جريمة قتل المعلّم تهز فرنسا... والتحقيقات تبحث عن شركاء للجاني

ماكرون يندد بـ«الهجوم الإسلاموي الإرهابي» ويتعهد بعدم السماح بـ {انتصار الظلامية}

الرئيس ماكرون يتحدث إلى الصحافة أمام المدرسة إلى جانب وزير الداخلية جيرالد دارمانان (إ.ب.أ)
الرئيس ماكرون يتحدث إلى الصحافة أمام المدرسة إلى جانب وزير الداخلية جيرالد دارمانان (إ.ب.أ)
TT

جريمة قتل المعلّم تهز فرنسا... والتحقيقات تبحث عن شركاء للجاني

الرئيس ماكرون يتحدث إلى الصحافة أمام المدرسة إلى جانب وزير الداخلية جيرالد دارمانان (إ.ب.أ)
الرئيس ماكرون يتحدث إلى الصحافة أمام المدرسة إلى جانب وزير الداخلية جيرالد دارمانان (إ.ب.أ)

اسمه عبدالله أبو يزيدفيتش، ولد في موسكو في 12 مارس (آذار) من عام 2002، عمره إذن 18 عاماً. شيشاني الأصل وقد وصل إلى فرنسا قاصراً. يعيش مع عائلته في مدينة أيفرو الواقعة شمال غربي باريس. يحمل وثيقة إقامة على الأراضي الفرنسية بصفة لاجئ سياسي صالحة حتى عام 2030. لم يكن معروفاً عنه أنه ينتمي إلى تيار راديكالي إسلاموي متطرف، ولم يكن مسجلاً على لوائح الأشخاص المتطرفين الذين يشكلون خطراً على الأمن في فرنسا، جل ما عرف عنه أنه ارتكب جنحاً باللجوء إلى العنف وإنزال أضرار بممتلكات عامة عندما كان قاصراً.
لم يمثل أبداً أمام المحاكم وسجله العدلي «نظيف». ورغم ما تقدم، فإن عبد الله أبو يزيدفيتش ذبح عصر الجمعة الماضي، صامويل باتي، أستاذ التاريخ والجغرافيا والتربية المدنية في تكميلية مدينة كونفلان سانت هونورين البالغ من العمر 47، وفصل رأسه عن جسده وفق ما كان يقوم به تنظيم «داعش» ويبثه على وسائل التواصل الاجتماعي.
عمله لم يكن مرتجلاً، بل خطط له ونفذه بإحكام. انتظر ضحيته على باب المدرسة في آخر يوم قبل العطلة المدرسية التي تمتد لأسبوعين. جاء باكراً إلى محيط المدرسة وطلب من تلامذة معلومات عن أستاذ التاريخ وتربص به وقتله، وهو على الطريق بين مدرسته ومنزله. الشرطة البلدية اكتشفت جسد الضحية واتصلت بالأجهزة الأمنية التي وصلت سريعاً، وعثرت على الجاني على بعد نحو 200 متر من المدرسة، وهو يحمل سكيناً وبندقية تطلق الخردق. وتبين مقاطع فيديو موجودة على شبكات التواصل الاجتماعي لحظات المواجهة بينه وبين الجاني. أفراد القوة الأمنية طلبوا منه أن يرمي سلاحه وينبطح أرضاً. صرخوا به مكررين طلبهم أكثر من مرة. لكنه لم يمتثل للأوامر، لا بل إنه صوب ببندقيته ناحية رجال الأمن واتجه صوبهم مهدداً. ويؤكد هؤلاء أنه صرخ «الله أكبر». عندها أطلق رجال الأمن عشر رصاصات طرحته أرضاً ليموت عند نقله إلى المستشفى.
في المؤتمر الصحفي الذي عقده بعد ظهر أمس، كشف رئيس النيابة العامة جان فرنسوا برنار كثيراً من التفاصيل التي تخص الجاني وعائلته. إلا أن الأهم أن هذه العملية التي سارعت النيابة العامة لوصفها بالإرهابية، جاءت للفرنسيين على اختلاف انتماءاتهم السياسية والحزبية والدينية. فهي، ومن جهة، المرة التي تحصل فيها عملية إرهابية تتم بفصل الرأس عن الجسد، وسبق أن حصل شيء مشابه قبل عدة سنوات ولكن لأسباب خاصة. والعنصر الثاني أن مرتكب هذه الجريمة الشنيعة لا يتجاوز عمره 18 عاماً. والثالث أن هذه العملية جاءت بعد ثلاثة أسابيع على عملية إرهابية مشابهة قام بها رجل باكستاني مستخدماً ساطوراً في الشارع الذي كانت تقع فيه مكاتب المجلة الساخرة «شارلي إيبدو». والعنصر الأخير أن عبد الله أبو يزيدفيتش برر عمليته بأنها انتقام من أستاذ التاريخ الذي أبرز الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد التي نشرتها «شارلي إيبدو» قبل ست سنوات وأعادت نشرها بداية الشهر الماضي، مع بدء محاكمة من بقي حياً من المتهمين بالمشاركة بشكل وبآخر في العملية الإرهابية بداية يناير (كانون الثاني) عام 2015، التي قام بها الأخوان كواشي، وبنتيجتها تم القضاء على 11 رساماً وصحافياً وعاملاً في المجلة المذكورة، إضافة إلى قتل شرطي كانت مهمته حراسة مكاتب المجلة.
وللتذكير، فإن ما قام به الجاني وبالنظر إلى بشاعة جريمته، أعاد إلى أذهان الفرنسيين أجواء المخاوف من الإرهاب الذي أوقع في السنوات الخمس المنقضية 259 ومئات الجرحى. ومن الطبيعي أن يركز المسؤولون والأجهزة الأمنية اهتمامهم على هذه الحادثة.
الرئيس إيمانويل ماكرون سارع للذهاب إلى مدينة كونفلان سانت هونورين بعد مشاركته في اجتماع أمني في خلية الأزمات في وزارة الداخلية، بحضور رئيس الحكومة جان كاستيكس وكبار المسؤولين، فيما قطع وزير الداخلية جيرالد دارمانان زيارته للمغرب وعاد فوراً إلى باريس.
واليوم يعقد مجلس الدفاع الأعلى برئاسة ماكرون اجتماعاً في قصر الإليزيه سيخصص للعملية الإرهابية وللتدابير التي سيتعين على الحكومة اتخاذها، لتجنب حصول أحداث مشابهة في المستقبل. والخيط الجامع بين كل ردود الفعل الرسمية والسياسية والشعبية والإعلامية انصبت على التهديد المتمثل بالإرهاب المرتبط بالفكر الإسلاموي المتطرف، والإسلام السياسي.
وفي كلمة مقتضبة في موقع الحادثة، وصف ماكرون ما حصل بأنه «هجوم إرهابي إسلاموي»، وهو التعبير الذي استخدمه أيضاً رئيس الحكومة وكل المسؤولين، وكلهم اعتبروا أنه «اعتداء على الجمهورية وعلى قيمها، وأحد أهم أساساتها وهو المدرسة». وأضاف ماكرون أن فرنسا «ستبقى واقفة على قدميها ولن تنحني أمام الإرهاب، والظلامية لن تنتصر ولن ينجح (الإرهابيون) في تشتيت صفوفنا، وهو ما يسعون إليه، ولذا علينا أن نبقى كتلة واحدة وصفاً واحداً معاً».
وتجدر الإشارة إلى أن هذه العملية جاءت بعد أسبوعين من خطاب الرئيس الفرنسي الذي كرسه لاستراتيجيته لمحاربة ما سماه «الانفصالية الإسلاموية». وتتعين الإشارة إلى أنها المرة الأولى التي يأتي فيها ماكرون على ذكر «الإرهاب الإسلاموي».
منذ الحادثة، قامت القوى الأمنية بتوقيف تسعة أشخاص غالبيتهم من عائلة الجاني. ومن المعلومات التي جاء بها المدعي العام أن أخته غير الشقيقة التحقت بـ«داعش» في سوريا في عام 2014، وقد أصدر المدعي العام جان فرنسوا برنار مذكرة بالتحري عنها والقبض عليها. ومباشرة بعد العملية فتح تحقيق قضائي تحت اسم القتل العمد على صلة بمشروع إرهابي وتشكيل عصابة إرهابية مجرمة.
وفي الساعات التي تلت العملية، قامت القوى الأمنية بالقبض على تسعة أشخاص غالبيتهم من عائلة الجاني. وفصل المدعي العام البراهين التي تؤكد أن الروسي الشيشاني خطط لعمليته الإرهابية، لا بل إنه من قام بتبني العملية على شبكات التواصل الاجتماعي، بعد أن أعدم أستاذ التاريخ وبث صورة ضحيته بعد مقتله.
وأظهر تحليل هاتف الجاني الجوال أنه قام بتسجيل تبني العملية ظهراً، أي قبل خمس ساعات من حصولها، أما الصورة فقد أدخلها قبل الساعة الخامسة بدقائق قليلة. إضافة إلى ذلك، أفاد المدعي العام بأن عبد الله أبو يزيدفيتش وجد في محيط المدرسة طيلة بعد ظهر الجمعة، وطلب من تلامذة أن يدلوه على أستاذ التاريخ الذي كان يعرف اسمه. وبحسب مديرة المدرسة، فإن صامويل باتي تلقى عدة تهديدات بسبب الحصة المدرسية التي أظهر فيها بعض رسوم «شارلي إيبدو»، ما أثار حفيظة تلامذة تحدثوا إلى أهاليهم عن هذا الأمر.
وعلم أن والد إحدى التلميذات وصديقاً له جاءا إلى المدرسة للشكوى من تصرف أستاذ التاريخ، لا بل إن الثاني وضع صورته مع تغريدة يشرح فيها ما قام به في الصف التكميلي الرابع، داعياً إلى التنديد بما فعل بتاريخ 5 أكتوبر (تشرين الأول).
وتختلف الروايات: رواية بعض التلامذة الذين يؤكدون أن صامويل باتي طلب من التلامذة المسلمين الخروج من الصف، بينما رواية الأخير أنه عرض على من يرغب الخروج مخافة أن تصدمه الصور التي أراد إظهارها في حصة التربية المدنية وتحت اسم حرية التعبير ومدى ملاءمة نشر «شارلي إيبدو» الرسوم الكاريكاتورية.
وليس سراً أن الرأي السائد في فرنسا أن حرية النشر والتعبير يجب أن تكون تامة كاملة، وهو ما شدد عليه كل من تناولوا الحادثة، عملاً بمبدأ العلمانية وبغض النظر عن الحساسيات التي يمكن أن تثيرها لدى المسلمين. ولا شك أن التحقيق سيهتم بجلاء ما حصل في الصف المذكور. إلا أن اهتمامه الأول منصب لمعرفة ما إذا كان الشاب روسي المولد قد تلقى مساعدة لوجيستية أو عمل بتأثير خارجي أو داخلي، وخصوصاً دور عائلته التي أوقف منها جده ووالده وشقيقته الصغرى.
وقامت القوى الأمنية التي كلفت التحقيق في العملية بدهم عدة شقق ومنازل، وبلغ عدد الموقوفين تسعة أشخاص بينهم الرجل الذي شهّر بأستاذ التاريخ ونشر صورة له وتغريدة تدعو للاحتجاج على ما يقوم.
وأمس، قررت الرئاسة الفرنسية تكريم ذكرى الضحية في يوم وطني باعتباره شهيد التعليم والمدرسة وحرية الرأي والتعبير. ووجه وزير التربية رسالة إلكترونية إلى كل أساتذة التعليم الرسمي يؤكد فيها المبادئ الرئيسية في التعليم وأهمية العلمانية وتلقين حرية الفكر والتعبير.


مقالات ذات صلة

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

آسيا الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري (أ.ف.ب) p-circle

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

حذّر رئيس باكستان من أن حكومة «طالبان» في أفغانستان خلقت ظروفاً «مشابهة أو أسوأ» من تلك التي سبقت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية التي استهدفت أميركا.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
العالم برينتون تارانت (أرشيفية - أ.ب)

«الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش يطلب إلغاء اعترافه وإعادة محاكمته

تقوم السلطات في ولينجتون بنيوزيلندا حاليا، باتخاذ «ترتيبات استثنائية»، بينما يستعد «الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش، للمثول أمام محكمة الاستئناف.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الخليج الكويت صنفت 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب (كونا)

الكويت تُدرج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمة الإرهاب

قررت «لجنة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع»، في الكويت، الأحد، إدراج 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
شمال افريقيا الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

تمثل حياة المتهم الليبي الزبير البكوش الموقوف في الولايات المتحدة للاشتباه بتورطه في الهجوم على القنصلية الأميركية بمدينة بنغازي عام 2012، نموذجاً حياً للتناقض.

علاء حموده (القاهرة)
أوروبا جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا... وفريق عسكري أميركي في نيجيريا لدعمها في مواجهة الإرهاب.

الشيخ محمد (نواكشوط)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟