الموهبة والمأساة تشكلان أبرز معالم طريق فان دي بيك إلى مانشستر يونايتد

اللاعب الهولندي سيرتدي القميص 34 تكريماً لزميله نوري الذي توقفت مسيرته الكروية

TT

الموهبة والمأساة تشكلان أبرز معالم طريق فان دي بيك إلى مانشستر يونايتد

من المستبعد أن ينسى النجم الهولندي الشاب دوني فان دي بيك ليلة السادس والعشرين من يوليو (تموز) عام 2017، حين كان لا يزال في سن العشرين من عمره، وما زال يعيش مع والديه في بلدة نايكيركيرفين الصغيرة، حيث سجل هدفاً رائعاً بقميص أياكس أمستردام في مرمى نادي نيس الفرنسي في تصفيات دوري أبطال أوروبا. وكان هناك شعور بأن هذه هي نقطة الانطلاق الحقيقية لهذا اللاعب الشاب.
وبفضل هذا الهدف، تأهل أياكس أمستردام إلى دور المجموعات بدوري أبطال أوروبا، وبدا لاعب خط الوسط الشاب جاداً للغاية، ووصف هذه النتيجة بأنها «مهمة»، لكنه كان يفكر في أمور أخرى أكثر أهمية. ولم تكن الصراعات الداخلية لفان دي بيك واضحة للآخرين. فبعد هذا الهدف، بذل فان دي بيك مجهوداً مضاعفاً حتى يتمكن فريقه من السيطرة على وسط الملعب، خاصة بعدما انضم إليه فرينكي دي يونغ في خط الوسط. لقد أظهر فان دي بيك إمكانياته الهائلة، وقوته وقدرته على التحمل، وقدرته على تسجيل الأهداف، ومنع الأهداف أيضاً. وفي المقابل، أضفى دي يونغ على أداء أياكس أمستردام السرعة والقوة والقدرة على المناورة، وإيجاد الحلول في أصعب المواقف واللحظات.
وبات يُنظر إلى كل من فان دي بيك ودي يونغ على أنهما يمثلان مستقبل أياكس أمستردام. والآن، رحل كل منهما إلى ناد أكبر، فقبل عام من الآن انتقل دي يونغ إلى برشلونة، ومؤخراً انتقل فان دي بيك رسمياً إلى مانشستر يونايتد. وقبل 3 أسابيع فقط من مباراة أياكس أمام نيس الفرنسي، كان أفضل صديق لفان دي بيك، وهو عبد الحق نوري، قد عانى من قصور في القلب أدى إلى تلف دماغي لا يمكن إصلاحه خلال مباراة ودية في النمسا.
ولعب فان دي بيك ونوري في بطولات لا حصر لها عندما كانا في أكاديمية أياكس للناشئين، كما كانا ضمن الصبية الذين يجمعون الكرات بجوار خط التماس خلال المباريات، وكان يتوسلان للاعبين المشاهير للحصول على قمصانهم. كما انضما معاً إلى الفريق الأول لأياكس خلال معسكر تدريب الفريق في قطر وعمرهما 17 عاماً. وفي ذلك المعسكر، أشاد كل منهما بالآخر، حيث قال نوري: «دائماً ما أطلق عليه اسم مارادوني. في البداية، لم أكن أعرف أنه يمتلك هذه المهارات الاستثنائية، لكنه كان دائماً ما يقوم بدوره الدفاعي على أكمل وجه عندما نفقد الكرة، حتى عندما يكون مرهقاً». أما فان دي بيك، فقال عن نوري: «الناس مفتونون بنوري لأنه يقوم بأشياء مثيرة، ويسخر من الخصوم، لكنه من الناحية الفنية رائع أيضاً».
وقد عانى جميع لاعبي أياكس بسبب هذه المأساة، لكن الجميع اتفقوا على أن فان دي بيك قد عانى أكثر من غيره نظراً لأن نوري كان صديقه المقرب، وقد لعب الاثنان معاً في فرق الشباب، وفضلا الانتظار، بدلاً من البحث عن الرحيل على سبيل الإعارة. وقد أدرك أياكس أن هذين النجمين يمتلكان قدرات فنية كبيرة، وبالتالي أفسح لهما المجال من خلال التخلي عن خدمات اللاعبين الأكثر خبرة في خط الوسط.
وبعد أن سجل فان دي بيك هذا الهدف المهم في مرمى نيس، أشار بأصابعه إلى رقمي 3 و4، في إشارة إلى رقم 34 الذي كان يرتديه نوري، وقال وهو يبكي: «لقد عبرت عن ذلك بكل مشاعري. أريد دائماً أن أسجل، لكن كانت لديّ رغبة أكبر للتسجيل في هذه الليلة، من أجل نوري ومن أجل عائلته». ورغم أن فان دي بيك سجل مرة أخرى في مرمى نيس على ملعب أياكس، بينما كان والد نوري وشقيقه يشاهدان المباراة من المدرجات، فقد خسر أياكس هذه المباراة، وتعثر خلال مسيرته في المسابقة.
وبدأ الفريق مرحلة التجديد في الموسم التالي، وفاز أياكس بلقب الدوري الهولندي الممتاز للمرة الرابعة والثلاثين في تاريخه، كما فاز بلقب كأس هولندا، وقدم مستويات استثنائية في دوري أبطال أوروبا. واستمر فان دي بيك في التحسن، وأصبح ركيزة أساسية في خط وسط الفريق، وسجل هدفين رائعين في مرمى يوفنتوس في الدور ربع النهائي، وفي مباراة نصف النهائي التي خسرها الفريق في الثواني الأخيرة أمام توتنهام هوتسبير.
وأصبح لاعبو أياكس أمستردام أكثر اللاعبين المطلوبين في سوق انتقالات اللاعبين، فانتقل دي يونغ إلى برشلونة مقابل 75 مليون يورو، وذهب ماتيس دي ليخت إلى يوفنتوس مقابل 85 مليون يورو، وكان فان دي بيك على وشك الانتقال إلى ريال مدريد، لكن النادي الملكي لم يتحرك بقوة لضمه خلال الصيف الحالي. لكن ما الذي دفع ريال مدريد للتراجع عن ضم فان دي بيك؟ ربما لأنه يفتقر إلى جاذبية النجوم! فلا يزال النجم الهولندي الشاب يتصرف في بعض النواحي مثل الأطفال المطيعين الطيبين، ولا يتفاخر أبداً بما حققه، بل على العكس تماماً يتحلى بتواضع شديد.
وعندما كان فان دي بيك في العاشرة من عمره، كان يريد الذهاب إلى نادي فيتيس، بدلاً من أياكس، حيث كان يشعر بالضياع بعض الشيء بين الأطفال الأكثر جرأة القادمين من المناطق الحضرية خلال فترة الاختبار الأولى، لكن حبه لنادي أياكس -الذي اكتسبه من والده- غير رأيه في نهاية المطاف. وتخلى فان دي بيك عن اللعب الاستعراضي والتمريرات الذكية، وترك ذلك لزملائه في الفريق مثل نوري، وبعد ذلك حكيم زياش، وحاول أن يقوم بمهام أخرى تساعد الفريق ككل. وحتى الآن، لا يزال فان دي بيك بديلاً في صفوف منتخب هولندا، ولا يُنظر إليه على أنه لاعب من طراز فريد في النواحي الهجومية.
وقد دفع مانشستر يونايتد الذي ربما اهتم باللاعب نتيجة اهتمام توتنهام هوتسبير به 34.7 مليون جنيه إسترليني من أجل إتمام هذه الصفقة. وقد كان أياكس مرناً في التفاوض، كما وعد فان دي بيك قبل عام. ويشكك بعضهم في قدرة اللاعب الهولندي الشاب على التألق مع مانشستر يونايتد، خاصة أنه سيدخل في منافسة شرسة مع اللاعب البرتغالي برونو فرنانديز من أجل حجز مكان له في التشكيلة الأساسية للفريق، بالإضافة إلى أن لاعبين مشابهين لفان دي بيك، مثل سيم دي يونغ وديفي كلاسن، قد رحلا عن أياكس وهما قائدين للفريق، لكنهما فشلا في تقديم مستويات جيدة مع نيوكاسل وإيفرتون، وإن كان السبب في ذلك يعود جزئياً إلى تعرضهما لكثير من الإصابات.
ومن ناحية أخرى، أظهر فان دي بيك قدرته على تقديم مستويات جيدة في المراحل النهائية لدوري أبطال أوروبا. وربما لا يعيش اللاعب الهولندي الشاب حياة النجوم، ولا يرسم الوشم على جسده، لكن المأساة التي عاشها جعلته لاعباً صلباً. وسوف يرتدي فان دي بيك القميص رقم (34) الذي كان يرتديه نوري، بعد الاتصال بعائلة نوري، والحصول على موافقتهم. وقال والد نوري لإذاعة «إن أو إس» الهولندية إن نوري -الذي لا يستطيع التحدث، ولكن يمكنه التواصل عن طريق رفع حاجبه أو الابتسام- عندما يسمع صوت دوني، فإنه يستجيب من خلال النظر إلى الأعلى وتتسع عيناه. وأضاف والد نوري: «إنه يعرف ما قيل، وهو سعيد من أجل دوني».


مقالات ذات صلة


القادسية يقسو على الرياض بسداسية ويعزز صدارته للدوري السعودي

رايندرز سجل هاتريك في المباراة (تصوير: مشعل القدير)
رايندرز سجل هاتريك في المباراة (تصوير: مشعل القدير)
TT

القادسية يقسو على الرياض بسداسية ويعزز صدارته للدوري السعودي

رايندرز سجل هاتريك في المباراة (تصوير: مشعل القدير)
رايندرز سجل هاتريك في المباراة (تصوير: مشعل القدير)

قسا القادسية على مضيفه الرياض بسداسية نظيفة في المواجهة التي جمعتهما ضمن الجولة الـ12 من الدوري السعودي للمحترفين.

وأحرز الهولندي تيجاني رايندرز هدف التقدم في الدقيقة 18، ثم أضاف عبد الله آل سالم هدفاً ثانياً في الدقيقة 37، وعاد رايندرز ليضيف الثالث ويعزز تقدم القادسية في الدقيقة 56.

وأضاف الفرنسي البديل محمدو سانغاري هدفاً رابعاً للضيوف في الدقيقة 67، بعد 3 دقائق فقط من مشاركته بديلاً على حساب آل سالم.

وأوضح المكسيكي خوليان كينيونيس الهدف الخامس في الدقيقة 87، قبل أن يعزز رايندرز التقدم ويكمل السداسية في الدقيقة 89 ليكمل الانتصار العريض، ويسجل «هاتريك».

واعتلى القادسية صدارة الترتيب مؤقتاً برصيد 28 نقطة من 12 مباراة، بفارق الأهداف عن النصر الوصيف وحامل اللقب، الذي لعب 11 مباراة، بينما يأتي الهلال ثالثاً بـ27 نقطة ولعب 10 مباريات فقط.

وبخسارته اليوم تجمد رصيد الرياض عند 12 نقطة في المركز الحادي عشر.


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.