«داعش» يفشل في بناء دولة بالعراق وسوريا

تدهور الأوضاع المعيشية في المناطق التي يسيطر عليها مع قوانين صارمة وخدمات تنهار.. والأسعار ترتفع والعقاقير نادرة والأمراض تتزايد

آثار الخراب والدماء في أحياء الموصل (واشنطن بوست)
آثار الخراب والدماء في أحياء الموصل (واشنطن بوست)
TT

«داعش» يفشل في بناء دولة بالعراق وسوريا

آثار الخراب والدماء في أحياء الموصل (واشنطن بوست)
آثار الخراب والدماء في أحياء الموصل (واشنطن بوست)

يبدو أن تجربة بناء دولة، التي يتباهى بها تنظيم داعش، تتداعى مع تدهور الأوضاع المعيشية في المناطق التي يسيطر عليها، مما يكشف مواضع قصور التنظيم، الذي يكرس جلّ جهده لخوض المعارك وفرض قوانين صارمة. الخدمات تنهار، والأسعار ترتفع، والعقاقير نادرة الوجود، في بلدات ومدن «الخلافة» التي أعلنها التنظيم في العراق وسوريا على حد قول السكان، وهو ما يثبت كذب التنظيم الذي يزهو بتقديمه نموذجا مثاليا لحكم المسلمين. ولا تتطابق المقاطع المتطورة المصورة التي ينشرها التنظيم وتظهر بها مكاتب حكومية يسير العمل بها على ما يرام وكذا مساعدات يتم توزيعها، مع الواقع الذي يعاني فيه السكان من الحرمان وانعدام التنظيم والقيادة المتخبطة على حد قولهم. ولم تظهر عملة «الدولة الإسلامية» التي تم التغني بها إلى حيز الوجود، وكذلك الحال بالنسبة إلى جوازات السفر التي وعد بها التنظيم.
والوضع في المدارس لا يسير كما ينبغي، وهناك نقص في الأطباء، والأمراض في تزايد.
وفي مدينة الموصل العراقية، أصبح الماء غورا لنفاد الكلور على حد قول صحافي يقيم هناك، لكنه رفض ذكر اسمه حفاظا على سلامته الشخصية. ويقول إن مرض الالتهاب الكبدي الوبائي قد انتشر، والدقيق قد ندر. وأضاف: «لم تعد هناك حياة في المدينة تقريبا. يبدو الأمر وكأننا نعيش في سجن كبير».
أما في مدينة الرقة السورية، التي أعلنها التنظيم عاصمة له، تتوافر المياه والكهرباء لنحو 3 أو 4 ساعات يوميا على الأكثر، في حين تتراكم القمامة، ويقتات فقراء المدينة على فضلات الطعام في الشوارع المزدحمة بالباعة الذين يقتنصون أي شيء يجدونه، كما يوضح أهل المدينة. ويظهر في مقاطع مصورة التقطتها سرا مجموعة من النشطاء نساء وأطفال يصرخون من أجل الحصول على صدقات من الطعام، في حين يأكل مسلحون أجانب الطعام الشهي، في إشارة إلى الفجوة التي بدأت تثير الاستياء.
جزء كبير من المساعدات مقدمة من هيئات إغاثة أجنبية، لا تزال تساعد سرا سكانا في مناطق سورية يسيطر عليها تنظيم داعش. وتمول الولايات المتحدة عيادات رعاية صحية، وتوفر أغطية، ومواد تغطية بلاستيكية، وأشياء أخرى لمساعدة المواطنين المحتاجين في الصمود خلال فصل الشتاء على حد قول مسؤول أميركي رفض ذكر اسمه نظرا لحساسية الموضوع.
ولا تزال الحكومة السورية تدفع الرواتب لموظفي الدولة الذين يساعدون في الحفاظ على ما تبقى من البنية التحتية المتقوضة في المدن السورية والعراقية على حد سواء، ويذهبون شهريا لتقاضي رواتبهم من مكاتب في مناطق تسيطر عليها الحكومة السورية.
وقال المسؤول الأميركي: «لا يعلم تنظيم داعش كيفية إدارة الأمور. وعندما يحدث نقص في العمالة، يصيبهم اليأس. إنه ليس لديه طاقم كامل من المهندسين وغيرهم لإدارة شؤون المدن، لذا ينهار الوضع».
وهناك مؤشرات على تداعي الروح المعنوية على الأقل بين بعض المقاتلين ممن اصطدمت توقعاتهم بإحراز نصر سريع بالضربات الجوية التي يشنها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. وقد دعا منشور تم توزيعه في مدينة الرقة خلال الشهر الحالي المقاتلين، الذين كانوا يوفرون جهودهم، إلى الانضمام إلى خطوط المواجهة، وتم إنشاء قوة شرطة جديدة تنتقل من منزل إلى آخر لإخراجهم. ولا يوجد ما يشير إلى أن تلك الصعوبات ستؤدي إلى تمرد، على الأقل قريبًا. ويمنع الخوف من إقامة الحدود وغياب بدائل المواطنين من الجهر بشكواهم على حد قول سكان المدينة في مقابلات أجريت أثناء زياراتهم إلى تركيا أو عن طريق الإنترنت. مع ذلك يقوض هذا الوضع المتدهور على الأقل جانبا مهما من هوية تنظيم داعش كدولة يسعى إلى إعادة إحياء الخلافة التي حكمت العالم الإسلامي خلال القرن السابع الميلادي. الحكم عنصر أساسي لتحقيق هذا الهدف مثلما كان الحال في الغزوات، وهو ما دفع مقاتلي التنظيم إلى الانتشار في أكثر أنحاء سوريا والعراق خلال العام الماضي.
أضعفت الهجمات التي نفذها التحالف الدولي بقيادة أميركية الزخم الذي حظي به التنظيم في ساحة المعركة وساعد في صد هجمات التنظيم على عدة جبهات من بلدة كوباني، أو عين العرب، الصغيرة في شمال سوريا إلى مزارع جنوب بغداد. كذلك يثير عجز التنظيم عن تقديم الخدمات في المناطق التي تقع تحت سيطرته تساؤلات بشأن مدى قابلية طموحاته للصمود.
وقال أحد النشطاء في مدينة دير الزور شرق سوريا: «ليس تنظيم داعش هو ذلك الوحش الخفي الذي بإمكانه السيطرة على كل شيء وهزيمة الجميع». ورفض الناشط الإفصاح عن هويته عند وصفه لتدني مستوى الخدمات بالمدينة. وأضاف قائلا: «كل ما يقال عن مهارة التنظيم في الإدارة غير صحيح. ليس هذا سوى صورة غير حقيقية. إنهم يفتقرون إلى الخبرة».
ولعل هذا الفارق أوضح ما يكون في مدينة الرقة، أول المدن الكبرى التي وقعت تحت سيطرة تنظيم داعش منذ ما يزيد على العام وتعد مهد تجربته في الحكم. وقال أحد رجال الأعمال من مدينة الرقة والذي سافر إلى الموصل مؤخرًا إن الموصل أفضل حالا من مدينته السورية التي يواجه أهلها شبح الجوع والقصف الجوي من قبل النظام السوري الذي يسفر عن مقتل مدنيين في أغلب الأحوال.
ولعب القصف الجوي دورا مهما في تقويض البنية التحتية، فقد قصف سلاح الجو الأميركي أهدافا لتنظيم داعش وكذا ساهم في إجبار التنظيم على التخلي عن كثير من المباني الحكومية التي سيطر عليها. وزادت الهجمات الأميركية ضد مصافي النفط الصغيرة المتواضعة، التي يعتمد عليها كثير من المواطنين كمصدر للدخل، من الحرمان، وخلفت ورائها الكثيرين من دون مصدر دخل، وأدت إلى ارتفاع الأسعار.
يبدو أن قدرة «داعش» على الإدارة، كما توحي بها الصورة السائدة، أمر مشكوك فيه على حد قول سوريين. من يستطع الهروب من المناطق التي يسيطر عليها التنظيم هرب، وكان من بينهم مهنيون مهاراتهم ضرورية لتقديم الخدمات الحكومية. ويقول سوريون إن شبكة من أمراء الظل يشرفون على إدارة «داعش». وغالبا ما يشغل سوريون أو أجانب يفتقرون إلى مهارات الإدارة أو المهارات الفنية مناصب متدنية. وقال عامل إغاثة سوري يتعامل بانتظام مع مسؤولي «داعش» رفض ذكر اسمه حتى لا يخسر صفقاته مع التنظيم: «أصبح تنظيم (داعش) أكبر من أن يسيطر على ذاته». ويرى أنهم يتمتعون بقوة العزيمة ومتعاونون، «لكنهم يفتقرون إلى الذكاء والقدرة والخبرة».
وتكون تعاملات أكثر المواطنين مع «داعش» مع قوات الشرطة وأجهزة الأمن المنتشرة في كل مكان بما فيها دوريات الحسبة سيئة السمعة التي تجوب الشوارع بحثا عن المخالفين لقوانين الشريعة الإسلامية.
ويغلق أصحاب محلات الأحذية محلاتهم 5 مرات من أجل أداء الصلاة، وأقلع المدخنون عن التدخين خوفا من الحكم عليهم بالسجن لمدة 3 أيام عند القيام بذلك للمرة الأولى وشهر عند تكرار ذلك. وتزداد حالات الإعدام العلني كعقاب على السرقة والتجديف والمعارضة. وهناك عقوبة جديدة لممارسة المثلية الجنسية وهي القذف من أعلى مبنى مرتفع، وقد نُفذت مرتين خلال الأسابيع القليلة الماضية.
مع ذلك يرى البعض أن هذا النظام أفضل من نظام الأسد.
على الجانب الآخر، تراجعت معدلات الجريمة ويرحب كثير من السكان بهذا النظام بديلا لحالة غياب القانون التي سادت أيام وجود الثوار السوريين المعتدلين. لقد اعتاد السوريون الذين عاشوا لعقود تحت حكم الرئيس بشار الأسد على طاعة الأوامر وتكيف كثير منهم مع القوانين الجديدة على حد قول موظف حكومي بقسم الضرائب السابق الذي يتقاضى راتبه من الحكومة رغم أنه لم يعد يعمل. وأضاف قائلا: «ليس تنظيم داعش بقسوة النظام السوري. إن لم تقم بتصرف خاطئ، بحسب معاييرهم لا معاييرنا، فلن يزعجوك».
مع ذلك أحيانا يعرقل التطبيق الصارم للقوانين جهود تقديم الخدمات؛ فعندما أسرع عمال الكهرباء لإصلاح الخطوط التي تضررت جراء القصف الجوي من قبل نظام الأسد في مدينة دير الزور، اعتقلهم وجلدهم تنظيم داعش بسبب العمل وقت الصلاة بحسب ما أوضح ناشط في مدينة دير الزور.
كذلك تم اعتقال كل طاقم العمل في واحدة من بين 4 مستشفيات لا تزال تقدم خدماتها أثناء أحد الاجتماعات لأن ثلاثتهم كانوا يدخنون. ولا يوجد ما يشير إلى أي تأثير على دخل «داعش»، الذي يُقدر بنحو 12 مليون دولار شهريا.
ولا يزال تنظيم داعش يجبر السكان على دفع المال، ويجمع الضرائب من أصحاب محلات الأحذية، ويتقاضى رسوم استخدام الكهرباء والهواتف. وقال حسن حسن، محلل سوري يعمل لدى معهد «دلما» في دبي: «لو توقف النظام عن توفير وسائل الاتصال والرواتب، لا أعتقد أن تنظيم داعش سوف يصمد. إنه يجبر الناس على دفع المال مقابل الأشياء التي يقدمها النظام، لكنه لا يصلح أن يكون دولة».
* «واشنطن بوست»
خاص بـ{الشرق الأوسط}



العليمي يعلن بدء المعركة العسكرية الشاملة ضد الحوثيين

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن بدء المعركة العسكرية الشاملة ضد الحوثيين

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الأحد، بدء العمليات العسكرية لاستعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية وبسط سلطة الدولة ومؤسساتها على كامل التراب الوطني، في إعلان مثّل انتقالاً رسمياً من مرحلة الاستعداد والتعبئة إلى مرحلة العمل العسكري المفتوح.

وقال العليمي، في خطاب إلى الشعب اليمني، إن قرار بدء العمليات اتُّخذ بعد استكمال الإجراءات والتدابير اللازمة، وبناءً على قرارات مجلس الدفاع الوطني، مؤكداً توجيه القوات المسلحة والأمن وجميع التشكيلات العسكرية إلى تنفيذ مهامها وفق الخطط المعتمدة، «حتى تحرير البلاد من وطأة الميليشيا الإرهابية».

وبرر رئيس مجلس القيادة القرار باستنفاد فرص التهدئة، قائلاً إن الدولة منحت السلام الوقت والفرص الكافية، فيما قابلت الجماعة الحوثية ذلك بمزيد من التحشيد والتصعيد والاعتداءات والتهديدات للمدنيين والمنشآت الوطنية ودول الجوار والممرات الدولية.

وأكد أن المعركة المعلنة ليست حرباً على سكان المناطق الخاضعة للحوثيين، ولا ضد مذهب أو قبيلة، وإنما «معركة الدولة من أجل مواطنيها واستعادة مؤسساتها»، مشدداً على أن هدفها إنهاء مصادرة إرادة اليمنيين ومستقبلهم السياسي بقوة السلاح.

مقاتلة تابعة للقوات المسلحة اليمنية (إعلام عسكري)

ووجه العليمي رسالة مباشرة إلى السكان في مناطق سيطرة الحوثيين، داعياً إياهم إلى الابتعاد عن المواقع والتجمعات العسكرية وطرق الإمداد، وحماية أبنائهم من الزج بهم في القتال، مجدداً في الوقت نفسه التزام الدولة بالعودة الآمنة والعفو المعلن لمن يترك السلاح ويتوقف عن القتال في صفوف الجماعة.

وفي رسالة إلى القوات الحكومية والمقاومة، شدد رئيس مجلس القيادة على أن المهمة «ليست استعادة الأرض فقط، بل إعادة الدولة إليها»، داعياً إلى حماية المدنيين والممتلكات والالتزام بالقانون، ومؤكداً أنه لا مجال للثأر أو الانتقام أو الاعتداء على الأبرياء.

توجيهات للحكومة

في الجانب المدني، أعلن العليمي توجيه الحكومة بإعداد برنامج عمل متزامن مع العمليات العسكرية، بحيث تبدأ مؤسسات الدولة ممارسة مسؤولياتها في المناطق التي تستعيدها القوات الحكومية أولاً بأول.

وتشمل الأولويات التي أعلنها إعادة صرف رواتب موظفي الدولة ومعالجة المستحقات المتأخرة بأثر رجعي، وإطلاق برنامج عاجل للتعافي وإعادة الإعمار، وإصلاح الطرق والكهرباء والمياه والمنشآت المتضررة، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واستئناف النشاط الاقتصادي.

وقال العليمي إن نجاح المعركة لن يقاس بعدد المدن المستعادة، وإنما بعدد المواطنين الذين يعود إليهم الأمن، والأسر التي تعود إلى منازلها، والإجراءات التي تمنع العودة إلى ممارسات القتل والقهر ومصادرة إرادة الشعب.

القوات الحكومية اليمنية تخوض معارك ضارية في تعز (إعلام عسكري)

كما جدد التزام مجلس القيادة والحكومة بما سيفضي إليه الحوار الجنوبي - الجنوبي الذي ترعاه السعودية، بما يضمن حلاً عادلاً وشاملاً للقضية الجنوبية، ودعا الأشقاء والأصدقاء والمجتمع الدولي إلى مساندة اليمن وقواته المسلحة ومؤسساته الوطنية، ودعم الجهود الإنسانية والاقتصادية وبرامج التعافي وإعادة الإعمار.

وختم العليمي بإعلان دخول مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والمدنية في «حالة استنفار كامل» حتى إنجاز المهمة، مؤكداً أن المرحلة الجديدة تستهدف استعادة الدولة لأرضها ومؤسساتها، وعودة السلاح إلى «مكانه الطبيعي تحت سلطة القانون».


ضغط حوثي يعزل تعز عن أريافها الجنوبية وسط مقاومة شرسة

جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
TT

ضغط حوثي يعزل تعز عن أريافها الجنوبية وسط مقاومة شرسة

جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

ضغطت الجماعة الحوثية المتحالفة مع إيران بكامل ثقلها في الريف الجنوبي الغربي لمدينة تعز، للسيطرة على الطرق الرئيسية التي تربط المدينة بريفها الجنوبي، وقطع خطوط الاتصال باتجاه محافظة لحج ومدينة عدن، في وقت تخوض فيه القوات الحكومية مسنودة بالمقاومة الشعبية معارك عنيفة لوقف هذا التقدم، بالتزامن مع ضربات جوية تستهدف تعزيزات الجماعة وقدراتها العسكرية.

وتكتسب هذه الجبهة أهمية خاصة، مع استمرار الحوثيين في الدفع بمجاميعهم نحو مناطق جديدة في جنوب تعز، وسط أنباء عن سيطرتهم، الأحد، على منطقتي الصافية والبركاني، وقطع الطريق الذي يربط بين مدينة التربة مركز مديرية الشمايتين في الجنوب، بمدينة تعز في الشمال، وهو ما يعني عزل الأخيرة عن المناطق المحررة؛ حيث لحج وعدن.

ومع ذلك، لا تزال الجبهة مفتوحة على مواجهات عنيفة، وسط مؤشرات على إصرار الحوثيين على مواصلة الضغط في هذا المحور، وهو ما دفع مصادر ميدانية إلى التحذير من خطورة استمرار الهجمات والحاجة إلى تعزيزات فورية للقوات الحكومية الموجودة في المنطقة.

وفي موازاة هذه المعارك في الريف الجنوبي الغربي، كانت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية قد حققت مكاسب ميدانية في عدد من جبهات تعز؛ حيث استعادت السيطرة على منطقتي المقارمة والزكيرة في مديرية الشمايتين، جنوب المحافظة، بعد مواجهات عنيفة مع الحوثيين، إلا أن الحوثيين استعادوا السيطرة عليها مجدداً.

آلية عسكرية تابعة للقوات الحكومية اليمنية في منطقة جبل هان غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

كما تمكنت القوات الحكومية في الجبهة الجنوبية الشرقية، بمساندة مقاومين من أبناء مديرية سامع، من السيطرة على حصن سامع، قبل أن تتقدم إلى جبل الجعشة الاستراتيجي، عقب إحكام السيطرة على جبل حصن سامع.

وقالت المصادر إن هذه العمليات أسفرت عن خسائر بشرية ومادية كبيرة في صفوف الحوثيين، شملت مقتل وإصابة عشرات منهم، بينما فر عدد آخر من عناصر الجماعة من مواقع المواجهات. وتواصلت المعارك -وفق المصادر نفسها- في جبهات جبل حبشي والكدحة.

وفي جبهة جبل هان وحذران، غربي مدينة تعز، اندلعت مواجهات عنيفة وانتهت -حسب محور تعز العسكري- بهزيمة القوات المهاجمة، ومقتل قائد الهجوم الحوثي الذي استهدف مواقع القوات الحكومية في جبل هان.

257 عملية خلال يوم

بالتزامن مع المواجهات البرية، صعَّدت القوات الحكومية عملياتها ضد مواقع وتحركات الحوثيين، على امتداد عدد من الجبهات.

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن القوات نفَّذت 257 عملية استهداف دقيقة ضد مواقع وتحركات وقدرات عسكرية تابعة للحوثيين، باستخدام الطيران الحربي والطيران المسيَّر والمدفعية والصواريخ والراجمات.

وأوضح أن العمليات شملت صنعاء وميدي في حجة وباقم في صعدة، وجبهات الجوف ومأرب والبيضاء ولحج، مع تركيز الجهد العملياتي على جبهات تعز؛ مشيراً إلى استهداف مراكز قيادة وسيطرة، وتجمعات وتحشيدات واحتياطيات قتالية، إلى جانب مخازن الأسلحة والذخائر وخطوط ووسائل الإمداد العسكرية.

توغل الحوثيين في تعز أدى إلى فرار آلاف الأُسَر (فيسبوك)

وحسب النزيلي، أسفرت العمليات -وفق التقديرات الميدانية الأولية- عن تحييد ما لا يقل عن 700 من عناصر الحوثيين، وتدمير 170 وسيلة وآلية قتالية، وهو ما قال إنه ألحق أثراً مباشراً بالقدرة القتالية للجماعة، وحدَّ من قدرتها على مواصلة هجماتها ضد المدنيين في مساكنهم وقراهم.

وكانت القوات المسلحة اليمنية قد أعلنت، في تطور آخر، تنفيذ 97 عملية استهداف دقيقة ضد تعزيزات عسكرية حوثية في جبهة طور الباحة ومحور تعز.

وقال النزيلي إن العمليات تنوعت بين الطيران الحربي والطيران المسيَّر والمدفعية والصواريخ والقناصة، وأسفرت عن تحييد 260 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب 44 آلية ووسيلة نقل وإمداد عسكرية.

صورة متداولة للفارِّين من الهجمات الحوثية في ريف تعز الجنوبي (فيسبوك)

كما أعلنت القوات الجوية تنفيذ ضربات ضد أهداف حوثية في صنعاء وصعدة، بينما أعلنت القوات المسلحة، في وقت سابق، تنفيذ هجوم على أهداف عسكرية حوثية في العاصمة صنعاء.

وترفع هذه الأرقام خسائر الحوثيين إلى قرابة 6 آلاف قتيل وجريح خلال أسبوع، حسب البيانات المتعاقبة للقوات المسلحة اليمنية.

تعبئة واستنفار

وتزامنت التطورات الميدانية في تعز مع انتقال الحكومة والقوات المسلحة إلى مستوى أعلى من التعبئة والاستعداد العسكري.

فقد دشَّنت وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة التعبئة العامة والنفير المجتمعي، تنفيذاً لتوجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي.

وجاء الإعلان خلال اجتماع موسع ترأسه وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي في عدن، بينما شارك رئيس هيئة الأركان العامة قائد العمليات المشتركة الفريق الركن صغير بن عزيز، عبر الاتصال المرئي من مأرب، إلى جانب مساعدي وزير الدفاع ونائب رئيس هيئة الأركان ورؤساء الهيئات والدوائر العسكرية.

وقال العقيلي إن الوزارة اتخذت الإجراءات العملية لتنفيذ قرار التعبئة العامة والنفير العام، وتفعيل مسارات التعبئة البشرية والاحتياط، وتنظيم مراكز الاستقبال، وتكليف الجهات المعنية بالبدء في تنفيذ المهام الموكلة إليها.

وأكد وزير الدفاع اليمني اضطلاع القوات المسلحة بواجبها في الدفاع عن البلاد وسيادتها، ودحر الحوثيين، واستعادة مؤسسات الدولة، مشدداً على الضبط والربط العسكريين، وحشد الطاقات، وتكامل الجهود.

من جهته، قال بن عزيز إن إعلان التعبئة العامة يمثل قراراً وطنياً يستدعي الانتقال المنظم إلى أعلى مستويات الاستعداد، وتوحيد الجهود والإمكانات، ورفع كفاءة القوات المسلحة، وتعزيز قدرتها على أداء واجباتها.

وشدد على استكمال حصر القوى والوسائل والاحتياجات، وتنظيم أعمال الاستدعاء والتعزيز، ورفع مستوى الانضباط والجاهزية، وتعزيز التدريب والتأهيل، والعمل على بناء جهد عسكري ومجتمعي متكامل.

وفي ظل اشتداد القتال، أجرى رئيس هيئة الأركان اتصالات مع قيادات عسكرية وميدانية في تعز، بينهم عضو اللجنة العسكرية العليا، قائد جبهة تعز، اللواء الركن يوسف الشراجي، وقائد محور تعز اللواء الركن خالد فاضل، ورئيس أركان المحور اللواء الركن عبد العزيز المجيدي، وقائد مقاومة تعز رشيد شمسان.

واستمع بن عزيز إلى إيجازات حول سير العمليات والموقف الميداني في مختلف جبهات المحافظة، مشيداً بمواقف أبناء تعز ومساندتهم للقوات المسلحة، ومبادرتهم إلى المشاركة في القتال.

وأكد وقوف القوات المسلحة في مختلف الجبهات والقطاعات إلى جانب القوات المقاتلة في تعز، مشيداً بما وصفها بالكفاءة والقدرات القتالية للمقاتلين، وبأداء الطيران الحربي والطيران المسيَّر.


مخلَّفات الهجمات الحوثية تقتل مزيداً من الأطفال

أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
TT

مخلَّفات الهجمات الحوثية تقتل مزيداً من الأطفال

أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)

في اليمن، لا ينتهي الخطر بالنسبة للأطفال بانحسار صوت القصف أو مغادرة مناطق القتال. فالألغام الأرضية الحوثية ومخلَّفات الحرب غير المنفجرة تظل كامنة في الطرقات والمنازل ومحيط التجمعات السكانية، لتحوِّل الحياة اليومية إلى رحلة محفوفة بالمخاطر.

ومع تجدد القتال في غرب البلاد، تجد آلاف العائلات نفسها مضطرة إلى الفرار، بينما يواجه الأطفال مخاطر جديدة لا تتوقف عند النزوح وفقدان الأمان والتعليم؛ بل تمتد إلى خطر قد يكون مختبئاً تحت أقدامهم.

وبعد 11 عاماً من الحرب التي أشعلها انقلاب الحوثيين على الحكومة المعترف بها دولياً، يواجه الأطفال في اليمن مجدداً بعضاً من أعنف موجات القتال منذ سنوات؛ حيث أدت الاشتباكات المتجددة في محافظتَي تعز والحديدة، غربَي البلاد، إلى نزوح نحو 18500 شخص خلال 72 ساعة فقط، ما أجبر عائلات على ترك منازلها، وأدى إلى تعطُّل تعليم الأطفال وتفاقم احتياجات الأسر النازحة.

مخيَّم للنازحين من هجمات الحوثيين في مديرية جبل حبشي بتعز (إعلام محلي)

وترى منظمة «وور تشايلد» الدولية، أن المخاطر التي تهدد الأطفال في اليمن تتجاوز القتل والإصابات الناجمة عن القتال المباشر. فقد سُجِّل مقتل عدد أكبر من الأطفال جرَّاء الألغام الأرضية ومخلفات الحرب غير المنفجرة، خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 مقارنة بعام 2025 كله، في مؤشر مقلق على حجم المخاطر التي يواجهها الأطفال في حياتهم اليومية.

حاجة للمساعدات

وتشير المنظمة الدولية إلى أن أكثر من 12.2 مليون طفل في أنحاء اليمن يحتاجون بصورة عاجلة إلى المساعدات الإنسانية. وفي ظل التصعيد الأخير، تعمل المنظمة على تقييم آثاره والاستجابة للاحتياجات العاجلة للأطفال والأسر المتضررة، بما يشمل توفير المستلزمات الأساسية، ودعم رفاهية الأطفال وحمايتهم، ومساعدتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وحتى الآن، وزَّعت المنظمة 400 حزمة إغاثية تضمنت مواد أساسية، مثل الفرش والأغطية ومعدات الطهي ومستلزمات النظافة الشخصية. إلا أن حجم الاحتياجات يزداد مع استمرار فرار مزيد من العائلات من مناطق العنف بحثاً عن مكان أكثر أماناً.

بدورها، أفادت جمعية «الهلال الأحمر اليمني» بأن التغير السريع في خطوط المواجهة، إلى جانب قيود التنقل وتعطل شبكات الاتصالات، أجبر عائلات على مغادرة منازلها في وقت قصير، وغالباً من دون أن تتمكن من اصطحاب سوى القليل من ممتلكاتها الأساسية، أو من دون أي ممتلكات على الإطلاق.

أرقام مختلفة

وعزت جمعية «الهلال الأحمر اليمني» الاختلافات بين أرقام النازحين الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة وصندوق الأمم المتحدة للسكان والوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين، إلى اختلاف فترات إعداد التقارير، والنطاق الجغرافي الذي تغطيه كل جهة، ومنهجيات جمع البيانات المستخدمة.

وأوضحت أن آلية «تتبع النزوح السريع» التابعة للمنظمة الدولية للهجرة توفر رصداً سريعاً وجزئياً لحالات النزوح، بينما تجمع الوحدة الحكومية لإدارة المخيمات بيانات التسجيل الواردة من المحافظات المتضررة. ولذلك، ينبغي التعامل مع هذه الأرقام بوصفها بيانات مكملة بعضها لبعض، وليست أرقاماً يمكن مقارنتها بصورة مباشرة.

أطفال فارُّون من التصعيد في غرب محافظة تعز (الأمم المتحدة)

كما أن بيانات النزوح السريع تحتاج إلى التحقق المستمر، نظراً إلى استمرار تغيُّر حركة السكان وتبدل أماكن وجود الأسر النازحة.

وبالإضافة إلى حالات النزوح التي ترصدها مجموعات البيانات الخارجية المتاحة، تشير عمليات الرصد والمعلومات التشغيلية الخاصة بفروع جمعية «الهلال الأحمر اليمني» إلى أن آثار التصعيد تمتد جغرافياً إلى نطاق أوسع.

وقد حددت الجمعية الاحتياجات الحالية للاستجابة في محافظات تعز والضالع والحديدة والجوف ومأرب وصعدة ولحج.

كما حُددت محافظات عمران وذمار وعدن بوصفها مناطق مواجهة، أو مناطق استقبال ووجهات مؤكدة لتحركات السكان، ما دفع الجمعية إلى حشد موارد الاستجابة وتوجيهها نحو نقاط استقبال النازحين.

وفي أحدث تقاريرها، أكدت الجمعية أن هذه الملاحظات الميدانية تخضع لعمليات تحقق مستمرة، في ظل عدم استقرار حركة السكان، وعدم توفر تغطية شاملة حتى الآن لجميع المواقع المتضررة ضمن مجموعات بيانات النزوح المتاحة.

وحذَّرت الجمعية من أن استمرار هذه التحركات يزيد الضغط على القدرات المحدودة أصلاً في مجالات الإيواء والمياه والصحة والخدمات الأساسية، سواء في المناطق المتضررة من القتال أو في مناطق استقبال النازحين.