الاقتصاد السعودي... تماسك اقتصادي في وجه وباء «كورونا»

المملكة تحتفل باليوم الوطني وسط مؤشرات تفاؤل بتعافي قطاعات الأعمال من تداعيات الجائحة

جانب من احتفالات سعودية بمناسبة اليوم الوطني (الشرق الأوسط)
جانب من احتفالات سعودية بمناسبة اليوم الوطني (الشرق الأوسط)
TT

الاقتصاد السعودي... تماسك اقتصادي في وجه وباء «كورونا»

جانب من احتفالات سعودية بمناسبة اليوم الوطني (الشرق الأوسط)
جانب من احتفالات سعودية بمناسبة اليوم الوطني (الشرق الأوسط)

وسط احتفاء السعودية بيومها الوطني التسعين، يرى اقتصاديون سعوديون أن الاقتصاد الوطني استطاع أن يتماسك في وجه جائحة كورونا وانعكاساتها الصعبة، من خلال الدعم الحكومي المتواصل لقطاع الأعمال في ظل الوباء، ما أسهم في الحفاظ على الأداء الاقتصاد المتوازن، وتغلب الاقتصاد كذلك على التحديات الصحية والاقتصادية الاستثنائية بمبادرات إنسانية ومالية معززة لضمان الاستقرار الاقتصادي والعودة للحياة الطبيعية.
وقال لـ«الشرق الأوسط» الدكتور محمد بن دليم القحطاني أستاذ الإدارة الدولية: «تعيش المملكة هذه الأيام احتفالات اليوم الوطني رغم ما مرت به البلاد خلال الأشهر الماضية من أزمة هذا الوباء وهذه الجائحة التي عانت منها جميع القطاعات وخاصة قطاع الاقتصاد والقطاع الخاص، ورغم أن الأزمة ألقت بثقلها على جميع دول العالم في الكرة الأرضية، فإن السياسات التي اتبعتها المملكة خلال الأزمة والتعامل الحكيم مع كل الجوانب، وخصوصاً فيما يتعلق في دعم الاقتصاد والقطاع الخاص، كانت سياسات حكيمة آتت أكلها وقللت كثيراً من آثار هذه الجائحة».
وأضاف القحطاني: «رصدت الحكومة السعودية أكثر من 200 مليار ريال (53.3 مليار دولار) لتخفيف آثار الجائحة على القطاع الخاص، وخففت من تداعياتها الثقيلة على كل الجوانب ومفرداته، في حين أن هناك مؤسسات خاصة، كالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، عانت بشكل أكبر، إلا أن جوانب الدعم المتعددة التي قامت بها الحكومة خاصة عبر وزارة العمل ووزارة التجارة ووزارة المالية وعدة جهات حكومية أخرى، خففت من آثار هذه الجائحة على هذه المؤسسات التي استطاعت أن تجتاز هذه الجائحة بأقل قدر ممكن من الأضرار على هذا الاقتصاد».
وتوقع القحطاني أن تستمر الحكومة في مراقبة الآثار السلبية التي خلفتها هذه الجائحة على القطاع الخاص واستمرار تقديم جوانب أخرى من الدعم خلال بقية هذا العام للنهوض بالاقتصاد الوطني وتجاوز النمو السلبي الذي متوقع أن ينتهي بهذا العام، مبدياً تفاؤله بأنه «لن ينتهي هذا العام إلا وأننا سنكون بشكل أفضل كثيراً من الكثير من دول العالم واقتصاديات المنطقة».
وفي هذا الإطار، قال فضل بن سعد البوعينين، عضو مجلس إدارة الجمعية المالية السعودية، لـ«الشرق الأوسط»: تعاملت المملكة بكفاءة مع جائحة كورونا على محورين رئيسيين: الأول المحور الصحي؛ حيث سارعت بتعليق العمل والدراسة والعمرة وإقامة الحج بأعداد محدودة، إضافة إلى شراكتها مع الصين، حيث تمكنت من توفير 9 ملايين فحص لتشخيص فيروس كورونا المستجد لتسعة ملايين شخص، إضافة إلى إنشاء 6 مختبرات ميدانية ومستشفيات ميدانية... ومن أهم مخرجاتها انحسار الوباء بشكل ملحوظ.
أما على المحور الاقتصادي، وفق البوعينين، قدمت حزم دعم بمئات المليارات للحد من انعكاسات الجائحة على الاقتصاد، وُجه الجزء الأكبر منها لدعم القطاع الخاص والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، كما تحملت الحكومة المقابل المالي على المنشآت، وما يقرب من 60 في المائة من أجور السعوديين في القطاع الخاص لحماية الوظائف، وقدمت قروضا ميسرة، إضافة إلى بعض التدابير الأخرى.
وأضاف البوعينين: «من المهم أن نشير إلى جهود مؤسسة النقد في حماية القطاع المالي والحد من انعكاسات الجائحة عليه؛ خاصة وأنها تتعامل مع القطاع المالي الذي يشكل قلب وشرايين الاقتصاد، حيث ضخت في منتصف مارس (آذار) الماضي 50 مليار ريال (13.3 مليار دولار) لمساعدة المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ومنها تأجيل مدفوعات 6 أشهر، إضافة إلى قروض ميسرة مضمونة بنسبة 90 في المائة وتحمل تكاليف المدفوعات الإلكترونية. وفي يونيو (حزيران) ضخت 50 مليار ريال (13.3 مليار دولار) لتعزيز السيولة في قطاع الملابس، وتم تمديد تأجيل المدفوعات لثلاثة أشهر أخرى تنتهي في منتصف ديسمبر (كانون الأول) قاربت تكاليفها ما بين 25 و30 مليار ريال (6.6 إلى 8 مليارات دولار)».
وبحسب البوعينين، كان لـ«مؤسسة النقد» الأثر الكبير في استقرار القطاع المالي ورفع سيولته والحد من تداعيات الاقتصاد، مشيراً إلى مساهمة المملكة في معالجة تداعيات كورونا الصحية والاقتصادية عالمياً؛ حيث نجحت المملكة في عقد قمة افتراضية استثنائية لمجموعة العشرين ضمن جهودها في رئاسة المجموعة وصدر عنها توصيات مهمة حدت من التداعيات، وقدمت مساهمات سخية للدول الفقيرة، وأسهمت في تأجيل أقساطها الدولية.
ويرى البوعينين أنه بشكل عام نجحت المملكة في إدارة الأزمة بكفاءة واحترافية ساعدت على خفض حجم التداعيات الاقتصادية، ويؤكد ذلك انخفاض معدل الانكماش خلال الستة أشهر الأولى عما كان متوقعاً من قبل صندوق النقد الدولي، متوقعاً أن يكون النمو في العام القادم أعلى مما توقعه صندوق النقد، «خاصة أن مؤشرات التعافي بدأت تظهر بالفعل، وربما نشهد تحولاً إيجابياً في الربع الأخير من العام الحالي خاصة مع تحسن أسعار النفط».
من جانب آخر، عزا تقرير اقتصادي أصدره مجلس الغرف السعودية أخيراً، النمو والتوسع المتواصل لدور القطاع الخاص في المملكة إلى دعم الحكومة ومساندتها للقطاع الخاص، واستجابتها للمقترحات الخاصة بإزالة معوقات تطوير القطاع وتحسين بيئة العمل ودعم مشاركته في البرامج التنموية، فضلاً عن سياسات تشجيع الاستثمار التي تنتهجها المملكة سواءً على المستوى المالي أو النقدي والانفتاح على العالم الخارجي، مما ساهم في زيادة الاستثمارات الخاصة ونمو حجم القطاع الخاص وتوسع مساهمته في عملية التنمية.
ونوه التقرير بالسياسات والإجراءات التي تم اتخاذها خلال جائحة كورونا لدعم نمو القطاع الخاص وتخفيف الآثار المالية والاقتصادية عليه، ويشمل ذلك طرح مؤسسة النقد العربي السعودي برنامجا تصل قيمته إلى نحو 50 مليار ريال (13.3 مليار دولار) لـتـعـزيـز السـيـولـة فـي القطاع المصرفي وتمكـيـنـه مـن الاستمرار فـي دوره فـي تـقـديـم التسهيلات الائتمانية لعملائه كافة في القطاع الخاص.
وبحسب التقرير، أقرت الدولة حزمــة من الإجراءات الناجعة للتخفيــف مــن تداعيــات فيــروس كورونــا على منشــآت القطــاع الخــاص والمســتثمرين، ومــن ذلــك تعليق إيقاف الخدمات للمستثمرين، والمقابل المالي، وتعديل إشعارات التخصيص المشروط للمستثمرين الصناعيين، وتأجيل إجراءات إلغاء الاتفاقيات الاستثمارية، وتسهيلات جديدة للشركات المستثمرة والعاملة في القطاع، وتأجيل الإقرار والسداد للزكاة، وتمديد الاتفاقيات الاستثمارية.



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.