2014.. على صفيح ساخن

12 تفجيرا ومعارك ضد الجيش.. واختطاف العسكريين كان أسوأ الأزمات الحكومية منذ نهاية الحرب اللبنانية

صورة للدمار الذي خلفه انفجار سيارة مفخخة في يناير الماضي أمام مبنى حكومي في قضاء الهرمل أحد معاقل حزب الله (أ.ف.ب)
صورة للدمار الذي خلفه انفجار سيارة مفخخة في يناير الماضي أمام مبنى حكومي في قضاء الهرمل أحد معاقل حزب الله (أ.ف.ب)
TT

2014.. على صفيح ساخن

صورة للدمار الذي خلفه انفجار سيارة مفخخة في يناير الماضي أمام مبنى حكومي في قضاء الهرمل أحد معاقل حزب الله (أ.ف.ب)
صورة للدمار الذي خلفه انفجار سيارة مفخخة في يناير الماضي أمام مبنى حكومي في قضاء الهرمل أحد معاقل حزب الله (أ.ف.ب)

لم يخضع الجيش اللبناني لاختبارات عسكرية قاسية، منذ نهاية الحرب اللبنانية، قبل عام 2014 الذي تحول إلى عام الحرب على الإرهاب. وفيما نجحت الخطة الحكومية الأمنية في إنهاء جولات العنف المتكررة بين جبل محسن وباب التبانة في طرابلس شمال لبنان، بعدما اشتعلت 23 مرة، نجح الجيش في إطفاء جبهتين مشتعلتين على الأقل، في معركتين حاسمتين في شرق وشمال لبنان، وتقويض حركة الإرهابيين عبر توقيف عدد كبير منهم، وتطويق التفجيرات المتنقلة بين المناطق اللبنانية.
غير أن هذه النجاحات، لم تمر دون ثمن كبير دفعته القوى الأمنية الرسمية، تمثلت بمقتل أكثر من 40 ضابطا وجنديا في الجيش اللبناني، ومقتل عنصر في قوى الأمن الداخلي في تفجير انتحاري، ومقتل عنصر من جهاز الأمن العام في تفجير مشابه. وإذا كانت الحرب على الإرهاب، منذ أعوام خلت، ألزمت القوى الرسمية اللبنانية عددا من القتلى في صفوفها، فإن اختطاف أكثر من 27 عسكريا من الجيش وقوى الأمن في مطلع أغسطس (آب) الماضي، وقتل 4 منهم، يعد أبلغ تعقيد لملف الحرب على الإرهاب، نظرا لأن هذه الحادثة، لم يسبق لها أن وقعت منذ نهاية الحرب اللبنانية في مطلع التسعينات من القرن الماضي، ولم تدخل الحكومة في واقعة تفاوض لإطلاق عسكرييها الأسرى، قبل امتداد لهيب الحرب السورية إلى داخل الأراضي اللبنانية.
وفي وقت لا يزال فيه اللهيب في سوريا مستعرا، فإن الخطر على لبنان لا يزال قائما، كما يقول مسؤولون رسميون، فيما يُرجح أن تشتد قوة الجيش اللبناني والسلطات الأمنية، على ضوء خطط تسليح الجيش، التي تمثلت في هبتين من المملكة العربية السعودية، تبلغ قيمة الأولى 3 مليارات دولار ووقعت مراسيمها التطبيقية في الشهر الأخير من عام 2014 على أن يبدأ تسليم السلاح من فرنسا في شهر فبراير (شباط) المقبل، فيما قدّم خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز هبة مليار دولار، بعد الحرب في عرسال في أغسطس (آب) الماضي، تهدف إلى تعزيز قدرات الجيش اللبناني في حربه على الإرهاب.
وتصدر المشهد الأمني واجهة التطورات اللبنانية منذ مطلعه. تضاعفت التوترات التي تفاوتت بين التفجيرات، والحروب المتنقلة، والاشتباكات المباشرة، وصولا إلى حوادث الخطف، فيما كانت الحكومة اللبنانية الوليدة حديثا، تمنح سلطاتها الأمنية والعسكرية تفويضا سياسيا ودعما مباشرا لتطويق تداعيات الحروب، والحفاظ على الاستقرار. نجحت السلطات الحكومية إلى حد بعيد بتهدئة الواقع عل إيقاع الانهيارات في سوريا، وتصاعد نفوذ المتشددين، وتواصل جهودها في الإطار نفسه، ليمتد هذا الدور إلى العام المقبل.
واستكمل العام الحالي، منذ مطلعه، تداعيات الحرب الممتدة من الأزمة السورية إلى داخل الأراضي اللبنانية، بدءا من وقوع تفجيرات، واستهدافات مباشرة للجيش اللبناني في غير منطقة لبنانية، وهي الحرب التي بدأت في منتصف عام 2013. بُعيد إعلان «حزب الله» اللبناني انخراطه في الحرب السورية. ونشطت التفجيرات، كما الشبكات الإرهابية التي بدأ الجيش اللبناني بملاحقتها، ونجح في توقيف أحد أبرز زعماء التنظيمات المتشددة الناشطة على الساحة اللبنانية، زعيم تنظيم «كتائب عبد الله عزام» المرتبط بتنظيم القاعدة ماجد الماجد، قبل أن يعلن موته بسبب مضاعفات صحية أثناء توقيفه في 4 يناير (كانون الثاني) الماضي.
وأنهى الجيش اللبناني ظاهرة «كتائب عبد الله عزام» خلال 3 أشهر، بعد توقيف أبرز قادتها والناشطين فيها على خط تصدير السيارات المفخخة والمتفجرات إلى لبنان، وملاحقة أتباعها والمتعاونين معها. وانحصر خطر الجماعة إلى حد كبير في عمق الأراضي اللبنانية، بعد توقيف نعيم عباس، أحد أبرز الخبراء في التنظيم، وصلة الوصل بين المتشددين. وساهمت اعترافاته في إفشال مخططات إرهابية كثيرة، وذلك في شهر مارس (آذار) الماضي، قبل أن تنحصر التفجيرات في مناطق البقاعين الشمالي والأوسط في شرق لبنان، وكان للجيش اللبنانية حصة مباشرة منها، إثر استهداف أحد حواجزه على جسر العاصي في مدينة الهرمل (شمال شرقي البلاد) في 22 فبراير (شباط) ما أدى إلى مقتل ضابط وعسكري في الجيش، ومقتل مدني.
التطورات السورية، وخصوصا في المناطق الحدودية مع لبنان، كانت تنعكس مباشرة على الوضع الأمني الهش في شرق لبنان. فاستعادة القوات الحكومية السورية، مدعومة بمقاتلي «حزب الله»، السيطرة على منطقة يبرود في القلمون، انعكست توترا مباشرا على الأراضي اللبنانية. نشطت التفجيرات في الشرق، وارتفع منسوب الخطر على الجيش اللبناني، حين اتخذ إجراءات جديدة لمنع تسرب المقاتلين السوريين إلى داخل الأراضي اللبنانية. استهدف الجيش بعدة تفجيرات في حواجزه المنتشرة في تلال بلدة عرسال الحدودية مع سوريا، وفي مداخلها الشرقية. وكان أبرز تلك الاستهدافات، تفجيرا انتحاريا وقع على حاجز للجيش في منطقة وادي عطا في عرسال، أسفر عن مقتل 3 عناصر من الجيش وجرح 4 آخرين.
منذ إقفال الطرق المؤدية من سوريا إلى لبنان عبر منطقة الحدودي الشرقية، واستعادة السيطرة على مناطق سورية يُشتبه بأنها كانت مصنعا للسيارات المفخخة. فبعد شهرين من الهدوء الحذر، تدهور الوضع الأمني في المنطقة بأكملها، بعد تصاعد نفوذ «داعش» في العراق، وسيطرته على الموصل في يونيو (حزيران) الفائت. انعكست التطورات مباشرة على الساحة اللبنانية، مع دخول جسم متشدد جديد إلى الساحة اللبنانية، وتهديده بهز استقرارها.
تحركت الأجهزة الأمنية اللبنانية على ضوء معلومات متقاطعة بين أجهزة استخبارات أوروبية وأميركية، مع السلطات اللبنانية. أثمرت بداية عن توقيف شبكة قوامها عناصر أجنبية في فندق في منطقة الحمراء في بيروت، بالتزامن مع تفجير انتحاري استهدف حاجزا لقوى الأمن الداخلي في شرق لبنان، وتلاه تفجير آخر على مدخل الضاحية، وتفجير آخر في فندق «دو روي» في منطقة الروشة على ساحل بيروت، أثناء محاولة القبض على المتهمين بالتحضير لعمليات إرهابية. وانتهت ظاهرة «داعش» داخل بيروت، بعد ملاحقة منسق العمليات الانتحارية، ومقتله في عملية نفذتها قوى الأمن الداخلي في شمال لبنان.
مرت الأشهر الأولى من الصيف، بلا توتر يُذكر، لكنها سرعان ما انفجرت مجددا في بلدة عرسال في شرق لبنان في 2 أغسطس الماضي، إثر هجوم منسق، نفذه متشددون سوريون على حواجز الجيش اللبناني في بلدة عرسال، على ضوء توقيف قيادي متشدد. شارك تنظيم جبهة النصرة (فرع تنظيم القاعدة في بلاد الشام) إلى جانب تنظيم داعش في الهجوم المتزامن الذي أسفر عن مقتل 17 عسكريا لبنانيا خلال 5 أيام، واحتجاز أكثر من 27 عسكريا من الجيش وقوى الأمن، في أسوأ أزمة تواجه الأجهزة الرسمية اللبنانية منذ 24 عاما.
إزاء هذه المعركة، بات تنظيما «داعش» و«النصرة» على تماس مباشر مع الحدود اللبنانية، ما دفع الأجهزة الرسمية لتنشيط تدابيرها الأمنية، وتوقيف مشتبه بانتمائهم لمجموعات متشددة، أو على صلة بهم، كان أبرزهم توقيف القيادي في الجيش السوري الحر في القلمون عبد الله الرفاعي، وتوقيف طليقة زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي، سجى الدليمي، وتوقيف زوجة القيادي في التنظيم في القلمون أبو علي الشيشاني آلاء العقيلي، قبل أن يصدر القضاء اللبناني قرارا بالإفراج عن الرفاعي والعقيلي، فيما أصدر مذكرة توقيف وجاهية بحق الدليمي.
وفي خضم الحرب الأمنية، واجه الجيش اللبناني حربا في طرابلس وبلدة بحنين في الشمال، إثر هجمات على جنوده، أسفرت عن تقدم الجيش وبسط سيطرته على شارع في باب التبانة كان يتزعمه متشددون، وأحبط خلاله مخططا لتمدد «داعش» إلى الشمال، كما قال قائد الجيش اللبناني في تصريحات صحافية.. فيما تعرض الجيش في 3 ديسمبر (كانون الأول) لهجوم في منطقة رأس بعلبك الحدودية مع سوريا، أسفر عن مقتل 6 عسكريين وجرح آخرين.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.