هل ينقذ التراجع تركيا «المعزولة» في شرق المتوسط؟

«ناتو» مهّد الأرضية للحوار بين أنقرة وأثينا... وخفّض حدّة التوتر مؤقتاً

هل ينقذ التراجع تركيا «المعزولة» في شرق المتوسط؟
TT

هل ينقذ التراجع تركيا «المعزولة» في شرق المتوسط؟

هل ينقذ التراجع تركيا «المعزولة» في شرق المتوسط؟

جاء سحب تركيا المفاجئ لسفينة الأبحاث «أوروتش رئيس» من المنطقة المتنازع عليها مع اليونان بمثابة خطوة كاشفة عن «الخواء الدبلوماسي» في السياسة الخارجية التركية، وعن نجاح يوناني في بناء جدار حماية قوي أدى إلى عزل تركيا وأظهر أن البدايات الصاخبة لا تفرض حتماً نهايات ناجحة، وهذا بغض النظر عن احتمال أن تكون تركيا تناور بسحب السفينة من أجل تجنب العقوبات الأوروبية المحتملة خلال القمة الأوروبية المرتقبة في 24 سبتمبر (أيلول) الحالي، كما نبهت أثينا إلى ذلك.
يُذكر أن المسؤولين الأتراك، وعلى رأسهم الرئيس رجب طيب إردوغان، كانوا قد ذهبوا في التصعيد ضد كل مَن يعارض تحركات أنقرة في شرق المتوسط، بدءاً من اليونان ودول شرق المتوسط، إلى فرنسا والاتحاد الأوروبي، وصولاً إلى الولايات المتحدة. وهذا ما دفع وزير الخارجية رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، الذي انشق عن حزب العدالة والتنمية الحاكم وأسس حزباً معارضاً جديداً هو «حزب المستقبل»، لاختصار المشهد بالقول «إنه فشل دبلوماسي أدى إلى العزلة».
خاطب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بعد ظهر السبت الماضي أمام حشد من أنصاره، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بلهجة شديدة الحدة، وهدده بأنه «سيواجه مشاكل معه شخصياً». واتهمه «بالجهل حتى بتاريخ فرنسا»، وبتحريض اليونان والعبث بمصالح تركيا، وذلك بعدما قال ماكرون إن «منطقة شرق المتوسط خط أحمر أمام تركيا»، وأعلن دعم باريس المفتوح لليونان وقبرص.
أيضاً حذّر إردوغان أثينا من القيام بـ«أعمال خاطئة»، و«السير في هذا الطريق»، متوعداً إياها بـ«العزلة الشديدة»، ومتطرقاً إلى «تمزيق الخرائط» التي ترسمها القوى الإمبريالية من أجل حصر تركيا في شريط ضيق في البحر المتوسط قرب حدودها.
وفي السياق ذاته، دعا وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، اليونانيين إلى تجنب الوقوع في فخ الاستغلال من قِبل دول أخرى «تسعى لتحقيق مصالحها» في إشارة ضمنية إلى فرنسا. وتابع أكار، أن الدول «التي تحيك المكائد لتركيا في مسألة شرق المتوسط، سيكون مصيرها الخسران، كما حدث في التاريخ». وعبّر عن أمله ألا تكون اليونان «طَبقاً على مائدة دول أخرى تريد استغلالها... نحن دائماً نذكّرهم بهذا، وأتمنى أن يعوا هذا الأمر».

تراجع... وسحب
ولكن لم تمض ساعات، حتى تراجعت تركيا عن كلامها الناري الذي أطلقته على مدى أشهر، وسحبت مساء السبت سفينة الأبحاث «أوروتش رئيس» من منطقة متنازع عليها مع اليونان في شرق المتوسط. وجاءت الخطوة هذه وسط تضارب في التصريحات بين مسؤوليها في محاولة لتبريرها. إذ قال وزيرا الخارجية مولود جاويش أوغلو، والطاقة والموارد الطبيعية فاتح دونماز، إن السفينة أعيدت «من أجل إجراء الصيانة وتبديل طاقمها، وإنها ستقوم بمهام لاحقة في منطقة أخرى قريباً». في حين قال وزير الدفاع خلوصي أكار، إنها أعيدت «بعد انتهاء مهامها»، وهذا مع أن الإخطار الصادر عن مهمة السفينة حدّد مدة بقائها في المنطقة من 10 أغسطس (آب) إلى 25 سبتمبر، وفق تأكيد صحف قريبة من الحكومة. وبدوره، ذكر الناطق باسم الرئاسة التركية، أن السفينة عادت من أجل «إفساح المجال للمباحثات التي يرعاها حلف شمال الأطلسي (ناتو) والوساطة الأوروبية لإنهاء التوتر في المنطقة».

ضغوط أميركية
الملاحظ أن سحب السفينة تزامن، في الواقع، مع زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو مساء السبت الماضي إلى قبرص، حيث وجّه رسالة أعرب فيها عن القلق البالغ من تحركات تركيا في المنطقة، ودعاها إلى دعم الطرق الدبلوماسية مع مختلف الأطراف.
رسائل بومبيو الحادة والواضحة إلى تركيا، وُجّهت عقب اجتماعه مع الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسياديس. وفيها أعرب الوزير الأميركي عن قلق واشنطن البالغ إزاء تصرفات أنقرة في شرق المتوسط، وحث جميع الأطراف إلى دعم الحل الدبلوماسي.
كذلك أعلن بومبيو عن قرب إنشاء مركز جديد للأمن البري والبحري والموانئ، في جنوب قبرص كجزء من الجهود المبذولة لتعزيز التعاون الأمني في المنطقة بموجب مذكرة تفاهم وقّعها في قبرص.
هذه المذكرة أغضبت أنقرة، التي أعلنت عبر وزارة خارجيتها، أنها تعد في «حكم العدم» بالنسبة لقبرص الشمالية. وهي «لن تخدم السلام والاستقرار في شرق البحر المتوسط»، بل «ستضر بحل قضية قبرص».
للعلم، بموجب مذكرة التفاهم هذه، ستوفر الولايات المتحدة تدريبات للدعم الفني لليونانيين بشأن أمن الحدود والموانئ والجمارك، كما ستنشئ منصات أمنية في المنطقة وتوفر دعم المعدات والأمن السيبراني. وكانت الولايات المتحدة قد رفعت أخيراً حظر الأسلحة المفروض على الإدارة القبرصية اليونانية منذ عقود، وأدرجت الجانب القبرصي - اليوناني في برنامج التدريب العسكري.
من ناحية أخرى، جاءت زيارة بومبيو لقبرص بعد أيام من زيارة قصيرة مماثلة أجراها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، شدد خلالها على العلاقات الوثيقة بين موسكو ونيقوسيا، وعرض بذل وساطة لتخفيف التوتر بينها وبين أنقرة في النزاع بشأن الحقوق البحرية والطاقة.
عودة إلى بومبيو، فإنه لم يغفل عن تذكير القبارصة بأن واشنطن لا تشعر بالارتياح لرسو سفن حربية روسية في الموانئ القبرصية. وقال «نحن نعلم أن جميع السفن العسكرية من قبرص والرئيس (أناستاسياديس) مراعاة مخاوفنا». وما يجدر ذكره هنا، أنه سبق للسلطات القبرصية أن ادّعت مراراً أنها تقدم تسهيلات للسفن الحربية الروسية «لأسباب تتعلق بالأوضاع الإنسانية في سوريا». وكرر بومبيو، تصريحاته، الثلاثاء، معرباً عن القلق من زيادة الشحن العسكري في شرق المتوسط، حاثاً جميع الأطراف إلى التوجّه إلى الحل الدبلوماسي. ولقد علق وزير الخارجية التركي على تصريحات نظيره الأميركي التي أعرب فيها عن قلق واشنطن من تصرّفات تركيا، متسائلاً «الآن يقولون إنهم قلقون. مَن الذي من حقه أن يقلق؟ مَن الذي يخالف القانون الدولي ويرفع حظر الأسلحة ويتغاضى عن حقوق القبارصة الأتراك؟»...

اختبار الأمر الواقع
في رأي الكثير من المراقبين أن تركيا وجدت نفسها في مأزق. وأنها تقف وحيدة في مواجهة الاتحاد الأوروبي ودول منطقة الشرق المتوسط والولايات المتحدة، وربما روسيا أيضاً، التي ستجري مناورات بالذخيرة الحية قبالة قبرص خلال أيام. كذلك شعرت أن سياسة «الأمر الواقع» التي اختبرتها في شرق المتوسط لن تجدي نفعاً ضد هذا التكتل الذي يحيط بها من كل ناحية. ومن ثم، لعل تصريح إبراهيم كالين، الناطق باسم الرئاسة التركية عن «أوروتش رئيس» سُحبت من منطقة النزاع في شرق المتوسط «من أجل إفساح المجال للجهود المبذولة من أجل الحوار وإنهاء التوتر في المنطقة»، هو التبرير الأكثر منطقية. وفي هذا السياق، نشير إلى جمع «ناتو» خبراء عسكريين من الجانبين التركي واليوناني في مقره ببروكسل في جولتي مباحثات فنية عقدتا يومي 7 و15 سبتمبر الحالي. وعقد الاجتماع الثاني الثلاثاء الماضي بعد أقل من 72 ساعة من سحب تركيا السفينة وإعادتها إلى مياهها في أنطاليا بجنوب البلاد. وفي اليوم ذاته، بحث وزير الخارجية جاويش أوغلو مع نظيره الأميركي بومبيو هاتفيا بعد التطورات الأخير.

الردّ الأوروبي حازم
على صعيد متصل، من المقرر أن يجتمع قادة الاتحاد الأوروبي الأسبوع المقبل، لمناقشة التعديات التركية على حقول الطاقة في منطقة شرق المتوسط وانتهاكها سيادة دول المنطقة على مياهها الإقليمية. وعلى الرغم من خطوة التهدئة التركية، حذر جوزيب بوريل، الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، الثلاثاء الفائت من خطر نشوب حرب في شرق المتوسط بسبب التوترات المتزايدة في المنطقة الناتجة من إجراء عمليات تنقيب عن الطاقة. وتابع بوريل «ثمة توتر متزايد في شرق المتوسط بين اليونان وتركيا وقبرص، ومعه خطر نشوب صراع قد يتجاوز الكلمات». وتابع «علاقاتنا (أي الاتحاد الأوروبي) مع تركيا عند منعطف، وحان الوقت ليتخذ مسؤولونا قرارات صعبة».
وتواصلت التحذيرات على لسان أورسولا فون دير لايين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بوم الأربعاء؛ إذ حذّرت من أي محاولة من جانب أنقرة لـ«ترهيب» جيرانها في إطار النزاع على موارد الغاز الذي تتواجه فيه تركيا مع اليونان في شرق المتوسط. وأردفت في كلمتها السنوية حول حال الاتحاد الأوروبي أمام البرلمان الأوروبي «تركيا جارة مهمّة وستبقى كذلك، ولكن رغم القرب الجغرافي يبدو أن المسافة الفاصلة بيننا تتوسع باستمرار. نعم، تقع تركيا في منطقة تشهد اضطرابات.. نعم، تتلقى ملايين اللاجئين ندفع لها لقاء استقبالهم مساعدة مالية كبيرة... إلا أن لا شيء من ذلك يبرّر محاولاتها ترهيب جيرانها». واستطردت في تلميح تحذيري لأنقرة «بإمكان قبرص واليونان الدولتين العضوين في الاتحاد الأوروبي الاعتماد على تضامن أوروبا الكامل لحماية حقوقهما السيادية المشروعة».
تشير هذه التصريحات، في نظر المراقبين، إلى عزم الاتحاد الأوروبي على اتخاذ موقف حازم من تركيا، وأنه لن يتجاهل أي تحرك من أنقرة قد يكون من قبيل المناورة لتفويت الفرصة على الاتحاد لمعاقبتها. وفي حين، ستدرج الأزمة في شرق المتوسط على جدول أعمال القمة الأوروبية يومي 24 و25 سبتمبر في بروكسل، مع احتمال فرض عقوبات على تركيا، استبعد جاويش أوغلو ذلك، لكنه لم يستبعد أن تأتي في صورة عقوبات على شركات وأفراد.
في هذه الأثناء، أبدت اليونان وقبرص استعدادهما للحوار مع تركيا «فوراً»، لكن من دون تهديدات. وترغب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، على وجه الخصوص، في رؤية كل من أنقرة وأثينا منخرطتين في حوار قبل القمة الحاسمة للاتحاد الأوروبي، الذي تتولى ألمانيا رئاسته، وهي قمة ستناقش التطورات الأخيرة في شرق البحر المتوسط.
وبالفعل، تحدثت ميركل هاتفياً، الثلاثاء، مع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، ونقلت مصادر أنها وافقت على موقفه الثابت بأن الحوار لا يمكن أن يبدأ إلا إذا توقفت أنقرة عن الاستفزازات واتخذت خطوات عملية لتهدئة التوتر. كما أصر ميتسوتاكيس خلال المكالمة، على أن وقف التصعيد بمغادرة سفينة الأبحاث التركية ليل السبت الماضي يجب ألا يكون مصطنعاً من قِبل أنقرة بهدف تجنّب التهديد بفرض عقوبات أوروبية.
وفي السياق ذاته، كشف موقع «دوار» التركي عن أن سحب أنقرة السفينة «أوروتش رئيس» جاء بعد التوصل إلى مشروع تسوية بين تركيا واليونان بوساطة ألمانيا، بيد أن هذه التسوية لم تدخل حيز التنفيذ بعد. وأورد الموقع بعض البنود التي قال إن التسوية تشملها، منها:
- أن المباحثات الاستكشافية التركية - اليونانية، التي توقفت عام 2016، ستستأنف. وهذه المرة، ستركز أثينا وأنقرة على تدابير جديدة لبناء الثقة وتجنب خطوات نشوء التوتر.
- سيولي الجانبان اهتماماً خاصاً للمناطق المتنازع عليها، ولن تُجرى أبحاث الغاز الطبيعي والنفط في المناطق «المثيرة للجدل».
- ستبدأ أنقرة وأثينا التحضير لوضع الأساس لاجتماع الزعيمين إردوغان وميتسوتاكيس (الذي كان مقرراً أصلاً في إطار اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك في منتصف صيف 2020).
- ستُطلق اليونان وتركيا تحضيرات قمة خماسية جديدة في قبرص.
- تُعد خلق آلية للتوزيع العادل للطاقة في قبرص، وهكذا يمكن ضمان المشاركة المتساوية للقبارصة الأتراك في معادلة الطاقة.
أيضاً، تتضمّن المسوّدة اتخاذ خطوات لرفع تأشيرة دخول الاتحاد الأوروبي عن الأتراك، الامتناع عن فرض عقوبات على تركيا لتحويلها متحف آيا صوفيا في إسطنبول إلى مسجد، ومواصلة تمويل الاتحاد الأوروبي لتركيا من أجل التكفّل باحتياجات طالبي اللجوء.

فشل وعزلة
أما على صعيد السياسة الداخلية التركية، نذكّر بأن إردوغان كان قد قال عقب إرسال سفينة الأبحاث إلى المياه القريبة من اليونان أن «تركيا لن تتراجع ولو خطوة واحدة عن المضي في أعمال البحث والتنقيب في شرق المتوسط». ولذا؛ فتحت المعارضة التركية النار على الحكومة بعد سحب السفينة وتساءلت عن تهديدات إردوغان وكلامه الصاخب. واعتبر مسؤولو حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، أن تصريحات إردوغان كلام إلهاء بينما تدفع تركيا الثمن وتبقى في عزلة وقطيعة مع جيرانها ومحيطها. وندّد رئيس الحزب كمال كليتشدار أوغلو بالسياسة الخارجية لحكومة إردوغان، متسائلاً عن أسباب القطيعة مع مصر، التي هي أهم دولة بالنسبة لتركيا في منطقة البحر المتوسط وترتبط معها بعلاقات تاريخية. وأضاف أن «إردوغان يضحّي بعلاقات تركيا مع مصر من أجل تنظيم الإخوان المسلمين... فمن هم هؤلاء؟ وما علاقتهم بالسياسة؟».
كذلك قال تمل كرم الله أوغلو، رئيس حزب السعادة الإسلامي، إن تركيا «فشلت دبلوماسياً اليوم، وستفشل غداً ما بقيت في يد هذه الحكومة». وانتقد رئيس حزب المستقبل التركي رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو سياسة أنقرة وفشلها في حل الخلافات عبر الطرق الدبلوماسية في الوقت الذي «صنعت حولها بحيرة من الأعداء وباتت في عزلة».
وفي تعليق على خطوة تركيا سحب السفينة «أوروتش رئيس» من المنطقة المتنازع عليها، وصف داود أوغلو الدبلوماسية التركية تحت قيادة إردوغان بـ«الفاشلة»، موضحاً «حتى الدول التي تتعارض مصالحها، تجمعت بعضها مع بعض لتقف ضد تركيا، فإذا كنت تقف وحيدا، في قضية حتى لو كنت محقاً، فهذه تعد دبلوماسية فاشلة».
داود أوغلو أشار أيضاً إلى أنه إبان فترته كوزير للخارجية وصل إلى النقطة التي كانت تركيا ستوقع فيها اتفاقية المنطقة الاقتصادية الخالصة مع مصر في 2012 – 2013، قائلاً «كان كل هدفي في ذاك الوقت توقيع الاتفاقية مع مصر؛ لأن توقيع مثل هذه الاتفاقية بين أهم بلدين ساحليين على البحر المتوسط، سيجلب فوائد كبيرة للبلدين. لقد تابعت هذه القضية عن كثب أثناء رئاستي الوزراء، بعد ذلك... لكن للأسف، دبلوماسية الحكومة ضعيفة. وتقوم بملء فراغ الافتقار إلى الدبلوماسية القوية في شرق البحر المتوسط، بالبوارج وقواتنا البحرية».


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.