شهادة «حفار القبور» السوري في ألمانيا تستعيد صور جرائم النازية

لم تكشف محكمة جرائم الحرب عن اسمه ولا هويته... ودخل القاعة متنكراً

عرض «المظاهرة الصامتة» عن ضحايا التعذيب السوريين  للفنان خالد بركة أمام محكمة كوبلنز يوليو الماضي (رويترز)
عرض «المظاهرة الصامتة» عن ضحايا التعذيب السوريين للفنان خالد بركة أمام محكمة كوبلنز يوليو الماضي (رويترز)
TT

شهادة «حفار القبور» السوري في ألمانيا تستعيد صور جرائم النازية

عرض «المظاهرة الصامتة» عن ضحايا التعذيب السوريين  للفنان خالد بركة أمام محكمة كوبلنز يوليو الماضي (رويترز)
عرض «المظاهرة الصامتة» عن ضحايا التعذيب السوريين للفنان خالد بركة أمام محكمة كوبلنز يوليو الماضي (رويترز)

أثارت شهادة «حفار القبور» التي أدلى بها في الجلسة 31 الأخيرة الأسبوع الماضي، لمحاكمة مسؤولين سوريين على جرائم حرب، في مدينة كوبلنز غرب ألمانيا، كثيراً من الصدمة داخل قاعة المحكمة ولدى الصحافيين الألمان الذين كانوا يستمعون لشهادته، وأعادت إلى أذهانهم كثيراً من الصور المألوفة هنا، في بلد ما زال يعيش وصمة جرائم النازيين.
من الصور التي تأبى أن تغادر ذاكرة «حفار القبور» السوري، جثة امرأة كانت في أسفل ردمة الجثث التي كان ينقلها لدفنها في مقبرة جماعية في دمشق، فالمرأة كانت لا تزال تعانق طفلها الميت بين ذراعيها. يتذكر «حفار القبور» الذي كان حتى تلك اللحظة يتمالك نفسه، تلك الصورة، وينهار بالبكاء. تطلب القاضية الألمانية في محكمة كوبلنز التي تستمع لشهادة الرجل، استراحة ريثما يستعيد أنفاسه ويتابع. صور أخرى، يقول إنها ما زالت عالقة في ذهنه أكثر من غيرها. مثل تلك اللحظة التي شاهد فيها رجلاً بين كومة من مئات أو آلاف الجثث، ما زال يتنفس، حتى أمر الضابط السوري المسؤول، بسير المجرفة التي كانت تحفر القبور الجماعية، فوق جسده، لتحوله جثة بين كومة من الجثث. فالرجل الذي لم تكشف المحكمة عن اسمه ولا هويته، دخل القاعة متنكراً، مخبئاً وجهه خلف قناع لم ينزعه طوال 3 ساعات هي مدة إدلائه بشهادته.
والمحاكمة المقصودة هي تلك التي يحاكم فيها الضابط السوري السابق أنور رسلان والمجند السابق أياد الغريب، عن جرائم ضد الإنسانية ارتكبوها في سوريا بعد الثورة عام 2011. فهذه المحاكمة التي انطلقت قبل أربعة أشهر تقريباً، هي أول محاكمة لمسؤولين أمنيين في النظام السوري يحاكمون بجرائم حرب. المتهمان، أنور رسلان وأياد الغريب، هما الوحيدان حتى الآن اللذان نجح محامون وناشطون سوريون وأوروبيون، في جمع ملفات كافية عنهما، لوضعهما في قصف الاتهام. رسلان متهم بالمسؤولية عن تعذيب نحو 4 آلاف شخص، وقتل 58 آخرين في فرع الخطيب بدمشق، أما الغريب فمتهم بالقبض على متظاهرين وتسليمهم لفرع الخطيب حيث كانوا يتعرضون للتعذيب والقتل أحياناً.
ومنذ انطلاق المحاكمة في مدينة كوبلنز الألمانية في 23 أبريل (نيسان) الماضي، والعالم يستمع للمرة الأولى، بصدمة شديدة، لما يعيشه السوريون منذ سنوات: اعتقالات تعسفية، عمليات تعذيب لا تطاق، ومقابر جماعية يديرها النظام السوري. المحامي السوري أنور البني الذي يجمع الشهود في هذه المحاكمة، وقدم هو نفسه شهادته أمامه بصفته معتقلاً سابقاً، يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن الصدمة التي شعر بها الألمان «لم تحدثها فقط معرفتهم بأن هذه الجرائم حصلت في سوريا، بل لأن عدداً منهم قارنها بما حدث أيام النازيين ومحاكمات أوشفيتز»، في ألمانيا. ويضيف أن «الصدمة الكبرى، هي في حقيقة أن هذه الجرائم ما زالت تحدث في سوريا حتى الآن». ويشير البني إلى أن الشاهد «حفار القبور» كان ما زال يعمل على دفن المعتقلين حتى عام 2017، حين غادر البلاد ما يؤكد أن هذه الجرائم ما زالت تجري في معتقلات سوريا حتى الآن. ولكن بالنسبة للبني، فإن أهم ما كشفته شهادة «حفار القبور»، هو «الحلقة المفقودة»، والسؤال الأزلي حول «أين تذهب جثث المعتقلين؟»، أو ماذا يحدث للمعتقلين المفقودين الذين يدخلون الأفرع الأمنية ثم يختفون. ويقول: «الآن بتنا نعرف». ولكن الأهم في شهادة الرجل، كانت بالنسبة للبني، أنها تربط منهجية القتل الجماعي بكل الأفرع الأمنية في سوريا، وتؤكد أن النظام بأكمله متورط.
والواقع أن عدداً من عائلات مفقودين سوريين، اكتشفوا مصير أبنائهم بعد أن شاهدوا صور جثثهم بين مجموعات صور قيصر، المصور العسكري السوري الذي هرب وهرّب معه آلاف الصور التي تظهر جثث معتقلين وعليه آثار التعذيب. وهذه الصور تشكل جزءاً من الأدلة التي استخدمها الادعاء في محاكمة كوبلنز الجارية.

مقابر جماعية
وأكثر من هذا، فإن «حفار القبور» تحدث بالفعل عن جثث كان تحمل بشاحنات مبردة تأتي من كل الأفرع الأمنية والمستشفيات العسكرية، ولكن أيضاً مستشفيات مدنية. وروى كيف «جنده» أحد عناصر المخابرات في عام 2011، وطلب منه أن يعد فريقاً من 10 إلى 15 رجلاً، يكونون مسؤولين عن مرافقة شاحنات محملة بجثث، أربع مرات أسبوعياً، باتجاه مقابر جماعية. وروى أن المخابرات أمنت له شاحنة صغيرة من دون لوحة وعليها صور بشار الأسد. في كل نقلة، قال إن عدد الشاحنات كان يتراوح بين واحدة وثلاثة، تنقل مئات الجثث المكدسة فوق بعضها. وكل شحنة كانت ترافقها لائحة بأسماء المراكز الأمنية التي جاءت منها الجثث، وكان من بينها مركز الخطيب.
أما الجثث فلم يكن لها أسماء. بعضها حتى كانت وجوهها مشوهة. ربما بالأسيد. كانت الجثث مجرد أرقام. أرقام ورموز محفورة على الجبين أو الصدر. بعضها كانت يداه لا تزال مقيدة خلف ظهره. وجميعها ملطخة بالكدمات أو الدماء بأظافر مقلعة. قدر «حفار القبور»، عدد الجثث التي كانت تنقل إلى المقابر الجماعية في كل نقلة، بين 300 و700 جثة. وحدد كذلك مسار الشاحنات التي كانت تنطلق إلى المقابر الجماعية، فجراً، بين الرابعة والخامسة. من مستشفيات تشرين وحرستا ومزة العسكرية، إلى مقبرتين جماعيتين في القطيفة شمال دمشق، والنجها جنوب دمشق. وهناك، تفرّغ الجثث عشوائياً في الحفرة العملاقة بعمق 6 أمتار وطول مائة متر. وقد يستغرق ملء كل حفرة قرابة 150 نقلة.
استمر «حفار القبور» يؤدي هذه الوظيفة منذ عام 2011 حتى عام 2017. لم تكشف تفاصيل أكثر عن هوية هذا الشاهد، رغم طلب محامي الدفاع، خوفاً على عائلته التي لا تزال في سوريا. وقد انتهت معه الجلسة 31 من جلسات هذه المحاكمة التي استمعت لعدد كبير من الشهود حتى الآن، كان من بينهم خمسة معتقلين سابقين.

صوت رسلان ووجهه
ورغم أن أياً من المعتقلين لم يتعرف على رسلان بالشكل، كونهم كانوا معصوبي الأعين وقت استجوابهم في معتقل الخطيب، فإن أدلة أخرى ظهرت تثبت أن رسلان كان محققاً في الفرع 251، كما كان يعرف ذاك المركز، وكان يعطي أوامر التعذيب. فالمتهم رسلان الذي يرفض الحديث في المحكمة ويتحدث فقط عبر محاميه، كان قد اعترف في استجواب سابق مع محقق ألماني قبل أن تبدأ المحاكمة، بأنه استجوب أحد الشهود الأساسيين في المحكمة، وهو وسيم المقداد، العازف السوري المشهور الذي وصل لاجئاً إلى ألمانيا. ورغم أن رواية رسلان للمحقق الألماني حول استجوابه للمقداد كانت مختلفة عما تحدث به الشاهد، فإنها كانت اعترافاً ضمنياً منه بأنه هو المحقق والآمر بالتعذيب. ذلك أن المقداد بشهادته أمام المحكمة، قال إن محققاً واحداً هو من استجوبه طيلة فترة اعتقاله في فرع الخطيب، وإنه لو سمع صوته فبإمكانه التعرف عليه فوراً. ولكنه لم يرَ وجهه لأن عينيه كانتا معصوبتين، كما حال كل المعتقلين السوريين الذين تعصب أعينهم كي لا يتمكنوا من التعرف على المحقق. وطلب المقداد، وشهود غيره، عينة صوتية من رسلان للتأكد بأنه هو نفسه المحقق الذي أعطى أوامر تعذيبهم. ولكن محاميه رفض الأمر بشكل قاطع.
ورغم أن الشهود حتى الآن لم يتعرفوا على وجه رسلان، فإن البني يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن الجلسات المقبلة ستشهد مثول شهود يمكنهم التعرف على وجه رسلان، لأنهم كانوا قد شاهدوه في السجن بسوريا. على أي حال، الجلسات المجدولة حتى الآن لغاية مايو (أيار) المقبل، قد تمدد في حال الحاجة، وستستمع لمزيد من الشهود الذين طلبهم الادعاء والدفاع. فالدفاع حتى الآن لم يقدم إلا شاهداً واحداً، هو المعارض السوري المعروف رياض سيف، المقيم في برلين. وحتى شاهد الدفاع الأول، لم يشهد لصالح رسلان في النهاية. فسيف، المعارض السوري المعروف والعضو السابق في الائتلاف الوطني المعارض، نفى معرفته الشخصية المسبقة برسلان، رغم تأكيده أنه أوصى به لدى الخارجية الألمانية عندما قدم رسلان طلب لجوئه إلى ألمانيا من تركيا. وبرر سيف هذه التوصية التي أرسلها، بأنها جاءت بناء على توصية أخرى من صهره ورغبة منه بمساعدة منشق، أملاً في الحصول منه على معلومات عن مصير المعتقلين. وأكد سيف أنه رغم لقائه برسلان مرتين في برلين، فهو لم يتمكن من أن يحصل منه على أي معلومة تتعلق بالمعتقلين.
وكشف سيف، كذلك، أن رسلان كان من ضمن أوائل الوفود المعارضة المشاركة في مؤتمرات جنيف للحوار مع النظام. واعترف سيف بخطأ توصيته برسلان من دون التأكد والتدقيق بخلفيته. وبحسب المحامي أنور البني، فإن شهادة سيف جاءت لصالح المدعين، وأن رسلان نفسه تفاجأ بالكلام الذي أدلى به سيف.
وكان رسلان قد وصل لاجئاً إلى ألمانيا عام 2015 بعد أن انشق عن النظام ولجأ إلى تركيا في البداية، ثم منها وصل إلى ألمانيا حاملاً تأشيرة دخول من السفارة الألمانية في عمّان. وقدم في برلين طلب لجوء، ساعده فيه رياض سيف بتوصية مكتوبة للخارجية الألمانية.
ويرفض رسلان الاتهامات الموجهة إليه، وقال عبر محاميه في رسالة وجهها للمحكمة في الأسبوع الثاني من المحاكمة تلاها محاموه، إنه لا علم له بعمليات تعذيب كانت تجري في فرع الخطيب، وزعم حتى أنه كان يساعد بعض المعتقلين. واعتقل رسلان بعد أن لجأ للشرطة في برلين ليبلغ عن مخاوف من تعرضه للملاحقة والمراقبة من قبل سوريين. واعترف أثناء بلاغه للشرطة، بأنه كان ضابطاً في الجيش السوري، ما دفع بالشرطة لتحويل ملفه للشرطة الجنائية لفتح تحقيق في مدى إمكانية ارتكابه لجرائم.
أما أياد الغريب الذي وصل إلى ألمانيا عام 2018، فقد اعتقل بعد أن أدلى بشهادتة أمام دائرة الهجرة في ألمانيا واعترف بأنه كان يعمل مع المخابرات السورية. وهو يرفض التهم الموجهة إليه كذلك. وفي الجلسة الأخيرة من المحاكمة المشتركة مع رسلان، أعلنت القاضية أن ملف الغريب سيتم فصله عن محاكمة رسلان في الأشهر المقبلة. والجرائم التي يتهم بها الغريب ليست بالمستوى نفسه، مقارنة بالتهم الموجهة لرسلان التي تعد عقوبتها أشد بكثير.



إدانات يمنية لمجزرة حوثية في حجّة خلفت عشرات الضحايا

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
TT

إدانات يمنية لمجزرة حوثية في حجّة خلفت عشرات الضحايا

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)

أثارت مجزرة حوثية في محافظة حجة بشمال غربي اليمن، موجة إدانات رسمية وحقوقية واسعة، حيث قتل وأصيب نحو 38 مدنياً، بينهم أطفال، جراء قصف مدفعي شنته الجماعة على تجمّع للأهالي أثناء تناولهم وجبة الإفطار في مديرية حيران.

ووفق مصادر محلية، استهدف القصف، مساء الأحد، ساحة أحد المنازل، حيث كان الأهالي مجتمعين لتناول الإفطار في إحدى ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان، في مشهد اجتماعي معتاد يعكس تقاليد التكافل بين سكان المنطقة.

وأفادت معلومات رسمية أولية بأن القصف أسفر عن مقتل 8 مدنيين بينهم طفلان، إضافة إلى إصابة أكثر من 30 شخصاً بجروح متفاوتة الخطورة، في حين سارعت فرق الإسعاف والأهالي إلى نقل المصابين إلى المراكز الطبية القريبة.

الحوثيون رفعوا صوراً ضخمة للمرشد الإيراني علي خامنئي عقب مقتله (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر، فإن الهجوم وقع بعد عملية رصد جوي باستخدام طائرة مسيّرة لتحديد موقع التجمع المدني، قبل أن يتم استهدافه بالقصف المدفعي، وهو ما أدى إلى وقوع خسائر بشرية كبيرة وترك آثار صادمة في أوساط السكان المحليين.

وأشارت التقارير الميدانية إلى أن شدة القصف تسببت في إصابات خطيرة بين الضحايا، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة القتلى.

إدانة حكومية

وأدانت الحكومة اليمنية الهجوم بشدة، ورأت أنه يمثل جريمة حرب وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

وقالت وزارة حقوق الإنسان في بيان رسمي، إن الهجوم لم يكن عشوائياً؛ بل جرى تنفيذه عقب عملية رصد جوي دقيقة، ما يشير إلى وجود نية مسبقة لاستهداف المدنيين.

وأوضحت الوزارة أن التقارير الميدانية التي تلقتها تؤكد أن الضحايا كانوا مدنيين مجتمعين لتناول وجبة الإفطار، الأمر الذي يجعل الهجوم استهدافاً مباشراً لتجمع مدني.

عناصر حوثيون على متن عربة أمنية خلال تجمع في صنعاء دعا له زعيمهم (إ.ب.أ)

وأضافت أن هذا النوع من الهجمات يندرج ضمن الجرائم التي قد ترقى إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مشددة على ضرورة محاسبة المسؤولين عنها وفق القوانين الدولية.

كما أكدت الوزارة أن استمرار الصمت الدولي تجاه مثل هذه الانتهاكات، يشجع على تكرارها، داعية المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف واضح لمنع استهداف المدنيين في مناطق النزاع.

وجددت الوزارة تأكيدها أن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين لن تسقط بالتقادم، وأن مسار العدالة للضحايا سيظل أولوية حتى تتم محاسبة جميع المتورطين.

اتهامات بالرصد المسبق

من جهتها، قالت منظمات حقوقية يمنية إن المعلومات الميدانية تشير إلى أن القصف جاء بعد استخدام طائرة مسيّرة لرصد موقع التجمع المدني قبل استهدافه.

وأوضحت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن فريقها الميداني في محافظة حجة، وثق أن القصف استهدف ساحة مجلس المواطن عادل جنيد في مديرية حيران، حيث كان الأهالي مجتمعين حول مائدة الإفطار.

وأكدت الشبكة أن استهداف تجمع مدني في وقت الإفطار خلال شهر رمضان يمثل انتهاكاً خطيراً لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما مبادئ حماية المدنيين في النزاعات المسلحة.

وأضافت أن استخدام وسائل الاستطلاع الجوي لتحديد تجمعات مدنية ثم قصفها بشكل مباشر، قد يرقى إلى هجوم متعمد ضد المدنيين، وهو ما يندرج ضمن الجرائم الجسيمة التي تستوجب المساءلة الجنائية الدولية.

كما أشارت إلى أن مثل هذه الهجمات تعكس نمطاً متكرراً من الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في مناطق النزاع داخل اليمن، داعية إلى تحقيق دولي مستقل لكشف ملابسات الهجوم وتحديد المسؤولين عنه.

وقالت منظمة «تقصي للتنمية وحقوق الإنسان» إن الهجوم الصاروخي الذي استهدف تجمع الإفطار في مديرية حيران، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بينهم أطفال، في حادثة تعكس خطورة استمرار استهداف المدنيين في مناطق النزاع.

وشددت المنظمة على أن استهداف تجمعات مدنية خلال شهر رمضان، يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، داعية الأمم المتحدة إلى فتح تحقيق مستقل في الحادثة.

كما طالبت بتقديم مساعدات طبية عاجلة للجرحى ودعم أسر الضحايا الذين فقدوا أقاربهم في الهجوم.

التحقيق والمساءلة

ودعا مسؤولون حكوميون ومنظمات حقوقية يمنية، المجتمع الدولي، إلى اتخاذ موقف أكثر حزماً إزاء الهجمات الحوثية التي تستهدف المدنيين في اليمن.

وقال وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، إن استهداف مدنيين أثناء تجمعهم حول مائدة الإفطار، يمثل جريمة بشعة وانتهاكاً صارخاً للقيم الإنسانية والدينية.

وأضاف أن الهجوم يكشف مجدداً خطورة استمرار العنف ضد المدنيين، مشيراً إلى أن هذه الجريمة تضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات التي شهدتها مناطق النزاع في البلاد.

وطالب الإرياني، الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية، بإدانة الجريمة بوضوح، والعمل على محاسبة المسؤولين عنها، مؤكداً أن الإفلات من العقاب يشجع على استمرار الانتهاكات.

بدورها، حمّلت السلطة المحلية في محافظة حجة، جماعة الحوثيين، المسؤولية الكاملة عن الهجوم، داعية المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط حقيقية لوقف استهداف المدنيين.

كما ناشدت السلطات المحلية المنظمات الإنسانية والإغاثية تقديم الدعم الطبي للجرحى ومساعدة أسر الضحايا في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها المناطق المتضررة.


وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)

أكد مجلس وزراء الإعلام العربي على أهمية قيام وسائل الإعلام العربية بدورها في توعية الرأي العام بحقائق «العدوان الإيراني السافر» على بعض الدول العربية، محذراً من الخلط بين الاعتداءات الإيرانية على دول عربية وبين صراع طهران مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي بيان صدر الأحد بعدما تقدمت به وزارة الدولة للإعلام في مصر ووافقت عليه الدول العربية، حذر المجلس من «الانسياق وراء ما يتم ترويجه من مغالطات تستهدف الوقيعة وإثارة الفتن بين الشعوب العربية وبعضها البعض».

ووجَّه المجلس التحية لوسائل الإعلام العربية التي نقلت تطورات الأحداث «بمهنية وشرف والتزام بالثوابت القومية العربية، وجسدت تماسك وقوة المجتمعات والدول العربية الشقيقة التي تعرضت لهذه الاعتداءات، ونقلت حالة الإجماع الرسمي والشعبي العربي على التضامن مع شعوب الدول العربية وإقرار حقها في الدفاع الشرعي عن النفس، والإدانة الكاملة للعدوان عليها».

وناشد البيان جميع وسائل الإعلام العربية، التقليدية والرقمية، المسموعة والمقروءة والمرئية، القيام بدورها في توعية الرأي العام العربي والعالمي بشأن حقائق التطورات الجارية، مع التأكيد على أن ما تتعرض له بعض الدول العربية من هجمات إيرانية هو «اعتداء غاشم غير مبرر على دول مسالمة لم تبادر بالاعتداء على أي طرف، ولم تستخدم قواتها العسكرية في توجيه أي هجمات لإيران أو لأي طرف في الصراع الجاري».

وأكد البيان على أهمية اطلاع الرأي العام على حقيقة أن الهجمات الإيرانية على بعض الدول العربية «قد استهدفت في معظمها مرافق مدنية، والبنية التحتية المدنية، ومقدرات الشعوب العربية وثرواتها، وإلحاق الضرر بأمن مواطنيها».

«خلط متعمد أو مغلوط»

وشدد البيان على ضرورة تجنب وقوع وسائل الإعلام «في الخلط المتعمد أو المغلوط بين الموقف من العمليات العسكرية والصراع المسلح بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، وبين الهجمات الإيرانية العدوانية على بعض الدول العربية».

وتابع: «أياً كان الموقف من الصراع بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، فإنه لا يبرر مطلقاً الخلط بينه وبين عدوان إيراني صريح وواضح على أهداف في دول عربية لم تستخدم قواتها في مهاجمة إيران، ولم تمس أراضيها أو أهدافها العسكرية أو المدنية».

كما ناشد المجلس مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من أبناء الشعوب العربية «عدم الانسياق وراء ما يتم ترويجه من شائعات مدسوسة على هذه الوسائل، تستهدف الوقيعة بين الشعوب العربية».

وأشار إلى أن الظروف الراهنة «تتطلب من كل مواطن عربي التعبير عن التضامن العربي الكامل مع الشعوب التي تتعرض للعدوان، والحفاظ على وحدة الموقف العربي الثابت في وجه كل مساس بأي شعب عربي مسالم».

ودعا المجلس إلى تعاون وسائل الإعلام العربية العامة والخاصة في نقل الحقائق إلى الرأي العام العربي استناداً إلى البيانات والمعلومات الرسمية التي تصدر عن الدول العربية التي تتعرض للاعتداءات الإيرانية، «لقطع الطريق على ما يتم ترويجه من أكاذيب متعمدة بشأن أهداف ونتائج هذه الاعتداءات».

كما دعا إلى «تعاون عربي شامل لاطلاع الرأي العام العالمي بحقائق الأمور بشأن الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية وانتهاك سيادتها، والتواصل مع وسائل الإعلام الدولية الكبرى وتزويدها بالحقائق وتصحيح ما يتم ترويجه من مغالطات وأكاذيب».

المعلومات الموثقة

عميدة كلية الإعلام بجامعة القاهرة سابقاً، ليلى عبد المجيد، قالت لـ«الشرق الأوسط» إن من الطبيعي أن يقف أي عربي مع الدول العربية الشقيقة «لأننا كتلة واحدة نؤثر ونتأثر ببعضنا البعض، وبالتالي من البديهي أن يصدر وزراء الإعلام العرب بياناً تضامنياً وداعماً للدول التي تتعرض لاعتداءات من إيران».

وأضافت أن البيان تضمن لغة الخطاب التي حددت مجموعة من الأمور الأساسية المتفق عليها، «فكلنا ضد ما تتعرض له دول عربية من ضربات إيرانية رداً على الحرب من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل عليها».

واستطردت: «يمكن أن نحقق ما جاء في البيان من خلال وسائل الإعلام المهنية مثل الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية».

ثم قالت: «الإشكالية تكمن في مواقع التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بعض الشخصيات غير المسؤولة والذين ليس لديهم معلومات موثقة أو رؤية واضحة ويتحدثون بشكل غير مسؤول لا يعكس وعياً بحقيقة الأمر».

وتابعت: «أتصور أن تكون هناك توعية لمن يوجدون على وسائل التواصل الاجتماعي العربي، كما أن هناك حسابات كثيرة مزيفة تحاول بث الفرقة ونشر الشائعات يجب التصدي لها، وفي المقابل هناك بعض الصحافيين المهنيين يحاولون توضيح الأخبار المزيفة ويعطون المعلومات الحقيقية للجمهور».


مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

ركزت الدبلوماسية المصرية خلال الأيام الماضية على تعزيز التعاون والتنسيق العربي في مجالات الأمن والدفاع مع التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة واستمرار الاعتداءات الإيرانية، ما كان دافعاً لطرح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مسألة استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية.

جاءت دعوة عبد العاطي خلال اتصال هاتفي أجراه، الأحد، مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، حيث أشار إلى «ضرورة تفعيل أطر العمل العربي المشترك واستحداث آليات أمنية فاعلة، في مقدمتها تشكيل القوة العربية المشتركة، لضمان صون الأمن القومي العربي، وحماية مقدرات دول الإقليم من أي تهديدات مستقبلية، وتوفير بيئة مستدامة للاستقرار».

وتطرق وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بنظيره الأردني إلى الترتيبات المستقبلية في المنطقة، حيث أكد «الأهمية القصوى لبلورة رؤية واضحة للترتيبات الإقليمية والأمنية عقب انتهاء الحرب».

وجدد عبد العاطي «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات التي تستهدف أمن واستقرار الدول العربية»، مشدداً على الرفض التام «لأي ذرائع لتبرير هذه الانتهاكات التي تخرق قواعد القانون الدولي، وتهدد بدفع المنطقة بأكملها نحو فوضى شاملة».

وسبق أن شددت مصر في أكثر من مناسبة خلال الأيام الماضية على ضرورة تشكيل «قوة عربية مشتركة» قادرة على التعامل الفعّال مع التهديدات القائمة والمخاطر التي تواجه الدول العربية. كما طالبت بسرعة تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية لعام 1950.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رؤوف سعد، أن الطرح المصري بشأن استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية الأمن القومي العربي تبرهن على أن الموقف المصري من التصعيد الحالي بالمنطقة «يتجاوز مسألة الإدانات ويبحث عن أطر للتعاون بين الدول العربية»، بالتوازي مع اتصالات مع الجانب الإيراني لوقف الاعتداءات والوصول إلى نقطة تهدئة التصعيد ووقف الحرب.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن تفعيل معاهدة الدفاع المشترك أو استحداث آليات أمنية فاعلة «لا يعني تشكيل جيش عربي موحد بالمعنى التقليدي، وإنما آليات مختلفة من الممكن أن تكون استخباراتية أو معلوماتية وتعزيز التعاون الأمني بين الدول العربية بما يساهم في الصمود بوجه الاعتداءات التي قد تتعرض لها».

وأضاف أن الموقف المصري يهدف لأن تكون هناك ترتيبات مشتركة بين الدول العربية لعدم الانزلاق إلى الصراع القائم في المنطقة وتجنيب البلدان العربية مزيداً من الخسائر، بما في ذلك مصر التي قال إنها تأثرت سلباً نتيجة التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية.

وكان عبد العاطي قد ذكر خلال اجتماع مجلس الوزراء المصري، الثلاثاء الماضي، أن بلاده تقود حالياً مبادرات لتشكيل قوة عربية مشتركة تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي، وأكد في هذا السياق رفض «فرض أي ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية، سواء من جانب دول إقليمية غير عربية، أو من أطراف خارج الإقليم».

وتوافق وزيرا خارجية مصر والأردن على «ضرورة الوقف الفوري للحرب الراهنة والعمليات العسكرية المتصاعدة»، وحذرا من التداعيات الكارثية لاستمرار نهج التصعيد.

وأكد عبد العاطي، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، أن تغليب المسار الدبلوماسي ولغة الحوار يمثل الخيار الأوحد لاحتواء الأزمة الحالية، وتجنيب شعوب المنطقة ويلات الصراع الممتد.

وقبل أن يبدأ جولة خليجية استهلها من قطر، أجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً، الأحد، مع نظيره الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح «للتشاور وتنسيق المواقف إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة».

وتطرق الاتصال إلى الانعكاسات المباشرة للتصعيد العسكري الجاري على حركة الملاحة الجوية والترتيبات اللوجيستية في الإقليم، حيث أعرب عبد العاطي «عن تفهم مصر ودعمها للإجراءات الاحترازية والسيادية التي اتخذتها دولة الكويت، بما في ذلك إغلاق مجالها الجوي، لضمان أمن وسلامة أراضيها ومواطنيها في ظل التهديدات المحيطة».