إيمانويل ماكرون يسعى لاستعادة دور عالمي عبر البوابة المتوسطية

مقاتلة فرنسية من طراز «رافال» تقلع من الحاملة «شارل ديغول» قبالة ساحل قبرص (أ.ف.ب)
مقاتلة فرنسية من طراز «رافال» تقلع من الحاملة «شارل ديغول» قبالة ساحل قبرص (أ.ف.ب)
TT

إيمانويل ماكرون يسعى لاستعادة دور عالمي عبر البوابة المتوسطية

مقاتلة فرنسية من طراز «رافال» تقلع من الحاملة «شارل ديغول» قبالة ساحل قبرص (أ.ف.ب)
مقاتلة فرنسية من طراز «رافال» تقلع من الحاملة «شارل ديغول» قبالة ساحل قبرص (أ.ف.ب)

«فرنسا عادت»... كلمتان قالهما إيمانويل ماكرون بعد انتخابه رئيساً في مايو (أيار) 2017 بأكثر من 66 في المائة من الأصوات.
لكن أي فرنسا عادت؟ هل هي فرنسا الشأن الداخلي أم فرنسا الحضور الخارجي أم الإثنتان معاً؟
في الشأن الداخلي البحث شائك ومتشعب ويخضع لتجاذب آراء لا تحسمه إلا الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2022، أما في الشأن الخارجي فلا بد من النظر ملياً إلى ما يقوم به الرئيس الشاب في أوروبا، والأهم في الفضاء المتوسطي...
سخر كتّاب صحافيون أتراك، خصوصاً من الموالين للرئيس رجب طيب إردوغان، مما يقوم به ماكرون في شرق البحر المتوسط، معتبرين أنه ربّما يتمثّل بنابليون بونابرت الذي حاول توسيع الرقعة الجغرافية لفرنسا فأدت به طموحاته في النهاية إلى تقليصها. ورأى آخرون أن ماكرون يحاول في ما يخص السياسة الخارجية أن يكون شارل ديغول آخر، أي احترام الحلفاء لكن من دون الاصطفاف خلف الولايات المتحدة. ولا حاجة هنا للتذكير بالطريقة التي خرج بها ديغول من السلطة والاتجاهات المخالفة لرؤيته التي سلكتها فرنسا من بعده وإن بالتدريج.

*ماذا يفعل ماكرون؟
يحاول العودة بقوة إلى الشرق الأوسط «المزدحم»، ليس أقله بالوجود الروسي الميداني وغير الميداني، والحضور الاقتصادي الصيني، وطبعاً الدور الأميركي القوي والفعال في أكثر من مكان، ناهيك باللاعبين الإقليميين.
ويسجَّل هنا أن ماكرون زار لبنان مرتين، الأولى بعد كارثة انفجار المرفأ في الرابع من أغسطس (آب) والثانية مطلع سبتمبر (أيلول)، قبل أن يتوجه مباشرة بعد الزيارة الثانية إلى بغداد. كما عزز الوجود العسكري الفرنسي في شرق البحر المتوسط، تحديداً في لبنان واليونان.
توجه ماكرون إلى لبنان تحت عنوان العلاقات الخاصة بين البلدين ومساعدة البلد الصغير الذي أثخنته الجراح. وما لبث أن انخرط في الشأن الداخلي كما كان يفعل قناصل الدول الأوروبية في لبنان القرن التاسع عشر، ثم فرنسا الدولة المنتدَبة على «لبنان الكبير» في جزء من القرن العشرين.
وكانت باريس القوة الدافعة وراء تسمية رئيس وزراء جديد والضغط لتأليف حكومة جامعة تضطلع بمسؤولية إنهاض لبنان من عثرته. ولم يتوانَ عن تأنيب السياسيين اللبنانيين وانتقاد الفساد بحدة، جازماً بأن لا مساعدات خارجية من دون إصلاحات حقيقية.
أما المحور الآخر الذي تنشط فيه فرنسا متوسطياً، فيتعلق بتركيا واليونان وقبرص، والتنقيب التركي عن الغاز في مناطق حساسة بما سبب قلقاً في المنطقة. ولم يتردد الجانبان التركي والفرنسي في تبادل الانتقادات والاتهامات، خصوصاً بعد الحادث البحري الذي وقع بينهما بسبب ليبيا. ووصل الأمر بماكرون إلى إرسال قوة عسكرية إلى جزيرة كريت اليونانية.

*هجرة ومهاجرون
ثمة من يقول إن ماكرون يقوم بعرض العضلات خارجياً ليغطي عدم قدرته على تحقيق الكثير داخلياً حيث اصطدمت محاولاته الإصلاحية الرامية إلى تخفيف الأعباء المالية عن الدولة برفض شعبي واسع يتخّذ لون السترات الصفر حيناً، ويلبس الثوب النقابي حيناً آخر.
وثمة من يقول إن الأمر أبعد من ذلك، فالأمر يتعلق بمشكلة اللاجئين، ومسألة الطاقة، والدور التركي في الإثنتين.
فموقف ماكرون من الأزمة الليبية على سبيل المثال يتصل بخشيته من تدحرج الأمور إلى حد يدفع بموجات جديدة من المهاجرين شمالاً نحو الضفة الأوروبية من البحر المتوسط، علماً أن ليبيا هي البوابة الرئيسية التي يحاول مهاجرون من شتى أنحاء أفريقيا العبور منها إلى الجنّة الأرضية الموعودة.
كذلك، تستطيع تركيا أن ترفع في وجه اليونان ومن ورائها أوروبا الغربية، سلاح السماح لآلاف اللاجئين بالخروج من أراضيها والتدفق غرباً...
والأمر نفسه ينطبق على لبنان، ففي حال حصول انهيار وصدام قد يخرج لبنانيون كثر من بلادهم بحثاً عن ملاذ، من دون أن ننسى أن البلد الصغير يستضيف مليوناً ونصف مليون سوري على الأقل هربوا من الحرب في ديارهم.
وهل يعتقد أحد، في هذا السياق، أن ماكرون يتحمّل حصول موجة نزوح جديدة نحو فرنسا والانتخابات الرئاسية لم تعد بعيدة؟

*ما تحت الماء
في موازاة ذلك، يجب ألا ننسى ما يرقد تحت الماء في شرق المتوسط من نفط وخصوصاً غاز. وليس سراً أن جهود شركة توتال الفرنسية تعثرت بسحر ساحر، سواء في قبرص أو لبنان، مع أنه من المعروف على نطاق واسع أن في مياه البلدين كميات وافرة من الغاز يمكن أن تقلب المعادلات الاقتصادية وتغيّر وجه المستقبل في تلك البقعة من العالم. يضاف إلى ذلك ما في باطن الأرض في كل من ليبيا والعراق من مصادر للطاقة.
هنا تدخل تركيا على الخط، بل هي موجودة في المشهد بكل مكوناته: في ليبيا تؤدي دورا محوريا في الأزمة عبر دعمها حكومة الوفاق في طرابلس، في العراق تتدخل عسكرياً في مناطق وجود مسلحين موالين لحزب العمال الكردستاني، في قبرص واليونان حيث تصول وتجول سفنها للتنقيب عن موارد الطاقة مخلفةً وراءها أمواجاً من التوتر، وحتى في لبنان حيث يقال إنها تدعم قوى سياسية معينة وتوسع حضورها خصوصاً في مناطق الشمال.
وليس سراً، في أي حال، أن فرنسا لطالما عارضت انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لأسباب عدة تتضافر لتجعل الأولى غير مقتنعة بأن الثانية تملك هوية أوروبية أو يمكن أن تملكها يوماً. ولا شك في أن وجود حزب العدالة والتنمية في الحكم، لن يغيّر وجهة نظر فرنسا وشركاء أوروبيين أساسيين في هذا المجال.
وإذا زدنا إلى ذلك شخصية إردوغان وسلوكه الفجّ في مقاربته لكثير من المسائل الخارجية، وكلامه القاسي بحق فرنسا أخيراً، وبحق أوروبا عموماً، نرى أن التعقيدات تأخذ بعداً شخصياً بين الرئيسين التركي والفرنسي اللذين يبدو أن الود المفقود بينهما سيبقى مفقوداً...

*فرص النجاح
لا ريب في أن إيمانويل ماكرون يتمتع بالشجاعة للاضطلاع بدور قيادي في المتوسط، كما أثبت في القمة الأخيرة التي استضافها في كورسيكا وجمعت دول «ميد 7» المتوسطية المنتمية إلى الاتحاد الأوروبي، أي فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال واليونان وقبرص ومالطا. وكان المضمون المعلن هو البحث في طريقة التعامل مع السلوك التركي في المنطقة.
ولا شك في أن الرئيس الفرنسي يمتلك «روح المغامرة» ليدخل المعمعة اللبنانية ويحاول ترتيب ما يمكن ترتيبه في البيت المخرّب لعلّه يقيه شر السقوط في زمن مئوية «لبنان الكبير» الذي قام في الزمن الفرنسي.
كذلك، تثير التعجب والإعجاب تحركات في فرنسا باتجاه العراق وليبيا وسواهما في وقت نسي العالم أن لدولة أوروبية ما دوراً «مستقلاً» خارج حدودها.
لكن ما هي فرص نجاح المساعي الفرنسية؟
قد يبدو من غير المنصف إطلاق حكم مسبق. لكن القراءة الواقعية للتاريخ الحديث وللحاضر تدفع إلى القول إنّ فرنسا وإن ملكت سلاحاً نووياً وجيشاً حديثاً وقوة اقتصادية لا يستهان بها، فإنها لا تستطيع تغيير المعادلات في منطقة ما من العالم من دون أحلاف أو تفاهمات تسمح لها بتأدية دور يبدو في الظاهر أنه يمنحها بعداً عالمياً، في حين أنها لا تمثل في الحقيقة إلا مكوّناً من آلية أكبر يعمل محرّكها في موقع آخر عبر المحيط الأطلسي...



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».