حفتر يدخل على خط الصراع في طرابلس ويهاجم باشاغا

السراج يسترضى البلديات بميزانية طارئة وصلاحيات... وميليشيات مصراتة تلوح بالتمرد

باشاغا يتحدث إلى الصحافيين في مطار طرابلس بعد وصوله من تركيا السبت الماضي (أ.ف.ب)
باشاغا يتحدث إلى الصحافيين في مطار طرابلس بعد وصوله من تركيا السبت الماضي (أ.ف.ب)
TT

حفتر يدخل على خط الصراع في طرابلس ويهاجم باشاغا

باشاغا يتحدث إلى الصحافيين في مطار طرابلس بعد وصوله من تركيا السبت الماضي (أ.ف.ب)
باشاغا يتحدث إلى الصحافيين في مطار طرابلس بعد وصوله من تركيا السبت الماضي (أ.ف.ب)

دخل القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي المشير خليفة حفتر، أمس، للمرة الأولى على خط الأزمة الراهنة في طرابلس، بعد اندلاع مظاهرات ضد حكومة «الوفاق» التي يترأسها فائز السراج، واتهم فتحي باشاغا وزير داخليتها الموقوف، بأنه «يمثل مصالح أقطاب خارجية تسعى لتنفيذ طموحاتها الاستعمارية».
وقبل ساعات من خضوع باشاغا لتحقيق اشترط أن يتم علانية أمام الرأي العام المحلي، هدد أحد قادة ميليشيات مصراتة الموالين لباشاغا، بالتمرد على حكومة الوفاق. وقال آمر «الكتيبة 166» التابعة لقوات «الوفاق» محمد الحصان «لن أسكت عن الفساد، وإذا خرج باشاغا من الحكومة فلن تمثلني».
وكان الحصان الذي ظهر برفقة باشاغا لدى وصوله إلى مطار طرابلس قادماً من تركيا، أعلن وصول قوة الدعم والإسناد التابع لكتيبته إلى ثكناتها العسكرية في طرابلس، علماً بأن الكتيبة استدعت كامل عناصرها قبل يومين.
وأكد سكان محليون ولقطات مصورة لوسائل إعلام محلية، انتشار مكثف لميليشيات مصراتة المسلحة بوسط طرابلس، خصوصاً في شارع عمر المختار وميدان الشهداء الذي كان ساحة المظاهرات الرئيسية في المدينة، كما وقعت اشتباكات مفاجئة مساء أول من أمس في منطقة باب بن غشير بالعاصمة، تزامناً مع انقطاع الكهرباء عن أحياء عدة.
وقبل ساعات من انتهاء مهلة الـ72 ساعة التي حددها السراج لإخضاع باشاغا لتحقيق إداري، صعّد مناصرون لباشاغا من وتيرة مطالبهم، ودعوا في مظاهرات محدودة في مصراتة إلى تعيينه رئيساً للحكومة، وسط تأكيد مصادر في حكومة السراج، أنه رفض طلب باشاغا بث التحقيق تلفزيونياً.
ودعا أمس حراك «همة شباب» الذي كان وراء الدعوة لمظاهرات طرابلس، إلى تظاهر سلمي في المدن والقرى الليبية كافة غداً؛ للمطالبة بإقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي وإحالته للتحقيق، قبل ساعات فقط من إعلان البنك المركزي التركي، أمس، أنه وقّع مذكرة تفاهم مع البنك المركزي الليبي تحدد شروط تعاون مستمر بين الجانبين.
وفي إطار مساعيه لاحتواء السخط الشعبي على أداء حكومته وتردي الخدمات العامة، أعلن السراج خلال لقائه وفداً يضم 8 من عمداء البلديات، مساء أول من أمس، أنه «مستمر في إجراء الإصلاحات بالأوجه كافة، وبمختلف المجالات»، لافتاً إلى «تخصيص ميزانية عاجلة للبلديات لمعالجة المختنقات وتحسين الخدمات، ستصرف خلال الأسابيع المقبلة». ووعد بفتح حسابات لجميع البلديات خلال أيام ونقل الاختصاصات المحلية إلى المجالس البلدية.
وطبقاً لبيان وزعه مكتب السراج «أكد العمداء دعمهم حكومة الوفاق، وأهمية التكاتف بالنظر لحساسية الظرف وخطورة المرحلة التي تمر بها البلاد»، بالإضافة إلى «ضرورة إجراء إصلاحات إدارية واقتصادية لتحسين الخدمات».
وللمرة الأولى منذ إعلان السراج إيقاف باشاغا عن العمل وتكليف العميد خالد مازن تسيير شؤون الداخلية، اعتبر الأخير لدى مشاركته في فعالية ورشة عمل في الوزارة، أن التغيير بها «بهدف التطوير الإداري والمؤسسي وكل الأطراف معنية به من منطلق منهجي علمي وليس وليد المحاصصات والولاءات والمصالح، وغيرها من المظاهر التي أثقلت كاهل الدولة بكم هائل من التشوهات التنظيمية والإدارية». وعززت القوات الموالية لحكومة «الوفاق» مواقعها بشكل مفاجئ خلال الساعات الماضية، وبثت وسائل إعلام محلية موالية للحكومة لقطات مصورة تظهر إرسال «غرفة عمليات تحرير سرت - الجفرة» التابعة لها، تعزيزات إلى المنطقة العسكرية الوسطى لدعم القوة في المواقع المكلفة بها.
ونقلت قناة «الحرة» الأميركية عن المتحدث باسم «غرفة عمليات سرت» التابعة لقوات حكومة «الوفاق» عبد الهادي دراه، أن قوات الجيش الوطني حاصرت منطقة أبو هادي في ضواحي سرت، وأرسلت تعزيزات عسكرية هناك لمواجهة تمرد تقوده قبيلة «القذاذفة» احتجاجاً على مقتل أحد أبنائها أخيراً، وهو ما نفاه «الجيش الوطني».
واتهمت «الوفاق» قوات «الجيش الوطني» بتعطيل وتخريب الانتخابات المحلية التي كان يفترض إجراؤها أمس في بلدية القطرون. وقالت «عملية بركان الغضب»، إن «المبروك سحبان المقرحي أحد مساعدي حفتر هدد وفداً من شخصيات ومندوبي مؤسسات المجتمع المدني في بلدية القطرون بإرسال ميليشياته إلى البلدية»، مشيرة إلى إعلان اللجنة المركزية لانتخابات المجالس البلدية عن توقف العملية الانتخابية في القطرون لأسباب أمنية.
بدوره، قال حفتر على لسان الناطق باسمه أحمد المسماري في بيان أمس، إن «عدم تدخل الجيش الوطني حالياً في عمليات إعادة الاستقرار في غرب البلاد، لا يعني على الإطلاق أننا تركنا شعبنا يواجه هذا المصير، وإنما يعني أننا نعطي الفرصة للعقلاء من ممثلي القبائل والمناطق غرب ليبيا لأن يعملوا بأنفسهم على بسط النظام في تلك المناطق».
وأوضح في أول رد فعل رسمي له منذ اندلاع مظاهرات طرابلس التي أدت إلى تصاعد حدة الخلافات بين السراج وباشاغا، أن «الجيش الوطني يتطلّع إلى أن تقود تلك الخطوات إلى إطلاق عملية سياسية ناجحة». وأعرب عن قلقه العميق «إزاء الفوضى الأمنية والانتهاكات التي تجتاح مناطق غرب ليبيا»، مشيراً إلى أنه يتابع عن كثب التطورات الجارية في طرابلس، «ويدعم خطوات مكافحة الإرهاب وبسط النظام والقضاء على مسببات الفوضى الحاصلة التي تهدد أمن وسلامة شعبنا وبلادنا، ومن ضمنها تلك الإجراءات المتخذة لإنهاء تغّول الميليشيات المسلحة وفرق المرتزقة السوريين التي تديرها أقطاب خارجية يمثل مصالحها فتحي باشاغا وزير داخلية حكومة الوفاق، وتسعى لتنفيذ طموحاتها الاستعمارية على أرضنا».
واستغلت الرئيسة المؤقتة لبعثة الأمم المتحدة لدى ليبيا، ستيفاني ويليامز، اجتماعها مع وزير خارجية مصر سامح شكري في القاهرة، لتعرب عن امتنانها لترحيب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بدعوات وقف إطلاق النار من قبل السراج ورئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح. وأملت ستيفاني في بيان لها في أن يساهم هذا الترحيب بإيجاد مناخ ملائم لإطلاق عملية سياسية بين الفرقاء الليبيين والتوصل لاتفاق دائم لوقف إطلاق النار، مشيرة إلى تأكيد الطرفين على ضرورة استئناف عملية سياسية شاملة بأسرع وقت؛ تفادياً لاندلاع نزاع مسلح جديد.
وأعلنت اتفاقها مع الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط على ضرورة وقف التصعيد والتوصل بسرعة إلى اتفاق نهائي لإطلاق النار، مشيرة إلى أنهما يدعوان إلى وقف جميع التدخلات الخارجية في ليبيا، وخصوصاً وصول الأسلحة والمرتزقة والقوات الأجنبية.
إلى ذلك، قالت مؤسسة النفط الموالية لحكومة «الوفاق»، إن مجموع خسائر الدولة جراء استمرار الإغلاق غير القانوني للمنشآت النفطية بلغ 9.1 مليار دولار. وأعربت في بيان أمس عن استيائها الشديد مما وصفته بـ«استمرار عسكرة الحقول». واتهمت المبروك سحبان، آمر المنطقة الجنوبية في «الجيش الوطني»، بدخول حقل الشرارة النفطي عنوة برفقة 20 عنصراً من حرس المنشآت النفطية، «متجاهلين الإجراءات الاحترازية التي تتبعها الشركة للوقاية من فيروس كورونا».
وكشفت عن تسجيل حالة إصابة بفيروس كورونا الأحد الماضي لأحد الموظفين الأجانب العاملين في الحقل، «نتيجة مخالطته لعناصر حرس المنشآت». ونقل البيان عن رئيس المؤسسة مصطفى صنع الله، أن «إدارة شركة (أكاكوس) التي تدير الحقل بصدد إخلائه وإيقاف العمليات به بالكامل؛ مما سيترتب عليه توقف إمدادات الوقود لمحطة أوباري الغازية، إضافة إلى تعرض الحقل للسرقة والنهب».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.