، خرجت قبل 4 سنوات اتهامات لموظفين بـ«معاداة السامية»، وطرد عدد منهم خاصة من الفلسطينيين.

ولكن القناة نفسها اتهمت بعد ذلك بتسييس الاتهامات، وبالحد من حرية التعبير عن الرأي داخل القناة، خاصة فيما يتعلق بانتقاد إسرائيل. وبالفعل، لجأ بعض الموظفين الذين طُردوا واتهموا بـ«معاداة السامية» إلى المحاكم، وكسب منهم معركته ضد القناة التي على الأثر اتهمت بالطرد التعسفي، وفاز عدد منهم بتعويضات مالية.


توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)
TT

توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)

أثار توجه مؤسسات إعلامية للتعاون مع «منصات التنبؤ» تساؤلات مهنية وأخلاقية عدة. وفي حين رأى خبراء أن الاتجاه إلى «أسواق التنبؤ» يعكس رغبة في جذب الجمهور المتعطش للمعرفة، فإنهم حذّروا من «تأثير هذا الانخراط على المصداقية»، مطالبين بوضع أطر قانونية وأخلاقية لتقنين استخدامها.

«أسواق التنبؤ» هي منصات رقمية تتيح للمستخدمين المراهنة على احتمالات وقوع أحداث مستقبلية، من نتائج الانتخابات إلى المؤشرات الاقتصادية. وهي قد تكون «شكلاً خطيراً من أشكال المقامرة، يتيح المراهنة على أحداث واقعية دون قيود أو قواعد اقتصادية وقانونية»، أو «قد تكون بديلاً جيداً لاستطلاعات الرأي إذا ما اعتمدت أطراً قانونية»، وفق تقرير لمعهد «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الإعلام.

للعلم، شهدت الفترة الأخيرة اتجاهاً إعلامياً متزايداً لدمج «أسواق التنبؤ» في غرف الأخبار؛ إذ أعلن عن اتفاقات شراكة بين منصة «كالشي» (كل شيء) للتنبؤ في نيويورك، ومؤسسات إعلامية مثل «سي إن إن»، و«سي إن بي سي»، و«فوكس»، و«أسوشييتد برس»، كما وقعت اتفاقات مماثلة بين منصة «بولي ماركت» وكل من «سبستاك» و«داو جونز».

معهد «نيمان لاب» أفاد بأن منصتي «كالشي» و«بولي ماركت» تعملان على ترسيخ وجودهما في سوق صناعة الأخبار. وعادة ما تستخدمان لغة إخبارية في الترويج للمحتوى على منصات التواصل الاجتماعي مثل «عاجل» و«يحدث الآن»، متبوعة بروابط تتيح للمستخدمين المراهنة على الأخبار، لكن «الكثير منها ينطوي على معلومات مضللة».

ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، عدّت تنامي اهتمام وسائل الإعلام بما يُعرف بـ«أسواق التنبؤ» انعكاساً لمساعي وسائل الإعلام مواكبة جمهور متعطش للمعلومة الفورية والتحليل الاستباقي، في بيئة تتسم بتسارع الإيقاع الإخباري واحتدام المنافسة.

وقالت دومة في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن «أسواق التنبؤ تبدو أداة جذابة؛ إذ تقدم مؤشرات آنية ومُجمَّعة تستند إلى الحكمة، ما يمنحها جاذبية تحليلية وإمكانات تفاعلية تعزز انخراط الجمهور». وذكرت أن تلك المنصات «توفّر للمؤسسات الإعلامية وسيلة جديدة للرصد الاستراتيجي، تساعدها على استشراف الاتجاهات وتغذية تغطياتها بمقاربات قائمة على الاحتمالات».

إلا أن الباحثة الجزائرية تطرّقت إلى «تحديات عميقة» تواجه الانخراط في «أسواق التنبؤ»، تأتي «المصداقية» في صدارتها. وأوضحت أن «أسواق التنبؤ بطبيعتها، لا تُنتج حقائق مؤكدة، بل تقديرات احتمالية قد تتأثر بعوامل نفسية وسلوكية أو حتى بحملات تضليل منظمة، ما يبرز خطر الخلط بين الخبر والتحليل، أو بين المعلومة والتكهن، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك المتلقي وتقويض ثقته بالوسيلة الإعلامية».

دومة شددت أيضاً على «ضرورة وضع تأطير صارم لاستخدام هذه الأدوات داخل غرف الأخبار، من خلال تبني معايير واضحة تضمن الشفافية في عرض المعطيات، وتُبرز طبيعتها الاحتمالية، إلى جانب الحفاظ على مسافة نقدية تحول دون الانزلاق نحو الترويج غير الواعي لنتائج غير مؤكدة».

وأردفت: «يمكن لأسواق التنبؤ أن تشكل إضافة نوعية للعمل الصحافي إذا ما أُحسن توظيفها ضمن مقاربة مهنية متوازنة، تجمع بين الابتكار والمسؤولية»، وشددت على أنه «في حال غياب الضوابط، فإنها قد تتحول من أداة تحليل إلى مصدر تشويش ما يهدد أحد أهم أصول الإعلام الموثوق».

وللعلم، تتيح الشراكات الإعلامية مع «أسواق التنبؤ» ظهور بيانات «منصات التنبؤ» على شاشات المؤسسات الإعلامية، ما يقدّم للمشاهد نظرة على ما يمكن أن يحدث مستقبلاً في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاد، استناداً لتوقعات الجمهور.

من ناحية ثانية، رأى الدكتور أشرف الراعي، الخبير في الجرائم الإلكترونية وتشريعات الإعلام، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تصاعد اهتمام المؤسسات الإعلامية العالمية بأسواق التنبؤ لا يُعد مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً بنيوياً في فلسفة العمل الصحافي».

وأردف أن «الإعلام انتقل من موقع نقل الوقائع إلى دور أكثر تعقيداً يقوم على تحليل الاتجاهات واستشراف السيناريوهات المستقبلية، بالاستناد إلى بيانات جماعية ديناميكية تتشكل في الزمن الحقيقي... وأسواق التنبؤ تمنح وسائل الإعلام مؤشرات، قد تسبق الإعلان الرسمي أو النتائج النهائية، ما يخلق ميزة تنافسية كبيرة في بيئة إعلامية تقوم على السرعة والتأثير»، محذراً من أن «هذا التفوق قد يتحول إلى مصدر مخاطر إذا لم يُضبط ضمن أطر مهنية وقانونية واضحة».

وأشار الراعي إلى أن «التحدي الأبرز يتمثل في تآكل الحدود الفاصلة بين الخبر والتوقع، ما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور أو خلق تصورات غير دقيقة عن الواقع، لا سيما إذا قُدّمت مُخرجات أسواق التنبؤ بصيغة حقائق مؤكدة».

ولفت إلى أن «هذه الأسواق قد تكون عرضة للمضاربات المنظمة أو التلاعب بالمعلومات، ما يثير تساؤلات جدية حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية حال نشر بيانات أو مؤشرات غير موثوقة».

هذا، ولا يقتصر الأمر فقط على إشكاليات مهنية؛ بل يمتد إلى إشكاليات أخرى قانونية، تتضمن، بحسب الراعي، «المسؤولية المدنية والجزائية عن نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة، لا سيما إذا ترتب عليها ضرر بالأفراد أو الأسواق. وقضايا حماية البيانات؛ إذ تعتمد بعض منصات التنبؤ على تحليل بيانات المستخدمين وسلوكهم، ما يفرض الالتزام بالتشريعات الخاصة بحماية الخصوصية وعدم إساءة استخدام البيانات. إضافة إلى إشكالية التلاعب بالأسواق؛ حيث قد تُستغل التغطيات الإعلامية نفسها للتأثير على اتجاهات التنبؤ، ما يخلق دائرة مغلقة من التأثير المتبادل بين الإعلام وهذه الأسواق».

ونبّه الراعي، من ثم، إلى أن هناك بعداً تنظيمياً يتعلق بضرورة تحديد الطبيعة القانونية لـ«أسواق التنبؤ»؛ هل تُعامل كمنصات مالية، أم كأدوات تحليل بيانات، أم كمساحات تعبير؟ وقال إن هذا «التصنيف يترتب عليه خضوعها لأطر رقابية مختلفة، سواء من (هيئات تنظيم الإعلام)، أو الأسواق المالية، أو الجهات المختصة بحماية البيانات».

وشدد على أن «الحفاظ على مصداقية الإعلام في ظل هذا التحوّل يتطلب إعادة تأطير العلاقة مع أسواق التنبؤ، بحيث تُستخدم بوصفها مصدراً تحليلياً داعماً لا بديلاً عن العمل الصحافي القائم على التحقق والتدقيق». ثم دعا إلى «تطوير مدونات سلوك مهنية واضحة، تلزم المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن طبيعة هذه البيانات وحدودها، وعدم تقديمها بوصفها حقائق نهائية».

واختتم الراعي بالقول إن «المرحلة المقبلة تستدعي تدخلاً تشريعياً متوازناً يحقق معادلة دقيقة بين تشجيع الابتكار في الإعلام الرقمي، ومنع إساءة استخدام أدوات التنبؤ، ما يضمن حماية الرأي العام وصون الثقة في وسائل الإعلام، باعتبارها ركيزة أساسية في تشكيل الوعي المجتمعي».


آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».