هل استلهم دانتي «معراج» أبي القاسم القشيري في «الكوميديا الإلهية»؟

إيطاليا تحتفل بذكرى 700 عام على رحيل رمزها الأكبر

دانتي
دانتي
TT

هل استلهم دانتي «معراج» أبي القاسم القشيري في «الكوميديا الإلهية»؟

دانتي
دانتي

في خطوة استباقية، أعلنت رئاسة الجمهورية الإيطالية، تقديم بدء احتفالاتها سنة كاملة، بمناسبة الذكرى 700 لوفاة شاعر إيطاليا الكبير دانتي (1265 ـ 1321)، الذي وصفه رئيس الجمهورية سيرجو ماتاريلا بـ«مصدر إلهام لكل الأجيال من الشعراء والفنانين والسياسيين من الذين بنوا وحدة إيطاليا. وهو الأب والركيزة الأساسية لها. لقد انبعثت روح دانتي من إيطاليا إلى العالم، وأضاءته بالشعر والجمال والعاطفة والشجاعة». وقد بدأت الاحتفالات التي ستستمر حتى نهاية شهر سبتمبر (أيلول) من العام المقبل، ببرنامج موسيقي أوركسترالي أوبرالي، لعدد كبير من الأعمال الموسيقية الكلاسيكية والأوبرالية المحلية والعالمية التي استلهمت من «الكوميديا الالهية»، في إحدى قاعات قصر الكورينالي الجمهوري.
ويتزامن هذا الاحتفال مع احتفالات أخرى تنظم في كل من مدينة فلورنسا، ومدينة رافينا، ومدينة أسيسي، وتتضمن ندوات ومحاضرات، وقراءات شعرية، وعرض أفلام روائية ووثائقية، جنباً إلى جنب أعمال موسيقية غنائية كورالية، وافتتاح معارض فنية غرافيكية تنظمها بلديات هذه المدن، بالاشتراك مع منظمات ومكتبات ومسارح محلية وعالمية.
ولد دانتي أليغييري بتاريخ 12 مايو (أيار) سنة 1265 في عائلة لها باع طويل من الانخراط في المشهد السياسي المعقد لمدينة فلورنسا، وقد انعكس هذا الأمر في فصل «الجحيم» من كتابه الفخم «الكوميديا الإلهية» الذي ألفه لاحقاً.
توفيت والدته بعد ولادته بسنوات قليلة، وعندما بلغ من العمر 12 عاماً، جرى ترتيب زواجه من جيما دوناتي، ابنة إحدى العائلات الفلورنتينية. إلا أن دانتي كان هائماً في غرام امرأة أخرى، اسمها بياتريسا، التي ستكون صاحبة تأثير كبير عليه، وستشكل شخصيتها أساس ملحمة الكوميديا الإلهية. وكان حب دانتي لها سامياً ومخلصاً، ولكن تشاء الظروف أن تتوفى بياتريسا سنة 1290، فحزن دانتي حزناً عظيماً، وعبر عن مشاعره في كتابه «حياة جديدة»، الذي نشر سنة 1295. وفيه يعبر عن وقائع وأحداث السيرة الذاتية، فهي تحكي حياة دانتي الروحية، وقد نظمت في 42 فصلاً بنثر مترابط في قصة متجانسة، تشرح سلسلة من القصائد المركبة والمنظومة في أوقات مختلفة.
في ذلك الوقت، اشتدت المكائد التي كانت تحاك بمدينة فلورنسا، وعمت الفوضى والاضطرابات أرجاء هذه الإمارة المستقلة، خصوصاً مع وجود جماعات متصارعة يمثل كل منها الإمبراطور أو البابا. وشغل دانتي آنذاك عدداً من المناصب المهمة في فلورنسا، غير أنه فقد شعبيته في عام 1312، ونفي إلى خارج المدينة على يد قادة جناح فصيل سياسي كان مسيطراً على الحكم، ومتحالفاً مع البابا بونيفاس الثامن (سيُذكر هذا البابا إضافة إلى شخصيات سياسية أخرى في فصل الجحيم ضمن كتاب «الكوميديا الإلهية»). فالتجأ إلى مدينة بولونيا سنة 1304التي كانت معقل المثقفين المنفيين. عزف دانتي عن ممارسة أي نشاط سياسي، وباشر تأليف الكتب، وتخيل في ذهنه الملامح الأولى للكوميديا الإلهية. وهناك بدأ بتأليف كتابه اللاتيني «اللهجة العامية»، الذي طرح فيه إمكانية إضافة بعض جوانب اللهجات الإيطالية المحكية غير المستخدمة في السياقات الأدبية، إلى الإيطالية العامية المستخدمة في قسم من المؤلفات، بحيث تغدو الإيطالية لغة أدبية رصينة. ووفقاً لدانتي، ستكون اللغة الجديدة إحدى الوسائل التي يمكن اللجوء إليها لتوحيد الأراضي الإيطالية المنقسمة.
في عام 1306، طرد جميع منفيي فلورنسا من مدينة بولونيا، فانتقل دانتي إلى مدينة رافينا، ولكن حياته بعد ذلك بعدة سنوات كانت غامضة ومجهولة، إذ تؤكد بعض الأخبار أنه أمضى عامين في باريس من سنة 1307 إلى 1309، وأثناء وجوده، اطلع على كتاب «المعراج» لأبي القاسم عبد الكريم القشيري، المترجم إلى الفرنسية التي كان يجيدها دانتي إجادة تامة، والكتاب كما يؤكد المستشرق الإسباني مانويل آسين بلاثيوس، الذي ألف كتاب «دانتي والإسلام» عام 1927، يشير إلى مصادر دانتي العربية، من خلال وجود تشابه كبير بين «الكوميديا الإلهية» وموضوعات عربية، استيقت من كتاب «المعراج». وقد ساد صمت وتكتم امتد إلى عام 1949، حيث عثر على مخطوطات يدوية تحمل عنوان «معراج محمد» مترجمة عن اللغة اللاتينية، بعدة نسخ في عدة بلدان أوروبية، إضافة إلى مكتبة الفاتيكان، تحمل تاريخ العام الذي ولد فيه دانتي. وهذه الأوراق المستنسخة بخط اليد تعكس التشابه الكبير بين الكوميديا وكتاب المعراج. في عام 1949 ظهر كتاب باللغة الإيطالية تحت عنوان «المعراج والمصادر العربية الإسلامية للكوميديا الإلهية»، قام بتأليفه المستشرق الإيطالي إنريكو جيرولي، وكان حينها سفير بلاده لدى إيران، ويحمل تكراراً لما كتبه المستشرق الإسباني بلاثيوس. وقبل سنتين من هذا الحدث، قام المستشرق الإنجليزي نيكلسون، بنشر مقال تحت عنوان «الجذور الفارسية لدانتي».
ومن المعروف، أن الكوميديا الإلهية عمل ملحمي شعري يصّور الحياة الإنسانية وفقاً للرؤية المسيحية للحياة الآخرة، وقد كانت أشبه بصرخة تحذير تدعو المجتمع الغارق في الفساد إلى سلوك طريق البر والصلاح. يتبع القارئ في هذا العمل رحلة دانتي عبر الحياة الآخرة، التي تقسم إلى 3 عوالم هي: الجحيم، والمطهر، والفردوس. ويقود الشاعر الروماني فيرجل، دانتي، في رحلته عبر الجحيم والمطهر، في حين تقوده بياتريس في رحلته عبر الفردوس.
وتبدأ هذه الرحلة من الليلة التي تسبق الجمعة العظيمة إلى يوم الأربعاء بعد عيد الفصح في ربيع عام 1300. يسود بنية العوالم الثلاثة في الآخرة نمط مشترك مكون من 9 طبقات (حلقات)، وحلقة عاشرة؛ فالجحيم مثلاً مكون من 9 طبقات يليها مكان وجود الشيطان في قاع الجحيم، وكذلك يتكون المطهر من 9 طبقات توجد في أعلاها حديقة عدن، أما الفردوس فتوجد فيه 9 طبقات يليها عرش الرب. تتألف الكوميديا الإلهية من 100 أنشودة كتبت وفق مقياس معروف باسم «اللحن الثالث»، حيث يظهر الرقم 3 في كل أجزاء العمل. في الجحيم، يقود «فيرجل» دانتي مع مجموع من الخطاة خلال الرحلة، ويتبادلون الحديث مع بعض الشخصيات. كل حلقة في الجحيم خاصة بأُناس ارتكبوا خطيئة محددة، ولم يدخر دانتي ما يمتلكه من إبداع فني في وصف مشهد العقاب وصياغته شعرياً لكل حلقة. وفي المحطة الأخيرة في الجحيم، يقابل دانتي وفيرجيل الشيطان مدفوناً في الجليد حتى خصره، ويرقد إلى جواره كاسيوس ويهوذا وبروتوس، أكبر الخونة في التاريخ. بعد الجحيم، ينتقل دانتي وفيرجيل إلى المطهر، وهو عبارة عن جبل متدرج مكون من 7 طبقات يسودها العذاب والتطهر الروحي (تركز الطبقات إلى الخطايا السبعة).
وخلال الرحلة، يقابل دانتي بعض الشخصيات التي كانت بارزة في مجالات الثقافة والعدل والمحبة مثل توما الأكويني، والملك سليمان، والجد الأكبر لدانتي. وفي نهاية الرحلة، يقابل دانتي شخصية أدبية من القرن الثالث عشر، كان شاعراً وكاتباً، ورجل سياسة، فلورنسي الأصل، يعتبر أكبر شاعرٍ في اللغة الإيطالية، ولهذا السبب لقّب بأكبر وأرقى شاعر. وهذا الشاعر هو دانتي إليغييري.
وتوفي دانتي في 14 سبتمبر (أيلول) 1321 برافينا، بعد عودته من فينيسيا عن عمر يناهز 56 عاماً، بعد إصابته بمرض الملاريا، ودفن في كنيسة القديس بير مجيور في مدينة رافينا.



دراسة: إتقان لغة جديدة قد يُساعد في إبطاء شيخوخة الدماغ

تشير الدراسة إلى أن تعلم لغة جديدة لا يتعلق بعمر محدد (بيكسباي)
تشير الدراسة إلى أن تعلم لغة جديدة لا يتعلق بعمر محدد (بيكسباي)
TT

دراسة: إتقان لغة جديدة قد يُساعد في إبطاء شيخوخة الدماغ

تشير الدراسة إلى أن تعلم لغة جديدة لا يتعلق بعمر محدد (بيكسباي)
تشير الدراسة إلى أن تعلم لغة جديدة لا يتعلق بعمر محدد (بيكسباي)

أظهرت دراسة حديثة أن إتقان لغتين أو أكثر قد يُساعد في إبطاء شيخوخة الدماغ.

وخلصت الدراسة، التي عُرضت في منتدى اتحاد جمعيات علم الأعصاب الأوروبية لعام 2026، إلى أن الأشخاص الذين يتحدثون لغات متعددة بدوا أصغر سناً من أولئك الذين يتحدثون لغة واحدة فقط.

وقد حلل الباحثون نشاط الدماغ لدى مئات الأشخاص في إقليم الباسك الإسباني، ممن يتحدثون ما بين لغة واحدة وأربع لغات، بما في ذلك الإسبانية والباسكية والفرنسية والإنجليزية. واستخدموا الذكاء الاصطناعي لتقدير «عمر الدماغ» لكل مشارك، بناءً على أنماط ترابط الدماغ، وفق ما أفادت شبكة «فوكس نيوز» البريطانية.

في هذا السياق، قال الدكتور تومي وود، عالِم الأعصاب ومستشار الأداء ومؤلف كتاب «العقل المحفز: حماية دماغك من الخرف والحفاظ على حدة ذهنك في أي عمر»، إن النتائج تدعم الأبحاث السابقة، التي أظهرت أن التحدث بلغات متعددة قد يساعد في حماية الوظائف الإدراكية مع تقدم الناس في السن.

وتابع وود، الذي لم يشارك في البحث، لشبكة «فوكس نيوز ديجيتال»: «معظم الأدلة على فوائد تعلم لغات متعددة يأتي من أفراد نشأوا ثنائيّي اللغة أو تعلموا لغات متعددة في طفولتهم». وأضاف أن البالغين، الذين لم ينشأوا وهم يتحدثون أكثر من لغة واحدة، ينبغي ألا يفترضوا أن الوقت قد فات للاستفادة من هذه الفوائد.

وأردف أنه لا يوجد حد عمري واضح يصبح عنده تعلّم لغة ثانية غير مفيد، وأضاف أن عدداً من التجارب العشوائية المضبوطة التي أُجريت على كبار السنّ أظهرت تحسّناً في الانتباه والذاكرة العاملة والوظائف التنفيذية، بعد بضعة أشهر فقط من تعلّم اللغة.

وإلى جانب تحسين الوظائف الإدراكية، قال وود إن تعلم لغة جديدة يُساعد أيضاً على تعزيز التواصل الاجتماعي وتقوية قدرة الدماغ على استيعاب المعلومات الجديدة. وحثّ البالغين على عدم اليأس من ارتكاب الأخطاء أثناء التعلم.

وأضاف الخبير: «ارتكاب الأخطاء من أهم محفزات المرونة العصبية والتعلم. إذا اخترت تعلم لغة جديدة، فابدأ بقوة، وتحدَّ نفسك، وتقبّل الفشل أحياناً. ستتعلم بشكل أسرع نتيجة لذلك».


وفاة سام نيل نجم فيلم «جوراسيك بارك» عن عمر 78 عاماً

نجم فيلم «جوراسيك بارك» سام نيل في فرانسيسكو 2012 (أرشيفية - رويترز)
نجم فيلم «جوراسيك بارك» سام نيل في فرانسيسكو 2012 (أرشيفية - رويترز)
TT

وفاة سام نيل نجم فيلم «جوراسيك بارك» عن عمر 78 عاماً

نجم فيلم «جوراسيك بارك» سام نيل في فرانسيسكو 2012 (أرشيفية - رويترز)
نجم فيلم «جوراسيك بارك» سام نيل في فرانسيسكو 2012 (أرشيفية - رويترز)

تُوفي نجم فيلم «جوراسيك بارك» سام نيل في أستراليا، اليوم الاثنين، عن عمر يناهز 78 عاماً، وفقاً لبيان صادر عن عائلته وصَف وفاته بأنها «مفاجئة وغير متوقعة».

وجاء في البيان، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «كان سام محاطاً بأفراد عائلته، ورحل بكرامة طبعت حياته»، مضيفاً أنه كان خالياً من السرطان.

كان ممثل فيلم «جوراسيك بارك» قد أعلن، في أبريل (نيسان) الماضي، أنه تعافى من السرطان بعد خضوعه للعلاج من سرطان الدم في المرحلة الثالثة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

الممثل سام نيل خلال مؤتمر صحافي لفيلم «جوراسيك بارك 3» في فندق بطوكيو بتاريخ 26 يوليو 2001 (أ.ف.ب)

كشف الممثل النيوزيلندي في مذكراته التي نُشرت عام 2023، أنه كان «يُحتمل أن يموت» بسبب إصابته بسرطان الغدد الليمفاوية من المرحلة الثالثة، غير أنه أعلن هذا العام شفاءه التام من السرطان بفضل علاج جيني عدَّل جهازه المناعي. وذكر بيان العائلة أن نيل «ظلَّ خالياً من السرطان».

وأفادت عائلته أنه كان يتلقى العلاج في مستشفى سانت فنسنت الخاص في سيدني وقت وفاته.

ميريل ستريب تلوّح في مهرجان كان السينمائي مع سام نيل 13 مايو 1989 (رويترز)

وبدأت مسيرة نيل التمثيلية في سبعينيات القرن الماضي، وشملت عشرات الأدوار في التلفزيون والسينما، من بينها «بيكي بلايندرز» و«مطاردة أكتوبر الأحمر» و«البيانو».

عندما لم يكن نيل منشغلاً بالتمثيل، كان يدير أيضاً مزارع كروم العنب في منطقة سنترال أوتاغو الخلابة في الجزيرة الجنوبية لنيوزيلندا.


«بيت صغير على المرج»... دراما تبالغ بالمثاليّة في زمنٍ أميركي غير مثالي

مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)
مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)
TT

«بيت صغير على المرج»... دراما تبالغ بالمثاليّة في زمنٍ أميركي غير مثالي

مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)
مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)

إنها أميركا القرن التاسع عشر في ربعه الأخير، أو «الأرض الموعودة»؛ تلك التي قصدَها كلُ باحثٍ عن حلم أو ثروة أو مغامرة بدءاً من سنة 1870. هذه هي البلاد التي يصوّرها مسلسل «نتفليكس» الجديد Little House on the Prairie (بيت صغير على المرج)، حيث تتكاثر الشخصيات الوافدة من كل حدبٍ وصوب لتحطّ رحالها في ولاية كانساس. معظمهم غرباء عن بعضهم، تجمعهم تلك الأرضُ البِكر وأحلامٌ شخصية ووطنية كبيرة.

في قلب الحكاية المقتبسة من سلسلة الروائية لورا إنغالز، عائلتُها المؤلّفة من والدها تشارلز إنغالز ووالدتها كارولين وشقيقتيها ماري وكاري. بعد طريقٍ عاثر ورحلةٍ محفوفة بالمخاطر، حطّت لورا وعائلتها الرحال في بلدة إنديبندنس حيث يتطلّعون إلى بناء بيتهم على أرضٍ مجانية. وهناك، تجمعهم الغربة بغرباء مثلهم لكلٍّ منهم حكاية تضيف حبكاتٍ ثانويّة لافتة، إلى الحبكة الأساسية للمسلسل.

منذ العثرة الأولى أي نجاة العائلة من غرقٍ محتومٍ في النهر أثناء رحلة العبور، يتّضح المزاج العام للمسلسل. يمكن اختصاره بالقناعة التي يسير وفقها تشارلز إنغالز، والتي تقول: «الأمل هو كل شيء. هو الشيء الوحيد». كل الأزمات، مهما صعُبت، تجد الحل المناسب لها. وغالباً ما ينتهي عراكٌ أو وباءٌ جماعي أو حريق أو اختناقٌ في قعرِ بئر، برقصةٍ وأغنية على ألحان الكمان.

أرادت «نتفليكس» للمسلسل ولادةً جديدة تتميّز عن النسخة التي اشتُهرت في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وعرضتها شبكة «إن بي سي» الأميركية، مع العلم بأنّ تلك النسخة التلفزيونية القديمة ما زالت تلاقي رواجاً حتى الآن.

غالباً ما تنتهي أي أزمةٍ في المسلسل برقصة وأغنية برفقة الكمان (نتفليكس)

يمكن القول إن المنصة العالمية نجحت في الرهان، ففي الشكل المسلسل متعةٌ للعين لما فيه من ثراءٍ تصويريّ يحوّل حقول كانساس الشاسعة ومغيبَ شمسِها إلى لوحاتٍ ساحرة. أما مضموناً، فالعمل عائليٌ بامتياز كما ينخفض فيه منسوب التراجيديا فاتحاً الباب أمام التفاؤل والطمأنينة، ما يمنح مُشاهَدةً مريحة.

يطرح المسلسل قضايا سجاليّة شائكة، لكن من دون التعمّق فيها ولا تشريحها على طاولة السياسة، في تجنّبٍ متعمّد للتعقيدات والتزامٍ اختياريّ بمنطقة الأمان. فروايات إنغالز كانت تتوجّه أساساً إلى قرّاء الجيل الصاعد وليس البالغين. إلّا أنّ قضية السكّان الأصليين على سبيل المثال، يُفرَد لها ما يكفي من مساحة. فبموازاة عائلة إنغالز، يتعرّف الجمهور إلى قبيلة «أوساج» من خلال عائلة ميتشل الناطقة بإحدى لهجات الهنود الحمر.

يفرد المسلسل مساحة لقضية السكّان الأصليين وحقوقهم (نتفليكس)

بعد لقاءٍ فاتر بين المستوطنين الجدد والسكّان الأصليين، تتوطّد العلاقة بين تشارلز إنغالز وويليام ميتشل. ويذوب حذر ابنة الأخير «غود إيغل» من لورا، فتصبحان صديقتَين تجسّدان بدفءٍ وبراءة التنوّع الأميركي.

الطفلة لورا إنغالز، التي تؤدّي شخصيتها ببراعة فائقة الممثلة أليس هالسي (11 سنة)، هي هديّة المسلسل وقلبُه النابض. تجسّد الخيال والإحساس والتمرّد والفطنة في آنٍ معاً. وكأنها البذرة التي سيثمر التغيير على يدِها. ترفض لورا التفرقة بين البشر على أساسِ عرقٍ أو لونٍ أو ثروة، وتذهب إلى آخر الطريق بحثاً عمّن تحب حتى وإن كان ذلك على حساب سلامتها.

أداء آسر للممثلة أليس هالسي بشخصية لورا إنغالز (نتفليكس)

من بين مَن تُصادِقُهم لورا كذلك «السيّد إدواردز» الذي يحاول ترميم نفسه والخروج من عزلته بعد خسارة زوجته وبناته جرّاء داء الكوليرا. رغم بعض العثرات، ينتهي به الأمر بإعادة اكتشاف الدفء والحنان إلى جانب عائلة إنغالز، وهو يساعدهم في بناء بيتهم الموعود.

كل شخصيات المسلسل تقريباً مسكونةٌ بماضٍ يأتيها أحلاماً وكوابيس ثم يوقظها مذعورة. لورا مشتاقة إلى جدّتها وأقربائها الذين تركتهم في ويسكونسن. أما والدُها فلا يفارقه طيف شقيقه جورج الذي انتحر شاباً، وهو يحمّل نفسه ذنب تلك الفاجعة. الوالدة كارولين مسكونةٌ هي الأخرى بصورتَي أمها وشقيقتها غير الراضيتَين عن زواجها، ولا عن تركها كل شيء والسير خلف تشارلز إلى ولايةٍ بعيدة.

كل شخصيات المسلسل مسكونة بماضٍ لا يفارقها (نتفليكس)

ليست لورا إنغالز وحدها مَن تخدم الصورة غير التقليدية التي يحاول المسلسل الجديد إظهارها. فصوت الأنثى الثائرة على واقعها وعلى مصيرها المحصور بإنجاب الأطفال والاهتمام ببيتها وعائلتها، ترفعه شخصياتٌ مثل الفرنسية لايسي أوبير الآتية إلى أميركا بكامل حريتها لتُديرَ حانةً وترتدي السراويل الرجّاليّة وتحمل السلاح.

تنضمّ إليهما صاحبة متجر البلدة، إميلي هندرسون، والتي تجسّد ببشرتها السمراء تنوّع المجتمع الأميركي. تفرض هويّتها رغم ما يظهره البعض من انعزاليّة وعنصريّةٍ تجاهها.

أما طبيب البلدة المحبوب فهو كذلك من أصحاب البشرة السمراء، أو الأميركيين الأفارقة، الذين يضعهم مسلسل «نتفليكس» في الواجهة كجزءٍ لا يتجزّأ من الصورة المسالمة والنموذجيّة لأميركا تلك الحقبة.

يرفع المسلسل صوت الأميركيين من أصحاب البشرة السمراء (نتفليكس)

رغم الحرفة الإخراجية والحبكات الجذّابة، يعاني المسلسل من مثاليّةٍ طافحة حيث يجري التغلّب على كل التحدّيات بالاتّحاد والحب والتكاتف الاجتماعي. إنها صورة بعيدة عن الواقع بعض الشيء، أو على الأقلّ غريبة عن اللحظة الحالية في الولايات المتحدة والعالم أجمع.

في «بيت المرج» ولدى جيرانه، يتصاعد التوتّر لينتهي دائماً بضحكةٍ وعناق. ثم يأتي وباءٌ جماعيّ مهدّداً عائلاتٍ بأكملها فينجو الجميع من دون أضرار. في عالم إنغالز النموذجي، تُشفى الكسور الحَرِجة بسِحر ساحر. حتى الكلاب والأحصنة الضائعة تجد طريقها إلى البيت ولو بعد شهور من التيه.

في Little House on the Prairie لا تتحوّل أي مشكلة إلى تراجيديا (نتفليكس)

لا تعكس هذه الحكاية حتماً حقيقة الصعوبات التي واجهها الأميركيون المؤسسون، لكنها تفتح باباً شاسعاً أمام المشاهدين كي يهربوا عبره من الواقع. هي استراحةٌ بصريّة من كل ما هو اصطناعيّ ومركّب، وفسحةٌ نفسيّة لضخّ الإيجابية والتفاؤل.

ويتجدّد الموعد مع مغامرات عائلة إنغالز قريباً، إذ أعلنت «نتفليكس» أنها في طور إنتاج الموسم الثاني، الذي من المرجّح أن تليَه مواسم أخرى بما أنّ سلسلة لورا إنغالز مكوّنة من 9 فصول.