النفط يعيد رسم «خارطة التوازنات» في ليبيا

آلة الحرب تتعطل انتظاراً لتوافق فرقاء السياسة

سليمان البيوضي.... الدكتور عبد المنعم اليسر
سليمان البيوضي.... الدكتور عبد المنعم اليسر
TT

النفط يعيد رسم «خارطة التوازنات» في ليبيا

سليمان البيوضي.... الدكتور عبد المنعم اليسر
سليمان البيوضي.... الدكتور عبد المنعم اليسر

انفتح المشهد الليبي على زوايا جديدة للرؤية، لا تخلو من مناكفات سياسية وتصلب في المواقف، عقب اتفاق لإعادة إنتاج النفط. وبدت الصورة من خلال هذه الزوايا أكثر وضوحاً باتجاه تحرك قطار السياسة الوئيد، في ظل نشوء توازنات جديدة على الأرض قد تسرع من وتيرة الوصول إلى «محطة توافق» يأمل معها الليبيون إجراء انتخابات نيابية ورئاسية تطوي صفحة الماضي وتنهي نزف الدماء.
جانب من هذه التفاهمات بين الأفرقاء السياسيين جاء نتيجة لقاءات عدة احتضنتها عواصم عربية وأجنبية، من بينها موسكو التي انفتحت على سلطات العاصمة طرابلس أخيراً، ما ساعدها في لعب دور لافت، جاء على حساب الولايات المتحدة، والسعي لإحداث توازن في العلاقات بين ساسة شرق وغرب ليبيا.
بشكل مفاجئ، أعلن في ليبيا عن إعادة إنتاج وتصدير النفط، نتيجة اتفاق وصف بأنه مثير للجدل، بين المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي»، وأحمد معيتيق النائب الأول لرئيس «المجلس الرئاسي» فائز السراج. وأحدث الاتفاق ردات فعل من الفرح والارتباك والرفض معاً؛ بعدما توعدت الأذرع العسكرية للسراج بإسقاطه.
غير أن الأمر، وفقاً لمسؤولين بقطاع النفط في غرب البلاد، ليس ككل مرة تغلق فيها الموانئ ويعاد تشغيلها مجدداً. إذ إنهم يعولون راهناً على الإصرار الدولي المغاير لما سبق، خصوصاً بعدما تعهدت جهات وشخصيات، بينها الممثل الأعلى للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل «بحشد كل الجهود لاستئناف إنتاج وتصدير النفط في ليبيا بشكل كامل».
ثم إنه رغم التحديات الكبيرة التي تعترض الاتفاق، الذي يرى مراقبون أنه سيأتي على المسار الذي ترعاه البعثة الأممية ويدمره، فإن هناك من يتوقع أنه سيتحول مع الوقت إلى واقع ينصاع إليه الجميع ويقبلون بشروطه. وهذا، لكونه السبيل الوحيد الذي يمكن الليبيين من طي صفحة الحرب، وتحقيق توافقات تنهي فترة انتقالية طالت 9 سنوات وأكثر.
الدكتور عبد المنعم اليسر، رئيس لجنة الأمن القومي في «المؤتمر الوطني العام» السابق رأى، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن الاتفاق «تحول مهم في القضية الليبية؛ لكنه، في ظل الموقف الأميركي الراهن والتخبط الدولي وضعف الاتحاد الأوروبي أمام أنقرة، قد لا يؤدي إلى اتفاقات دائمة تنهي الحرب، مع وجود القوات التركية و(المرتزقة) في ليبيا وسيطرة الميليشيات»، وأردف: «الحل لن يتحقق إلا بخطة متكاملة».

اجتماع سوتشي
ما يذكر أنه منذ إغلاق موالين لـ«الجيش الوطني» موانئ وحقول النفط، عشية انعقاد مؤتمر برلين الدولي حول النزاع الليبي، في 18 يناير (كانون الثاني) الماضي، بذلت جهود دولية عديدة لإعادة تشغيله، في مقدمتها محاولات أميركية مارسها سفيرها لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند. لكن كل الجهود تعثرت، باستثناء مفاوضات كانت تجريها روسيا منذ أشهر بين الطرفين المتنازعين، انتهت بالتوافق بين معيتيق، نائب السراج، ووفد من «الجيش الوطني»، على رأسه خالد نجل خليفة حفتر القائد العام. وفي اجتماع احتضنه منتجع سوتشي الروسي، أخيراً تحقق التوافق على إعادة إنتاج وتصدير النفط، وفق «شروط» عدة. وفور الإعلان عن الاتفاق، رحبت وزارة الخارجية الروسية به عبر موقعها الإلكتروني، واعتبرته «الخطوة الأولى نحو بناء الثقة بين الفصائل المتحاربة في ليبيا»، وبينما التزمت واشنطن الصمت حتى الآن، أيدته دول، منها فرنسا.
نص الاتفاق على تشكيل لجنة فنية مشتركة من الأطراف تشرف على إيرادات النفط وضمان التوزيع العادل للموارد. وتتولى التحكم في تنفيذ بنود الاتفاق خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، على أن يقيم عملها نهاية العام الحالي، وتحدد خطة عمل للعام المقبل.
في المقابل، لم يتطرق الاتفاق إلى مدينة سرت، التي من المفترض أن تكون «منزوعة السلاح» وحاضنة للسلطات التنفيذية الجديدة، وفق مقترح دعمته وتحمست له واشنطن، ورفضه «الجيش الوطني».

«الإخوان» و«المركزي»
من ناحية أخرى، ينظر لاتفاق النفط على أنه جولة من جولات الصراع بين أميركا وروسيا في ليبيا، باتجاه رسم «خارطة توازنات جديدة». وهي خارطة لا تعتد بـ«الوجوه المتكلسة»، وستدعو أخرى نشطة وفاعلة وقادرة على تجميع الشارع. ووفق مصدر عسكري تابع لـ«الجيش الوطني» تحدث لـ«الشرق الأوسط» فإنه من هذا المنطلق استدعي معيتيق، ابن مدينة مصراتة المناوئ لتنظيم «الإخوان» والتيارات الإسلامية الراديكالية هناك، ليلعب هذا الدور، تأسيساً على علاقته بموسكو التي قام بعدة زيارات لها أثمرت هذا الاتفاق.
وأضاف المصدر العسكري أن القيادة العامة «ستتعامل من الآن فصاعداً مع العقول المتفتحة بغرب البلاد بعيداً عن الوجوه المتكلسة، ولن تهتم بمن يريدون تعطيل الحياة في ليبيا، سعياً لإحداث توازن على الأرض... فليس كل ليبي سارق مال عام، أو جالب مرتزقة».
وبالنظر إلى رد فعل السراج، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، نجد أنهما أخذا في التعاطي مع المتغير الجديد، حتى وإن كان بحذر؛ فالأخير المحسوب على تنظيم «الإخوان»، الذي كان قد سارع إلى وصف الاتفاق بأنه «مخالف للمبادئ الحاكمة بالاتفاق السياسي والقوانين المعمول بها»، بدأ يستعد للمرحلة المقبلة بالحديث عن توزيع المناصب في قادم الأيام. إلا أن حديثه عن تفاصيل جديدة تتعلق بكيفية اختيار محافظ المصرف المركزي أثار ردود فعل غاضبة لدى جميع الأطراف، تسببت في تأجيل التحاقه باجتماعات بوزنيقة بالمغرب، التي تضم بجانب وفد مجلسه ممثلين عن البرلمان، والذي كان من المقرر أن يلتحق بها أيضاً عقيلة صالح.
وكشف المشري، عبر لقاء تلفزيوني، فيما وصف بزلة لسان، عن تفاهمات تتعلق بالمصرف المركزي، وقال إنه تم الاتفاق أن يختار مجلس النواب، وفق معايير محددة، المحافظ وثلاثة أعضاء من مجلس إدارة المصرف المركزي، بينما يسمي مجلسه نائب المحافظ وأربعة من أعضاء مجلس الإدارة. وهي الخطوة التي وصفها البعض «محاولة إخوانية لمزيد من السيطرة على المصرف» ومقره طرابلس.
الشيء ذاته فعله السراج، الذي صمت طويلاً من دون أن يعلق على اتفاق إعادة ضخ النفط، الذي ترفضه قواته، إذ دعا في كلمته أمام الدورة 75 للجمعية العامة للأمم المتحدة، للانتقال سريعاً إلى مرحلة إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية لأنها «ستنهي أزمة الشرعيات» التي تعانيها ليبيا.
وسبق للمسماري أن حث السراج على توضيح موقفه من الاتفاق، وقال إنه «على مفترق طرق»، وأمام أحد خيارين: إما الوقوف مع وزير داخليته فتحي باشاغا الداعم للميليشيات المسلحة، أو نائبه أحمد معيتيق. وهذا ما عده مراقبون خطوة لإعادة التوازن على الأرض، باتجاه التعاطي مع شخصيات تنتمي إلى مصراتة، التي ظلت توصف بكونها «القوة الضاربة» لقوات السراج.

تحالفات وتصدعات
هنا بدت الصورة أكثر وضوحاً باتجاه المتغير الجديد، وهو ما علق عليه الكاتب والسياسي الليبي سليمان البيوضي، بالقول إن الاتفاق المفاجئ «مثل نقطة تحول جوهرية في الحالة الليبية، ورسم خطوط التحالفات والتصدعات داخلياً ودولياً». وتابع «لقد أحدث محلياً هزة عنيفة في لعبة صراع المواقع، وهو ما دفع بعض الأطراف السياسية للوقوف في وجهه بقوة، مخافة حدوث اتفاقات قادمة قد تؤدي إلى استبعادهم من الساحة، أو إفقاد البعض منهم منصبه في الحكومة الجديدة المرتقبة».
وأضاف البيوضي (وهو أيضاً من مصراتة) لـ«الشرق الأوسط» أن الاتفاق «دليل تقارب حقيقي بين أطراف بغرب ليبيا، وتحديداً من مصراتة، مع (الجيش الوطني) بشرق البلاد، وهذا ما يمكن تفسيره بأنه يمثل استدارة في المواقف وتحولاً نحو خلق اصطفاف جديد وتحالف يرجح أنه سيكون متماسكاً في قادم الأيام، إذا ما تمكنت الأطراف المعنية بتقديم التنازلات، من أجل تجاوز هذه الأزمة الخانقة».
واستطرد البيوضي «المواقف الدولية بدت أكثر ارتباكاً حيال مفاجأة اتفاق النفط؛ فبعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا لم تعلق عليه، ربما لأنه دشن في عواصم أخرى، ولم تكن طرفاً فيه، أو لأنه قد أربك حساباتها في جنيف، وهو اللقاء الذي يعتقد كثيرون أنه عملية مرتبة لتمرير أشخاص بعينهم لقيادة حكومة الوحدة الوطنية». وأردف «يبدو أنه مثل لها إحراجاً مباشراً. إذ بينما تتحدث البعثة عن الفاعلين الرئيسيين في ليبيا وقدرتهم على خلق مسار سياسي تفاوضي، ظهرت الأطراف الفاعلة في مكان آخر وباتفاق كبير».
وللعلم، يقضي المقترح بوقف إطلاق النار وجميع العمليات القتالية في كل الأراضي الليبية، على أن تكون منطقتا سرت والجفرة منزوعتي السلاح، مع استئناف إنتاج النفط وتصديره، تحت إشراف المؤسسة الوطنية للنفط. يضاف إلى ذلك، إكمال الخطوة الإيجابية لبناء الثقة بمراجعة حسابات مصرف ليبيا المركزي في كل من طرابلس والبيضاء، والتأكيد على الالتزام بمخرجات «مؤتمر برلين» التي حددت مسارات ثلاثة لحل الأزمة الليبية (أمنية واقتصادية وسياسية) تفضي إلى انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة.

التفاعل الدولي
وبموازاة تحرك قطار السياسة الذي يسير بخطى وئيدة، جاءت المواقف الإقليمية الدولية، التي بدت ضامنة للاتفاق متفائلة. ذلك أن مصر استضافت في مدينة الغردقة وفدين لضباط من الجيش والشرطة يمثلان كلاً من «حكومة الوفاق» و«الجيش الوطني» ونوقش خلال المداولات عدد من القضايا الأمنية والعسكرية الملحة، منها تدابير بناء الثقة والترتيبات الأمنية، التي ستحدد في المرحلة المقبلة على ضوء اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة (5+5). كما أن أميركا أبدت تفاؤلا عبر عنه وزير خارجيتها مايك بومبيو، خلال مؤتمر صحافي عقده مع نظيره الإيطالي لويجي دي مايو، بمقر وزارة الخارجية الإيطالية قصر فارنيزينا في روما، وقال إن الأوضاع في ليبيا «شهدت تحسناً على الأرض في الأسبوع الماضي»، بسبب ما أسماه «عودة الأطراف الليبية للحديث مع بعضها». أما دي مايو فرأى أن «الجهود المشتركة مع الحلفاء خلال الأسابيع الأخيرة حول الأزمة الليبية أصبحت تؤتي ثمارها». بل ذهب أبعد من ذلك، ليقول أزمة ليبيا تعد «قضية أمن قومي بالنسبة لإيطاليا».
ولكن رغم كل هذا التوافق الدولي لم تفلح فرنسا، حتى هذه اللحظة، في إنجاز خطتها الرامية إلى عقد لقاء يجمع حفتر والسراج، لما يراه بعض المتابعين رفض رئيس المجلس الرئاسي الجلوس مع قائد «الجيش الوطني» على طاولة المفاوضات مجدداً.

جنيف أو غيرها
في هذه الأثناء، بعيداً عما يعده البعض انتصاراً لـ«جبهة حفتر» التي أنجزت اتفاق إعادة النفط، في مواجهة جهود صالح الذي يهدف إلى استكمال المسارات التفاوضية مع «المجلس الأعلى للدولة» بقيادة المشري، ينتظر الليبيون أن تثمر لقاءات جنيف، أو غيرها من المدن، نتائج حقيقية ملموسة. إذ تبدل صناديق الذخيرة بصناديق الاقتراع، استغلالاً للهدنة السارية الآن - التي تعطلت على أثرها آلة الحرب في سرت والجفرة.
وهنا يقول سليمان البيوضي، إنه حتى 15 أكتوبر (تشرين الأول)، الموعد المبدئي للقاء جنيف - الذي قد لا ينعقد في هذا الموعد - «سيضع الليبيون جميعاً أيديهم على قلوبهم؛ فربما يسعى البعض للدفع نحو الصدام، بيد أن حقيقة واحدة ستبقى؛ أن التحالفات المبدئية ستزداد رسوخاً».
وأمام جملة المشاكل والأزمات التي تعتصر الليبيين القلقين من ارتباط مصيرهم بالتوافقات والتوازنات الدولية، يرى عبد المنعم اليسر (المقيم في أميركا منذ عام 2014) أن الحل في ليبيا يتمثل في «خطة متكاملة» تشمل احترام سيادة البلاد واستقلالها، ومغادرة جميع القوات الأجنبية والمرتزقة الأراضي الليبية فوراً، ونزع سلاح وتفكيك وإعادة الإدماج لجميع الميليشيات المسلحة على أساس المعايير العسكرية الدولية، والإفراج عن جميع السجناء السياسيين وأسرى الحرب وكل الذين اختفوا قسراً، وضمان أن تشمل التحقيقات في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية كل الجرائم التي ارتكبت منذ 15 فبراير (شباط) عام 2011.
وانتهى اليسر إلى أن «المصالحة الوطنية أساس أي اتفاق سياسي، وعلى البعثة أن تضطلع ببرنامج مصالحة رئيسي مماثل أو مطور لتجارب جنوب أفريقيا أو رواندا أو غيرها من الحالات الناجحة لإنهاء النزاعات»، داعياً رؤساء الدول العربية إلى «اتخاذ موقف موحد وحازم لحل الأزمة الليبية».
أخيراً، سبق للبعثة الأممية الإعلان عن أنها بصدد إطلاق الترتيبات اللازمة لاستئناف مؤتمر الحوار السياسي الليبي الشامل، وسيكشف عن التفاصيل في الفترة المقبلة. كذلك دعت البعثة المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته لدعم هذه العملية والاحترام المطلق للحق السيادي للشعب الليبي في تقرير مستقبله.

النفط... «قوت» الليبيين وسر شقائهم
> منذ إسقاط نظام الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، لم ينج النفط الليبي، الذي يوصف بأنه «قوت الشعب»، من «المساومات». وظلت الموانئ والآبار لسنوات طويلة في مرمى الاستهداف؛ إما لمطالب فئوية، أو لمناكفات سياسية بين الأطراف المتنازعة، أو الرغبة في السيطرة عليها من الجماعات الإرهابية، مثل تنظيم «داعش»، لبعض الوقت.
وخلال السنوات التسع الماضية أصبح النفط كالكلأ المباح أمام «مافيا» التهريب، وسماسرة الوقود الذين أوصلوه في شاحناتهم الخاصة إلى حدود تونس، وأسواق أوروبا. إذ كانت البلاد تنتج قبل إغلاق الموانئ 1.2 مليون برميل يومياً، أي ما يزيد على 1 في المائة من الإنتاج العالمي، قبل أن تتدنى إنتاجيتها إلى أقل من 70 ألف برميل فقط يومياً وقت الحصار.
وسبق للصديق الصور، رئيس قسم التحقيقات في مكتب النائب العام، أن أمر، في الثامن من فبراير (شباط) عام 2019، بضبط 103 أشخاص متورطين بتهريب الوقود إلى الخارج. وقال الصور، حينذاك، إن أوامر التوقيف جاءت في إطار التحقيقات الجارية بوقائع الإضرار بالمال والمصلحة العامة بسبب تهريب الوقود والتصرف فيه بطرق غير مشروعة من قبل أصحاب بعض محطات الوقود التابعة لشركات التوزيع والمتورطين معهم، وبيعه بسعر غير قانوني واكتساب أموال بطرق غير مشروعة.
إغراءات النفط الليبي لم تتوقف عند الأشخاص، بل وصلت إلى الدول أيضاً. وهذا ما دفع أنقرة لاستغلال الأوضاع في طرابلس، وتوقيع اتفاقية ترسيم حدود بحرية مع المجلس الرئاسي، تعتزم بمقتضاها التنقيب قريباً عن الغاز في شرق البحر المتوسط، في خطوة أثارت كثيراً من الجدل. وكان مسؤول تركي رفيع قد قال في العاشر من سبتمبر (أيلول) إن بلاده تبحث مع السلطات الليبية بدء عمليات تنقيب عن النفط والغاز في ليبيا. ومعلوم أن أنقرة داعمة لـ«حكومة الوفاق الوطني»، ومقرها طرابلس. وعلى الأثر، طالب ساسة ليبيون بالتحرك السريع في وجه المساعي التركية، مشيرين إلى أن «حكومة الوفاق»، حسب رأيهم، «لا تمثل الشعب الليبي، ولا يحق لها التوقيع أو التفريط في ثروات البلاد».
وفي السابع من أغسطس (آب) الماضي، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على ثلاثة ليبيين: فيصل الوادي، ومصباح محمد وادي، ونور الدين مصباح، وشركة «الوفاق»، ومقرها في مالطة، وسفينة «المرايا»، بتهمة تكوين شبكة تهريب تساهم في الاضطراب داخل ليبيا.
هذا، وتوجه عائدات النفط، وفقاً للمصرف المركزي بطرابلس، للإنفاق على قطاعات كثيرة بالدولة، كما تسدد منها أجور الموظفين في الدولة. وتمثل، وفق بيانات ديوان المحاسبة، 93 إلى 95 في المائة من إجمالي الإيرادات، وتغطي 70 في المائة من إجمالي الإنفاق. ولكن في ظل الانقسام السياسي الحاد الذي عمقته الحروب والاشتباكات، تردت الأوضاع المعيشية للمواطنين بشكل كبير، ما دفع المئات منهم إلى التظاهر والاحتجاج.
ويرى مراقبون أن أزمة ليبيا الحقيقية تتركز على امتلاكها ثروة نفطية مهمة يريد أفرقاء الداخل السيطرة عليها والتحكم في عائداتها، في حين يسعى وسطاء الخارج إلى الاستحواذ عليها والاستفادة منها بشكل أو بآخر، منذ اكتشافها عام 1958.
ووفق التقديرات الجدية، تمتلك ليبيا احتياطات ضخمة من الغاز تبلغ 55 تريليون قدم مكعب، كما تقدر احتياطيات النفط المؤكد بنهاية 2018 بنحو 48.36 مليار برميل. وكان حقل الشرارة، بجنوب البلاد، ينتج نحو 334 ألف برميل يومياً، قبل إغلاق الموانئ. وتضم منطقة «الهلال النفطي» ما يقارب 70 في المائة من إنتاج ليبيا. وهي تمتد (من الشرق إلى الغرب)؛ من ميناء الزويتينة إلى ميناء البريقة ورأس لانوف ومنها إلى السدرة، وتقع جميعها تحت سيطرة «الجيش الوطني الليبي» بالقرب من مدينتي سرت والجفرة.
ورفع جزئياً حصار كان مفروضاً على منشآت النفط الليبية، مما سمح بإعادة فتح بعض الموانئ والحقول تدريجياً، لكن التعافي الكامل للإنتاج يواجه عقبات وضبابية. وكانت مؤسسة النفط ذكرت عقب اتفاق معيتيق وحفتر، أنها لن تستأنف العمل إلا في الموانئ والحقول التي تخلو من أي وجود عسكري.
وقال رئيس شركة الخليج العربي للنفط منتصف الأسبوع، إن حقل السرير النفطي الليبي قد استأنف الإنتاج، كما أشارت شركة الخليج العربي للنفط الليبية الأربعاء الماضي، إلى أنه بتحميل الناقلة «كيب غينيا» 21 ألف طن من (النفتا) ستكون مصفاة طبرق قادرة على العمل بطاقتها البالغة 20 ألف برميل يوميا.



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.