«فوكسكاتشر» فيلم جيد عن ملياردير قاتل

عين المخرج ميلر على العلاقات النفسية

ستيف كاريل..  أفضل أدواره
ستيف كاريل.. أفضل أدواره
TT

«فوكسكاتشر» فيلم جيد عن ملياردير قاتل

ستيف كاريل..  أفضل أدواره
ستيف كاريل.. أفضل أدواره

قبل نهاية عام 2014 بيوم واحد كتب مارك شولتز على فيسبوك وتويتر مهاجما المخرج بَنِت ميلر وفيلمه الجديد «فوكسكاتشر». السبب هو أن الفيلم يوحي بأن بطل العالم الحائز على ميداليتين ذهبيتين في المصارعة الحرّة كانت له علاقة جنسية مثلية مع الملياردير جون إ. دو بونت أيام ما قام الملياردير باحتواء مارك شولتز في فريق سمّاه «فوكسكاتشر تيم» ورغب منه أن يربح الميداليات الذهب وأن يحقق لأميركا ريادتها السابقة في هذه الرياضة.
كان ذلك في منتصف الثمانينات، وسواء ارتبط بطل العالم بعلاقة مثلية مع الملياردير، الذي كان يرأس الفريق ويضم في راحات ممتلكاته الشاسعة أفرادها، أم لم يرتبط، فإن الفيلم يوحي بأن شيئا ما كان تحت رادار تلك العلاقة. هذا الشيء قد يكون الدافع الخفي لقيام جون إ. دو بونت بقتل شقيق مارك، وهو ديف شولتز، في عام 1996، الجريمة التي حوكم عليها بالسجن من 13 سنة إلى 30 سنة. في عام 2010 مات جون إ. دو بونت في السجن فعلا.

* تحسين صورة
* الدافع الخفي الذي يوحي به الفيلم هو أمر، والغلاف الخارجي هو أمر آخر.
«فوكسكاتشر» من أفضل أفلام العام الماضي ولا عجب أن مخرجه بَنِت حصل على جائزة أفضل مخرج من مهرجان «كان» السينمائي. لجنة التحكيم (التي رأستها النيوزلندية جين كامبيون) منحت الذهبية لفيلم «سبات شتوي» للتركي نوري بيلج شيلان، وإن سألت الكثير من النقاد عمّن كان يستحق السعفة فعلا لانقسموا لـ3 فئات واحدة تحبّذ فيلم شيلان، والأخرى فيلم بَنِت والثالثة الفيلم الروسي «حوت» لأندريه زفياغنتسيف.
الغلاف الخارجي المذكور هو أن الفيلم إنما يصوّر البارون دو بونت رجلا ذا مثاليات وطموحات ضلّت طريقها فارتطمت بالوهم. حين تبنّى مارك شولتز أراد بالفعل الخير له ولنفسه ولأميركا كوطن. قال له: «السوفيات يساندون لاعبيهم» (ويعني بذلك الدولة ذاتها) ثم أكمل: «أريد العزّة لأميركا وأتوسم فيك هذا النجاح».
لكن دو بونت (كما يؤديه بإجادة فريدة ستيف كاريل) أخذ يخلط بين الحقيقة والوهم تحت ضغوط نفسية. يظهره الفيلم على أنه كان يحاول دوما الفوز برضا والدته (دور قصير بارع جدا لفينسيا ردغراف) التي كانت ترى في المصارعة «رياضة وضيعة». حبّها «الرياضي» كان للجياد التي كانت تملك منها ما تعتبره أفضل الأنسال. مع هذا الرد منها تلقّى الابن صفعة عاطفية، ثم صفعة أقوى عندما دخلت أمّه المقعدة (تجرّها إحدى المشرفات) عليه أثناء تدريبه الفريق. حين يلاحظها، ينصرف لمحاولة التأثير إيجابا عليها. تحسين صورته في عينيها. كان يحتاج إلى حنانها وهي لم تكن تملك ما تهبه له وقد غدا في منتصف العمر. تخرج من القاعة وينطفئ الأمل من عينيه.
أول ما ماتت، دخل الاصطبل حيث تلك الخيول الجميلة وأطلقها.. لم يعد يريد أن يراها.
المخرج بَنِت ميلر يسرد الوضع النفسي بالموجز من اللقطات والأعين. لا حاجة لأكثر من ذلك صوتا أو صورة. والنتائج المترتّبة هي على النحو ذاته. في أحد مشاهد الفيلم الدالة، يتابع دو بونت فيلما تم تسجيله قبل سنوات قليلة عندما استقبل مارك شولتز (شانينغ تاتوم) في قصره. بذلك عاد إلى أحلامه. وتبعا للإحباط الذي واجهه مع والدته، رأى في مارك شولتز ذلك الحلم الذي لم يتحقق. لكن عدم تحقيقه بالنسبة إليه لم يكن سببه والدته بل شقيق مارك الأكبر ديف شولتز (مارك روفالو) فهذا صد هيمنة دو بونت على شقيقه وحافظ على المسافة بينه وبين دو بونت عندما عرض عليه العمل مدرّبا في فريقه فلم يخنع له كشقيقه مارك. جون دو بونت أحال فشله إلى ديف الذي ساعد شقيقه على الخروج من حلم دو بونت ورؤيته وعالمه. عليه قاد سيّارته إلى حيث كان ديف مشغولا بتصليح سيارته. هناك، وأمام عيني زوجته (سيينا ميلر) أطلق عليه ما لا يقل عن 3 رصاصات قاتلة.

* لعبة الهيمنة
* النقاد الغربيون هم الذين حمّلوا الفيلم ما لم يحمله. الفيلم لا يُشير إلى علاقة مثلية، حتى ولو أن مسارات العلاقة النفسية قد تشي بانجذاب ذكوري بين الاثنين دو بونت ومارك شولتز. المخرج ميلر يغزل الفيلم بعناية، ولو أنه أراد قول ذلك بوضوح لما منعه شيء. لم يمنعه شيء من تقديم شخصية مثلية في فيلمه الأسبق (والأول له مخرجا) «كابوتي» (عن الصحافي والكاتب المعروف) ولو أن مثليته لم تكن موضع عرض أو تداول. يبدأ ميلر تقديم شخصية مارك الذي كان نال الميدالية العالمية في المصارعة الحرّة قبل 3 سنوات من بدء حكاية الفيلم، لكنه لم يحقق بعد ذلك إنجازا يُذكر. يعيش في شقة فوق دكان، ويقف في الصف في الملاجئ الخيرية. لديه شقيق رياضي بدوره يقوم بالتدريب (وسبق له أن فاز بالميدالية الذهبية ذاتها أيضا) ومتزوّج وأكثر استقرارا. أيام حالكة لا إضاءة فيها والممثل شانينغ تاتوم يعايشها بصعوبة. فجأة يأتيه هاتف من سكرتير دو بونت ومارك يستجيب. يطير إلى ذلك المكان الشاسع المحاط بممتلكات العائلة التي جنت ثروتها بصنع الكيماويات. دو بونت يستقبله ويمنحه الأمل والطموح ويحذّره من أخيه: «يريدك أن تبقى تحت إبطه. عليك أن تستقل».
ومارك يستقل من تحت إبط شقيقه لكنه يقع تحت إبط دو بونت. يرفض الحديث لأخيه ويقابله بجفاء قبل أن يكتشف أنه كان مموها بأكثر من الكوكايين الذي وفّره له دو بونت. لا عجب أن دو بونت قتل ديف لأنه لم يعتد أن يخسر أحدا، فما البال بحلمه بأسره؟

* مصارع روسي!
* تستطيع أن تتحدّث عن هذا الفيلم طويلا. عن الإخراج وتوظيفه المفردات البصرية وكيفية ذلك. عن الخلفية وما اختاره المخرج منها. وعن النهاية التي تصوّر مارك وقد استمر في توهانه بعد فقدانه شقيقه فأصبح مجرد لاعب في المباريات المفبركة يتم تقديمه على أنه «بطل روسي». يسقط أرضا ويتلقى نصيبه من الأجر.
لكن أبرز ما تستطيع الحديث فيه هو التمثيل.
هناك غرابة لا تحد في أن ترى الكوميدي ستيف كاريل في دور جون دو بونت بأنف كبير ونظرات مات التعبير فيها وبقامة تعاند للوقوف في وجه ما تتصدّى له. يزيح كلا من مارك روفالو وشانينغ تاتوم. شخصيّته هي الأعمق وستيف كاريل يوفّر ما تحتاجه شكلا ومضمونا. حين يأتي الأمر إلى مارك وشانينغ هناك غرابة أخرى: هل كان هذان الممثلان مصارعين قبل أن يصبحا ممثلين؟ طبعا لا. لكنهما يقبلان على إتقان المطلوب لدرجة أنهما الشخصيّتان فعليا. لكن ستيف كاريل يبقى جوهرة الفيلم. يجسّد الرجل الثري الذي يحاول أن يتصرّف كما لو كان جارك العادي. هنا تكمن المفارقة لأنه كما يخفق الفقير في التصرّف كثري، يخفق الثري في التصرّف كفقير. دو بونت كان غريب الأطوار من دون هذا التصرّف، لكنه يصبح أكثر غرابة كلما حاول أن يدخل حياة الآخرين قبل أن ينتهي مهزوما من قبل والدته وخيولها ونظرتها إلى ما يحاول أن يقدم عليه ومن قبل أحلامه ومارك وشقيقه ديف.
* 3 أفلام واتجاه واحد

* هذا هو ثالث فيلم للمخرج بَنِت ميلر بعد «كابوتي» (2005) و«مونيبول» (2011). الأول يتعاطى مع الصحافي الذي يستثمر مأساة قاتل لأجل مصلحته الخاصّة. الثاني دار حول ملاعب الكرة. الفيلم الحالي، يتحدّث عن ذلك الاستثمار وينتهي بجريمة قتل ويتعامل مع رياضة أخرى.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز