«حفار القبور» السوري: جثث متحللة رائحتها لا تفارق أنفي

«حفار القبور» السوري: جثث متحللة رائحتها لا تفارق أنفي
TT

«حفار القبور» السوري: جثث متحللة رائحتها لا تفارق أنفي

«حفار القبور» السوري: جثث متحللة رائحتها لا تفارق أنفي

أثارت شهادة شاهد، عرف بـ«حفار القبور»، في جلسة محاكمة مسؤولين سوريين عن جرائم حرب، في مدينة كوبلنز غرب ألمانيا، كثيراً من الصدمة داخل قاعة المحكمة وخارجها، لما تضمنته من روايات مؤلمة لمعاناة سوريين في السنوات الماضية. وتضاف هذه الشهادة إلى سجل صور مؤلمة أخرى وثقها مصور لجثث آلاف الضحايا، قبل أن ينشق عن النظام ويساهم في إصدار «قانون قيصر» في الكونغرس الأميركي، ليكون مرجعاً في العقوبات المفروضة على النظام. الشاهد الذي يعرف برمز «ز- 30»، روى مشاهداته الرهيبة في المحاكمة التي انطلقت في مدينة كوبلنز الألمانية في 23 أبريل (نيسان) الماضي، لمحاكمة الضابط السوري السابق أنور رسلان، والمجند السابق إياد الغريب، عن جرائم ضد الإنسانية ارتكبوها في سوريا بعد عام 2011. المتهمان رسلان والغريب الوحيدان اللذان نجح محامون وناشطون سوريون وأوروبيون في جمع ملفات كافية عنهما، لوضعهما في قصف الاتهام.
«الشرق الأوسط» حصلت على شهادة «ز- 30» التي سجلها «المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية» في برلين، برئاسة المحامي أنور البني، وهنا نصها:

كنت أعمل أعمالاً حرة وسائق «تاكسي». عملت في محافظة دمشق في عام 2010. وعندما بدأت المظاهرات عام 2011 كانوا يستخدمون عمال النظافة والطوارئ لقمع المظاهرات. وفي شهر يوليو (تموز)، جاء «عنصر أمني» يدعى «ي ز» قُتل مع شقيقه بتفجير في منطقة باب مصلى لاحقاً. وقال لي إنه تم اختياري مع خمسة أشخاص للعمل بالمقر الأمني؛ لأننا «شجعان». وأضاف أنه سيتم تعويضنا بالمال، وتم إعطاؤنا بطاقة أمنية وملابس أمنية.
لم أقبل الزي العسكري، وكانت العلاقة مباشرة مع نائب المحافظ الذي تم اغتياله فيما بعد في مشروع دمر. وقال لي: «إنك مسؤول عن 12 عاملاً، ومهمتي مرافقتهم إلى مقبرة نجها، وإحصاء وتسجيل أسماء المتوفين. أي المقبرة الجنوبية في نجها، قرب ما يعرف بـ«مقبرة الشهداء»، وتابعة لـ«مزار السيدة زينب».
في البداية، قاموا بتسوير المقبرة؛ حيث المقبرة مساحتها 40 دونماً، وزودوني بكتاب من أجل إحضار آليات ثقيلة والوقود اللازم لتشغيلها. وكنا نقوم بالحفر يومياً لتجهيز المكان. وكان يرسلني إلى «مشفى تشرين العسكري» لإحضار الجثث. خلال سنة ونصف سنة وضعنا الآلاف، لدرجة لم يعد هناك مكان للدفن. كنا نقوم بفتح القبور المدنية ونضع في كل قبر 9 جثث أو أكثر.
وكان هذا يتم مرتين أسبوعياً وأحياناً ثلاث مرات. كانت الكتب التي تأتي مع البرادات عبارة عن قوائم فيها أعداد الجثث من كل جهة، مثل إدارة أمن الدولة، أو الأمن العسكري، مع رقم الفرع. مثلاً: «فرع فلسطين» 100 جثة، و«فرع الأربعين» 50 جثة. كنا نسجل الأعداد الواصلة بالبرادات إلى المقبرة حسب الكتب المرفقة.
لا أستطيع تحديد أي فرع أمني مسؤول عن أكبر عدد من الجثث؛ لكن سمعت كثيراً يتحدثون فيما بينهم عن نشاط أفرع أمنية في أيام معينة، والتنافس فيما بينها. وكانت تُجمع الجثث في «مشفى حرستا» أو «مشفى تشرين» وتُحمل من قبل عساكر إلى البرادات وتنقل إلى المقبرة في نجها. وكانت تأتي برادات إضافية من مناطق مختلفة، مثل قدسيا وداريا والمدن المحيطة بدمشق، و«مشفى المجتهد» أو «المواساة» ومشافٍ خاصة، وشاحنات تحمل الجثث من سجن صيدنايا، ويتم تفريغها في المقبرة، إلى أن امتلأت المقبرة بشكل كامل بالجثث.
بدأت العمل في الشهر السابع في عام 2011، يومياً أذهب إلى نجها. كانت هناك حفرة كبيرة. وجاءت ثلاث أو أربع سيارات برادات كبيرة. يزيد طول الواحدة عن 11 متراً، فيها جثث حوالي 700- 800 شخص. وكانت بينهم جثث لنساء وشبان يافعين وأمهات مع أطفالهن. كان يتم رميهم في الحفرة التي تردم بـ«التراكس» (البلدوزر).
في البداية، أثناء العمل، مُنع الشاهد وبقية العمال من الحديث تفصيلاً أو استخدام هواتفهم الجوالة، وقال إنه لم يعلم بداية أي شيء عن مهامه؛ لأن الضباط تكتموا على كل المعلومات؛ لكن بعد خمسة أشهر تقريباً وَثِقَ الضباط بهم، فأصبحوا يخبرونهم أكثر عن هذه المهام.
شاهدت مناظر مريعة لأرجل وأيدٍ من أعضاء بشرية، وكانت رائحة الجثث فائحة، وهناك كثير من الدم لدرجة أنني كنت أشعر بالدوخة عندما يُفتح باب البراد. بسبب تراكم الجثث لمدة طويلة داخل البراد تنبعث الرائحة كقنبلة غاز قوية جداً. كانوا يقومون بتكديسها على دفعات ريثما تمتلأ الشاحنة بالكامل.
بداية، لم أشارك شخصياً في دفن الجثث القادمة من المراكز الأمنية؛ بل كنت أكتفي بالوقوف بعيداً قرابة عشرين متراً، ومراقبة العمال وهم يقومون برمي الجثث من البراد إلى الحفرة حتى يصلوا إلى الجثث المكدسة بنهاية البراد التي غالباً ما تكون مليئة بالمواد المخاطية نتيجة التحلل، أو بالديدان بسبب انعدام الهواء داخل البراد والتخزين لمدة طويلة؛ لكني شاركت في دفن جثث سجن صيدنايا مع العمال؛ لأنها لم تنبعث منها رائحة. كانت جثثاً حديثة، وأخبرنا الضباط أنهم أُعدموا في اليوم نفسه. قيل لنا إنه غالباً يبدأ الإعدام الساعة الثانية عشرة ليلاً، ويتم الدفن الساعة الرابعة صباحاً. رأيتُ آثار الحبال الملتفة على رقابهم، وآثار التعذيب أيضاً. كانوا يأتون مكبلي الأيدي مع أرقام ورموز مكتوبة على ملصقات وُضِعت على جبهات وصدور الجثث.
حدث ذات مرة أن أحدهم لم يكن ميتاً بعد؛ بل كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، فأمر الضابط أن تمر الجرافة فوقه.
سكنت الرائحة في أنوفنا كل هذه السنوات، وكنا نتحسسها حتى لو كنا في منازلنا أو أي مكان آخر. أما مناظر الجثث فكانت كفيلة أن تبقيني دون طعام أو شراب لأيام متواصلة. ولا تزال تزورني كوابيس وتمنعني من النوم. المشاهد سببت لي رُعباً واضطرابات في السكر والضغط دائم.
أذكر أن العمال أخبروني ذات يوم بوجود جثث نساء وأطفال - من الذكور والإناث أيضاً - وعن رفض الضباط السماح لهم بدفن النساء في أماكن مخصصة؛ بل تعدى الأمر رفض الطلب إلى التهديد بالاعتقال والتعذيب. وشاهدت مرة جثة امرأة مقتولة، تحضن رضيعها المذبوح بين يديها. هذا ما جعلني أنهار.
كما أن العمال أخبروني بأن ملامح بعض الوجوه كانت غائبة تقريباً. كان ذلك برأيهم نتيجة استخدام مواد كيماوية لإذابتها، لاستحالة تآكلها بطريقة طبيعية، أو ربما نتيجة تعذيب. وأخبروني أيضاً عن علامات التعذيب المنتشرة على كافة أنحاء الجسد، وعلامات الأزرق والأحمر والأسود على الجثث، وقلع أظافر اليدين والقدمين؛ بل وفي بعض الحالات قطع أعضاء بشرية.
في منتصف عام 2015 أعلمني المسؤول عني بأنهم أخذوا أرضاً جديدة في منطقة القطيفة، وعليَّ أن أذهب مع آليات لحفرها، وكانت مساحتها 20- 30 دونماً. وبالفعل حفرناها وبدأنا نستخدمها لدفن الجثث. وكنا نذهب إلى طريق صيدنايا نلتقي بالبرادات ونذهب بها إلى المقبرة في كل يوم سبت واثنين. ثلاث أو أربع سيارات شحن متوسطة الحجم مغطاة بشادر، في كل منها 100 أو أكثر من الجثث. يصل العدد إلى 500. استمررت بالعمل في مقبرة القطيفة إلى 2017؛ حيث امتلأت بالجثث في كل مكان. وأخبرني المسؤول عني أنهم سيحفرون أرضاً عند جسر بغداد. وفي المقبرتين كان بين الجثث ضباط تابعون للنظام، وكانوا يطلبون مني سحب جثث ذات أرقام محددة، ويقومون بلفها بالعلم السوري، وينقلونها خارج المقبرة.
من خلال عملي، علمت أيضاً من سائقي «باكر» و«تراكس» (آليات ثقيلة للحفر) أنه تم تكليفهم بحفر مقابر جماعية في مطار المزة، وكانوا يرمون الجثث في الحفرة (المقبرة) من فرع الجوية في المزة. كما علمت منهم أنهم حفروا حفراً لمقابر جماعية في مركز «الفرقة الرابعة» (في الحرس الجمهوري). وكان ضابط في منطقة الصبورة يرسل لنا الجثث بشكل مباشر من مناطق القتال بالغوطة وداريا. كنا أيضاً نقوم بجمع الجثث بالسيارات من الشارع في الغوطة الغربية وسبينة ومحيط «السيدة زينب» وندفنها في المقبرة.
وحين استُخدم السلاح الكيماوي (في صيف 2013) في عين ترما، كانت الشوارع مليئة بالجثث، وكلفونا بجمعها ودفنها. ذات مرة كنا قرب الغوطة الغربية وكان القصف عليها بالطائرات، وكدنا نصاب بالقصف ومعنا برادات دفن الجثث. تواصل المسؤول مع ضباط لوقف القصف على مكان وجودنا. أيضاً كان قائد في «قوات الدفاع الوطني» في دمشق لديه مقر وسجن في حي ابن عساكر. كانوا يعتقلون الشباب من الشوارع ويضعونهم في السجن، ثم يرسلون الجثث لنا لدفنها.



الحوثيون يخنقون «التربة»... وتعز تُقاوم حصارهم بالحياة

حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
TT

الحوثيون يخنقون «التربة»... وتعز تُقاوم حصارهم بالحياة

حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)

بين مدينتين تفصل بينهما خطوط النار جنوب غربي اليمن، تتجلى مفارقة معاكسة للمنطق التقليدي للحروب؛ حيث تحولت «التربة»، المدينة الخاضعة للسيطرة العسكرية الكاملة للحوثيين، إلى مساحة من الجمود والمقاطعة غير المعلنة، في حين تعيش تعز، المدينة الأخرى المحاصرة، حياة تقاوم كل الصعوبات.

ويعكس التباين بين مدينتي تعز التي يحاصرها الحوثيون من كل الاتجاهات، والتربة التي خضعت لسيطرة الجماعة منذ نحو شهر، مشهداً معقداً يلخص طبيعة الحرب والمقاومة المجتمعية؛ حيث يتجلى واقع اقتصادي واجتماعي متناقض تماماً بين المدينتين.

ففي مدينة التربة، يسود مشهد من الجمود الاقتصادي والرفض المجتمعي الحاد؛ ويرفض السكان المحليون تطبيع الأوضاع مع سلطة الجماعة، ما أدى إلى حالة مقاطعة شبه كاملة تجلّت في ركود غير مسبوق بالأسواق، وتراجع كبير في الحركة خلال ساعات النهار، والتي تتوقف تماماً خلال الليل، ليسود مكانها صمت مطبق.

وتلخص رحلة أحمد، وهو اسم مستعار لموظف عمومي يتنقل أسبوعياً بين تعز والتربة، هذا التناقض الحاد في المعيشة؛ حيث بات يعيش هاجس الخوف على أمنه الشخصي بمجرد مغادرته تعز، في حين ينهشه القلق الدائم على عائلته المستقرة تحت سلطة الحوثيين في التربة.

مدينة التربة تعيش حالة من الركود بعد نحو شهر من سيطرة الحوثيين عليها (فيسبوك)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الوضع يدفعه بجدية للتفكير في خيار نقل عائلته إلى تعز المحاصرة إذا ما طال أمد السيطرة الحوثية، مفضلاً قسوة الحصار المعيشي على العيش تحت وطأة القبضة الأمنية والجدار المجتمعي العازل هناك.

وفي حديثه عن تفاصيل هذا التحول، يروي كيف تبدلت ملامح إجازته الأسبوعية التي كان يقضيها برفقة عائلته وأصدقائه، «فالمنزل يغرق في توتر مستمر، وأطفاله الثلاثة باتوا محرومين من ارتياد مدارسهم، ويواجهون مستقبلاً تعليمياً مجهولاً»، في حين تلاشت الأجواء التي كان يقضيها ليلاً مع أصدقائه، سواء في المنازل أو المقاهي، بتوقف الحركة تماماً مع ساعات المغيب.

حياة لا تتوقف

في ظل هذه التطورات، جدد مكتب التربية والتعليم في محافظة تعز قراراً سابقاً بتعليق الدراسة في المدارس الحكومية والأهلية بالمديريات التي سيطرت عليها الجماعة الحوثية، محمّلاً مديري إدارات التربية والتعليم ومديري المدارس مسؤولية مخالفة التعليمات، بالتزامن مع دعوة اللجنة التربوية المجتمعية في مديريات الريف أولياء الأمور والإدارات المدرسية إلى الالتزام بالقرار حفاظاً على سلامة الطلاب.

لم تتراجع مظاهر الحياة في مدينة تعز رغم الحصار الحوثي واستهداف الأحياء السكنية (أ.ف.ب)

وحذّرت اللجنة من مخاطر استخدام المنشآت التعليمية لأغراض عسكرية كمخازن للأسلحة ومقار لتجمع ومبيت عناصر الجماعة، إلى جانب استقطاب الطلاب وتجنيدهم.

وعلى العكس تماماً، تبدي مدينة تعز المحاصرة مرونة استثنائية، واستمراراً لمظاهر الحياة اليومية، على الرغم من الحصار الخانق وأزمات السلع والخدمات، وضربات المدفعية والقنص اليومي التي تستهدف المدنيين، وتتحول إلى مركز جاذب يتحدى المخاطر الأمنية.

ويستغل كثير من سكان الأرياف توقف المعارك في بعض المنافذ للدخول إلى المدينة، على الرغم من المخاطر الشديدة التي تحيط بهم، في ظل سعي حوثي لخنق الحركة ودفع السكان لمغادرتها.

يقول صلاح أحمد غالب، مدير مكتب شؤون الحصار في تعز (هيئة حكومية) لـ«الشرق الأوسط»، إن سكان مدينة التربة وغيرها من المناطق التي وقعت مؤخراً تحت سيطرة الجماعة الحوثية يمارسون الاحتجاج المدني بالوسيلة التي يمتلكونها، وقد لجأوا إلى العصيان المدني غير المعلن.

حركة التنقل بين مدينة تعز وأريافها لم تتوقف رغم الحصار الحوثي وخنق الطرقات (أ.ف.ب)

وينوه في حديثه إلى أن كثيراً منهم أغلقوا محالهم أو أوقفوا أنشطتهم التجارية، خوفاً من تعرضهم للنهب وفرض الإتاوات من طرف الحوثيين، في حين لم تتأثر حركة التجارة والأسواق في مدينة تعز بسبب ثقة السكان بالدولة، رغم تراجع المعروض من السلع، وتأثر الأسعار بسبب الحصار.

تدابير حكومية

وتشهد مدينة تعز أنشطة مجتمعية متنوعة لمواجهة الحصار، يتجلّى أبرزها في المبادرات لتبادل وتشارك الأغذية والمنافع بين العائلات لتغطية النقص فيما بينها، ومساعدة العائلات التي لا تستطيع الحصول على الطعام.

ويؤكد عبد الرحمن القليعة، مدير «مكتب الصناعة والتجارة في تعز»، لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب والحصار تسببا في كارثة إنسانية حقيقية ونقص حاد في تدفق السلع والوقود نتيجة إغلاق طرق الإمداد، ما دفع قطاعاً واسعاً من التجار إلى خفض استثماراتهم واللجوء للادخار بدلاً من الاستيراد نتيجة المخاطر المرتفعة.

محطة خيرية لتوزيع المياه على سكان أحياء في تعز التي حرمها الحوثيون من الخدمات والسلع (أ.ف.ب)

وكشف عن أن المكتب استشعر خطورة الوضع منذ مايو (أيار) الماضي، بالتزامن مع التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز؛ حيث نجح بالتنسيق مع الغرفة التجارية وكبار التجار في تأمين مخزون سلعي يكفي لثلاثة أشهر، إلا أن الهلع الشعبي وإغلاق الحوثيين المنفذ الوحيد للمدينة استنزف 50 في المائة من هذا المخزون في أسبوع واحد.

وفرض المكتب حالة طوارئ استدعت تشكيل لجانٍ رقابية وغرفة عمليات على مدار الساعة لترشيد توزيع السلع بالأسعار الرسمية، وفقاً للمسؤول الحكومي، إلى جانب تعاون البيوت التجارية بضخ كميات غذائية إضافية عبر وكلائها، ما أعاد الاستقرار التمويني نسبياً للمدينة المحاصرة.

إلا أنه حذّر من أن كل هذه التدابير تظل مؤقتة وعاجزة عن تقديم حل مستدام ما لم يتم كسر الحصار الحوثي.

ويبدي السكان مخاوفهم من تصعيد الجماعة الحوثية إجراءاتها ضد المدينة، وتحويل المنافذ إلى مصائد لاختطاف المتنقلين عبرها.


550 مدرسة أهلية في صنعاء تحت ضغط التجنيد الحوثي

الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
TT

550 مدرسة أهلية في صنعاء تحت ضغط التجنيد الحوثي

الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)

صعّدت الميليشيات الحوثية حملات استقطاب وتجنيد طلاب المدارس الأهلية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، مستغلة المؤسسات التعليمية لرفد جبهات القتال بمقاتلين جدد وتعويض خسائرها البشرية المتواصلة، عبر إجبار الطلبة على الالتحاق بالدورات العسكرية وتهديد إدارات المدارس بالإغلاق وفرض الغرامات والعقوبات.

وقالت مصادر تربوية في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تُسمى «الدائرة الجهادية» التابعة للجماعة، بالتنسيق مع وزارة التربية في حكومتها غير المعترف بها، أطلقت خلال الأيام الأخيرة حملة تستهدف أكثر من 550 مدرسة أهلية بصنعاء وضواحيها، في تصعيد جديد لاستغلال القطاع التعليمي لأجندتها العسكرية والتعبوية.

وأضافت المصادر أن مشرفين حوثيين نفّذوا، منذ أيام، نزولات ميدانية إلى مدارس في عشر مديريات بصنعاء، وألزموا إداراتها باختيار خمسة طلاب من كل مدرسة وإلحاقهم بدورات عسكرية، ملوّحين بإغلاق المؤسسات التعليمية وفرض إجراءات عقابية وغرامات بحق الرافضين الانصياع للتوجيهات.

طفل يمني يحمل سلاحه خلال تجمع لمقاتلين جدد للحوثيين في صنعاء (أ.ف.ب)

وأثار هذا الاستهداف الحوثي حالة من الغضب والقلق بين المعلمين والطلاب وأولياء الأمور، الذين يرون ذلك امتداداً لسياسات الجماعة الرامية إلى تفريغ العملية التعليمية من مضمونها، بعد سنوات من إخضاع المناهج والأنشطة المدرسية للتعبئة الأيديولوجية وتسخير المؤسسات التعليمية لخدمة مشروعها العسكري.

دورات بالإكراه

قال أولياء أمور، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، إن أبناءهم اقتيدوا من داخل الفصول الدراسية، من دون علم أسرهم، إلى مواقع غير معلومة، حيث يُخضعون لدورات تعبئة فكرية وتدريبات عسكرية، الأمر الذي عزز مخاوفهم من أن تكون هذه الأنشطة مقدمة لتجنيد الطلاب والزج بهم في الجبهات.

ودفعت هذه المخاوف أسراً إلى منع أبنائها من الذهاب إلى المدارس المستهدفة، خشية تعرضهم للاستقطاب القسري، بينما شهدت مدارس أهلية تراجعاً في الحضور، وسط قلق متصاعد من استمرار الضغوط والمداهمات الحوثية وتحويل المؤسسات التعليمية إلى منافذ لتجنيد الطلاب بدلاً من تأهيلهم علمياً.

الحوثيون يدفعون العائلات للفخر بأبنائها بوصفهم مقاتلين أو ضحايا (غيتي)

ويقول عبد الله، وهو والد أربعة طلاب من منطقة معين وسط صنعاء، إنه اضطر إلى إبقاء اثنين من أبنائه، في المرحلتين الإعدادية والثانوية، في المنزل خشية إخضاعهما للتجنيد، بعد أن فقد الثقة بقدرة إدارة المدرسة على حمايتهما من الضغوط الحوثية، ليجد نفسه أمام خيار قاسٍ بين حرمانهما من مواصلة التعليم أو المخاطرة باستقطابهما عسكرياً، مُشيراً إلى أن غالبية الأسر باتت تخشى إرسال أبنائها إلى المدارس بعدما تحولت، بحسب وصفه، إلى منافذ لاستقطاب الطلاب وإخضاعهم للتعبئة العسكرية.

وأضاف: «أرسلنا أبناءنا إلى المدارس ليتعلموا ويبْنوا مستقبلهم، لا ليُدفعوا إلى الدورات العسكرية وجبهات القتال»، مُبيناً أن سلوك الجماعة لم يعد يقتصر على فرض توجهاتها على المناهج والأنشطة المدرسية، بل امتد إلى الضغط على الإدارات لاختيار الطلاب وتسليمهم للجهات المشرفة على الدورات القتالية.

ضغوط على المدارس

يقول أحد المعلمين في مدرسة أهلية بمنطقة السبعين جنوب صنعاء، طالباً إخفاء اسمه، إن إدارات المدارس الخاصة بصنعاء وضواحيها تواجه حالياً ضغوطاً متزايدة من مشرفي الجماعة الثقافيين لتنفيذ توجيهات تستقطب الطلاب وتُلحقهم في الدورات العسكرية، على حساب التحصيل العلمي.

وأضاف أن أنشطة التعبئة باتت تزاحم العملية التعليمية، بينما يتردد المعلمون في الاعتراض على هذه الممارسات خشية التعرض للتهديد أو العقوبات، في ظل إحكام الميليشيات قبضتها على المؤسسات التعليمية وإخضاع إداراتها لتوجيهاتها.

الميليشيات الحوثية ألزمت مدارس في صنعاء ببرامج طائفية والحشد للقتال (إكس)

وأكد أن المدارس التي يُفترض أن توفر بيئة آمنة للتعلم وبناء المستقبل أصبحت تواجه تدخلاً متزايداً في شؤونها، مع تصاعد الضغوط الرامية إلى انتزاع الطلاب من مقاعد الدراسة وإشراكهم في أنشطة لا تمت إلى التعليم بصلة.

وتزامنت هذه التحركات الحوثية مع استمرار تدهور العملية التعليمية في مناطق سيطرة الجماعة، حيث يعاني عشرات الآلاف من المعلمين والتربويين من انقطاع الرواتب منذ سنوات، في ظل سياسات فاقمت الأوضاع المعيشية وأضعفت قدرة المدارس على أداء دورها التعليمي والتربوي.


الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
TT

الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)

اتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية في ريف محافظة لحج ومحيط مدينة تعز، وفق مصادر حكومية، في وقت تزداد فيه أعداد الأسر الفارة من مناطق المواجهات، وتواجه فيه المنظمات الإغاثية احتياجات متنامية في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أوسع الأزمات الإنسانية.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين كثفوا، بعد تعثر محاولاتهم تحقيق تقدم ميداني، استهداف القرى في مديرية المضاربة التابعة لمحافظة لحج بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بصورة شبه يومية، ما أجبر مئات الأسر على الفرار والانضمام إلى موجات نزوح آتية من الساحل الغربي وأطراف لحج.

وأضافت أن هذه الهجمات تستهدف، حسب تقديرها، الضغط على رجال القبائل ودفعهم إلى التوقف عن مساندة القوات الحكومية.

وفي محيط مدينة تعز، أفادت المصادر بأن الحوثيين استهدفوا قرى في جبل صبر بالطائرات المسيّرة وقذائف الهاون، في محاولة للحد من مقاومة وحدات القوات الحكومية والمتطوعين من السكان، الذين تصدوا خلال الأيام الماضية لهجمات متكررة سعت الجماعة من خلالها إلى اختراق الجبهة.

طفلة مصابة جراء قصف الحوثيين ترقد في مستشفى بمدينة تعز (رويترز)

وتأتي هذه التطورات بينما تواجه تعز، وفق المصادر، حصاراً مستمراً منذ 20 يوماً، في وقت يفاقم فيه القتال صعوبة وصول المدنيين إلى الخدمات والاحتياجات الأساسية، ويزيد الأعباء على السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية.

تحذيرات إنسانية

على وقع التداعيات الإنسانية للهجمات الحوثية، حذّر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن التصعيد الراهن فاقم أزمة إنسانية ممتدة، مشيراً إلى أن 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 5.2 مليون كانوا نازحين داخلياً قبل موجة التصعيد الأخيرة.

وأوضح الاتحاد، في تقرير حديث، أن القتال وانعدام الأمن أعاقا الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والأسواق والإمدادات الأساسية، بينما تصل الأسر النازحة إلى مناطق الاستقبال بممتلكات محدودة، وتحتاج إلى المأوى والأدوات المنزلية والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

فارون من التصعيد الحوثي يعيشون في مواقع تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وأشار إلى أن المجتمعات المضيفة تواجه بدورها ضغوطاً كبيرة على الخدمات والموارد، في حين يؤدي تكرر النزوح إلى تدهور سبل العيش وارتفاع مخاطر الحماية، ويزيد احتمالات اضطرار مزيد من الأسر إلى مغادرة مناطقها.

وشدد الاتحاد على ضرورة استمرار وصول المساعدات الإنسانية وتوفير استجابة مرنة تتناسب مع تغير الاحتياجات الميدانية، خصوصاً في المناطق التي تعيق فيها الظروف الأمنية حركة السكان والإمدادات.

ووفق التقرير، تواجه الأسر النازحة عوائق متداخلة في الحصول على المأوى والغذاء والمياه النظيفة والصرف الصحي والتعليم والرعاية الصحية. كما يؤدي انعدام الأمن وإغلاق الطرق إلى تعطيل الأسواق وخطوط الإمداد وعمليات إيصال المساعدات، بينما يحد فقدان مصادر الدخل واستنزاف الأصول وارتفاع الأسعار من قدرة الأسر على شراء احتياجاتها الأساسية.

ولفت الاتحاد إلى أن المجتمعات المعزولة تواجه قيوداً أشد، إذ يصبح الحفاظ على الإمدادات التجارية واستمرار الخدمات الأساسية أكثر صعوبة، في وقت يفاقم فيه انعدام الأمن الغذائي هشاشة الأسر التي تعاني أصلاً من نقص الغذاء.

مع استمرار التصعيد الحوثي يتواصل تدفق النازحين إلى مناطق سيطرة الحكومة (إعلام محلي)

وفي مؤشر على حجم الأزمة، ذكر التقرير أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد على مستوى البلاد، محذراً من أن استمرار الحصار وانقطاع المساعدات قد يزيدان تدهور الأوضاع، خصوصاً بين الأطفال الصغار والنساء الحوامل والمرضعات.

وأضاف أن النزوح المتكرر يستنزف قدرة الأسر على التكيف مع الأزمات. وأظهر تقييم سريع أُجري في ثلاثة مواقع للنزوح أن نحو 45 في المائة من الأسر التي شملها التقييم سبق أن تعرضت للنزوح.

وأكد التقرير أن هذه النسبة تعكس أوضاع الأسر التي شملها التقييم في المواقع الثلاثة، ولا ينبغي تعميمها على جميع النازحين في اليمن.

مخاطر إضافية

في سياق المخاوف الإنسانية، حذر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن خسارة الممتلكات وعدم استقرار سبل العيش يقوضان قدرة الأسر على مواجهة الأزمات، ويزيدان مخاطر لجوئها إلى وسائل تكيف ضارة، من بينها عمالة الأطفال.

وأشار إلى أن المعاناة تتجاوز نقص الغذاء والمأوى، لتشمل صعوبات إضافية تواجه الأسر التي تعيلها نساء، والأطفال المنفصلين عن ذويهم، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمرضى الذين يحتاجون إلى علاج منتظم.

الحوثيون يستهدفون القرى السكنية للضغط على القوات الحكومية (إعلام محلي)

كما تواجه النساء والفتيات مخاطر حماية إضافية في المناطق التي تفتقر إلى المأوى الملائم ومرافق الصرف الصحي، بينما قد يعجز الأشخاص ذوو القدرة المحدودة على الحركة أو الموارد عن مغادرة المناطق المعزولة أو الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وتعكس هذه التحذيرات اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والقدرة على تلبيتها، مع استمرار المواجهات وتكرر النزوح وتعطل الطرق والإمدادات، وهي عوامل تزيد هشاشة الأسر، وتضع المجتمعات المستقبلة للنازحين أمام أعباء إضافية.