جريمة قتل المعلّم تهز فرنسا... والتحقيقات تبحث عن شركاء للجاني

ماكرون يندد بـ«الهجوم الإسلاموي الإرهابي» ويتعهد بعدم السماح بـ {انتصار الظلامية}

الرئيس ماكرون يتحدث إلى الصحافة أمام المدرسة إلى جانب وزير الداخلية جيرالد دارمانان (إ.ب.أ)
الرئيس ماكرون يتحدث إلى الصحافة أمام المدرسة إلى جانب وزير الداخلية جيرالد دارمانان (إ.ب.أ)
TT

جريمة قتل المعلّم تهز فرنسا... والتحقيقات تبحث عن شركاء للجاني

الرئيس ماكرون يتحدث إلى الصحافة أمام المدرسة إلى جانب وزير الداخلية جيرالد دارمانان (إ.ب.أ)
الرئيس ماكرون يتحدث إلى الصحافة أمام المدرسة إلى جانب وزير الداخلية جيرالد دارمانان (إ.ب.أ)

اسمه عبدالله أبو يزيدفيتش، ولد في موسكو في 12 مارس (آذار) من عام 2002، عمره إذن 18 عاماً. شيشاني الأصل وقد وصل إلى فرنسا قاصراً. يعيش مع عائلته في مدينة أيفرو الواقعة شمال غربي باريس. يحمل وثيقة إقامة على الأراضي الفرنسية بصفة لاجئ سياسي صالحة حتى عام 2030. لم يكن معروفاً عنه أنه ينتمي إلى تيار راديكالي إسلاموي متطرف، ولم يكن مسجلاً على لوائح الأشخاص المتطرفين الذين يشكلون خطراً على الأمن في فرنسا، جل ما عرف عنه أنه ارتكب جنحاً باللجوء إلى العنف وإنزال أضرار بممتلكات عامة عندما كان قاصراً.
لم يمثل أبداً أمام المحاكم وسجله العدلي «نظيف». ورغم ما تقدم، فإن عبد الله أبو يزيدفيتش ذبح عصر الجمعة الماضي، صامويل باتي، أستاذ التاريخ والجغرافيا والتربية المدنية في تكميلية مدينة كونفلان سانت هونورين البالغ من العمر 47، وفصل رأسه عن جسده وفق ما كان يقوم به تنظيم «داعش» ويبثه على وسائل التواصل الاجتماعي.
عمله لم يكن مرتجلاً، بل خطط له ونفذه بإحكام. انتظر ضحيته على باب المدرسة في آخر يوم قبل العطلة المدرسية التي تمتد لأسبوعين. جاء باكراً إلى محيط المدرسة وطلب من تلامذة معلومات عن أستاذ التاريخ وتربص به وقتله، وهو على الطريق بين مدرسته ومنزله. الشرطة البلدية اكتشفت جسد الضحية واتصلت بالأجهزة الأمنية التي وصلت سريعاً، وعثرت على الجاني على بعد نحو 200 متر من المدرسة، وهو يحمل سكيناً وبندقية تطلق الخردق. وتبين مقاطع فيديو موجودة على شبكات التواصل الاجتماعي لحظات المواجهة بينه وبين الجاني. أفراد القوة الأمنية طلبوا منه أن يرمي سلاحه وينبطح أرضاً. صرخوا به مكررين طلبهم أكثر من مرة. لكنه لم يمتثل للأوامر، لا بل إنه صوب ببندقيته ناحية رجال الأمن واتجه صوبهم مهدداً. ويؤكد هؤلاء أنه صرخ «الله أكبر». عندها أطلق رجال الأمن عشر رصاصات طرحته أرضاً ليموت عند نقله إلى المستشفى.
في المؤتمر الصحفي الذي عقده بعد ظهر أمس، كشف رئيس النيابة العامة جان فرنسوا برنار كثيراً من التفاصيل التي تخص الجاني وعائلته. إلا أن الأهم أن هذه العملية التي سارعت النيابة العامة لوصفها بالإرهابية، جاءت للفرنسيين على اختلاف انتماءاتهم السياسية والحزبية والدينية. فهي، ومن جهة، المرة التي تحصل فيها عملية إرهابية تتم بفصل الرأس عن الجسد، وسبق أن حصل شيء مشابه قبل عدة سنوات ولكن لأسباب خاصة. والعنصر الثاني أن مرتكب هذه الجريمة الشنيعة لا يتجاوز عمره 18 عاماً. والثالث أن هذه العملية جاءت بعد ثلاثة أسابيع على عملية إرهابية مشابهة قام بها رجل باكستاني مستخدماً ساطوراً في الشارع الذي كانت تقع فيه مكاتب المجلة الساخرة «شارلي إيبدو». والعنصر الأخير أن عبد الله أبو يزيدفيتش برر عمليته بأنها انتقام من أستاذ التاريخ الذي أبرز الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد التي نشرتها «شارلي إيبدو» قبل ست سنوات وأعادت نشرها بداية الشهر الماضي، مع بدء محاكمة من بقي حياً من المتهمين بالمشاركة بشكل وبآخر في العملية الإرهابية بداية يناير (كانون الثاني) عام 2015، التي قام بها الأخوان كواشي، وبنتيجتها تم القضاء على 11 رساماً وصحافياً وعاملاً في المجلة المذكورة، إضافة إلى قتل شرطي كانت مهمته حراسة مكاتب المجلة.
وللتذكير، فإن ما قام به الجاني وبالنظر إلى بشاعة جريمته، أعاد إلى أذهان الفرنسيين أجواء المخاوف من الإرهاب الذي أوقع في السنوات الخمس المنقضية 259 ومئات الجرحى. ومن الطبيعي أن يركز المسؤولون والأجهزة الأمنية اهتمامهم على هذه الحادثة.
الرئيس إيمانويل ماكرون سارع للذهاب إلى مدينة كونفلان سانت هونورين بعد مشاركته في اجتماع أمني في خلية الأزمات في وزارة الداخلية، بحضور رئيس الحكومة جان كاستيكس وكبار المسؤولين، فيما قطع وزير الداخلية جيرالد دارمانان زيارته للمغرب وعاد فوراً إلى باريس.
واليوم يعقد مجلس الدفاع الأعلى برئاسة ماكرون اجتماعاً في قصر الإليزيه سيخصص للعملية الإرهابية وللتدابير التي سيتعين على الحكومة اتخاذها، لتجنب حصول أحداث مشابهة في المستقبل. والخيط الجامع بين كل ردود الفعل الرسمية والسياسية والشعبية والإعلامية انصبت على التهديد المتمثل بالإرهاب المرتبط بالفكر الإسلاموي المتطرف، والإسلام السياسي.
وفي كلمة مقتضبة في موقع الحادثة، وصف ماكرون ما حصل بأنه «هجوم إرهابي إسلاموي»، وهو التعبير الذي استخدمه أيضاً رئيس الحكومة وكل المسؤولين، وكلهم اعتبروا أنه «اعتداء على الجمهورية وعلى قيمها، وأحد أهم أساساتها وهو المدرسة». وأضاف ماكرون أن فرنسا «ستبقى واقفة على قدميها ولن تنحني أمام الإرهاب، والظلامية لن تنتصر ولن ينجح (الإرهابيون) في تشتيت صفوفنا، وهو ما يسعون إليه، ولذا علينا أن نبقى كتلة واحدة وصفاً واحداً معاً».
وتجدر الإشارة إلى أن هذه العملية جاءت بعد أسبوعين من خطاب الرئيس الفرنسي الذي كرسه لاستراتيجيته لمحاربة ما سماه «الانفصالية الإسلاموية». وتتعين الإشارة إلى أنها المرة الأولى التي يأتي فيها ماكرون على ذكر «الإرهاب الإسلاموي».
منذ الحادثة، قامت القوى الأمنية بتوقيف تسعة أشخاص غالبيتهم من عائلة الجاني. ومن المعلومات التي جاء بها المدعي العام أن أخته غير الشقيقة التحقت بـ«داعش» في سوريا في عام 2014، وقد أصدر المدعي العام جان فرنسوا برنار مذكرة بالتحري عنها والقبض عليها. ومباشرة بعد العملية فتح تحقيق قضائي تحت اسم القتل العمد على صلة بمشروع إرهابي وتشكيل عصابة إرهابية مجرمة.
وفي الساعات التي تلت العملية، قامت القوى الأمنية بالقبض على تسعة أشخاص غالبيتهم من عائلة الجاني. وفصل المدعي العام البراهين التي تؤكد أن الروسي الشيشاني خطط لعمليته الإرهابية، لا بل إنه من قام بتبني العملية على شبكات التواصل الاجتماعي، بعد أن أعدم أستاذ التاريخ وبث صورة ضحيته بعد مقتله.
وأظهر تحليل هاتف الجاني الجوال أنه قام بتسجيل تبني العملية ظهراً، أي قبل خمس ساعات من حصولها، أما الصورة فقد أدخلها قبل الساعة الخامسة بدقائق قليلة. إضافة إلى ذلك، أفاد المدعي العام بأن عبد الله أبو يزيدفيتش وجد في محيط المدرسة طيلة بعد ظهر الجمعة، وطلب من تلامذة أن يدلوه على أستاذ التاريخ الذي كان يعرف اسمه. وبحسب مديرة المدرسة، فإن صامويل باتي تلقى عدة تهديدات بسبب الحصة المدرسية التي أظهر فيها بعض رسوم «شارلي إيبدو»، ما أثار حفيظة تلامذة تحدثوا إلى أهاليهم عن هذا الأمر.
وعلم أن والد إحدى التلميذات وصديقاً له جاءا إلى المدرسة للشكوى من تصرف أستاذ التاريخ، لا بل إن الثاني وضع صورته مع تغريدة يشرح فيها ما قام به في الصف التكميلي الرابع، داعياً إلى التنديد بما فعل بتاريخ 5 أكتوبر (تشرين الأول).
وتختلف الروايات: رواية بعض التلامذة الذين يؤكدون أن صامويل باتي طلب من التلامذة المسلمين الخروج من الصف، بينما رواية الأخير أنه عرض على من يرغب الخروج مخافة أن تصدمه الصور التي أراد إظهارها في حصة التربية المدنية وتحت اسم حرية التعبير ومدى ملاءمة نشر «شارلي إيبدو» الرسوم الكاريكاتورية.
وليس سراً أن الرأي السائد في فرنسا أن حرية النشر والتعبير يجب أن تكون تامة كاملة، وهو ما شدد عليه كل من تناولوا الحادثة، عملاً بمبدأ العلمانية وبغض النظر عن الحساسيات التي يمكن أن تثيرها لدى المسلمين. ولا شك أن التحقيق سيهتم بجلاء ما حصل في الصف المذكور. إلا أن اهتمامه الأول منصب لمعرفة ما إذا كان الشاب روسي المولد قد تلقى مساعدة لوجيستية أو عمل بتأثير خارجي أو داخلي، وخصوصاً دور عائلته التي أوقف منها جده ووالده وشقيقته الصغرى.
وقامت القوى الأمنية التي كلفت التحقيق في العملية بدهم عدة شقق ومنازل، وبلغ عدد الموقوفين تسعة أشخاص بينهم الرجل الذي شهّر بأستاذ التاريخ ونشر صورة له وتغريدة تدعو للاحتجاج على ما يقوم.
وأمس، قررت الرئاسة الفرنسية تكريم ذكرى الضحية في يوم وطني باعتباره شهيد التعليم والمدرسة وحرية الرأي والتعبير. ووجه وزير التربية رسالة إلكترونية إلى كل أساتذة التعليم الرسمي يؤكد فيها المبادئ الرئيسية في التعليم وأهمية العلمانية وتلقين حرية الفكر والتعبير.


مقالات ذات صلة

تركيا: القبض على 361 من عناصر وكوادر «داعش» المالية

شؤون إقليمية عناصر من قوات مكافحة الإرهاب التركية في أثناء مداهمة أحد مواقع عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي (الداخلية التركية)

تركيا: القبض على 361 من عناصر وكوادر «داعش» المالية

ألقت قوات الأمن التركية القبض على 361 من عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي في حملة موسعة شهدت مداهمات متزامنة في 39 ولاية

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا رئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي لدى مغادرته المحكمة (أرشيفية - متداولة)

محكمة تونسية تقضي بسجن زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي مدى الحياة

اتهم الغنوشي وشخصيات أخرى في النهضة بتأسيس «جهاز أمني سري» لخدمة الحركة التي فازت في الانتخابات التي أعقبت الثورة في عام 2011.

«الشرق الأوسط» (تونس)
المشرق العربي تدعيم أحد الجسور المؤقتة على نهر الفرات شرق سوريا لصعوبة بناء جسور جديدة (محافظة دير الزور)

سوريا تعول على إزالة اسمها من الدول الراعية للإرهاب لدفع تعافيها الاقتصادي

تعول الحكومة السورية على إزالة تصنيفها من قائمة الدول الراعية للإرهاب بوصفه العقبة السياسية والقانونية الكبرى أمام تعافيها الاقتصادي.

سعاد جرَوس (دمشق)
أفريقيا سكان في بيني يحملون جثث مدنيين أعدمهم مقاتلو تحالف القوى الديموقراطية في الكونغو (أ.ف.ب)

مقتل سبعة بهجوم مسلّحين مرتبطين بـ«داعش» في الكونغو الديموقراطية

اندلعت اشتباكات الأحد في شمال شرق جمهورية الكونغو الديموقراطية بعد مقتل سبعة أشخاص على الأقل في هجوم شنه مسلّحون مرتبطون بتنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (بيني)
الخليج أعضاء التنظيم المرتبط بـ«ولاية الفقيه» الذين قُبض عليهم في البحرين (بنا)

البحرين: التحقيقات مع عناصر «الحرس الثوري» أكدت ارتكابهم جرائم ماسّة بالأمن

كشفت النيابة العامة البحرينية، الأحد، جانباً من نتائج التحقيق مع التنظيم الرئيسي المرتبط بـ«الحرس الثوري» الإيراني.

«الشرق الأوسط» (المنامة)

رئيس الوزراء الأسترالي يتعهّد خفض الهجرة للعامَيْن المقبلَيْن

رئيس وزراء نيوزيلندا كريستوفر لوكسون (يسار) ورئيس وزراء أستراليا أنتوني ألبانيزي خلال مؤتمر صحافي عقب الاجتماع السنوي لقادة أستراليا ونيوزيلندا في نوسا... أستراليا 6 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
رئيس وزراء نيوزيلندا كريستوفر لوكسون (يسار) ورئيس وزراء أستراليا أنتوني ألبانيزي خلال مؤتمر صحافي عقب الاجتماع السنوي لقادة أستراليا ونيوزيلندا في نوسا... أستراليا 6 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

رئيس الوزراء الأسترالي يتعهّد خفض الهجرة للعامَيْن المقبلَيْن

رئيس وزراء نيوزيلندا كريستوفر لوكسون (يسار) ورئيس وزراء أستراليا أنتوني ألبانيزي خلال مؤتمر صحافي عقب الاجتماع السنوي لقادة أستراليا ونيوزيلندا في نوسا... أستراليا 6 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
رئيس وزراء نيوزيلندا كريستوفر لوكسون (يسار) ورئيس وزراء أستراليا أنتوني ألبانيزي خلال مؤتمر صحافي عقب الاجتماع السنوي لقادة أستراليا ونيوزيلندا في نوسا... أستراليا 6 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

أعلن رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، الاثنين، أن الهجرة إلى أستراليا ستواصل انخفاضها بعدما أظهر استطلاع جديد للرأي تقدّم حزب يميني متطرف على حزب العمّال الحاكم.

وقال ألبانيزي للصحافيين في كانبيرا: «سنخفّض صافي الهجرة خلال العامين المقبلين إلى 225 ألف شخص. نعتقد أن هذا هو العدد الأمثل»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «نيوزبول» وشمل 1240 شخصاً، ونُشر الاثنين في صحيفة «ذا أستراليان»، تأييد 31 في المائة من الناخبين لحزب «أمة واحدة» اليميني المتطرف مقابل 30 في المائة لحزب العمال.

وفي استطلاع آخر نشرته صحيفة «أستراليان فاينانشال ريفيو» في مطلع يونيو (حزيران)، حصل الحزب اليميني المتطرف على 31 في المائة من الأصوات مقابل 28 في المائة لحزب العمال.

ويتزامن صعود اليمين المتطرف مع مواجهة البلاد أزمة سكنية في حين تُعد أسعار العقارات فيها من بين الأعلى في العالم، ويُحمّل اليمين المتطرف مسؤولية ذلك للهجرة.

بولين هانسون زعيمة حزب «أمة واحدة» الأسترالي خلال كلمة في مجلس الشيوخ بمبنى البرلمان في كانبرا بأستراليا (رويترز-أرشيفية)

وتُظهر إحصاءات الهجرة الرسمية أن صافي عدد الوافدين إلى أستراليا بلغ 538 ألف وافد في عام 2023، و429 ألف وافد في 2024، و306 آلاف وافد العام الماضي، بينما بلغ عدد سكان أستراليا 28 مليون نسمة في يونيو.

وأعلنت الحكومة أنّ ارتفاع عدد الوافدين في السنوات الأخيرة يعود إلى تدفق الطلاب والعمال عقب إغلاق الحدود خلال جائحة كورونا.

ويرى أنتوني ألبانيزي أنّ صعود الأحزاب السياسية الشعبوية يُعدّ منحى عالمياً، ويسعى إلى جعل التماسك الاجتماعي جوهر الهوية الأسترالية.

وقال رئيس الوزراء الأسترالي: «إن وجود أفراد من كل أنحاء العالم، يفخرون بأن تكون أستراليا وطنهم، يُعدّ ثروة وطنية لنا».

وتشير بيانات التعداد السكاني إلى أنّ حوالي نصف الأستراليين وُلد أحد والدَيهم في الخارج.

وفاز حزب «أمة واحدة» بقيادة بولين هانسون التي تدعو إلى خفض كبير في الهجرة وتشن حملات ضد «الإسلام المتطرف» بدائرة فارير الانتخابية الشهر الماضي، وهي منطقة زراعية وتعدينية شاسعة تقع في ولاية نيو ساوث ويلز في جنوب شرق البلاد.

وستُجرى الانتخابات العامة الأسترالية المقبلة بحلول مايو (أيار) 2028.


تقرير استخباراتي يكشف كيفية مساعدة الصين لبوتين في أوكرانيا

ضابط يمسك بالعلم الروسي قبل حفل ترحيب يقيمه الرئيس الصيني شي جينبينغ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين... خارج «قاعة الشعب الكبرى» في بكين بالصين يوم 8 يونيو 2018 (رويترز)
ضابط يمسك بالعلم الروسي قبل حفل ترحيب يقيمه الرئيس الصيني شي جينبينغ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين... خارج «قاعة الشعب الكبرى» في بكين بالصين يوم 8 يونيو 2018 (رويترز)
TT

تقرير استخباراتي يكشف كيفية مساعدة الصين لبوتين في أوكرانيا

ضابط يمسك بالعلم الروسي قبل حفل ترحيب يقيمه الرئيس الصيني شي جينبينغ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين... خارج «قاعة الشعب الكبرى» في بكين بالصين يوم 8 يونيو 2018 (رويترز)
ضابط يمسك بالعلم الروسي قبل حفل ترحيب يقيمه الرئيس الصيني شي جينبينغ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين... خارج «قاعة الشعب الكبرى» في بكين بالصين يوم 8 يونيو 2018 (رويترز)

كشفت وثائق استخباراتية أوروبية سرية، اطّلعت عليها صحيفة «دي فيلت» الألمانية أواخر مايو (أيار) الماضي، عن توسّع غير مسبوق في التعاون العسكري بين الصين وروسيا، يتجاوز الدعم السياسي والاقتصادي المعروف بين البلدين.

ووفقاً للوثائق، فقد درّبت الصين أواخر عام 2025 مئات الجنود الروس في 6 مواقع عسكرية داخل أراضيها، مع التركيز على تشغيل الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية المضادة للمسيّرات، ومحاكاة المعارك الحديثة. وتشير المعلومات إلى أن عشرات من هؤلاء الجنود شاركوا لاحقاً في العمليات القتالية بأوكرانيا خلال عام 2026، بينهم عناصر من وحدة «روبيكون» الروسية المختصة بالطائرات المسيّرة، وبعض الضباط الذين تولوا مناصب قيادية، وفق ما نقلته صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

في المقابل، تلقّى نحو 600 جندي من الجيش الصيني تدريبات داخل روسيا خلال العام الماضي، شملت استخدام المدرعات والمدفعية والهندسة العسكرية وأنظمة الدفاع الجوي. وجرت هذه التدريبات بسرية كبيرة؛ مما يعكس مستوى متقدماً من التنسيق العسكري بين الجانبين.

الصين تستفيد من الحرب في أوكرانيا

وفق خبراء عسكريين غربيين، فإن الحرب الروسية - الأوكرانية تمنح الصين فرصة فريدة للاطلاع على الأداء الفعلي للأسلحة الغربية في ساحة قتال حقيقية. وتفيد الوثائق بوجود تبادل مكثف للمعلومات بين موسكو وبكين بشأن أنظمة التسليح الغربية التي تستخدمها أوكرانيا أو تستولي عليها القوات الروسية، بما في ذلك منظومتا «هيمارس» الأميركية و«باتريوت» للدفاع الجوي، إضافة إلى دبابات «أبرامز» ومركبات «ماردر» الألمانية.

ويرى محللون أن بكين تستفيد من الخبرة الروسية والإيرانية في مجال المسيّرات والصواريخ، بينما تزوّد روسيا بمكوّنات وتقنيات ذات استخدام مزدوج. كما تراقب الصين من كثب الدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا لتطوير صناعاتها الدفاعية وتحديد أولوياتها العسكرية حتى عام 2030.

انعكاسات محتملة على تايوان

ويشير تقرير الصحيفة إلى أن التعاون العسكري بين البلدين يتجاوز التدريب وتبادل المعلومات؛ إذ يشمل أيضاً صفقات تسليح جديدة. ومن المتوقع أن تتسلم الصين خلال عام 2026 عدداً محدوداً من المركبات الروسية المحمولة جواً، وهي معدات يعتقد محللون أنها قد تكون مفيدة في أي سيناريو عسكري محتمل يتعلق بتايوان.

وتُضعف هذه المعطيات صورة الحياد التي تحاول الصين إظهارها في الحرب الأوكرانية، بينما يرى مراقبون أن الشراكة العسكرية المتنامية بين موسكو وبكين تعكس تشكّل محور استراتيجي يسعى إلى مواجهة النفوذ الغربي والاستفادة من الخبرات القتالية المكتسبة في النزاعات الجارية.


من طهران إلى موسكو: الذكاء الاصطناعي يحوّل كاميرات المراقبة أداةَ تهديدٍ أمني

كاميرات التَّعرُّف على الوجوه خلال عملية لشرطة لندن (رويترز)
كاميرات التَّعرُّف على الوجوه خلال عملية لشرطة لندن (رويترز)
TT

من طهران إلى موسكو: الذكاء الاصطناعي يحوّل كاميرات المراقبة أداةَ تهديدٍ أمني

كاميرات التَّعرُّف على الوجوه خلال عملية لشرطة لندن (رويترز)
كاميرات التَّعرُّف على الوجوه خلال عملية لشرطة لندن (رويترز)

كشفت تقارير ومصادر مطلعة عن أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي أعاد رسم مشهد المراقبة والأمن السيبراني، وأثار مخاوف متزايدة داخل الدوائر الأمنية الروسية، خصوصاً فيما يتعلق بحماية الرئيس فلاديمير بوتين وكبار مسؤولي الدولة.

وأفادت المصادر بأن أجهزة الأمن الروسية علّقت جزئياً تشغيل منظومة مراقبة خاصة مرتبطة بحماية الرئيس وكبار مساعديه، وذلك عقب عملية اغتيال استهدفت المرشد الإيراني علي خامنئي في طهران، وكيف يمكن للذكاء الاصطناعي استغلال بيانات كاميرات المراقبة لتحديد الأهداف وتعقبها. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

ويأتي هذا النظام منفصلاً عن شبكة المراقبة العامة في موسكو، التي تضم نحو 300 ألف كاميرا موزعة في أنحاء العاصمة. وقد جرى لاحقاً إعادة تشغيله بعد إخضاعه لفحوص تقنية دقيقة، شملت عزله بالكامل عن شبكة الإنترنت، في محاولة لتقليل مخاطر الاختراق أو الاستغلال الخارجي.

وحسب المعلومات المتداولة، دفعت هذه الإجراءات الاستثنائية إلى إعادة تقييم شاملة للبنية الأمنية، بعد أن أشارت تقارير استخباراتية إلى استخدام تقنيات تحليل متقدمة، يُعتقد أنها مكّنت جهات خارجية من الاستفادة من كميات ضخمة من تسجيلات كاميرات المراقبة؛ بهدف تتبع تحركات شخصيات بارزة وتحديد مواقعها بدقة.

وحذّر مدير جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) ألكسندر بورتنيكوف مسؤولي الأمن الإقليميين من أن منظومة المراقبة الروسية الواسعة قد تتحول نقطةَ ضعفٍ خطيرة يمكن للأعداء استغلالها.

وقال بورتنيكوف إن «القضاء الأخير على مسؤولين إيرانيين كبار يمثل إشارة تحذير واضحة»، مشيراً إلى أن مواقع الضحايا جرى تحديدها جزئياً عبر «أبواب خلفية» موجودة في أنظمة المراقبة المرئية الإيرانية.

ورغم أن اختراق كاميرات المراقبة ليس أمراً جديداً بالنسبة لأجهزة الاستخبارات المتقدمة، فإن التطور الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي أتاح قدرات غير مسبوقة على تحليل البيانات البصرية واستخراج الأنماط السلوكية من كميات هائلة من الصور والفيديوهات.

وحسب مسؤولين وخبراء أمنيين، استخدمت الاستخبارات الإسرائيلية هذه التقنيات لرسم خريطة دقيقة لطهران، وتحليل تحركات حراس المسؤولين الكبار، واستخراج أهداف محددة من ملايين الساعات المصورة. كما جرى دمج هذه البيانات مع معلومات استخباراتية أخرى، بينها مصادر بشرية.

ويؤكد خبراء أن قدرات الذكاء الاصطناعي البصرية شهدت تطوراً كبيراً منذ عام 2023، وتقدمت بشكل لافت خلال العام الماضي. فبدلاً من الاقتصار على عمليات بحث محددة مسبقاً، أصبحت الأنظمة الحديثة قادرة على إجراء عمليات بحث باللغة الطبيعية داخل الفيديوهات.

فعلى سبيل المثال، يمكن لمحلل استخباراتي أن يطلب من النظام البحث عن «شخصين يتبادلان حقيبة»، أو «شخص غيّر مظهره مرات عدة خلال يوم واحد»، أو «سيارة أعيد طلاؤها حديثاً»، ليعثر النظام على المشاهد المطلوبة وسط آلاف الساعات من التسجيلات خلال دقائق.

في هذا السياق، حذّر مسؤولون أمنيون روس من أن منظومات المراقبة الواسعة قد تتحول من أداة حماية إلى نقطة ضعف استراتيجية، في حال عدم تأمينها بشكل صارم، مؤكدين أن «أي ثغرة رقمية قد تُستغل في عمليات استهداف دقيقة».

وقال مسؤول أوروبي إن هذه التكنولوجيا تمثل «الكأس المقدسة للمراقبة»؛ لأنها تتيح البحث عن السلوكيات وليس فقط عن الأشخاص أو الأشياء، ما يفتح آفاقاً جديدة أمام أجهزة الأمن والاستخبارات.

ويرى خبراء أن هذه القدرات تحول شبكات كاميرات المراقبة المنتشرة في المدن الحديثة إلى مصادر معلومات استراتيجية يمكن للخصوم استغلالها لاستخراج أنماط الحياة والعلاقات والتحركات الخاصة بالأفراد والمنشآت الحساسة.

وقد سارعت الهند، على سبيل المثال، إلى فرض قيود على استخدام الكاميرات الصينية داخل البلاد بعد تزايد المخاوف من استغلالها أمنياً.

أما الصين، التي تُعدّ من أكبر مستخدمي أنظمة المراقبة الذكية في العالم، فتستثمر بكثافة في كاميرات وبرمجيات جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تستطيع تفسير المشاهد وتحليل السلوكيات والبحث داخل الفيديو باستخدام أوامر مكتوبة. لكن هذه القدرات نفسها قد تتيح لخصومها فرصاً أكبر لاختراق أنظمتها والاستفادة من البيانات التي تجمعها.

وتشير تقديرات خبراء أمنيين إلى أن بعض التقنيات الحديثة باتت قادرة على ربط بيانات الفيديو بمصادر معلومات أخرى، تشمل الاتصالات، ووسائل التواصل الاجتماعي، وسجلات التنقل؛ ما يخلق صورة شاملة عن تحركات الأفراد وسلوكهم اليومي.

ورغم هذا التطور، يؤكد محللون أن هذه الأنظمة ليست مطلقة الدقة؛ إذ لا تزال تواجه تحديات تقنية وعملانية، خصوصاً في البيئات المعقدة أو في مواجهة أساليب تمويه تقليدية تعتمدها بعض الجماعات المسلحة.

ويخلص مراقبون إلى أن الذكاء الاصطناعي بات يمثل تحولاً جذرياً في عالم الاستخبارات والمراقبة؛ إذ نقل كاميرات المدن من أدوات تسجيل سلبية إلى شبكات تحليل نشطة، قادرة على إعادة تشكيل مفهوم الأمن والاختراق في آن واحد، بما يفرض على الدول إعادة النظر في استراتيجيات الحماية الرقمية والبنية التحتية الأمنية.