السوريون في أعياد الميلاد ورأس السنة.. محاولات يائسة للفرح

النظام يهدي أسر شهدائه مأكولات شرقية.. والشراء يقتصر على من أثرى من الحرب

سرير مصنوع وشجرة عيد الميلاد صنعا من الأنقاض على دوار في حي الحميدية بمدينة حمص (أ.ف.ب)
سرير مصنوع وشجرة عيد الميلاد صنعا من الأنقاض على دوار في حي الحميدية بمدينة حمص (أ.ف.ب)
TT

السوريون في أعياد الميلاد ورأس السنة.. محاولات يائسة للفرح

سرير مصنوع وشجرة عيد الميلاد صنعا من الأنقاض على دوار في حي الحميدية بمدينة حمص (أ.ف.ب)
سرير مصنوع وشجرة عيد الميلاد صنعا من الأنقاض على دوار في حي الحميدية بمدينة حمص (أ.ف.ب)

بعد 4 سنوات من الموت والدمار والانفلات الأمني والأزمات الاقتصادية الخانقة، ينظر السوريون إلى أعياد الميلاد ورأس السنة بكثير من الحزن بعد أن فقدوا الأمل في أن يكون العام الجديد المقبل أفضل من الأعوام الـ4 التي سبقته.
واقتصرت الاحتفالات بعيد الميلاد المجيد على الصلوات في الكنائس وأماكن العبادة «نظرا لما يمر به الوطن من أحداث وإكراما لشهداء سوريا الأبرار الذين رووا ثراها الطاهر بدمائهم الزكية»، بحسب وكالة «سانا» الرسمية.
ومع ذلك فهناك من قرر أن يعيش طقوس العيد بالحد الأدنى «كي لا ينسى أطفالنا معنى الفرح»، بحسب تعبير فادي خ. الطالب الجامعي (20 عاما) الذي ينشط ضمن جمعية شبابية تابعة لإحدى الكنائس في حي القصاع ذي الأغلبية المسيحية، ويقول فادي خ: «فقدنا الكثير من الأحباء خلال الأعوام الـ4 الماضية، وفقدنا أيضا الشعور بالفرح، وبات الاحتفال بالعيد من الذكريات، لكن ما ذنب الأطفال الذين وُلدوا قبيل أو أثناء الحرب؟»، ويشير إلى أن هذا السؤال راوده ورفاقه وقرروا أن يقوموا خلال العيد بارتداء ملابس بابا نويل والتجول في الشوارع، لتوزيع هدايا رمزية على الأطفال.
أما ر.ن. صاحبة محل هدايا بالقصاع، التي زينت واجهة محلها بألعاب العيد، فترى أن العيد يمر حزينا، والزينة التي وضعتها في محلها ليست ابتهاجا بالعيد بقدر ما هي وسيلة للترويج والبيع، لأن السوق تشهد ركودا كبيرا، وتقول: «أرباح المحل شهريا لا تغطي حتى أجرة المحل البالغة 400 دولار تقريبا». وتتابع بقولها: «ننتهز المناسبات لكي نشجع الناس على الشراء، لكن ذلك يتم بصعوبة ويكاد يقتصر على الذين أثروا من الحرب، فالأب الذي كان يشتري هدايا لكل أبنائه بات يكتفي بشراء بعض الشوكولاته، أو السكاكر، فاللعبة التي كان سعرها 200 ليرة سوريا، أي تقريبا 4 دولارات قبل 4 سنوات، يتجاوز سعرها الألف ليرة الآن».
وسجلت الليرة السورية في الشهر الأخير من العام الحالي تراجعا أمام الدولار بعد أن شهدت استقرارا نسبيا خلال الشهور الماضية، ووصل سعر الدولار إلى 210 ليرات في دمشق، بينما وصل في مدن سورية أخرى إلى 218 ليرة، الأمر الذي انعكس على الأسعار بشكل كبير، ويقول عماد ج. من سكان جرمانة جنوب شرقي العاصمة إنه لم يتمكن من شراء ملابس العيد لأطفاله الـ4. واكتفت زوجته بحياكة كنزات صوف بالسنارة كي لا يحرموا أطفالهم بهجة الملابس الجديدة، أما الشجرة فقد تخلى منذ عدة سنوات عن تقليد شراء زينة جديدة، وقد قاموا بتزيين الشجرة القديمة وإضاءتها بالبطارية نظرا لانقطاع الكهرباء بشكل شبه دائم.
ويقول: «منذ عامين لم نزين الشجرة، وقد زيناها هذا العام بالأضواء، فقط من أجل بث التفاؤل، لأن التفاؤل هو ما تحتاجه سوريا اليوم لتجاوز المحنة التي تعيشها».
وبينما تشعر الغالبية العظمى من السوريين، لا سيما المسيحيين، بالأسف من الحال التي وصلت إليها البلاد، يسعى البعض للتغلب على تلك المشاعر بالإصرار على اجتراح الابتهاج بالعيد وتقول ليليان.ع: «نريد أن نعيش العيد اليوم، لأننا لا نعرف إن كنا سنكون أحياء العيد المقبل، فالجميع يموت هنا».
وليليان خطيبة شاب متطوع في جيش الدفاع الوطني وتخطط مع خطيبها لحضور حفلة رأس السنة في «الاب تاون»، الذي افتتح العام الحالي، في مشروع دمر، غرب العاصمة.
وتتراوح أسعار حفلات الميلاد ورأس السنة في سوريا هذا العام بين الـ10 آلاف (50 - 100 دولار) والـ20 ألف ليرة، ويحيي الحفلات مطربون محليون، بينما يغيب نجوم الغناء السوري، بعد أن غادر غالبيتهم البلاد، حيث يحيون حفلاتهم في الخارج، لا سيما لبنان والإمارات والأردن والمغرب.
وتجهد حكومة النظام السوري في تشجيع الاحتفالات بالعيد تحت يافطة «تشجيع السياحة»، للإيحاء بأن النظام لا يزال قويا، وقد جرى الاحتفال بإضاءة شجرة الميلاد في فندق «داما روز» المستثمر من قبل رجال أعمال مقربين من النظام بالشراكة مع وزارة السياحة، بحضور وزير السياحة بشر يازجي، وبطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام، والسفير البابوي في دمشق المطران ماريو زيناري والمطران لوقا الخوري النائب البطريركي العام لطائفة الروم الأرثوذكس، وعدد من رجال الدين المسيحي. وتم خلال الحفل «توقيع أطول رسالة وفاء للوطن».
واعتبر وزير السياحة بشر يازجي إضاءة الشجرة تأكيد على «تمسك السوريين بالسلام والمحبة فيما بينهم ونشر رسالة السلام».
وبعد يومين، أقامت وزارة السياحة معرضا للمأكولات الشرقية بمشاركة عدد من الفنادق والمطاعم الدمشقية بفندق «(داماروز) ضمن إطار الترويج للمطبخ السوري ودوره السياحي»، بحسب تعبير وكالة الأنباء الرسمية (سانا).
وقال وزير السياحة بشر يازجي: «المعرض سيقدم المأكولات للأسر المحتاجة وأسر الشهداء وفق جدول زمني تم إعداده مسبقا، وهو نوع من التشاركية بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص الذي أسهم بتطوير أصناف الأطعمة السورية».
ومن جانبها، بينت مي الصلح مديرة سياحة دمشق أن «المعرض سيقدم سلالا غذائية لأسر جرحى وشهداء الجيش العربي السوري، إضافة إلى الأسر المقيمة في مراكز الإقامة المؤقتة». أما في حمص، فوحدها شجرة الميلاد تكسر بقماشها الأخضر وزينتها الحمراء رتابة اللون الرمادي الطاغي على الواجهات المدمرة للأبنية المحيطة بها في حي الحميدية في حمص، الذي يحتفل للمرة الأولى منذ 3 سنوات بعيد الميلاد، بعد عودة بعض سكانه إليه.
وعلى مقربة من الشجرة التي تتوسط ساحة الملجا في هذا الحي الذي تسكنه غالبية مسيحية، أقيمت مغارة صنعت من ركام المنازل التي دمرتها الحرب الشرسة بين قوات النظام والمعارضة المسلحة، تتوسطها تماثيل لرموز مغارة الميلاد.
وامتدت زينة الميلاد في الحي الواقع في حمص القديمة لتشمل أبواب المنازل وشرفاتها، حيث قام بعض سكان هذه المنازل بتعليق الأشرطة البيضاء المضاءة، بينما قام آخرون بطلاء الجدران بألوان زاهية، ورسموا عليها الزهور.
وقالت رلى الصوفي العائدة إلى حيها أخيرا لوكالة الصحافة الفرنسية: «عندما دخلنا الحارة، كان السواد يعم المكان. نحاول اليوم أن نجعله مفعما بالألوان».
ويحمل كل مبنى في حي الحميدية أحد قطاعات حمص القديمة، آثار الحرب من ثقوب رصاصات إلى فجوات كبيرة نجمت عن قذائف كانت تسقط كل يوم تقريبا على مدى نحو عامين.
وعاد آلاف السوريين في مطلع مايو (أيار) لتفقد منازلهم التي وجدوها مدمرة في حمص القديمة، بعد أن دخلها الجيش السوري للمرة الأولى منذ أكثر من سنتين بعد خروج آخر مقاتلي المعارضة بموجب اتفاق غير مسبوق بين الطرفين.
وشهدت حمص، ثالث كبرى مدن سوريا وعاصمة الحركة الاحتجاجية فيها، حركة نزوح كبيرة شملت نحو ثلثي سكانها منذ بدء النزاع الدامي في منتصف مارس (آذار) 2011.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.