فرنان بروديل... فهم العالم المتوسطي بضفتيه الجنوبية والشمالية

أحد كبار المؤرخين الفرنسيين في القرن العشرين

فرنان بروديل
فرنان بروديل
TT

فرنان بروديل... فهم العالم المتوسطي بضفتيه الجنوبية والشمالية

فرنان بروديل
فرنان بروديل

يعتبر فرنان بروديل (1902 - 1985) أحد كبار المؤرخين الفرنسيين بل والعالميين في القرن العشرين. وقد اشتهر بمؤلفاته التي أصبحت مراجع لجميع الباحثين الأكاديميين في شتى أنحاء العالم. نذكر من بينها: البحر الأبيض المتوسط والعالم المتوسطي في عهد الملك فيليب الثاني في عدة أجزاء. ثم معجم الحضارات، ثم كتابات حول علم التاريخ، ثم ديناميكية الرأسمالية، ثم هوية فرنسا في ثلاثة أجزاء، ثم الحضارة المادية، الاقتصاد والرأسمالية في ثلاثة أجزاء أيضا، إلخ... ويعتقد الكثيرون أنه لا يمكن فهم الحضارة الغربية في العمق بدون الاطلاع على كتابات بروديل. وكذلك لا يمكن فهم العالم المتوسطي بكلتا ضفتيه الجنوبية والشمالية أو العربية والأوروبية بدون الاطلاع على ما كتبه عن الموضوع. ولا يمكن فهم التجديد الذي طرأ على علم التاريخ الحديث بدون الاطلاع على تنظيراته الهامة حول هذا الموضوع الخطير. ولذا يفضل ترجمة جميع كتبه إلى اللغة العربية.
يرى هذا المؤرخ الشهير أنه لا يمكن فهم الفكر الأوروبي خارج إطار الحوار مع المسيحية حتى ولو كان هذا الحوار عنيفا عاصفا بل وحتى لو كان مضادا للمسيحية نفسها. ذلك أنه حتى عندما أصبح الإنسان الأوروبي لا متدينا بل وملحدا فإن ردود فعله النفسية، وسلوكه، وأخلاقياته، ظلت متجذرة في التراث المسيحي الذي طبع الحياة الأوروبية بطابعه الخاص على مدار القرون المتطاولة. ويمكن أن نقول عن الإنسان الأوروبي بأنه من «دم مسيحي» كما كان يقول الكاتب المعروف مونترلان عن نفسه بأنه من دم كاثوليكي رغم أنه كان قد فقد الإيمان بالمسيحية منذ زمن طويل ولم تعد له أي علاقة يومية بالدين. بل وأصبح ملحدا بالخالص.
نفهم من كلام بروديل أنه ينبغي التفريق بين المسيحي ثقافيا أو سوسيولوجيا/ والمسيحي إيمانيا وعقائديا. فالمسيحي ثقافيا شخص لا يتقيد بالطقوس والشعائر ولم يعد يؤمن بالعقائد اللاهوتية القديمة ولكن خلفيته الميتافيزيقية تظل مع ذلك مسيحية لأنه تربى في عائلة مسيحية أو لأن المسيحية هي دين الأمة الفرنسية على مدار ألف وخمسمائة سنة على الأقل. هذا الكلام ينطبق أيضا على الناحية الإسلامية. فالكثيرون من المثقفين العرب الحداثيين ما عادوا يمارسون الطقوس والشعائر ولكنهم مع ذلك يظلون ذوي خلفية ميتافيزيقية وحساسية إسلامية.
ملاحظة أخرى: هذا الكلام قاله المؤرخ الشهير قبل ستين سنة على الأقل. وحتما كان صحيحا وقتها ولكن فرنسا تغيرت كثيرا بعد ذلك وخرجت من المسيحية كليا تقريبا.
وأخذ المثقفون يتحدثون عن عهد الخروج من المسيحية. أنظر كمرجع أساسي الباحث الشهير إميل بولا وكتابه عن دخولنا أو بالأحرى دخول الغرب في عهد ما بعد المسيحية والخروج من الدين كليا. وبالتالي ففرنسا كانت لا تزال مسيحية كاثوليكية في أعماقها عندما كتب بروديل هذا الكلام في الخمسينات من القرن الماضي. في ذلك الوقت كان 60 أو 70 في المائة من الفرنسيين يحضرون القداس في الكنيسة يوم الأحد ولو لمرة واحدة في الشهر على الأقل ولكنهم الآن ما عادوا أكثر من 5 في المائة ومعظمهم من العجائز. لقد أصبحت الكنائس فارغة بل وتحولت إلى ما يشبه المتاحف. هذا وقد قال بعضهم الكلام الجوهري التالي: قبل حصول التقدم العلمي والطبي الكبير وتأمين الضمان الصحي والعلاج المجاني للشعب كان الغربيون متدينين جدا ويعتمدون على الله ويبتهلون إليه ويتضرعون إذا ما أصابتهم مصيبة أو حل بهم مرض معين. وأما الآن فما عادوا بحاجة للاستعانة بالله والإكثار من الصلوات والتضرعات لأن الضمان الصحي الكامل أعطاهم الثقة الكاملة بأنفسهم وطمأنهم وأغناهم عن ذلك! ما رأيكم بهذه الفكرة دام فضلكم؟ هل هي فكرة شيطانية أم فكرة واقعية؟ نترك لكم حرية الجواب.
ماذا نستنتج من نظريات بروديل بشكل عام؟ نستنتج أن عصر النهضة في القرن السادس عشر على عكس ما نتوهم لم يكن ملحدا ولا خارجيا على المسيحية. لا ريب في أنه كان معجبا بالحضارة اليونانية - الرومانية القديمة السابقة على المسيحية والتي كانت وثنية. ولكنه كان يحاول دائما أن يصالح بينها وبين المسيحية. بمعنى آخر فإنه لم يكن ملحدا على عكس ما يشاع...
ولكن بروديل يضيف قائلا بأن الحياة الروحية والفكرية لأوروبا كانت مطبوعة دائما بالطابع العنيف للتغيير والتجديد. وهذا ما يميزها عن العالم الإسلامي الذي ظل جامدا لفترة طويلة من الزمن بل ولا يزال حتى الآن. من هنا سر تفوق أوروبا على العالم الإسلامي الذي كان متفوقا عليها يوما ما. فهي - أي أوروبا - تحب القطيعات والطفرات والعواصف الفكرية والثورات العلمية بحثا عن معنى آخر جديد وأفضل باستمرار. ولكن رغم ذلك فإن هذه المتغيرات لا ينبغي أن تنسينا تلك الاستمرارية التواصلية العنيدة لفكرها وحضارتها. وهذه الاستمرارية التواصلية واضحة عبر التجارب المتتالية للفكر الأوروبي بدءا من المجلد اللاهوتي الكبير للقديس توما الأكويني وانتهاء بمقال في المنهج لديكارت مرورا بعصر النهضة والإصلاح الديني وانتهاء بالثورة الفرنسية ثم الثورة الصناعية التي كانت شكلت قطيعة كبرى في تاريخ البشرية.
كتعليق على كلام بروديل هنا نقول ما يلي: يعتبر القديس توما الأكويني أكبر مرجعية مسيحية كاثوليكية في القرون الوسطى. ومعلوم أنه عاش ومات في القرن الثالث عشر (1225 - 1274). وهو إيطالي الأصل ولكن البلدان المسيحية لم تكن مفصولة عن بعضها البعض آنذاك كما حصل بعد تشكل الدول القومية في القرن التاسع عشر. كانوا جميعا من فرنسيين وإنجليز وإيطاليين وألمان إلخ ينتمون إلى العالم المسيحي ويشعرون بأنهم مسيحيون قبل أن يكونوا ألمانا أو فرنسيين أو إيطاليين إلخ... كان الدين آنذاك هو العامل الغالب والأهم في التمييز بين البشر وليس الجنسية أو القومية. يضاف إلى ذلك أن لغة الثقافة والدين والفكر كانت مشتركة بين الجميع ألا وهي اللاتينية. جميع الفلاسفة ورجال الدين الكبار كانوا ينشرون مؤلفاتهم بها إبان العصور الوسطى بل وحتى القرن السابع عشر عصر سبينوزا وديكارت. فيما بعد تشكلت اللغات القومية من فرنسية وإيطالية وإنجليزية وألمانية إلخ وحلت محل اللغة الجامعة: اللاتينية. نضيف بأن الكتاب الذي يشير إليه بروديل هنا من أشهر الكتب المسيحية في القرون الوسطى. ولا يعادله في الجهة العربية الإسلامية إلا كتب الغزالي أو ابن رشد. فما هو هذا الكتاب يا ترى؟ إنه عبارة عن مجلد لاهوتي فلسفي ضخم في ثلاثة أجزاء. وهو أضخم من الكتاب المقدس بثلاث مرات. ويأتي من حيث الأهمية في المرتبة الثالثة بعد الإنجيل ومقررات المجامع الكنسية ورسائل الباباوات وفتاواهم.
وهو مؤلف على الطريقة السكولائية أي المدرسانية الاجترارية القديمة التي كانت متبعة إبان القرون الوسطى. وهي التي ثار عليها ديكارت في كتابه الشهير مقال في المنهج. كتاب توما الأكويني صدر حوالي عام 1270 وكتاب ديكارت عام 1637. أي بعد أربعة قرون تقريبا. وقد أغلق ديكارت بهذا الكتاب العبقري عقلية العصور الوسطى في أوروبا ودشن عقلية العصور الحديثة. والسؤال المطروح هنا هو التالي: من سيغلق عقلية العصور الوسطى في العالم العربي أو الإسلامي كله؟ نقصد بذلك من سيتجاوز كتاب إحياء علوم الدين للغزالي الذي يشبه كتاب توما الأكويني في الجهة المسيحية؟ أين هو ديكارت العربي الذي سينقذنا من الانغلاقات اللاهوتية القروسطية؟ أم أن الجمود سيظل لاصقا بالعالم الإسلامي وبالتالي العربي إلى أبد الدهر؟ لا نعتقد ذلك. فالعالم العربي الذي صنع العصر الذهبي في بغداد وقرطبة يوما ما قادر على صناعته مرة أخرى. وهذا يعني أن ظلمات العصور الوسطى لن تدوم إلى الأبد. فعاجلا أو آجلا سوف تطل علينا أنوار الحضارة العربية الإسلامية مجددا. عاجلا أو آجلا سوف يتصالح الإسلام مع الحداثة والحداثة مع الإسلام. وسوف ينتج عن ذلك الخير العميم ليس فقط لنا وإنما للبشرية كلها.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.