أحداث العام 2014: اليمن: الحوثيون.. يحكمون بدعم إيران ومساندة صالح

عام مضرج بالدماء ورائحة البارود.. ازدهرت فيه «القاعدة»

مقاتل حوثي في عمران في 29 سبتمبر(إ.ب.أ)
مقاتل حوثي في عمران في 29 سبتمبر(إ.ب.أ)
TT

أحداث العام 2014: اليمن: الحوثيون.. يحكمون بدعم إيران ومساندة صالح

مقاتل حوثي في عمران في 29 سبتمبر(إ.ب.أ)
مقاتل حوثي في عمران في 29 سبتمبر(إ.ب.أ)

سيتذكر اليمنيون عام 2014، لعقود طويلة قادمة باعتباره أسوء الأعوام التي مرت على بلادهم منذ أكثر من 50 عاما، ففيه سقط وطنهم مضرجا باللون الأحمر ورائحة البارود، وازدياد توابيت الموتى، توالت في أحداث العنف والفوضى في تسلسل كان مخططا له.
ترصد «الشرق الأوسط» أهم الأحداث التي شهدتها البلاد خلال هذا العام، ومن أبرز ذلك سقوط مقاليد الدولة وعاصمتها في يد جماعة مسلحة هي حركة الحوثيين التي تسمى نفسها «أنصار الله» عبر التحالف مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح وبدعم مباشر من إيران، كانت المحصلة السيطرة على الدولة وإخضاع مؤسساتها ومدنها، دون مقاومة أو دفاع من الجيش وأجهزة الأمن، وفي الاتجاه المناقض لذلك كان تنظيم القاعدة في جزيرة العرب عبر جماعة أنصار الشريعة يزداد قوة وعنفا ويقتحم مدنا في جنوب البلاد وينهب البنوك والمصالح الحكومية.
تحولت جماعة الحوثيين في اليمن منذ سبتمبر (أيلول) 2014، إلى القوة الوحيدة التي تتحكم بمقاليد حكم البلاد، وتغلغلت الحركة رويدا رويدا، إلى مؤسسات صنع القرار، مرتكزة على قوتها العسكرية وتحالفاتها السياسية مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي كان يحكم البلاد منفردا قبل 2011، فضلا عن استغلالها للسخط الشعبي ضد الحكومة السابقة بسبب الأزمات المفتعلة التي ضيقت من حياتهم المعيشية وخلفت رأيا عاما ضدها. وخلال 4 أشهر فقط، حققت هذه الجماعة الشيعية المدعومة من إيران، ما لم تكن تحلم به، فقد أحكمت قبضتها على 7 مدن في شمال البلاد أهمها العاصمة صنعاء وميناء الحديدة الاستراتيجي على البحر الأحمر، حتى أصبحت بحلول نهاية العام الحالي، تمارس سلطات الدولة الأمنية والإدارية والمالية، وتحولت إلى دولة داخل الدولة، لها ممثلون ومندوبون في كل وزارة ومؤسسة حكومية ومعسكر للجيش والأمن، وكل ذلك عمل على إعادة رسم الخارطة السياسية العسكرية والاجتماعية، في بلد يعد الأفقر والأكثر فسادا على مستوى العالم.

* العملية الانتقالية
* في يناير (كانون الثاني) ، انتقل اليمن إلى مرحلة جديدة مع الإعلان يوم 22 يناير ، عن انتهاء مؤتمر الحوار، وهو اليوم الذي شهد عملية اغتيال قيادي من جماعة الحوثيين وهو الدكتور أحمد شرف الدين أثناء توجهه إلى مؤتمر الحوار، وأعلن الحوثيون انسحابهم منه، وفي مطلع فبراير (شباط) ، انتقل اليمن نحو تنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار وأقر رسميا، وبصورة نهائية، شكل الدولة الاتحادية المستقبلية من 6 أقاليم، اثنان في الجنوب و4 في الشمال، ورفض هذا التقسيم الحزب الاشتراكي اليمني، والحوثيون.
كما شهد عام 2014 مزيدا من الاتفاقيات بين الأطراف السياسية والتي ظلت نصوصها حبرا على ورق، حيث وقع هادي مع الحوثيين اتفاقية السلم والشراكة بالتزامن مع اقتحامهم لصنعاء، ليزداد هادي ضعفا بعد تراجعه عن قرار تعيين مدير مكتبه أحمد بن مبارك رئيسا للحكومة، في 7 أكتوبر (تشرين الأول) ، بسبب رفض الحوثيين.
وفي 13 أكتوبر ، كلف المهندس خالد محفوظ بحاح رئيسا للحكومة، وتم الإعلان عن الحكومة يوم 7 نوفمبر (تشرين الثاني) ، كان نصيب الحوثيين، 6 حقائب وزارية هي النفط والثروات المعدنية، والعدل، والكهرباء والطاقة، والثقافة، والخدمة المدنية والتأمينات، والتعليم الفني والمهني، وفي 2 نوفمبر ، اغتيل القيادي في تكتل المشترك محمد عبد الملك المتوكل بصنعاء، من قبل مجهولين.

* هادي وباسندوة
* شهد منتصف عام 2014، ظهور خلافات هادي مع رئيس حكومة الوفاق محمد سالم باسندوة، الذي ظل صامتا تجاه القرارات الأحادية التي كانت يتخذها هادي بدءا بأول تعديل في حكومته في مارس (آذار) ، حيث جرى تعيين اللواء عبده حسين الترب وزيرا للداخلية، بدلا عن اللواء عبد القادر قحطان، وتعيين رئيس الوزراء الحالي خالد محفوظ بحاح وزيرا للنفط والمعادن، بدلا من هشام شرف عبد الله، واستمرت الخلافات في التصاعد بعد التعديل الحكومي الثاني في 11 يونيو (حزيران)، حيث جرى تغيير وزراء المالية والخارجية والكهرباء والإعلام، ليستحوذ هادي على معظم الوزارات السيادية بعيدا عن ما نصت عليه المبادرة الخليجية التي حددت الحكم بالشراكة بين مؤسسة الرئاسة والحكومة.
وتمكن هادي من وضع باسندوة في فخ السخط الشعبي ضد حكومته، يوم 30 يوليو (تموز) ، حينما أقر عبر الحكومة رفع أسعار الوقود، بنسبة تتفاوت من 70 – 100 في المائة في البنزين، والديزل، وقد نجح الحوثيون وأنصار صالح استغلال ذلك لتبرير أعمال الفوضى والتحرك العسكري لإسقاط الحكومة والسيطرة على المدن.
ورغم أن هادي وباسندوة ينتميان للمحافظات الجنوبية، فإن الخلافات خرجت من بين الرماد، يوم 21 سبتمبر ، وهو يوم استقالة باسندوة من منصبه بعد اقتحام الحوثيين لصنعاء، بتواطؤ وزير الدفاع محمد ناصر أحمد المقرب من هادي معهم، ومن أهم ما ذكره باسندوة في استقالته التي قدمها للشعب وليس لهادي، أن الأخير انفرد بالحكم وسحب صلاحيات حكومته التي تشكلت وفقا للمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية.

* فوضى منظمة
* بدأت أعمال الفوضى في التصاعد بعد قرار رفع أسعار الوقود الذي اتخذه هادي والحكومة في يوم 30 يوليو ، حيث شهدت شوارع صنعاء مظاهرات وصدامات احتجاجا على ذلك، ليستغل زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي ذلك والبدء يوم 17 أغسطس (آب) بحركة احتجاج لأنصاره في العاصمة صنعاء لإسقاط الحكومة وإسقاط قرار رفع أسعار الوقود، وتشكيل حكومة كفاءات، ليقتحمها يوم 21سبتمبر بمشاركة أنصار صالح، وتواطؤ من قيادة الجيش اليمني وصمت من الرئيس الانتقالي عبد ربه منصور هادي.
ومع تزايد أعمال العنف في اليمن كان مجلس الأمن على موعد مع قرار لمعاقبة أبرز المتسببين فيها، حيث أقر يوم 7 نوفمبر ، عقوبات دولية ضد الرئيس السابق علي عبد الله صالح واثنين من الحوثيين هما عبد الخالق الحوثي وعبد الله يحيى الحاكم، تنص على منع 3 من السفر، وتجميد أرصدتهم وممتلكاتهم، هذه القرارات أزعجت صالح واستنفر أنصاره بدعوى أن السفارة الأميركية بصنعاء، طلبت منه مغادرة البلاد، في 7 نوفمبر ، كما اتهم هادي بالوقوف وراء العقوبات، واستخدام نفوذه في حزب المؤتمر وقرر عزل هادي من منصبه الحزبي حيث كان يشغل نائب رئيس الحزب وأمينه العام.

* جماعة عنف
* في مطلع عام 2014 وتحديدا في يوم 14 يناير ، استغل الحوثيون ضعف الدولة وأجهزتها العسكرية والأمنية وبسطوا نفوذهم على مناطق جديدة، منها بلدة دماج السلفية في أقصى الشمال، ثم توسعوا إلى عمران بعد أن انقلب زعماء قبليون من قبيلة حاشد على الزعماء التاريخيين للقبيلة وهو آل الأحمر بأوامر من صالح، وانتهت معركة الحوثيين مع قبيلة حاشد بخسارة آل الأحمر لمعقل القبيلة في منطقة «العصيمات»، في يوم 5 فبراير، ثم هاجمت محافظة عمران واللواء 310 الذي يقوده العميد حميد القشيبي، وانتهت بسيطرتهما عليها وقتلوا العميد القشيبي والتمثيل بجثته.
أعلن الحوثيون في يوم 17 أغسطس، عن حركة احتجاجية ضد الحكومة، وفي 21 سبتمبر اقتحموا صنعاء إذ إنهم وبدلا من سحب مسلحيهم من صنعاء، تمددوا إلى مدن أخرى وهي:(ذمار، والحديدة، وحجة، وإب، وريمة، وأجزاء من الجوف)، وقبيل نهاية العام بـ10 أيام ظهرت قوة قبضة الحوثيين في الدولة حيث استحوذوا على معظم مؤسسات الدولة تحت مبرر لجان ثورية لمحاربة الفساد، وتشكلت اللجان من حوثيين وعناصر موالية للرئيس السابق صالح، وأصدر هادي يوم 20 ديسمبر (كانون الأول)، تعيينات في 7 محافظات ومؤسسات حكومية وسفراء، وهي القرارات التي رفضتها أحزاب اللقاء المشترك واعتبرتها إقصاء للأطراف السياسية مقابل تمكين الجماعات المسلحة.
وشهدت الأيام الأخيرة من عام 2014 فشلا لجهود حزب التجمع اليمني للإصلاح في التصالح مع الحوثيين بعد عمليات عنف كانت تستهدف جميع قيادات الحزب ومقراتهم في جميع المحافظات التي يسيطر عليها الحوثيون، وأعلن الإصلاح في 25، فشل عمليات اتصالات المصالحة، التي أجراها في وقت سابق مع جماعة الحوثي، لوقف الاستهداف الممنهج لمقراته وكوادره.

* كلمات هادي
* كانت أكثر الجمل استخدما في خطابات الرئيس الانتقالي عبد ربه منصور هادي، في عام 2014، لا تخرج عن سياق أن المبادرة الخليجية جنبت اليمن ويلات الحرب الأهلية، ويجب تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، كما استخدم مصطلح الخط الأحمر كلما اقترب الحوثيون من أي مدينة، بدءا بعمران ثم صنعاء، وبعد 21 سبتمبر أضاف هادي إلى خطابته، اتفاقية السلم والشراكة، والملاحظ أنه كلما استخدم هادي مصطلحات التهديد والتحذير ضد الحوثيين كانت الميليشيات تتمدد في مناطق جديدة وتخضعها لقانونها الخاص، كما فعلوا في عمران وصنعاء، وذمار والحديدة وإب والبيضاء وحجة.
وفي 18 نوفمبر، طلب هادي الجيش تطبيع الأوضاع مع الحوثيين التي باتت تسيطر على كل مفاصل الدولة وكان ذلك مفارقة في لغته تجاه الجماعة التي كان يتهمها بتنفيذ أجندة إيران في اليمن.

* ازدهار «القاعدة»
* شهد هذا العام تزايد العمليات النوعية لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، خصوصا في مدن بجنوب اليمن، وكان أكثر الأعوام تنفيذا لعملياته الأكثر دموية في تاريخ صراعه مع الدولة، شهد عمليات اغتيال لعشرات الضباط في الجيش والأمن، واستهل العام بعملية اقتحام للسجن المركزي في صنعاء، يوم 14 فبراير ، وتمكن من تهريب 21 مسجونا من عناصره من بين 29 سجينا تم تهريبهم.
ونفذ الجيش اليمني في أبريل (نيسان)، حملة عسكرية ضخمة على معاقل التنظيم في شبوة وأبين، وأجبرت قيادات وعناصر التنظيم على الفرار إلى مناطق وعرة فيما يسمى قوس «القاعدة»، الممتد في محافظات الجوف ومأرب وشبوة وأبين، والبيضاء، وأعلن الجيش عن مقتل أكثر من 500 عنصر من «القاعدة» خلال هذه العمليات، لكن التنظيم نفى هذه الإحصائية واعتبرها مضللة، بهدف التستر على فشل الجيش في القضاء على عناصره.
وفي 25 مايو (أيار) ، قاد القيادي في جماعة أنصار الشريعة جلال بلعيدي المرقشي، المعروف باسم حمزة - الزنجباري المئات من مسلحي «القاعدة»، وسيطروا على مدينة سيئون بحضرموت جنوب شرقي البلاد، بعد هجوم كبير شنه مسلحون من تنظيم على المقرات الحكومية والعسكرية بالمدينة، وقتل خلال هذه المواجهات أكثر من 28 شخصا، منهم 12 جنديا من الجيش والأمن، و16 مسلحا من القاعدة، إضافة إلى جرح العشرات.
وفي 8 أغسطس، أعلن الجيش اليمني، طرد «القاعدة»، من «إمارة القطن الإسلامية»، وسط وادي حضرموت.
وفي 25 نوفمبر، هاجمت وحدات من المارينز الأميركي وقوات يمنية مواقع لتنظيم «القاعدة»، في محافظة حضرموت شرق البلاد، وتمكنوا من تحرير 8 رهائن هم 6 يمنيين وسعودي وإثيوبي، بعد قتل 7 مسلحين، وفي يوم 7 ديسمبر، نفذ المارينز الأميركي عملية جديدة ضد «القاعدة»، بهدف صحافي أميركي ورهينة جنوب أفريقي في شبوة جنوب البلاد، وانتهت العملية بمقتل الرهينتين الصحافي الأميركي، لوك سومرز، والمعلم جنوب أفريقي، بيير كوركي.



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.