عبد الواحد نور لـ«الشرق الأوسط»: اتفاق جوبا يعمّق الأزمة ولن يحلها

قائد «حركة وجيش تحرير السودان» قال إنه يحمل مبادرة بديلة للسلام لكن «كورونا» أخرت عودته إلى البلاد

عبدالواحد نور مع حمدوك في باريس
عبدالواحد نور مع حمدوك في باريس
TT

عبد الواحد نور لـ«الشرق الأوسط»: اتفاق جوبا يعمّق الأزمة ولن يحلها

عبدالواحد نور مع حمدوك في باريس
عبدالواحد نور مع حمدوك في باريس

قال رئيس حركة وجيش تحرير السودان، عبد الواحد محمد النور، إن اتفاق السلام الذي وقع في جوبا عاصمة جنوب السودان، بين الحكومة السودانية، والجبهة الثورية التي تضم عددا من الحركات المسلحة، (ليس بينها حركته) سيعمق الأزمة ولن يحلها، وعده «اتفاق محاصصة» ولم يخاطب جذور الأزمة.
وقال عبد الواحد الذي تحاول الحكومة الانتقالية جاهدة، من أجل إشراكه في مفاوضات السلام، أن حركته ليس لديها شروط للانخراط في العملية السلمية، وتلقت دعوة للمشاركة في المفاوضات، لكنها لن تشارك في مفاوضات تتم بالطريقة نفسها التي كانت متبعة إبان العهد السابق.
وأضاف عبد الواحد المقيم في العاصمة الفرنسية باريس، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن حركته تحمل مبادرة بديلة ذات أطر جديدة، تعتمد على إشراك جميع أطياف الشعب السوداني، في كل أرجائه، وأنه سيعود إلى السودان قريبا لإطلاقها، مشيرا إلى أنه كان ينوي العودة منذ أشهر لكن جائحة كورونا أخرت ترتيبات العودة.
وتعد حركة وجيش تحرير السودان، بقيادة عبد الواحد محمد نور، والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبد العزيز الحلو أكبر الحركات المسلحة في السودان، ولهما قواعد وقوات على الأرض بعكس كثير من الحركات الأخرى، وبقيت الحركتان خارج إطار مفاوضات جوبا، لكن حركة الحلو وقعت مع رئيس الحكومة الانتقالية عبد الله حمدوك، اتفاق مبادئ لإطلاق مفاوضات مستقبلية، تتضمن فصل الدين عن الدولة، وحق تقرير المصير لأبناء النيل الأزرق وجنوب كردفان، حيث تسيطر حركته عليهما. فيما تمتنع حركة عبد الواحد حتى الآن من الدخول في أي مفاوضات مع الحكومة الحالية أو النظام السابق.
يقول عبد الواحد لـ«الشرق الأوسط»: «لا أريد وظيفة... أو أن أكون سفيرا أو وزيرا، ولكن نريد سلاما مستداما يخاطب جذور المشكلة ولا يعمقها». وأضاف «العسكريون والمدنيون اختطفوا الثورة وفرضوا علينا سياسة الأمر الواقع... وهو ما نرفضه».
وتابع «نريد أن نتحاور مع كل مكونات الشعب السوداني، ونتعرف على جذور الأزمة الممتدة عبر عقود منذ الاستقلال». وأضاف «المفاوضات بين الحكومة والمعارضة تنتهي دائما بتقاسم السلطة، وهذه أزمة السودان، ليس هناك حل للمشكلة، ولكن حل لمشكلة المختصمين... بل وقد اتبعت هذه الطريقة منذ استقلال السودان في عام 1956».
وأشار عبد الواحد إلى أن حركته، ترى أن السودان الآن دولة غير مؤسسة، سيطر فيها الجيش على مقاليد البلاد لخمسة عقود... وظل الجيش السوداني يقتل السودانيين في الجنوب إلى أن اختاروا الانفصال، كما أباد المواطنين في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق. واسترسل بالقول «حكومة الرئيس عمر البشير، عملت على تسليح الميليشيات في دارفور وفي مناطق النزاعات الأخرى، هذه الميليشيات المعروفة بالجنجويد، وغيرها، عاثت فسادا في دارفور، وأطلق لها العنان لتقتل المواطنين».
وقال عبد الواحد حتى يكون هناك سلام دائم، لا بد أن يبدأ من بسط الأمن أولا على الأرض ونزع أسلحة الميليشيات والقبائل التي سلحتها الحكومة السابقة. ثانيا هناك قبائل في دارفور تم استهدافها بطريقة منظمة، مورست عليها الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، من قبل حكومة البشير وأركان نظامه المطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية، هذه القبائل تم طردها من أراضيها، ويجب أن تعود لأراضيها، وإبعاد المستوطنين الجدد، ثالثا منح هذه القبائل التعويضات الجماعية والفردية، وتسليم المجرمين للعدالة الجنائية، وهذه ليست شروطا وإنما حقوق.
وقال إن «الأزمة في دارفور مثلها في مناطق النزاعات الأخرى، وفي كل ولايات البلاد، لذا يجب علينا أن نتدارك الأسباب التي تدعو الناس لحمل السلاح».
وأضاف «علينا أن نحدد أسباب الحرب والحلول، وعلينا أن نسأل أنفسنا لماذا نحن دولة تملك كل مقومات الاقتصاد، من أراض زراعية وموارد مائية ومناخات متعددة، يفترض أن نكون سلة غذاء العالم، لكننا نعاني من المجاعة، إن اقتصادنا يسجل صفرا كبيرا».
وتابع أن من المهم أن نجلس كسودانيين، «نحدد مشاكل اقتصادنا ونضع لها الحلول، وكذلك نتفق كيف ندير هذا التعدد والتنوع في الثقافات والأديان، حتى نستطيع أن نبني دولة المواطنة، التي يتساوى فيها الجميع، يجب علينا أن نعترف أننا فشلنا في هذا».
وعلى عكس حركة عبد العزيز الحلو التي تطالب بحق تقرير المصير في مناطقها بجنوب كردفان والنيل الأزرق، إذا لم يتم فصل الدين عن الدولة، فإن حركة عبد الواحد لا تريد حق تقرير المصير، متمسكة بالسودان الواحد. يقول إن «دارفور أكبر من نصف مساحة السودان... ولا يوجد أفضل لنا منه حتى ندعو لتقرير المصير». وأضاف «نحن نقدر موقف الحركة الشعبية، ولكن نختلف معها، نريد أن نزيل الأسباب التي تجعل الناس تفكر في حق تقرير المصير».
وحول قضية فصل الدين عن الدولة، أجاب «نحن من أوائل الفصائل التي وضعت آراء واضحة في قضية فصل الدين عن الدولة، ودعت لسودان علماني ديمقراطي».
وأشار عبد الواحد إلى أن حركته تطرح برنامجا لحكومة انتقالية، تشكل من شخصيات مستقلة، وليست حكومة محاصصات حزبية كما تم الآن، «نحن ندعو لوضع برنامج انتقالي يشارك فيه كل السودانيين، وخاصة الجيل الذي فجر الثورة (الجيل الراكب رأس) والكنداكات، تنفذ برنامجا واعدا حتى نصل إلى انتخابات حرة ونزيهة».
وقال إن «الشعب السوداني انتفض وأسقط نظام البشير، لكن جاء العسكريون والمدنيون واختطفوا الثورة، وفرضوا علينا سياسة الأمر الواقع، إلى أن وصلنا إلى هذا الفشل... المهم الآن أن نضع خطة عاجلة، تحقق أولويات المواطن في الحياة الكريمة، نتفق على خطط متوسطة المدى وبعيدة المدى، نعالج بها كل الإشكاليات الاقتصادية والاجتماعية، وإلا فسيستمر تدوير الأزمة».
وقال إن «الحركة ليست لديها شروط للتفاوض، لكنها ترى أن تتم عملية السلام من داخل البلاد، بمشاركة كل الأطراف، وأن تكون جلسات التفاوض في كل أنحاء السودان، حتى تدرك العقلية الحاكمة الإشكالات التي يعاني منها المواطنين، في الأطراف... ما نسعى إليه هو إعادة هيكلة الدولة السودانية، ومبادرتنا تحمل كثيرا من التفاصيل». وإنه سيعود قريبا ليطرح مبادرته من الداخل. وقال عبد الواحد إن حركة تحرير السودان، حركة سياسية موجودة في كل أنحاء السودان، وهي التنظيم الوحيد الذي نظم قبل جائحة كورونا عشرات الخطابات الجماهيرية في كل السودان، حضرها آلاف من المواطنين. وقال إنه كان يخاطب تلك اللقاءات عبر الهاتف، وكذلك قيادات الحركة مباشرة على الأرض.
وأضاف: «أنا كرئيس للحركة وبعض القيادات موجودون في الخارج بناءً على طلب القيادة الداخلية، وعودتنا شيء طبيعي جداً... جائحة كورونا أخرت عودتنا... نحن حتماً عائدون، ونحمل معنا مبادرتنا للسلام الذي نحلم به لن يتحقق من خارج السودان». وقال: «مثلما حملنا السلاح بشجاعة وواجهنا النظام المعزول الذي مارس علينا الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وجرائم الحرب، سنعود وبالشجاعة نفسها حاملين معنا مشروعاً وطنياً شاملاً. ونحن أكثر جدية للبحث عن السلام، وفي الوقت نفسه لا نبحث عن مناصب. ما نسعى إليه تأسيس دولة مؤسسات، تزيل أسباب الحرب والاحتقان والغبن للأبد».
وحول الاتفاق الذي تم في جوبا قال إنه «تكرار لاتفاقيات أبوجا والدوحة والمنطقتين وأبيي وغيرها، وهي الاتفاقية رقم 47... كل مجموعة تحمل السلاح تأتي لتبحث عن محاصصة في الحكم، دون النظر لقضية المواطن السوداني، ودون البحث في الأسباب التي جعلت بعض الناس تحمل السلاح، وهو ما لا توجد له إجابة».



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.