هل ينقذ التراجع تركيا «المعزولة» في شرق المتوسط؟

«ناتو» مهّد الأرضية للحوار بين أنقرة وأثينا... وخفّض حدّة التوتر مؤقتاً

هل ينقذ التراجع تركيا «المعزولة» في شرق المتوسط؟
TT

هل ينقذ التراجع تركيا «المعزولة» في شرق المتوسط؟

هل ينقذ التراجع تركيا «المعزولة» في شرق المتوسط؟

جاء سحب تركيا المفاجئ لسفينة الأبحاث «أوروتش رئيس» من المنطقة المتنازع عليها مع اليونان بمثابة خطوة كاشفة عن «الخواء الدبلوماسي» في السياسة الخارجية التركية، وعن نجاح يوناني في بناء جدار حماية قوي أدى إلى عزل تركيا وأظهر أن البدايات الصاخبة لا تفرض حتماً نهايات ناجحة، وهذا بغض النظر عن احتمال أن تكون تركيا تناور بسحب السفينة من أجل تجنب العقوبات الأوروبية المحتملة خلال القمة الأوروبية المرتقبة في 24 سبتمبر (أيلول) الحالي، كما نبهت أثينا إلى ذلك.
يُذكر أن المسؤولين الأتراك، وعلى رأسهم الرئيس رجب طيب إردوغان، كانوا قد ذهبوا في التصعيد ضد كل مَن يعارض تحركات أنقرة في شرق المتوسط، بدءاً من اليونان ودول شرق المتوسط، إلى فرنسا والاتحاد الأوروبي، وصولاً إلى الولايات المتحدة. وهذا ما دفع وزير الخارجية رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، الذي انشق عن حزب العدالة والتنمية الحاكم وأسس حزباً معارضاً جديداً هو «حزب المستقبل»، لاختصار المشهد بالقول «إنه فشل دبلوماسي أدى إلى العزلة».
خاطب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بعد ظهر السبت الماضي أمام حشد من أنصاره، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بلهجة شديدة الحدة، وهدده بأنه «سيواجه مشاكل معه شخصياً». واتهمه «بالجهل حتى بتاريخ فرنسا»، وبتحريض اليونان والعبث بمصالح تركيا، وذلك بعدما قال ماكرون إن «منطقة شرق المتوسط خط أحمر أمام تركيا»، وأعلن دعم باريس المفتوح لليونان وقبرص.
أيضاً حذّر إردوغان أثينا من القيام بـ«أعمال خاطئة»، و«السير في هذا الطريق»، متوعداً إياها بـ«العزلة الشديدة»، ومتطرقاً إلى «تمزيق الخرائط» التي ترسمها القوى الإمبريالية من أجل حصر تركيا في شريط ضيق في البحر المتوسط قرب حدودها.
وفي السياق ذاته، دعا وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، اليونانيين إلى تجنب الوقوع في فخ الاستغلال من قِبل دول أخرى «تسعى لتحقيق مصالحها» في إشارة ضمنية إلى فرنسا. وتابع أكار، أن الدول «التي تحيك المكائد لتركيا في مسألة شرق المتوسط، سيكون مصيرها الخسران، كما حدث في التاريخ». وعبّر عن أمله ألا تكون اليونان «طَبقاً على مائدة دول أخرى تريد استغلالها... نحن دائماً نذكّرهم بهذا، وأتمنى أن يعوا هذا الأمر».

تراجع... وسحب
ولكن لم تمض ساعات، حتى تراجعت تركيا عن كلامها الناري الذي أطلقته على مدى أشهر، وسحبت مساء السبت سفينة الأبحاث «أوروتش رئيس» من منطقة متنازع عليها مع اليونان في شرق المتوسط. وجاءت الخطوة هذه وسط تضارب في التصريحات بين مسؤوليها في محاولة لتبريرها. إذ قال وزيرا الخارجية مولود جاويش أوغلو، والطاقة والموارد الطبيعية فاتح دونماز، إن السفينة أعيدت «من أجل إجراء الصيانة وتبديل طاقمها، وإنها ستقوم بمهام لاحقة في منطقة أخرى قريباً». في حين قال وزير الدفاع خلوصي أكار، إنها أعيدت «بعد انتهاء مهامها»، وهذا مع أن الإخطار الصادر عن مهمة السفينة حدّد مدة بقائها في المنطقة من 10 أغسطس (آب) إلى 25 سبتمبر، وفق تأكيد صحف قريبة من الحكومة. وبدوره، ذكر الناطق باسم الرئاسة التركية، أن السفينة عادت من أجل «إفساح المجال للمباحثات التي يرعاها حلف شمال الأطلسي (ناتو) والوساطة الأوروبية لإنهاء التوتر في المنطقة».

ضغوط أميركية
الملاحظ أن سحب السفينة تزامن، في الواقع، مع زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو مساء السبت الماضي إلى قبرص، حيث وجّه رسالة أعرب فيها عن القلق البالغ من تحركات تركيا في المنطقة، ودعاها إلى دعم الطرق الدبلوماسية مع مختلف الأطراف.
رسائل بومبيو الحادة والواضحة إلى تركيا، وُجّهت عقب اجتماعه مع الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسياديس. وفيها أعرب الوزير الأميركي عن قلق واشنطن البالغ إزاء تصرفات أنقرة في شرق المتوسط، وحث جميع الأطراف إلى دعم الحل الدبلوماسي.
كذلك أعلن بومبيو عن قرب إنشاء مركز جديد للأمن البري والبحري والموانئ، في جنوب قبرص كجزء من الجهود المبذولة لتعزيز التعاون الأمني في المنطقة بموجب مذكرة تفاهم وقّعها في قبرص.
هذه المذكرة أغضبت أنقرة، التي أعلنت عبر وزارة خارجيتها، أنها تعد في «حكم العدم» بالنسبة لقبرص الشمالية. وهي «لن تخدم السلام والاستقرار في شرق البحر المتوسط»، بل «ستضر بحل قضية قبرص».
للعلم، بموجب مذكرة التفاهم هذه، ستوفر الولايات المتحدة تدريبات للدعم الفني لليونانيين بشأن أمن الحدود والموانئ والجمارك، كما ستنشئ منصات أمنية في المنطقة وتوفر دعم المعدات والأمن السيبراني. وكانت الولايات المتحدة قد رفعت أخيراً حظر الأسلحة المفروض على الإدارة القبرصية اليونانية منذ عقود، وأدرجت الجانب القبرصي - اليوناني في برنامج التدريب العسكري.
من ناحية أخرى، جاءت زيارة بومبيو لقبرص بعد أيام من زيارة قصيرة مماثلة أجراها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، شدد خلالها على العلاقات الوثيقة بين موسكو ونيقوسيا، وعرض بذل وساطة لتخفيف التوتر بينها وبين أنقرة في النزاع بشأن الحقوق البحرية والطاقة.
عودة إلى بومبيو، فإنه لم يغفل عن تذكير القبارصة بأن واشنطن لا تشعر بالارتياح لرسو سفن حربية روسية في الموانئ القبرصية. وقال «نحن نعلم أن جميع السفن العسكرية من قبرص والرئيس (أناستاسياديس) مراعاة مخاوفنا». وما يجدر ذكره هنا، أنه سبق للسلطات القبرصية أن ادّعت مراراً أنها تقدم تسهيلات للسفن الحربية الروسية «لأسباب تتعلق بالأوضاع الإنسانية في سوريا». وكرر بومبيو، تصريحاته، الثلاثاء، معرباً عن القلق من زيادة الشحن العسكري في شرق المتوسط، حاثاً جميع الأطراف إلى التوجّه إلى الحل الدبلوماسي. ولقد علق وزير الخارجية التركي على تصريحات نظيره الأميركي التي أعرب فيها عن قلق واشنطن من تصرّفات تركيا، متسائلاً «الآن يقولون إنهم قلقون. مَن الذي من حقه أن يقلق؟ مَن الذي يخالف القانون الدولي ويرفع حظر الأسلحة ويتغاضى عن حقوق القبارصة الأتراك؟»...

اختبار الأمر الواقع
في رأي الكثير من المراقبين أن تركيا وجدت نفسها في مأزق. وأنها تقف وحيدة في مواجهة الاتحاد الأوروبي ودول منطقة الشرق المتوسط والولايات المتحدة، وربما روسيا أيضاً، التي ستجري مناورات بالذخيرة الحية قبالة قبرص خلال أيام. كذلك شعرت أن سياسة «الأمر الواقع» التي اختبرتها في شرق المتوسط لن تجدي نفعاً ضد هذا التكتل الذي يحيط بها من كل ناحية. ومن ثم، لعل تصريح إبراهيم كالين، الناطق باسم الرئاسة التركية عن «أوروتش رئيس» سُحبت من منطقة النزاع في شرق المتوسط «من أجل إفساح المجال للجهود المبذولة من أجل الحوار وإنهاء التوتر في المنطقة»، هو التبرير الأكثر منطقية. وفي هذا السياق، نشير إلى جمع «ناتو» خبراء عسكريين من الجانبين التركي واليوناني في مقره ببروكسل في جولتي مباحثات فنية عقدتا يومي 7 و15 سبتمبر الحالي. وعقد الاجتماع الثاني الثلاثاء الماضي بعد أقل من 72 ساعة من سحب تركيا السفينة وإعادتها إلى مياهها في أنطاليا بجنوب البلاد. وفي اليوم ذاته، بحث وزير الخارجية جاويش أوغلو مع نظيره الأميركي بومبيو هاتفيا بعد التطورات الأخير.

الردّ الأوروبي حازم
على صعيد متصل، من المقرر أن يجتمع قادة الاتحاد الأوروبي الأسبوع المقبل، لمناقشة التعديات التركية على حقول الطاقة في منطقة شرق المتوسط وانتهاكها سيادة دول المنطقة على مياهها الإقليمية. وعلى الرغم من خطوة التهدئة التركية، حذر جوزيب بوريل، الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، الثلاثاء الفائت من خطر نشوب حرب في شرق المتوسط بسبب التوترات المتزايدة في المنطقة الناتجة من إجراء عمليات تنقيب عن الطاقة. وتابع بوريل «ثمة توتر متزايد في شرق المتوسط بين اليونان وتركيا وقبرص، ومعه خطر نشوب صراع قد يتجاوز الكلمات». وتابع «علاقاتنا (أي الاتحاد الأوروبي) مع تركيا عند منعطف، وحان الوقت ليتخذ مسؤولونا قرارات صعبة».
وتواصلت التحذيرات على لسان أورسولا فون دير لايين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بوم الأربعاء؛ إذ حذّرت من أي محاولة من جانب أنقرة لـ«ترهيب» جيرانها في إطار النزاع على موارد الغاز الذي تتواجه فيه تركيا مع اليونان في شرق المتوسط. وأردفت في كلمتها السنوية حول حال الاتحاد الأوروبي أمام البرلمان الأوروبي «تركيا جارة مهمّة وستبقى كذلك، ولكن رغم القرب الجغرافي يبدو أن المسافة الفاصلة بيننا تتوسع باستمرار. نعم، تقع تركيا في منطقة تشهد اضطرابات.. نعم، تتلقى ملايين اللاجئين ندفع لها لقاء استقبالهم مساعدة مالية كبيرة... إلا أن لا شيء من ذلك يبرّر محاولاتها ترهيب جيرانها». واستطردت في تلميح تحذيري لأنقرة «بإمكان قبرص واليونان الدولتين العضوين في الاتحاد الأوروبي الاعتماد على تضامن أوروبا الكامل لحماية حقوقهما السيادية المشروعة».
تشير هذه التصريحات، في نظر المراقبين، إلى عزم الاتحاد الأوروبي على اتخاذ موقف حازم من تركيا، وأنه لن يتجاهل أي تحرك من أنقرة قد يكون من قبيل المناورة لتفويت الفرصة على الاتحاد لمعاقبتها. وفي حين، ستدرج الأزمة في شرق المتوسط على جدول أعمال القمة الأوروبية يومي 24 و25 سبتمبر في بروكسل، مع احتمال فرض عقوبات على تركيا، استبعد جاويش أوغلو ذلك، لكنه لم يستبعد أن تأتي في صورة عقوبات على شركات وأفراد.
في هذه الأثناء، أبدت اليونان وقبرص استعدادهما للحوار مع تركيا «فوراً»، لكن من دون تهديدات. وترغب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، على وجه الخصوص، في رؤية كل من أنقرة وأثينا منخرطتين في حوار قبل القمة الحاسمة للاتحاد الأوروبي، الذي تتولى ألمانيا رئاسته، وهي قمة ستناقش التطورات الأخيرة في شرق البحر المتوسط.
وبالفعل، تحدثت ميركل هاتفياً، الثلاثاء، مع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، ونقلت مصادر أنها وافقت على موقفه الثابت بأن الحوار لا يمكن أن يبدأ إلا إذا توقفت أنقرة عن الاستفزازات واتخذت خطوات عملية لتهدئة التوتر. كما أصر ميتسوتاكيس خلال المكالمة، على أن وقف التصعيد بمغادرة سفينة الأبحاث التركية ليل السبت الماضي يجب ألا يكون مصطنعاً من قِبل أنقرة بهدف تجنّب التهديد بفرض عقوبات أوروبية.
وفي السياق ذاته، كشف موقع «دوار» التركي عن أن سحب أنقرة السفينة «أوروتش رئيس» جاء بعد التوصل إلى مشروع تسوية بين تركيا واليونان بوساطة ألمانيا، بيد أن هذه التسوية لم تدخل حيز التنفيذ بعد. وأورد الموقع بعض البنود التي قال إن التسوية تشملها، منها:
- أن المباحثات الاستكشافية التركية - اليونانية، التي توقفت عام 2016، ستستأنف. وهذه المرة، ستركز أثينا وأنقرة على تدابير جديدة لبناء الثقة وتجنب خطوات نشوء التوتر.
- سيولي الجانبان اهتماماً خاصاً للمناطق المتنازع عليها، ولن تُجرى أبحاث الغاز الطبيعي والنفط في المناطق «المثيرة للجدل».
- ستبدأ أنقرة وأثينا التحضير لوضع الأساس لاجتماع الزعيمين إردوغان وميتسوتاكيس (الذي كان مقرراً أصلاً في إطار اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك في منتصف صيف 2020).
- ستُطلق اليونان وتركيا تحضيرات قمة خماسية جديدة في قبرص.
- تُعد خلق آلية للتوزيع العادل للطاقة في قبرص، وهكذا يمكن ضمان المشاركة المتساوية للقبارصة الأتراك في معادلة الطاقة.
أيضاً، تتضمّن المسوّدة اتخاذ خطوات لرفع تأشيرة دخول الاتحاد الأوروبي عن الأتراك، الامتناع عن فرض عقوبات على تركيا لتحويلها متحف آيا صوفيا في إسطنبول إلى مسجد، ومواصلة تمويل الاتحاد الأوروبي لتركيا من أجل التكفّل باحتياجات طالبي اللجوء.

فشل وعزلة
أما على صعيد السياسة الداخلية التركية، نذكّر بأن إردوغان كان قد قال عقب إرسال سفينة الأبحاث إلى المياه القريبة من اليونان أن «تركيا لن تتراجع ولو خطوة واحدة عن المضي في أعمال البحث والتنقيب في شرق المتوسط». ولذا؛ فتحت المعارضة التركية النار على الحكومة بعد سحب السفينة وتساءلت عن تهديدات إردوغان وكلامه الصاخب. واعتبر مسؤولو حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، أن تصريحات إردوغان كلام إلهاء بينما تدفع تركيا الثمن وتبقى في عزلة وقطيعة مع جيرانها ومحيطها. وندّد رئيس الحزب كمال كليتشدار أوغلو بالسياسة الخارجية لحكومة إردوغان، متسائلاً عن أسباب القطيعة مع مصر، التي هي أهم دولة بالنسبة لتركيا في منطقة البحر المتوسط وترتبط معها بعلاقات تاريخية. وأضاف أن «إردوغان يضحّي بعلاقات تركيا مع مصر من أجل تنظيم الإخوان المسلمين... فمن هم هؤلاء؟ وما علاقتهم بالسياسة؟».
كذلك قال تمل كرم الله أوغلو، رئيس حزب السعادة الإسلامي، إن تركيا «فشلت دبلوماسياً اليوم، وستفشل غداً ما بقيت في يد هذه الحكومة». وانتقد رئيس حزب المستقبل التركي رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو سياسة أنقرة وفشلها في حل الخلافات عبر الطرق الدبلوماسية في الوقت الذي «صنعت حولها بحيرة من الأعداء وباتت في عزلة».
وفي تعليق على خطوة تركيا سحب السفينة «أوروتش رئيس» من المنطقة المتنازع عليها، وصف داود أوغلو الدبلوماسية التركية تحت قيادة إردوغان بـ«الفاشلة»، موضحاً «حتى الدول التي تتعارض مصالحها، تجمعت بعضها مع بعض لتقف ضد تركيا، فإذا كنت تقف وحيدا، في قضية حتى لو كنت محقاً، فهذه تعد دبلوماسية فاشلة».
داود أوغلو أشار أيضاً إلى أنه إبان فترته كوزير للخارجية وصل إلى النقطة التي كانت تركيا ستوقع فيها اتفاقية المنطقة الاقتصادية الخالصة مع مصر في 2012 – 2013، قائلاً «كان كل هدفي في ذاك الوقت توقيع الاتفاقية مع مصر؛ لأن توقيع مثل هذه الاتفاقية بين أهم بلدين ساحليين على البحر المتوسط، سيجلب فوائد كبيرة للبلدين. لقد تابعت هذه القضية عن كثب أثناء رئاستي الوزراء، بعد ذلك... لكن للأسف، دبلوماسية الحكومة ضعيفة. وتقوم بملء فراغ الافتقار إلى الدبلوماسية القوية في شرق البحر المتوسط، بالبوارج وقواتنا البحرية».


مقالات ذات صلة

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

حصاد الأسبوع استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بوتين... المستفيد الأكبر (أ.ف.ب)

جولات ويتكوف... و«سيناريوهات» الحوار

قد يكون المشهد الحالي للأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى المواقف الأوروبية المتشددة حيال مسألة الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بين أسباب مراجعة

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.