النفط يعيد رسم «خارطة التوازنات» في ليبيا

آلة الحرب تتعطل انتظاراً لتوافق فرقاء السياسة

سليمان البيوضي.... الدكتور عبد المنعم اليسر
سليمان البيوضي.... الدكتور عبد المنعم اليسر
TT

النفط يعيد رسم «خارطة التوازنات» في ليبيا

سليمان البيوضي.... الدكتور عبد المنعم اليسر
سليمان البيوضي.... الدكتور عبد المنعم اليسر

انفتح المشهد الليبي على زوايا جديدة للرؤية، لا تخلو من مناكفات سياسية وتصلب في المواقف، عقب اتفاق لإعادة إنتاج النفط. وبدت الصورة من خلال هذه الزوايا أكثر وضوحاً باتجاه تحرك قطار السياسة الوئيد، في ظل نشوء توازنات جديدة على الأرض قد تسرع من وتيرة الوصول إلى «محطة توافق» يأمل معها الليبيون إجراء انتخابات نيابية ورئاسية تطوي صفحة الماضي وتنهي نزف الدماء.
جانب من هذه التفاهمات بين الأفرقاء السياسيين جاء نتيجة لقاءات عدة احتضنتها عواصم عربية وأجنبية، من بينها موسكو التي انفتحت على سلطات العاصمة طرابلس أخيراً، ما ساعدها في لعب دور لافت، جاء على حساب الولايات المتحدة، والسعي لإحداث توازن في العلاقات بين ساسة شرق وغرب ليبيا.
بشكل مفاجئ، أعلن في ليبيا عن إعادة إنتاج وتصدير النفط، نتيجة اتفاق وصف بأنه مثير للجدل، بين المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي»، وأحمد معيتيق النائب الأول لرئيس «المجلس الرئاسي» فائز السراج. وأحدث الاتفاق ردات فعل من الفرح والارتباك والرفض معاً؛ بعدما توعدت الأذرع العسكرية للسراج بإسقاطه.
غير أن الأمر، وفقاً لمسؤولين بقطاع النفط في غرب البلاد، ليس ككل مرة تغلق فيها الموانئ ويعاد تشغيلها مجدداً. إذ إنهم يعولون راهناً على الإصرار الدولي المغاير لما سبق، خصوصاً بعدما تعهدت جهات وشخصيات، بينها الممثل الأعلى للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل «بحشد كل الجهود لاستئناف إنتاج وتصدير النفط في ليبيا بشكل كامل».
ثم إنه رغم التحديات الكبيرة التي تعترض الاتفاق، الذي يرى مراقبون أنه سيأتي على المسار الذي ترعاه البعثة الأممية ويدمره، فإن هناك من يتوقع أنه سيتحول مع الوقت إلى واقع ينصاع إليه الجميع ويقبلون بشروطه. وهذا، لكونه السبيل الوحيد الذي يمكن الليبيين من طي صفحة الحرب، وتحقيق توافقات تنهي فترة انتقالية طالت 9 سنوات وأكثر.
الدكتور عبد المنعم اليسر، رئيس لجنة الأمن القومي في «المؤتمر الوطني العام» السابق رأى، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن الاتفاق «تحول مهم في القضية الليبية؛ لكنه، في ظل الموقف الأميركي الراهن والتخبط الدولي وضعف الاتحاد الأوروبي أمام أنقرة، قد لا يؤدي إلى اتفاقات دائمة تنهي الحرب، مع وجود القوات التركية و(المرتزقة) في ليبيا وسيطرة الميليشيات»، وأردف: «الحل لن يتحقق إلا بخطة متكاملة».

اجتماع سوتشي
ما يذكر أنه منذ إغلاق موالين لـ«الجيش الوطني» موانئ وحقول النفط، عشية انعقاد مؤتمر برلين الدولي حول النزاع الليبي، في 18 يناير (كانون الثاني) الماضي، بذلت جهود دولية عديدة لإعادة تشغيله، في مقدمتها محاولات أميركية مارسها سفيرها لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند. لكن كل الجهود تعثرت، باستثناء مفاوضات كانت تجريها روسيا منذ أشهر بين الطرفين المتنازعين، انتهت بالتوافق بين معيتيق، نائب السراج، ووفد من «الجيش الوطني»، على رأسه خالد نجل خليفة حفتر القائد العام. وفي اجتماع احتضنه منتجع سوتشي الروسي، أخيراً تحقق التوافق على إعادة إنتاج وتصدير النفط، وفق «شروط» عدة. وفور الإعلان عن الاتفاق، رحبت وزارة الخارجية الروسية به عبر موقعها الإلكتروني، واعتبرته «الخطوة الأولى نحو بناء الثقة بين الفصائل المتحاربة في ليبيا»، وبينما التزمت واشنطن الصمت حتى الآن، أيدته دول، منها فرنسا.
نص الاتفاق على تشكيل لجنة فنية مشتركة من الأطراف تشرف على إيرادات النفط وضمان التوزيع العادل للموارد. وتتولى التحكم في تنفيذ بنود الاتفاق خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، على أن يقيم عملها نهاية العام الحالي، وتحدد خطة عمل للعام المقبل.
في المقابل، لم يتطرق الاتفاق إلى مدينة سرت، التي من المفترض أن تكون «منزوعة السلاح» وحاضنة للسلطات التنفيذية الجديدة، وفق مقترح دعمته وتحمست له واشنطن، ورفضه «الجيش الوطني».

«الإخوان» و«المركزي»
من ناحية أخرى، ينظر لاتفاق النفط على أنه جولة من جولات الصراع بين أميركا وروسيا في ليبيا، باتجاه رسم «خارطة توازنات جديدة». وهي خارطة لا تعتد بـ«الوجوه المتكلسة»، وستدعو أخرى نشطة وفاعلة وقادرة على تجميع الشارع. ووفق مصدر عسكري تابع لـ«الجيش الوطني» تحدث لـ«الشرق الأوسط» فإنه من هذا المنطلق استدعي معيتيق، ابن مدينة مصراتة المناوئ لتنظيم «الإخوان» والتيارات الإسلامية الراديكالية هناك، ليلعب هذا الدور، تأسيساً على علاقته بموسكو التي قام بعدة زيارات لها أثمرت هذا الاتفاق.
وأضاف المصدر العسكري أن القيادة العامة «ستتعامل من الآن فصاعداً مع العقول المتفتحة بغرب البلاد بعيداً عن الوجوه المتكلسة، ولن تهتم بمن يريدون تعطيل الحياة في ليبيا، سعياً لإحداث توازن على الأرض... فليس كل ليبي سارق مال عام، أو جالب مرتزقة».
وبالنظر إلى رد فعل السراج، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، نجد أنهما أخذا في التعاطي مع المتغير الجديد، حتى وإن كان بحذر؛ فالأخير المحسوب على تنظيم «الإخوان»، الذي كان قد سارع إلى وصف الاتفاق بأنه «مخالف للمبادئ الحاكمة بالاتفاق السياسي والقوانين المعمول بها»، بدأ يستعد للمرحلة المقبلة بالحديث عن توزيع المناصب في قادم الأيام. إلا أن حديثه عن تفاصيل جديدة تتعلق بكيفية اختيار محافظ المصرف المركزي أثار ردود فعل غاضبة لدى جميع الأطراف، تسببت في تأجيل التحاقه باجتماعات بوزنيقة بالمغرب، التي تضم بجانب وفد مجلسه ممثلين عن البرلمان، والذي كان من المقرر أن يلتحق بها أيضاً عقيلة صالح.
وكشف المشري، عبر لقاء تلفزيوني، فيما وصف بزلة لسان، عن تفاهمات تتعلق بالمصرف المركزي، وقال إنه تم الاتفاق أن يختار مجلس النواب، وفق معايير محددة، المحافظ وثلاثة أعضاء من مجلس إدارة المصرف المركزي، بينما يسمي مجلسه نائب المحافظ وأربعة من أعضاء مجلس الإدارة. وهي الخطوة التي وصفها البعض «محاولة إخوانية لمزيد من السيطرة على المصرف» ومقره طرابلس.
الشيء ذاته فعله السراج، الذي صمت طويلاً من دون أن يعلق على اتفاق إعادة ضخ النفط، الذي ترفضه قواته، إذ دعا في كلمته أمام الدورة 75 للجمعية العامة للأمم المتحدة، للانتقال سريعاً إلى مرحلة إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية لأنها «ستنهي أزمة الشرعيات» التي تعانيها ليبيا.
وسبق للمسماري أن حث السراج على توضيح موقفه من الاتفاق، وقال إنه «على مفترق طرق»، وأمام أحد خيارين: إما الوقوف مع وزير داخليته فتحي باشاغا الداعم للميليشيات المسلحة، أو نائبه أحمد معيتيق. وهذا ما عده مراقبون خطوة لإعادة التوازن على الأرض، باتجاه التعاطي مع شخصيات تنتمي إلى مصراتة، التي ظلت توصف بكونها «القوة الضاربة» لقوات السراج.

تحالفات وتصدعات
هنا بدت الصورة أكثر وضوحاً باتجاه المتغير الجديد، وهو ما علق عليه الكاتب والسياسي الليبي سليمان البيوضي، بالقول إن الاتفاق المفاجئ «مثل نقطة تحول جوهرية في الحالة الليبية، ورسم خطوط التحالفات والتصدعات داخلياً ودولياً». وتابع «لقد أحدث محلياً هزة عنيفة في لعبة صراع المواقع، وهو ما دفع بعض الأطراف السياسية للوقوف في وجهه بقوة، مخافة حدوث اتفاقات قادمة قد تؤدي إلى استبعادهم من الساحة، أو إفقاد البعض منهم منصبه في الحكومة الجديدة المرتقبة».
وأضاف البيوضي (وهو أيضاً من مصراتة) لـ«الشرق الأوسط» أن الاتفاق «دليل تقارب حقيقي بين أطراف بغرب ليبيا، وتحديداً من مصراتة، مع (الجيش الوطني) بشرق البلاد، وهذا ما يمكن تفسيره بأنه يمثل استدارة في المواقف وتحولاً نحو خلق اصطفاف جديد وتحالف يرجح أنه سيكون متماسكاً في قادم الأيام، إذا ما تمكنت الأطراف المعنية بتقديم التنازلات، من أجل تجاوز هذه الأزمة الخانقة».
واستطرد البيوضي «المواقف الدولية بدت أكثر ارتباكاً حيال مفاجأة اتفاق النفط؛ فبعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا لم تعلق عليه، ربما لأنه دشن في عواصم أخرى، ولم تكن طرفاً فيه، أو لأنه قد أربك حساباتها في جنيف، وهو اللقاء الذي يعتقد كثيرون أنه عملية مرتبة لتمرير أشخاص بعينهم لقيادة حكومة الوحدة الوطنية». وأردف «يبدو أنه مثل لها إحراجاً مباشراً. إذ بينما تتحدث البعثة عن الفاعلين الرئيسيين في ليبيا وقدرتهم على خلق مسار سياسي تفاوضي، ظهرت الأطراف الفاعلة في مكان آخر وباتفاق كبير».
وللعلم، يقضي المقترح بوقف إطلاق النار وجميع العمليات القتالية في كل الأراضي الليبية، على أن تكون منطقتا سرت والجفرة منزوعتي السلاح، مع استئناف إنتاج النفط وتصديره، تحت إشراف المؤسسة الوطنية للنفط. يضاف إلى ذلك، إكمال الخطوة الإيجابية لبناء الثقة بمراجعة حسابات مصرف ليبيا المركزي في كل من طرابلس والبيضاء، والتأكيد على الالتزام بمخرجات «مؤتمر برلين» التي حددت مسارات ثلاثة لحل الأزمة الليبية (أمنية واقتصادية وسياسية) تفضي إلى انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة.

التفاعل الدولي
وبموازاة تحرك قطار السياسة الذي يسير بخطى وئيدة، جاءت المواقف الإقليمية الدولية، التي بدت ضامنة للاتفاق متفائلة. ذلك أن مصر استضافت في مدينة الغردقة وفدين لضباط من الجيش والشرطة يمثلان كلاً من «حكومة الوفاق» و«الجيش الوطني» ونوقش خلال المداولات عدد من القضايا الأمنية والعسكرية الملحة، منها تدابير بناء الثقة والترتيبات الأمنية، التي ستحدد في المرحلة المقبلة على ضوء اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة (5+5). كما أن أميركا أبدت تفاؤلا عبر عنه وزير خارجيتها مايك بومبيو، خلال مؤتمر صحافي عقده مع نظيره الإيطالي لويجي دي مايو، بمقر وزارة الخارجية الإيطالية قصر فارنيزينا في روما، وقال إن الأوضاع في ليبيا «شهدت تحسناً على الأرض في الأسبوع الماضي»، بسبب ما أسماه «عودة الأطراف الليبية للحديث مع بعضها». أما دي مايو فرأى أن «الجهود المشتركة مع الحلفاء خلال الأسابيع الأخيرة حول الأزمة الليبية أصبحت تؤتي ثمارها». بل ذهب أبعد من ذلك، ليقول أزمة ليبيا تعد «قضية أمن قومي بالنسبة لإيطاليا».
ولكن رغم كل هذا التوافق الدولي لم تفلح فرنسا، حتى هذه اللحظة، في إنجاز خطتها الرامية إلى عقد لقاء يجمع حفتر والسراج، لما يراه بعض المتابعين رفض رئيس المجلس الرئاسي الجلوس مع قائد «الجيش الوطني» على طاولة المفاوضات مجدداً.

جنيف أو غيرها
في هذه الأثناء، بعيداً عما يعده البعض انتصاراً لـ«جبهة حفتر» التي أنجزت اتفاق إعادة النفط، في مواجهة جهود صالح الذي يهدف إلى استكمال المسارات التفاوضية مع «المجلس الأعلى للدولة» بقيادة المشري، ينتظر الليبيون أن تثمر لقاءات جنيف، أو غيرها من المدن، نتائج حقيقية ملموسة. إذ تبدل صناديق الذخيرة بصناديق الاقتراع، استغلالاً للهدنة السارية الآن - التي تعطلت على أثرها آلة الحرب في سرت والجفرة.
وهنا يقول سليمان البيوضي، إنه حتى 15 أكتوبر (تشرين الأول)، الموعد المبدئي للقاء جنيف - الذي قد لا ينعقد في هذا الموعد - «سيضع الليبيون جميعاً أيديهم على قلوبهم؛ فربما يسعى البعض للدفع نحو الصدام، بيد أن حقيقة واحدة ستبقى؛ أن التحالفات المبدئية ستزداد رسوخاً».
وأمام جملة المشاكل والأزمات التي تعتصر الليبيين القلقين من ارتباط مصيرهم بالتوافقات والتوازنات الدولية، يرى عبد المنعم اليسر (المقيم في أميركا منذ عام 2014) أن الحل في ليبيا يتمثل في «خطة متكاملة» تشمل احترام سيادة البلاد واستقلالها، ومغادرة جميع القوات الأجنبية والمرتزقة الأراضي الليبية فوراً، ونزع سلاح وتفكيك وإعادة الإدماج لجميع الميليشيات المسلحة على أساس المعايير العسكرية الدولية، والإفراج عن جميع السجناء السياسيين وأسرى الحرب وكل الذين اختفوا قسراً، وضمان أن تشمل التحقيقات في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية كل الجرائم التي ارتكبت منذ 15 فبراير (شباط) عام 2011.
وانتهى اليسر إلى أن «المصالحة الوطنية أساس أي اتفاق سياسي، وعلى البعثة أن تضطلع ببرنامج مصالحة رئيسي مماثل أو مطور لتجارب جنوب أفريقيا أو رواندا أو غيرها من الحالات الناجحة لإنهاء النزاعات»، داعياً رؤساء الدول العربية إلى «اتخاذ موقف موحد وحازم لحل الأزمة الليبية».
أخيراً، سبق للبعثة الأممية الإعلان عن أنها بصدد إطلاق الترتيبات اللازمة لاستئناف مؤتمر الحوار السياسي الليبي الشامل، وسيكشف عن التفاصيل في الفترة المقبلة. كذلك دعت البعثة المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته لدعم هذه العملية والاحترام المطلق للحق السيادي للشعب الليبي في تقرير مستقبله.

النفط... «قوت» الليبيين وسر شقائهم
> منذ إسقاط نظام الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، لم ينج النفط الليبي، الذي يوصف بأنه «قوت الشعب»، من «المساومات». وظلت الموانئ والآبار لسنوات طويلة في مرمى الاستهداف؛ إما لمطالب فئوية، أو لمناكفات سياسية بين الأطراف المتنازعة، أو الرغبة في السيطرة عليها من الجماعات الإرهابية، مثل تنظيم «داعش»، لبعض الوقت.
وخلال السنوات التسع الماضية أصبح النفط كالكلأ المباح أمام «مافيا» التهريب، وسماسرة الوقود الذين أوصلوه في شاحناتهم الخاصة إلى حدود تونس، وأسواق أوروبا. إذ كانت البلاد تنتج قبل إغلاق الموانئ 1.2 مليون برميل يومياً، أي ما يزيد على 1 في المائة من الإنتاج العالمي، قبل أن تتدنى إنتاجيتها إلى أقل من 70 ألف برميل فقط يومياً وقت الحصار.
وسبق للصديق الصور، رئيس قسم التحقيقات في مكتب النائب العام، أن أمر، في الثامن من فبراير (شباط) عام 2019، بضبط 103 أشخاص متورطين بتهريب الوقود إلى الخارج. وقال الصور، حينذاك، إن أوامر التوقيف جاءت في إطار التحقيقات الجارية بوقائع الإضرار بالمال والمصلحة العامة بسبب تهريب الوقود والتصرف فيه بطرق غير مشروعة من قبل أصحاب بعض محطات الوقود التابعة لشركات التوزيع والمتورطين معهم، وبيعه بسعر غير قانوني واكتساب أموال بطرق غير مشروعة.
إغراءات النفط الليبي لم تتوقف عند الأشخاص، بل وصلت إلى الدول أيضاً. وهذا ما دفع أنقرة لاستغلال الأوضاع في طرابلس، وتوقيع اتفاقية ترسيم حدود بحرية مع المجلس الرئاسي، تعتزم بمقتضاها التنقيب قريباً عن الغاز في شرق البحر المتوسط، في خطوة أثارت كثيراً من الجدل. وكان مسؤول تركي رفيع قد قال في العاشر من سبتمبر (أيلول) إن بلاده تبحث مع السلطات الليبية بدء عمليات تنقيب عن النفط والغاز في ليبيا. ومعلوم أن أنقرة داعمة لـ«حكومة الوفاق الوطني»، ومقرها طرابلس. وعلى الأثر، طالب ساسة ليبيون بالتحرك السريع في وجه المساعي التركية، مشيرين إلى أن «حكومة الوفاق»، حسب رأيهم، «لا تمثل الشعب الليبي، ولا يحق لها التوقيع أو التفريط في ثروات البلاد».
وفي السابع من أغسطس (آب) الماضي، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على ثلاثة ليبيين: فيصل الوادي، ومصباح محمد وادي، ونور الدين مصباح، وشركة «الوفاق»، ومقرها في مالطة، وسفينة «المرايا»، بتهمة تكوين شبكة تهريب تساهم في الاضطراب داخل ليبيا.
هذا، وتوجه عائدات النفط، وفقاً للمصرف المركزي بطرابلس، للإنفاق على قطاعات كثيرة بالدولة، كما تسدد منها أجور الموظفين في الدولة. وتمثل، وفق بيانات ديوان المحاسبة، 93 إلى 95 في المائة من إجمالي الإيرادات، وتغطي 70 في المائة من إجمالي الإنفاق. ولكن في ظل الانقسام السياسي الحاد الذي عمقته الحروب والاشتباكات، تردت الأوضاع المعيشية للمواطنين بشكل كبير، ما دفع المئات منهم إلى التظاهر والاحتجاج.
ويرى مراقبون أن أزمة ليبيا الحقيقية تتركز على امتلاكها ثروة نفطية مهمة يريد أفرقاء الداخل السيطرة عليها والتحكم في عائداتها، في حين يسعى وسطاء الخارج إلى الاستحواذ عليها والاستفادة منها بشكل أو بآخر، منذ اكتشافها عام 1958.
ووفق التقديرات الجدية، تمتلك ليبيا احتياطات ضخمة من الغاز تبلغ 55 تريليون قدم مكعب، كما تقدر احتياطيات النفط المؤكد بنهاية 2018 بنحو 48.36 مليار برميل. وكان حقل الشرارة، بجنوب البلاد، ينتج نحو 334 ألف برميل يومياً، قبل إغلاق الموانئ. وتضم منطقة «الهلال النفطي» ما يقارب 70 في المائة من إنتاج ليبيا. وهي تمتد (من الشرق إلى الغرب)؛ من ميناء الزويتينة إلى ميناء البريقة ورأس لانوف ومنها إلى السدرة، وتقع جميعها تحت سيطرة «الجيش الوطني الليبي» بالقرب من مدينتي سرت والجفرة.
ورفع جزئياً حصار كان مفروضاً على منشآت النفط الليبية، مما سمح بإعادة فتح بعض الموانئ والحقول تدريجياً، لكن التعافي الكامل للإنتاج يواجه عقبات وضبابية. وكانت مؤسسة النفط ذكرت عقب اتفاق معيتيق وحفتر، أنها لن تستأنف العمل إلا في الموانئ والحقول التي تخلو من أي وجود عسكري.
وقال رئيس شركة الخليج العربي للنفط منتصف الأسبوع، إن حقل السرير النفطي الليبي قد استأنف الإنتاج، كما أشارت شركة الخليج العربي للنفط الليبية الأربعاء الماضي، إلى أنه بتحميل الناقلة «كيب غينيا» 21 ألف طن من (النفتا) ستكون مصفاة طبرق قادرة على العمل بطاقتها البالغة 20 ألف برميل يوميا.



لبنان يدخل مرحلة «إدارة الصراع» بدل إنهائه

آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (أ.ب)
آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (أ.ب)
TT

لبنان يدخل مرحلة «إدارة الصراع» بدل إنهائه

آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (أ.ب)
آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (أ.ب)

تثير المفاوضات الجارية حول تثبيت وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، وما يرافقها من نقاشات بشأن مستقبل الجنوب ودور الجيش اللبناني والضمانات الدولية، تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان لبنان يتجه إلى إعادة إنتاج النموذج الذي أعقب حرب يوليو (تموز) 2006، أم أنه دخل مرحلة مختلفة كلياً فرضتها الحرب الأخيرة وما نتج عنها من وقائع ميدانية وسياسية جديدة. إذ بعد نحو عقدين على حرب عام 2006 التي أفضت إلى القرار 1701، وانتشار الجيش اللبناني جنوبي الليطاني، وانطلاق مسار طويل من ضبط الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»، تبدو الظروف الحالية مختلفةً سواءً لناحية حجم الدمار الذي أصاب الجنوب أو طبيعة المقاربة الدولية للمرحلة المقبلة.

خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، رأى الأستاذ الجامعي والمحامي الدكتور علي مراد أن الواقع الميداني في لبنان، بعيداً عن «خطابات تسجيل النقاط وإعلان الانتصارات»، يفرض مقاربة مختلفة لمسار الحرب ومستقبل الجنوب، مشيراً إلى أن الجنوب لا يزال محتلاً ويعاني دماراً غير مسبوق، بينما تبدو أزمة النزوح مرشحة للاستمرار لفترة طويلة.

مراد أردف: «إن الحديث عن إنهاء الصراع في لبنان لا يمكن أن يتحقّق إلا من خلال إنجاز مجموعة من الأهداف الأساسية، تتمثّل في وقف الحرب بصورة نهائية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة، وإعادة الأسرى، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وتأمين عودة آمنة ومستدامة للنازحين إلى مناطقهم».

ومن ناحية ثانية، اعتبر مراد، وهو من أبناء بلدة عيترون الحدودية في الجنوب، أن «القلق الأساسي يتمثّل في محاولة إيران الإمساك بالملف اللبناني؛ لأن ذلك قد يقود إلى إدارة طويلة الأمد للصراع بدلاً من إنهائه، وهو ما يبقي أسباب التوتر قائمة ويحول دون الوصول إلى تسوية نهائية ومستقرة».

الاستهداف الإسرائيلي لمدينة صور (رويترز)

سلاح «حزب الله» والعقدة الأساسية

وشدّد مراد أيضاً على أنه «لن يكون هناك إنهاء فعلي لهذا الصراع من دون معالجة واضحة وحاسمة لملف سلاح (حزب الله)»، معتبراً أن «بقاء هذا الملف من دون حل سيجعل لبنان أمام نموذج مختلف تماماً عن مرحلة ما بعد حرب عام 2006»، معتبراً أن «المقارنة مع عام 2006 لم تعد واقعية في ظل المتغيرات الحالية، فالجنوب اليوم مدمّر بصورة غير مسبوقة، بينما تظهر الوقائع الميدانية والعسكرية بوضوح أن المعادلات القائمة يصعب قلبها في المدى المنظور».

ومن ثم، أكد الدكتور مراد أن هذا الواقع «يفرض البحث عن حلول سياسية مستدامة تعالج جذور الأزمة بدل الاكتفاء بإدارة الصراع... كما أن إنهاء الصراع لا يزال مرتبطاً بمعالجة الملفات الجوهرية العالقة، لا بالاكتفاء بوقف العمليات العسكرية أو إدارة التوتر القائم. وبالتالي، فإن أي مقاربة لا تعالج أسباب الأزمة ستقود إلى إعادة إنتاجها بصورة أو بأخرى».

الاستهداف الإسرائيلي لمدينة صور (أ.ف.ب)

... مرحلة ما بعد 6002 انتهت

من جهة أخرى، يشدد رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر أن الواقع القائم في جنوب لبنان «يختلف جذرياً عن مرحلة ما بعد حرب يوليو (تموز) 2006»، معتبراً أن الكلام عن العودة إلى معادلات القرار 1701 كما طُبقت، آنذاك، لم يعد واقعياً في ظل المتغيرات الميدانية والسياسية التي فرضتها الحرب الأخيرة.

وقال جابر لـ«الشرق الأوسط» موضحاً: «ما جرى بعد عام 2006 يختلف تماماً عما يجري اليوم. في ذلك الوقت انسحبت إسرائيل سريعاً من الأراضي اللبنانية التي احتلتها، وانطلقت مسارات سياسية ودبلوماسية بدعم عربي ودولي واسع، أما اليوم فإسرائيل متمسكة بالمناطق التي تحتلّها ولا تبدو مستعدة للتخلي عنها بسهولة». وتابع مشيراً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواجه ضغوطاً داخلية تدفعه إلى التمسك باستمرار الحرب وعدم تقديم تنازلات. وأردف: «نتنياهو لا يستطيع الظهور بمظهر مَن خاض حرباً طويلة انتهت من دون مكاسب واضحة. لذلك فإن استمرار الضغط العسكري يشكل بالنسبة إليه وسيلة لتحسين شروط التفاوض وإخضاع الموقف اللبناني».

آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (آ ف ب)

وقف مؤقت... لا نهاية للحرب

جابر، وهو من مدينة النبطية، قال إن ما يجري حالياً لا يرقى إلى وقف شامل للحرب، بل إلى «وقف مؤقت لبعض العمليات العسكرية»، مشيراً إلى أن إسرائيل ما زالت تحتفظ بحق تنفيذ ضربات عسكرية متى شاءت وأينما شاءت ضد أهداف تعتبرها مرتبطة بـ«حزب الله». وأضاف: «الإسرائيليون يقولون بوضوح إنهم يحتفظون بحرية العمل العسكري في لبنان. لذلك لا يمكن الحديث عن نهاية للحرب بقدر ما يمكن الحديث عن إدارة للصراع وضبط لمستوى المواجهة».

وفي تقييمه للمشهد الحالي، شدد جابر على أن المقارنة مع عام 2006 لم تعد صالحة؛ إذ «انتهت مرحلة ما بعد 2006... نحن أمام واقع جديد مختلف كلياً، وإسرائيل لن تقبل بالعودة إلى المعادلات السابقة أو إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب الأخيرة».

واشنطن تدير الصراع

يرى جابر أن «الولايات المتحدة تدير الصراع أكثر مما تعمل على إنهائه. وهي لو كانت تريد إنهاءه بشكل كامل لمارست ضغوطاً كافية لوقف الحرب نهائياً. أما ما نراه اليوم فهو إدارة للصراع ومحاولة لمنع انفجاره، لا أكثر».

وهنا يشير إلى أن إسرائيل تتعامل مع الشريط الحدودي والقرى المدمرة باعتبارها «منطقة أمنية عازلة»، و«هناك عشرات القرى المدمرة بالكامل تقريباً، وسكانها لا يستطيعون العودة إليها بسبب حجم الدمار وغياب إمكانات إعادة الإعمار، ما يجعل الأزمة مرشحة للاستمرار لفترة طويلة».

تحديات أمام الجيش اللبناني

وعن دور الجيش اللبناني، رأى جابر أن المؤسسة العسكرية تواجه تحديات كبيرة تتجاوز قدراتها الحالية، موضحاً أن بعض الطروحات المتداولة في المفاوضات، ولا سيما ما يتعلق بإبعاد مقاتلي «حزب الله» عن جنوب الليطاني، لا يمكن تنفيذها بمعزل عن انسحاب إسرائيلي كامل وضمانات أمنية واضحة. وشرح: «لا يمكن مطالبة الجيش بتنفيذ إجراءات أحادية فيما يستمر الاحتلال الإسرائيلي وتبقى الاعتداءات قائمة. هذا أمر غير واقعي، والجيش لا يستطيع وحده معالجة المشكلة بهذه الطريقة».

واختتم جابر بالتأكيد أن المرحلة المقبلة ستبقى محكومة بمنطق الاستنزاف المتبادل، و«نحن أمام مرحلة إدارة صراع لا إنهائه... ولا أتوقع اختراقاً كبيراً في المدى المنظور. الحرب تحوّلت عملياً إلى حرب استنزاف منخفضة الوتيرة بين إسرائيل و(حزب الله)، لكن من يدفع الثمن الحقيقي هو الشعب اللبناني، ولا سيما أهالي الجنوب الذين استنزفتهم الحرب والنزوح والدمار».

مفاوضات مختلفة عن كل المحطّات السابقة

وإذا كانت قراءة العميد الركن الدكتور جابر تنطلق من الوقائع الميدانية والعسكرية التي فرضتها الحرب الأخيرة، فإن العميد الركن خالد حمادة، الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية، يربط مستقبل هذه المرحلة بمسار المفاوضات نفسه، معتبراً أن طبيعتها تختلف جذرياً عن جميع المحطات السابقة، وأن نجاحها يبقى رهناً بالتفاهم الأميركي - الإيراني.

حمادة رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل تختلف جذرياً عن كل المحطّات السابقة، سواءً كانت اتفاقات عام 2000 أو 2006 أو 2024 المرتبطة بالقرار 1701. وأضاف أن «الظروف العسكرية والسياسية والإقليمية تبدّلت بالكامل، بينما لا تزال نتائجها مرتبطة بمآلات الحوار الأميركي - الإيراني».

وتابع حمادة: «في عام 2000، جرت مفاوضات غير مباشرة بين (حزب الله) وإسرائيل بوساطة ألمانية لتطبيق القرار 425، وانسحبت إسرائيل من دون قيد أو شرط، وتم ترسيم الحدود. أما اليوم فالمشهد مختلف بالكامل؛ لأن الدولة اللبنانية هي التي تتولى التفاوض، وليس الحزب».

ثم أضاف: «بعد حرب عام 2006، صدر القرار 1701 الذي نص على انتشار قوات (اليونيفيل) إلى جانب الجيش اللبناني جنوب الليطاني، مع إنشاء آلية لمراقبة تنفيذ القرار ومنع أي وجود مسلح خارج إطار الدولة في تلك المنطقة. إلا أن هذه الآلية أثبتت لاحقاً أنها لم تكن فعالة، فعادت الحرب وتجدد القتال».

وأوضح حمادة أن «ما يجري اليوم ليس قراراً دولياً جديداً، بل تفاهمات تستند إلى القرار 1701، لكنها تقوم على مفاوضات مباشرة تقودها الدولة اللبنانية، مع انتقال مسؤولية الأمن تدريجياً إلى الدولة، بعدما ثبت فشل آليات المراقبة السابقة». وعليه، رأى أن «الفارق الأساسي اليوم هو أن المفاوضات تسير على طريق إنهاء الصراع... إذ إن المذكرة الأميركية الأخيرة تتحدث للمرة الأولى عن إنهاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل، وعن معالجة القضايا الحدودية بين الدولتين، وهو أمر لم يكن وارداً في القرار 1701».

من القرار 1071 إلى اتفاق الهدنة... ما الذي تغيّر؟

وقال الخبير الأمني والسياسي: «إذا قارنّا النصوص الحالية باتفاق الهدنة لعام 1949 نجد تشابهاً كبيراً؛ إذ قام اتفاق الهدنة على التزام لبنان كما إسرائيل بعدم استخدام القوات النظامية أو غير النظامية في أي عمل عسكري نحو الفريق الآخر، واليوم يجري تكريس مبدأ أن تتولى الدولة اللبنانية وحدها المسؤولية الأمنية، وألا يبقى أي سلاح خارج إطارها».

من جهة أخرى، لفت العميد الركن حمادة إلى أن «هناك اختلافاً جوهرياً أيضاً على المستوى الميداني بين الوضع الحالي وما سبق؛ ففي حرب 2006 كانت الإنجازات العسكرية الإسرائيلية محدودة، ولم تتوغل القوات الإسرائيلية إلى العمق اللبناني بالشكل الذي حصل اليوم. أما في المواجهة الأخيرة فقد تجاوزت القوات الإسرائيلية جنوب الليطاني ووصلت إلى مناطق أعمق، فيما تكبد (حزب الله) خسائر ميدانية كبيرة، ما يجعل ميزان القوى مختلفاً تماماً عما كان عليه عام 2006».

التفاهم الأميركي-الإيراني مفتاح نجاح المفاوضات

ثم أضاف: «الاتفاق الحالي يجري أيضاً في ظل تفاهم أميركي - إيراني، وهو عامل لم يكن موجوداً في السابق، كما أن الدور الإيراني في الملف اللبناني أصبح اليوم أكثر عمقاً وتأثيراً مما كان عليه في المراحل السابقة».

وعن فرص نجاح المفاوضات، شدد حمادة على أنه «من المبكر جداً الكلام عن إنهاء الصراع بصورة نهائية؛ لأن المفاوضات اللبنانية لا يمكن فصلها عن المفاوضات الأميركية - الإيرانية. لذا يجب انتظار ما ستؤول إليه تلك المحادثات، وعندها يمكن الحكم على انعكاساتها على لبنان... فإذا فشلت المفاوضات الأميركية - الإيرانية، قد تعود إيران إلى استخدام الساحة اللبنانية مجدداً. وبالتالي فإن العنصر الأكثر تأثيراً في المشهد لم يستقر بعد، ولا يمكن البناء على نتائج نهائية قبل اتضاح صورته».

واختتم بالقول: «إذا جرى تعطيل تنفيذ التفاهمات المطروحة، سواء لناحية تثبيت وقف إطلاق النار أو الانسحاب الكامل أو معالجة ملف سلاح (حزب الله)، فإن ذلك سيقود إلى جولة قتال جديدة؛ لأن أي اتفاق لا يكتمل بتنفيذ جميع مراحله لن يكون قابلاً للحياة».

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: الجنوب دخل مرحلة جديدة وسط استبعاد العودة إلى معادلات قديمة


صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية
TT

صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

حلّق صدام خليفة حفتر على مستويات مرتفعة، قبل أن يهبط، في أول قفزة مظلية استعراضية، بدت في أعين العديد من الليبيين بمثابة باب يدلف منه إلى ما هو آتٍ. وصدام، هو الابن الأصغر للمشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، ونائبه في القيادة العامة، من بين سبعة ذكور، ينخرط بعضهم داخل ليبيا في أعمال عسكرية ومدنية. والقفزة الجوية التي أقدم عليها صدام قبل قرابة عشرة أشهر تلتها ترقيته من رئيس أركان القوات البرية برتبة لواء، إلى فريق أول، ليصبح الرجل العسكري الأبرز في القيادة العامة، والقائم على إدارة المشهد العسكري راهناً، ومحور اهتمام القوى الدولية المتداخلة في ليبيا. الآن، ينخرط صدام - الذي يُنظر إليه على أنه وريث محتمل لأبيه لقيادة المؤسسة العسكرية - في توسيع الشراكات الدولية، ورسم استراتيجية جديدة تبسط قبضته على الحدود المترامية، وتطوي مساحات جغرافية تحت عباءة الجيش الذي أعيد بناؤه في بنغازي (شرقاً) بالعدّة والعتاد.

وسط ندرة المعلومات الموثّقة عن صدام، يرجح مقربون منه أنه وُلد عام 1987 في مدينة بنغازي، التي نشأ فيها بين سبعة أشقاء ذكور، وأربع شقيقات، وأطلق عليه والده هذا الاسم تيمناً بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

مع بداية 2016، بدأت تتبلور بوضوح ملامح شخصية صدام ومسيرته. ففي العام ذاته، شوهد خلال حفل عسكري في الأردن مرتدياً الزي العسكري في أثناء تخرج طلاب الكلية العسكرية من بينهم عناصر بـ«الجيش الوطني»، في أول ظهور له يحمل رتبة عسكرية على كتفيه، رقي حينها إلى «نقيب». وفي ذلك الحين رد المتحدث باسم الجيش أحمد المسماري على المنتقدين، وقال: «صدام كغيره من الشباب الليبي المنضمّ للجيش، حصل على دورة تسعة أشهر في الأردن؛ وهو في هذه المناسبة يحضر حفل تخرج زملائه».

عقب ذلك، ارتبط اسم صدام بشكل وثيق بـ«اللواء طارق بن زياد معزز»، ثم «اللواء 106 مجحفل»، وهو من القوى العسكرية التي ينظر إليها مؤيدو الجيش على أنها «الأكثر تنظيماً وتأثيراً في المنطقة الشرقية»، في مقابل انتقادات موازية من آخرين.

وبحلول مايو (أيار) 2023، حصل صدام على رتبة «عميد»، وفي مارس (آذار) عام 2024، حمل رتبة «لواء ركن»، ومنح درجة دكتوراه فلسفة في العلوم العسكرية من الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية بمصر، ليتولى في أعقابها منصب رئيس أركان القوات البرية. وفي أغسطس (آب) 2025، عُيّن نائباً للقائد العام للجيش برتبة فريق أول.

رهانات متقاطعة

فرض المنصب الرفيع الذي تولاه صدام حفتر في القيادة العامة - متجاوزاً قيادات عسكرية رفيعة شاركت والده في إعادة بناء الجيش - مسؤوليات عظمى، ووضعه في دائرة الاهتمام الدولي، وجعله محط أنظار ورهانات مؤيدين ومعارضين، محبين وكارهين. كلٍّ حسب معسكره وموقعه السياسي.

فمؤيدوه في شرق ليبيا وبعض مدن الجنوب، ولا سيما من يمتنّون لوالده، خليفة حفتر، لإعادة بناء الجيش الذي تفكك عقب مقتل العقيد معمر القذافي، يعقدون آمالهم عليه لقيادة مستقبل البلاد. أما مناوئوه، وخاصة في العاصمة، فتتباين نظرتهم إليه بين من يرونه «عدواً وخصماً»، ومن يرحبون بتصعيده شريطة أن يطرح نفسه عبر انتخابات «حقيقية وشفافة».

فكلما طال أمد الانقسام، واتسعت هشاشة الحدود، وتنامت الجريمة، ازداد تعلق شريحة واسعة من الليبيين بالمؤسسة العسكرية، واستعادت هيبة الزي العسكري حضورها باعتبارها عنواناً للأمن والانضباط.

وفي المحصلة، أسهمت حالة «اللا دولة» في تكريس حضور صدام وتعزيز حظوظه. لذا بات يتلاشى نسبياً في ليبيا وصف «الجيش الوطني»، من قبل مناوئين بأنه «جيش عائلي»، بلسان حال يقول: «أضحى لدينا جيش نظامي متماسك، بدلاً من تشكيلات مسلحة لا تكفّ عن الاقتتال».

غير أن هذا التحول في النظرة إلى صدام لم ينهِ الجدل المحيط بشخصه؛ إذ يواصل مناوئوه توجيه اتهامات إليه تتعلق بـ«انتهاكات لحقوق الإنسان»، بينما يتجاهل الرد عليها، ويتولى مقربون منه مهمة نفيها وتفنيدها والدفاع عنه.

وكلما حلا لبعض المؤيدين الإشادة بلغة جسد صدام في المناسبات الرسمية، ممتدحين ابتسامته الهادئة ونظرته المباشرة في أعين مستقبليه، وجدوا في المقابل من يرد عليهم بأنه «يفتقر إلى التدرج الطبيعي في المؤسسة العسكرية».

وفي أقل من عام على تعيينه نائباً للقائد العام، جاب صدام مناطق عدة في ليبيا، لا سيما جنوبها، والتقى أطيافاً مختلفة من المشايخ والأعيان والشباب. وعلى ندرة حديثه للجمهور، وظهوره صامتاً في غالبية الفعاليات، تحدث ذات مرة، بنبرة صوت تشبه والده، أمام قبائل براك الشاطئ، في نهاية العام الماضي، قائلاً: «أيها الأحرار، لقد كنتم وما زلتم الدرع الصامدة للوطن».

ولعل من أبرز المتغيرات التي لاحظها متابعون في خطاب صدام، استثماره استضافة ليبيا للتمرين الأميركي «فلينتلوك 2026» في مدينة سرت، منتصف أبريل (نيسان) الماضي؛ إذ عدّ ذلك «برهاناً على قدرة الشباب الليبي على التوحد، وتجسيداً لمدى مهنية واحترافية منتسبي المؤسسة العسكرية».

أكثر من مجرد نائب لأبيه

منذ أن قفز صدام مظلياً العام الماضي، لم يشاهَد في سماء ليبيا يكرر هذا الأمر، لكن لوحظ مراراً في العديد من الدول، منخرطاً في مباحثات أو لقاءات أو شراكات عسكرية، لا سيما مع روسيا وباكستان وتركيا ومصر وفرنسا.

فالعديد من الدول العربية والأوروبية، إلى جانب أميركا، لم تعد تنظر إلى صدام بوصفه قائداً عسكرياً في معسكر الشرق، أو نائباً لوالده فحسب، بقدر ما تراهن على دوره في نسج علاقات دولية مستدامة، وتهيئة آفاق أوسع للاستثمار، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار في ليبيا، بحكم موقعها كبوابة لأفريقيا.

لذا، بعد أن كانت علاقات معسكر شرق ليبيا منحصرة في عدد محدود من الدول، من بينها مصر وروسيا والإمارات، باتت أكثر اتساعاً مع ترقّي صدام في هرم القيادة العامة، وامتدت إلى عواصم مؤثرة، من بينها واشنطن. من هنا - ووفقاً لمتابعين - بدأ صدام يدلف إلى «عالمه الجديد».

ومع الحديث عن «مبادرة أميركية» لحلحلة الأزمة الليبية ازدادت دائرة الضوء من حول صدام. وتقضي المبادرة بتوليه رئاسة المجلس الرئاسي خلفاً لمحمد المنفي رئيسه الحالي، وتنصيب عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة رئيساً لحكومة موحدة.

وتميل أطراف موالية لـ«الجيش الوطني» إلى دعم هذه المبادرة، لكن أطيافاً عديدة في غرب ليبيا ترفضها بشدة، وترى أن دخول صدام إلى العاصمة طرابلس «لن يتم إلا على أجسامهم».

ولا يقتصر نفوذ صدام على الجانب العسكري فحسب، بل يمتد لعمق المشهد السياسي بفضل ظهير برلماني قوي وتأييد شعبي وازن. ويتجلى هذا الدعم في تصريحات عضو مجلس النواب عن مدينة الكفرة، جبريل أوحيدة، الذي اعتبر أن صعود صدام إلى سدة المجلس الرئاسي يمثل مكسباً سياسياً، وقال: «نحن رابحون إذا وصل إلى رئاسة المجلس الرئاسي».

«صندوق مغلق»

يظل صدام لمن هم خارج دائرته كـ«صندوق مغلق» لم يبح بكل أسراره بعد. فقوى دولية فاعلة في الملف الليبي في مقدمتها الولايات المتحدة تضعه في حساباتها وترى فيه «البديل المناسب» - ولو مؤقتاً - لتجاوز الانقسام العسكري والأمني والاقتصادي.

وفي المشهد الليبي، تظل القوة العسكرية هي الورقة الرابحة والأقوى لإدارة اللعبة السياسية؛ وهو ما يفسر التهافت الدولي والإقليمي على بناء شراكات مع القيادة العامة. ويتجسد هذا الحراك في إبرام اتفاقيات عسكرية استراتيجية، أبرزها التعاون مع باكستان لتزويد الجيش بـ16 مقاتلة من طراز «JF - 17» ضمن صفقة قُدّرت بنحو 4.6 مليار دولار، مما يعكس اعتراف عواصم كبرى بثقل القوة العسكرية التي يقودها المشير خليفة حفتر باعتبارها بوابة أساسية لأي تفاهمات.

«صدام العرب»

التغني بصدام، الذي يُطلق عليه مؤيدوه في بنغازي وما حولها «صدام العرب»، تجاوز «الأوبريتات» الغنائية، وما تنتجه الطبقة الشعبية البسيطة الحالمة بالأمان الذي يوفره الشرطي والعسكري، ووصل إلى أطياف قبائلية عديدة وقوى موالية ترى فيه «المُخلّص».

فكثيرون من سياسيين ونشطاء ومدونين وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي موالون لـ«الجيش الوطني» زادوا من الحديث خلال الأسابيع الماضية عن صدام، و«أنه القادر على قيادة ليبيا».

ولجهة الرهان على صدام، ذهب محمد بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام في بنغازي، إلى أن «أميركا إذ تراهن على الفريق الشاب ليكون شريكاً أساسياً في الحل، فإنها تختار الطريق الصحيح؛ وتعرف أنها تراهن على من يعرف».

وكثيرون غير بعيو تصدوا بالتحليل للصورة التي نشرها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو للقائه حفتر في واشنطن، وعدوها دلالة على كيفية رؤية البيت الأبيض لنجل حفتر، الذي بات وشيكاً من خلافة والده في القيادة العامة.

وحلّل مصطفى الفيتوري، الكاتب الليبي، الموالي لنظام القذافي صورة صدام وروبيو، وقال: «تعني أن الضيف ليس فقط مقبولاً أميركياً، بل قد يكون مدعوماً، ولو مؤقتاً... هذه الصورة توحي بتأييد حفتر الابن في سعيه للوصول إلى طرابلس؛ ولكن سلماً لا حرباً».

وتبقى «الأوبريتات» والأغاني الشعبية التي تُنتج في شرق ليبيا راهناً للتغنّي بصدام، مقدمة لترسيخ صورته القيادية، وبداية لما هو آتٍ، في قابل الأيام، فور صدور قرار - يراه مقربون منه قريباً - بتنازل والده المشير حفتر عن قيادة الجيش له.

وفي أحدها يغني الفنانون خالد الزروق، وعبد الرحمن العوامي، وصفاء سعد: «اليوم عامرة يا دار ما تنضامي/ جاك الفرج والفرح والتشييد... اليوم ليبيا جالت/ هذا صدام، صدام العرب صنديد من صناديد... زغرتي يا صابرة/ صدام مستقبل الوطن أكيد».

صدام حفتر نائب القائد العام لـ"الجيش الوطني" الليبي (القيادة العامة)

حسابات و«جهوية» و«تدخلات خارجية»... تشابكات الأزمة الليبية

> لا تبدو الأزمة الليبية مجرد خلاف سياسي بين أطراف تتنافس على السلطة، بقدر ما تحولت، خلال السنوات الماضية، إلى شبكة معقدة من الحسابات الداخلية الممتزجة بـ«الجهوية»، و«الأجندات الخارجية»، والمصالح الاقتصادية، الأمر الذي جعل أي مسار نحو التسوية يصطدم بعقبات حادة. في الداخل، لا يزال الانقسام المؤسسي أحد أبرز أسباب استمرار الأزمة؛ فوجود سلطات متنافسة، وانقسام أمني وعسكري، وظهور نزوع جديد نحو الجهوية، بإعلان 9 بلديات من غرب ووسط إلى شمال غربي ليبيا عن تدشين «إقليم الوسطى»، يعد كاشفاً لتجذر الخلاف. كما أن غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة يدفع كل طرف إلى التعامل مع أي مبادرة سياسية بحذر شديد، خشية أن تمنح خصومه مكاسب جديدة على حسابه، وبالتالي يتم عرقلة الوصول إلى صيغة توافقية لإدارة المرحلة الانتقالية. وتبقى الانتخابات، رغم الاتفاق الواسع على أنها المخرج الطبيعي للأزمة، إحدى أكثر القضايا تعقيداً... فالخلاف لا يقتصر على موعد إجرائها، بل يمتد إلى القوانين المنظمة لها، وشروط الترشح، وضمانات قبول النتائج، فضلاً عن تأمين العملية الانتخابية في مختلف أنحاء البلاد. لذلك، كثيراً ما تتحول المبادرات السياسية في ليبيا إلى جولات جديدة من الخلاف، بدلاً من أن تكون جسوراً نحو الحل. وفي موازاة ذلك، يحتل النفط موقعاً محورياً في المشهد الليبي. فالثروة النفطية ليست مجرد مورد اقتصادي، بل أصبحت ورقة نفوذ يستخدمها طرفا الأزمة في طرابلس وبنغازي، لتعزيز مواقعهما السياسية والمالية. وعليه، فإن الجدل المتكرر حول إدارة الإيرادات النفطية وآليات توزيعها يؤدي إلى زيادة حدة التوتر، خصوصاً مع ارتباط هذه العائدات بتمويل مؤسسات الدولة والإنفاق العام، وهو ما يجعل أي خلاف بشأنها يتجاوز البعد الاقتصادي إلى أبعاد سياسية وأمنية. ويرى متابعون أن جانباً كبيراً من الصراع يرتكز على السيطرة على المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي في طرابلس؛ إذ إن الجهة التي تسيطر على هاتين المؤسستين تتحكم في تدفقات النقد الأجنبي وعائدات النفط. أما العامل الخارجي، فلا يقل تأثيراً عن العوامل الداخلية. فما زالت ليبيا ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، لكل منها أولوياتها ورؤيتها لمستقبل البلاد. وبينما تعلن هذه الأطراف دعمها للحل السياسي، فإن تباين مصالحها ينعكس أحياناً على مواقف القوى المحلية نفسها، ما يُبقي حالة الاستقطاب قائمة. وفي المحصلة، فإن تعقيد الأزمة الليبية لا يعود إلى سبب واحد، بل إلى تداخل السياسة بالأمن والاقتصاد، وامتزاج الحسابات المحلية بالمصالح الخارجية. وينتهي متابعون إلى أن أي حل قابل للتطبيق يحتاج إلى توافق ليبي واسع، تدعمه إرادة دولية منسجمة تحترم سيادة البلاد، مع معالجة الملفات الاقتصادية والأمنية بالتوازي مع المسار السياسي بعيداً عن أي «جهوية أو حسابات دولية».


موجات الحر الشديد تدفع أوروبا إلى حافة الهاوية

غرفة تبريد مجهزة بمكيف في باريس فتحت أمام العامة للتبرد خلال موجة الحر الشديد (رويترز)
غرفة تبريد مجهزة بمكيف في باريس فتحت أمام العامة للتبرد خلال موجة الحر الشديد (رويترز)
TT

موجات الحر الشديد تدفع أوروبا إلى حافة الهاوية

غرفة تبريد مجهزة بمكيف في باريس فتحت أمام العامة للتبرد خلال موجة الحر الشديد (رويترز)
غرفة تبريد مجهزة بمكيف في باريس فتحت أمام العامة للتبرد خلال موجة الحر الشديد (رويترز)

لم يستيقظ الأوروبيون بعد من وقع صدمة موجة الحر الشديد، التي لفت القارة، وتركت آثارها حتى بعد أن انجلت. فقد سجلت أوروبا أعلى درجات حرارة في تاريخها في شهر يونيو (حزيران)، مع تخطيها عتبة 40 درجة مئوية في كثير من الدول. وإذا كانت دول جنوب أوروبا أكثر اعتياداً على موجات الحر الشديد واستعداداً لها، فإن هذه الظاهرة جديدة على دول غرب ووسط أوروبا غير المؤهلة للتعامل مع درجات حرارة بهذه الحدة. وكان هذا ظاهراً في الآثار الفورية لموجة الحر وعدد الوفيات الذي قارب 1300 وفاة، بحسب منظمة الصحة العالمية، منذ 21 يونيو، قرابة الألف منها في فرنسا وحدها.

كشفت موجة الحر الأخيرة ضعف البنى التحتية في أوروبا، خاصة في قطاعي الصحة والنقل، وعدم استعدادها أو قدرتها على التأقلم مع درجات حرارة مرتفعة بهذا الشكل. وكادت المستشفيات في فرنسا تنهار بسبب ضغط المرضى المصابين بضربات حرّ، فيما توقفت القطارات عن العمل في ألمانيا وأغلقت طرقات سريعة بعد ذوبان الأسفلت والأضرار التي لحقت بسكك الحديد وإشارات المرور. واضطرت مدارس في بريطانيا وألمانيا وفرنسا وعدد آخر من الدول الأوروبية إلى إغلاق أبوابها أمام الطلاب لعدم جاهزية المباني للتعامل مع الحر الشديد. ورغم تكرر موجات الحر سنوياً في أوروبا منذ أعوام، فقد كانت موجة الحر الأخيرة الأقسى، وكان «من المستحيل حدوثها لولا التغير المناخي» بحسب دراسة أجرتها مبادرة «إسناد أحوال الطقس العالمية».

القبة الحرارية

كانت فرنسا المركز الرئيسي لموجة الحر الشديد في أوروبا، التي بدأت في 20 يونيو الماضي، والدولة الأكثر معاناة، وشهدت أكبر عدد من أيام الحر مقارنة بالدول الأخرى. فقد تشكلت «القبة الحرارية» فوق أجوائها ومكثت فيها 7 أيام تقريباً، توسعت خلالها لتشمل دولاً أخرى في جنوب أوروبا، مثل إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، لتمتد بعدها إلى بلجيكا وهولندا وبريطانيا، ثم وصلت إلى وسط وشرق أوروبا، في ألمانيا وبولندا وتشيكيا والنمسا والمجر. ورغم أن ظاهرة «القبة الحرارية» ليست جديدة، فإنها لم تكن يوماً بهذه الحدّة في أوروبا. وتحدث هذه الظاهرة الجوية عندما يتمركز مرتفع جوي قوي فوق منطقة واسعة لعدة أيام، فيصبح أشبه بغطاء أو قبة تحبس الهواء الساخن بالقرب من سطح الأرض. وتكمن خطورة هذه الظاهرة في بقاء درجات الحرارة مرتفعة حتى الليل، ما يمنع الأشخاص والأبنية من التخلص من الحرارة التي تتكدس طوال اليوم. وقد وصلت بالفعل درجات الحرارة خلال موجة الحر إلى درجات قياسية في الليل، ولم تنخفض أحياناً عن 30 درجة مئوية، ما دفع خبراء للحديث عما يشبه «الليالي الاستوائية» في أوروبا.

ولا يتسبب التغير المناخي بهذه الظاهرة إلا أنه يساهم بجعلها أكثر تكراراً وأشد حرارة وأطول مدة. وبحسب خبراء أرصاد جوية في جامعة ريدينغ البريطانية، فإن عاملين يجعلان من «القبب الحرارية» أزمة صيف متكررة في أوروبا؛ العامل الأول أن التغير المناخي أدى إلى رفع درجات الحرارة على الأرض، ما يعني أنه عندما تتشكل «قبة حرارية» تبدأ من درجات حرارة أعلى من السابق، ما يسرع الوصول إلى درجات الحرارة القصوى. والعامل الثاني يتعلق بحركة الرياح المرتفعة أو «التيار النفاث»، وهذا العامل تغيّر بسبب ارتفاع درجات حرارة القطب الشمالي.

وبسبب قرب القارة الأوروبية من القطب الشمالي، الذي ترتفع درجة الحرارة فيه بمعدل 3 إلى 4 مرات المتوسط العالمي، فإن هذا يسرع من ارتفاع درجات الحرارة في أوروبا كذلك. وبحسب خبراء مناخ، فإن القارة الأوروبية تشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة بمعدل يبلغ ضعف المتوسط العالمي، ما يجعلها عرضة لأنظمة «القبة الحرارية».

وتعي الحكومات الأوروبية ارتباط التغير المناخي بتزايد حدة موجات الحر الشديدة، التي تشهدها القارة، وقد أقرت الحكومات والاتحاد الأوروبي خططاً لتخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، لكن الالتزام بها غير متوازٍ لدى كل الدول الأوروبية. وتحاول أوروبا زيادة اعتمادها على الطاقة البديلة وزيادة المساحات الخضراء، من بين عدة خطوات، لكن الحرب في أوكرانيا والمخاوف المتعلقة بأمن الطاقة دفعتا بكثير من الدول إلى تأجيل خطط بإغلاق مناجم الفحم الحجري الشديد التلوث. كما أن الأزمات الاقتصادية المتتالية من أزمة «كورونا» إلى الحرب في أوكرانيا زادا من الضغوط على الاقتصادات الأوروبية، ما دفع بكثير من الحكومات لتأجيل خطط مناخية مكلفة خوفاً من زيادة النقمة الشعبية.

شقة علية في باريس أغلقت نوافذها بقماش لإبقاء الحر خارجاً خلال موجة الحر الشديد في يونيو 2026 (أ.ف.ب)

آثار اقتصادية

ولكن موجات الحر الشديد تحمل بدورها آثاراً اقتصادية مدمرة على الدول الأوروبية. فغياب ثقافة المكيفات ونقص البنية التحتية القادرة على التكيف مع درجات حرارة مرتفعة، سيؤديان إلى تقليص الإنتاجية وزيادة الأعباء المالية على الأفراد، بحسب عدد من الدراسات. وبحسب دراسة لمجموعة «أليانز» الألمانية، فإن موجات الحر يمكن أن تكلف ألمانيا أكثر من 130 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030. وأضافت الدراسة أن ارتفاع درجات الحرارة تقلص من الإنتاجية وتؤدي إلى رفع أسعار الطاقة، ما يؤثر على الشركات والاستثمارات. واعتبرت الدراسة أن الإنتاجية يمكن أن تنخفض بـ3 في المائة عن كل درجة حرارة تزيد على 30 درجة مئوية. واعتبرت الدراسة أن «تكييف الاقتصادات مع الحرارة الشديدة سيصبح عاملاً رئيسياً في التنافسية».

الشرطة الألمانية ترش المياه أمام ملعب أولمبيك في برلين للسماح لرواد حفل المغني الأميركي برونو مارس بالترطب يوم موجة الحر الشديد 28 يونيو (أ.ف.ب)

ضرورة التأقلم مع الحر الشديد

وتعدد الدراسة 4 محاور يجب العمل عليها لتصبح الاقتصادات الأوروبية قادرة على التأقلم مع الحر الشديد، في طليعتها تنظيم العمل، ثم تجهيز المباني، وإدارة الإنفاق العام، ودعم أفضل للأسر. وفي النقطة الأولى، يشير التقرير إلى أنه لا توجد قواعد قوية في كل الدول تحدد متى يجب التوقف عن العمل بسبب الحرّ، وهذا يجعل كثيراً من العمال غير محميين. ويوصي التقرير بتحديد درجات حرارة إلزامية يتم عندها تقليل العمل أو إيقافه، وتعويض العمال عن ساعات العمل الضائعة.

ويتحدث التقرير في المحور الثاني عن الأبنية، ويشير إلى أن معظم الأبنية الأوروبية غير مصممة لتحمل الحرّ، بل على العكس، هي مبنية لكي تحصر الحرارة في الداخل. وهذا يتطلب بحسب الدراسة تصميم مبانٍ جديدة لا تسخن بسهولة، وتحسين المباني القديمة لتبقى أكثر برودة وتوفير تبريد للفئات الضعيفة. ويشار إلى أن قرابة 20 في المائة فقط من الأبنية في أوروبا مجهزة بمكيفات، ومعظم هذه هي مبانٍ عامة، وليست منازل خاصة. حتى المستشفيات ودور العجزة والروضات والمدارس غير مجهزة بمكيفات، ما يجعل المرضى والكبار في السن والأطفال من الفئات الأكثر عرضة للخطر في أوقات الحرّ الشديد.

ويدعو التقرير في المحور الثالث الحكومات إلى وضع خطط بعيدة المدى للتكيف مع الحرّ عوضاً عن الاستجابة في أوقات الأزمات فقط، لأن هذا يعني أن كل موجة حر «تقضم» من الميزانية عوضاً عن أن تكون هناك استثمارات لحلول مسبقة. وبالفعل كان هذا ظاهراً، خاصة في البنى التحتية التابعة للمواصلات، سواء الطرقات أو السكك الحديد التي تعرضت للذوبان.

ويتطرق التقرير في المحور الرابع إلى المساعدات المقدمة للأسر. ويشير إلى أن الأشخاص الأكثر عرضة للحر يكونون غالباً من الأفقر، ومن غير القادرين على شراء أجهزة تبريد أو تجمل تكلفة الطاقة لاستخدام الأجهزة. ويدعو التقرير إلى زيادة الدعم الحكومي المخصص لهؤلاء.

درجة حرارة 41 درجة مئوية سجلت في وسط برلين يوم السبت الماضي 27 يونيو 2026 (رويترز)

تأثير على مدخول الأفراد

وتدعم ذلك دراسة، أجراها علماء في مجموعة «تحليلات المناخ»، تستنتج أن موجات الحرّ المصحوبة بالجفاف تقلص من المدخول الفردي بقرابة 3 في المائة في أنحاء أوروبا، مع خسائر أكبر للمناطق الأكثر تأثراً. وبحسب الدراسة، فإن ارتفاع معدل درجات حرارة الأرض ستعمق من عدم المساواة، وتدخل ملايين من الأوروبيين في خطر الفقر. ويحذر العلماء من أنه لو ارتفعت درجة الحرارة بـ2.7 درجة مئوية بحلول عام 2100، وهو المرجح في ظل السياسات المناخية العالمية الحالية، فإن متوسط الدخل الفردي الأوروبي سينخفض بنسبة 27 في المائة. أما في حال الالتزام باتفاقية باريس للمناخ التي تحد الارتفاع الحراري بـ1.5 درجة مئوية بحلول عام 2100، فإن انخفاض الدخل الفردي ينخفض بنسبة 7 في المائة. والأكثر تأثراً بذلك هم الـ20 في المائة الأفقر في أوروبا.

وتعدد الدراسة بعض العوامل التي تلعب دوراً في تراجع متوسط الدخل الفردي، منها الأوضاع الصحية السيئة وانخفاض الإنتاجية وانخفاض الإنتاج الغذائي وتراجع الخدمات الحيوية المرتبطة بالمياه، مثل النقل وتوليد الطاقة. وقياساً إلى أرقام جمعها العلماء من موجات الحر والجفاف بين عامي 2004 و2022، فإن أكثر الأشخاص تأثراً بذلك هم من يعيشون في إسبانيا والمجر واليونان ورومانيا وبلغاريا وقبرص.

ورغم الدراسات العملية منذ عقود التي تحذر من آثار التغير المناخي وارتفاع درجات حرارة الأرض، فإن الدول الأوروبية ما زالت غير مستعدة للتعامل مع آثارها. ففي بريطانيا، استنتجت لجنة تغير المناخ، وهي هيئة استشارية قانونية للحكومة البريطانية، أن خطط التكيف لدى الحكومة تعود إلى عام 2008، و«هي لم تعد ملائمة». أما في فرنسا، فقد انتقد المجلس الأعلى للمناخ، وهو أيضاً جهة استشارية للحكومة، الإجراءات المتخذة للتكيف مع موجات الحر، قائلاً إن «الفجوة تتسع» بين احتياجات التكيف والإجراءات. وفي ألمانيا خلصت دراسة مجموعة «تحليلات المناخ» إلى أن البلاد «تفتقر إلى حلول شاملة» لحماية السكان من آثار الإجهاد الحراري، وأنه «رغم إحراز بعض التقدم البطيء... فإن تنفيذ الخطط ما زال متعثراً إلى حد كبير».

ردّ فعل لا خطط بعيدة المدى

حتى الآن، فإن تصرفات معظم الحكومات الأوروبية تأتي كردة فعل على موجات الحر الشديد عند حدوثها، عوضاً عن إقرار خطط مدروسة طويلة المدى. فخلال موجة الحر الأخيرة، حول كثير من الدول الأوروبية المباني العامة المزودة بمكيفات لمناطق «للتبرد». في برشلونة بإسبانيا مثلاً، حددت الحكومة قرابة 500 ملجأ للتبرد معظمها مكتبات عامة وصيدليات ومراكز عامة. وفي أمستردام بهولندا حددت الحكومة مناطق مخصصة للتبرد تحوي على مياه للشرب وأماكن استراحة. وفي إيطاليا وعدد من الدول الجنوبية، منعت الحكومة العمل الخارجي مثلاً في قطاعات البناء والزراعة في أوقات ذروة الحرّ، وعوّضت العمال من صندوق حكومي مخصص كي لا يخسروا دخلهم. وفي فرنسا، حدّت الحكومة بيع المشروبات الكحولية خلال اليوم لتقليص الضغط على المستشفيات، وألغت نشاطات وحفلات خارجية. وفي ألمانيا، دعت شركة دويتشه بان المشغّلة للقطارات السريعة بين المدن إلى عدم السفر إلا للضرورة، وسمحت بإلغاء التذاكر من دون غرامة، واستخدمت الشرطة في برلين شاحنات ضخ مياه، تستخدم في المظاهرات، لرشّ المارة بالمياه وتبريدهم.

لكن الخبراء يحذرون من عدم كفاية «ردّ الفعل» على موجات الحرّ المتكررة، ويطالبون بضرورة تأقلم الدول الأوروبية كي تبقى قادرة على المنافسة. وهذا يتطلب تغييراً في ثقافة عدم قبول المكيفات، وهي الثقافة السائدة حالياً في معظم أوروبا، باستثناء الدول الجنوبية مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا، حيث المكيّفات أكثر انتشاراً. ولكن في دول مثل فرنسا وألمانيا ما زالت مقاومة تركيب المكيفات كبيرة، والتبرير بأن المكيفات ستزيد من استهلاك الطاقة، وهو السبب الرئيسي في التغير المناخي الذي يساهم في رفع درجات حرارة الأرض. ولكن هذه الثقافة قد تكون بدأت تتغير اليوم؛ حتى حزب الخضر في ألمانيا بدأ يطالب بزيادة تجهيز الأبنية الأساسية، أي المستشفيات ودور العجزة والروضات والمدارس، بأجهزة تكييف، وفي الوقت نفسه توسيع مشاريع الطاقة البديلة، خاصة الشمسية، التي تستفيد من موجات الحر، ما يقلص الاعتماد على الطاقة التقليدية المضرة بالبيئة.

ثقافة المكيفات

ولكن مشكلة أوروبا أبعد من مجرد ثقافة عدم القبول بالمكيفات، فكثير من الدول تمنع بالقانون تركيب أجهزة تكييف ظاهرة خارج المباني التقليدية التاريخية للحفاظ عليها. كما أن الأبنية القديمة صممت لكي تحفظ الحرارة في الداخل لا العكس، لمواجهة الصقيع الذي يجلبه فصل الشتاء والخريف، في وقت كان الحرّ فيه معتدلاً في الصيف. حتى الأبنية الحديثة، شيّدت بواجهات زجاجية ضخمة لإدخال النور، وشيّدت لتكون مقابل الشمس من دون عوازل خارجية على النوافذ. هذه الأبنية التي بنيت كي تجذب السكان إليها بأنوارها ودفئها باتت اليوم هي المشكلة الرئيسية. وفي باريس وبرلين والمدن الأوروبية الكبرى، تعدّ الشقق المرتفعة المبنية على سطح المبنى الأكثر جاذبية بسبب مناظرها والنور الذي يدخلها. لكن هذه الشقق تحديداً تعدّ اليوم الأكثر خطراً. وقد أظهرت دراسة قديمة أجريت بعد موجة الحرّ القاسية التي ضربت أوروبا عام 2003، وتوفي خلالها قرابة 70 ألف شخص، 15 ألفاً منهم في فرنسا، بأن العيش في شقق العلية تحت السطح مباشرة، يزيد من خطر الموت بالحرّ 4 مرات، ووجدت الدراسة التي نشرت في مجلة «ذا لانسيت بلانيتيري هيلث» عام 2023، أن باريس سجّلت أعلى معدلات المخاطر للوفيات المرتبطة بالحرارة بين 30 عاصمة أوروبية شملتها الدراسة.