علاج سريع مثير للجدل لقصر النظر لدى الأطفال

عدسات لاصقة يمكن استخدامها في المساء تصحح الرؤية لليوم التالي

علاج سريع مثير للجدل لقصر النظر لدى الأطفال
TT

علاج سريع مثير للجدل لقصر النظر لدى الأطفال

علاج سريع مثير للجدل لقصر النظر لدى الأطفال

جلست الطفلة ليليث ساديل، (12 عاما)، على كرسي الفحص الطبي هنا في مركز مراقبة قصر النظر لدى جامعة كاليفورنيا. «أتعلمين لماذا أنت هنا؟»، سألتها الدكتورة ماريا ليو، طبيبة العيون، فأجابت الطفلة ليليث: «لأن عيوني تتغير بسرعة». وسألتها الطبيبة ليو: «هل تقرأين كثيرا؟»، فأجابت الطفلة: «أجل»، فسألت الطبيبة: «هل تستخدمين الحاسوب كثيرا؟». فقالت الطفلة: «أجل».
تعتبر ليليث طفلة نشيطة وتمارس رياضة التايكوندو. ولكنها مثل عدد متزايد من الأطفال، تعاني من قصر النظر – حيث يمكنها رؤية الأشياء عن قرب وليس على بعد.
وقد أحضرتها والدتها، جيني ساديل، إلى المركز لأنها سمعت عن علاج جديد يمكن أن يساعد في حالة ابنتها، حيث يقدم خبراء العيون للمرضى من الأطفال الصغار نوعا جديد من العدسات اللاصقة الخاصة يمكنها استخدامها في المساء، تعمل على تصحيح الرؤية لليوم التالي.

* قصر النظر
تحول مرض قصر النظر إلى ما يمكن وصفه بالوباء المحدود، حيث يعاني أكثر من 40 في المائة من المواطنين الأميركيين من قصر النظر، وهي زيادة بنسبة 16 في المائة عن فترة السبعينات. والأشخاص الذين يعانون من ارتفاع في حالة قصر النظر – وهي بصفة عامة، ضبابية الرؤية لما هو أبعد من مسافة 5 بوصات أي 10 سم – يواجهون احتمالا متزايدا من الإصابة بالمياه البيضاء والمياه الزرقاء، وهم أكثر عرضة من غيرهم للإصابة بالانفصال الشبكي والذي يمكن أن يؤدي إلى العمى. ولا يعرف السبب الحقيقي وراء ارتفاع معدلات الإصابة بقصر النظر على مستوى البلاد.
تقول السيدة سوزان فيتالي، وهي باحثة في علم الأوبئة لدى معاهد الصحة الوطنية وتعمل على دراسة قصر النظر: «لا يمكن أن يعزى الأمر بكامله إلى الوراثة، بسبب أن الجينات لا تتغير بتلك السرعة العالية. ربما أنه أمر يعزى إلى البيئة، أو مزيج من العوامل الجينية والبيئية».
تشير بعض الأبحاث إلى أن ما يسمى بـ«العمل القريب» «near work» – أي القراءة، وأعمال الحاسوب، وألعاب الفيديو، واستخدام الحواسيب اللوحية والهواتف الذكية – يسهم في زيادة الإصابة بالمرض. وخلصت دراسة أجريت مؤخرا إلى أنه كلما كان الشخص متعلما، كان من الأرجح إصابته بقصر النظر.
وهناك عدد من الدراسات الأخرى تظهر أن الأطفال الذين يقضون أوقاتا خارج المنزل من غير المرجح لهم الإصابة بقصر النظر. ولكن لا يؤكد أحد ما إذا كانت العين تستفيد من الأشعة فوق البنفسجية أو ما إذا كان الوقت المقضي خارج المنزل يعني ببساطة الابتعاد على «العمل القريب».

* علاج جديد
دون النظارات التصحيحية والعدسات اللاصقة، لا يوجد الكثير مما يمكن للأبوين فعله لأطفالهم من قصار النظر. ويوفر أطباء العيون مثل الطبيبة ليو حاليا علاجا يسمى (orthokeratology) أو اختصارا (ortho - k)، (إعادة تشكيل قرنية العين) ويعني تصحيح النظر بين ليلة وضحاها.
يصاب الإنسان بقصر النظر عندما تستطيل مقلة العين. وتطبق عدسات (ortho - k) اللاصقة قدرا من الضغط على القرنية، مما يؤدي إلى تسطيحها. وبعد استخدم العدسات اللاصقة طول الليل، يتمتع المرضى برؤية واضحة تستمر معهم طوال اليوم، وبعد ذلك تعود القرنية إلى شكلها الطبيعي.
ظهرت العدسات اللاصقة منذ فترة الأربعينات ولكن لم تستخدم بشكل واسع في الولايات المتحدة إلا مؤخرا، ويرجع ذلك في جزء منه إلى التجارب الإكلينيكية الطويلة التي أظهرت أنها قد تبطئ من تطور مرض قصر النظر. وأجريت تجربة إكلينيكية عشوائية في عام 2012 في مدينة هونغ كونغ، على سبيل المثال، حيث وضع الأطفال قيد المتابعة لمدة عامين وخلصت التجربة إلى أن معدل نمو مقلة العين لدى أولئك الذين يستعملون عدسات (ortho - k) اللاصقة كان أقل بنسبة 43 في المائة عن أولئك الذين يستخدمون النظارات الطبية.
ليست عدسات (ortho - k) اللاصقة مخصصة للأطفال فحسب، حيث يمكن للبالغين استخدام تلك العدسات أيضا، غير أن الفوائد طويلة الأجل لها محدودة. وذلك أن مرض قصر النظر لا يميل إلى التطور بعد وصول المرضى إلى العشرينات من أعمارهم، ولا تعتبر العدسات اللاصقة ذات قدرات وقائية فائقة، على حد وصف الطبيبة ليو.
وأضافت «كلما كانت مقلة العين صغيرة، زادت قدرتها على تغيير شكلها. ولذلك يعد التدخل المبكر مهما».

* احتمالات العدوى
ولكن بعض الأطباء يشكك حول العدسات اللاصقة ويساورهم القلق من أن مخاطرها أكثر من أهمية العلاج. ويقول الدكتور ديفيد هانتر، وهو طبيب العيون لدى جامعة هارفارد ولدى مستشفى بوسطن للأطفال: «تظهر الدراسات أن العدسات قد تؤدي إلى إبطاء تطور المرض، ولكنها ليست الحل النهائي، خصوصا لدى الأطفال الصغار، حيث تزداد مخاطر العدوى».
وأضاف أن المرضى الصغار لا يعمدون دائما إلى تنظيف العدسات اللاصقة خاصتهم بشكل صحيح ومنتظم لمنع تكاثر البكتريا. وأفاد تقرير صادر عن دورية طب العيون التجريبي والإكلينيكي أن العدوى من عدسات (ortho - k) اللاصقة تؤدي إلى حدوث جروح في القرنية والفقدان الدائم للرؤية لدى 4 أطفال في أستراليا.
ولا يوصي الطبيب هانتر بعدسات (ortho - k) اللاصقة إلى مرضاه. وكبديل لذلك، يقوم أحيانا بوصف قطرة الإتروبين، والتي ثبت أنها أيضا تبطئ من تطور مرض قصر النظر لدى الأطفال. ولكن هناك يدعو للقلق من القطرة كذلك: حيث يمكن أن تتسبب في فقدان الرؤية القريبة والحساسية للضوء، والتي تتطلب من المرضى ارتداء النظارات الشمسية عندما يكونون خارج منازلهم.
وقال الطبيب هنتر إنه ربما، وبمزيد من الأهمية، عدم وجود أبحاث تتتبع حالات الأطفال لفترة كافية لتبرهن ما إذا كانت عدسات (ortho - k) اللاصقة أو قطرة الأتروبين قد نجحت فعليا في التقليل من حدة مرض قصر النظر حالما يبلغون مرحلة الشباب. فالمرضى الذين يستخدمون العدسات والقطرة قد ينتهي بهم الحال مثل البالغين الذين لا يستخدمونهما، على حد قوله.
واستطرد يقول «إنني غير مقتنع بكفاية ذلك الأمر في إحداث فرق ما. وبصورة عامة، فإن فكرة وضع تلك العدسات للضغط على القرنية ليست بالفكرة التي ارتاح إليها». وقال الطبيب هنتر وغيره من الأطباء إن أفضل وأيسر خطوة يمكن للوالد المصاب بالقلق أن يتخذها هي الحد من الوقت الذي يقضيه طفله أمام الحاسوب، أو الهاتف، أو شاشات التلفاز – وأن يخرجوا بهم إلى خارج المنزل للعب.
وعودة إلى المركز مجددا، حيث تجري مساعدة الطبيبة ليو بعض الاختبارات على الطفلة ليليث وتحدد أن قرنية عينها حادة بشكل كاف، مما يجعل منها مرشحا جيدا لاستخدام عدسات (ortho - k) اللاصقة.
أخبرت الطبيبة ليو السيدة جانين ساديل والدة الطفلة أن الأمر سوف يتكلف ألف دولار لتركيب العدسات، و250 دولارا أخرى ثمنا للعدسات نفسها والتي سوف تستمر مع ابنتها لمدة عام. وقررت السيدة ساديل البدء في ذلك بحلول شهر يناير (كانون الثاني). وترتدي السيدة ساديل نظارات سميكة، وتقول «كنت سأفعل أي شيء كي لا أصاب بقصر النظر».

* خدمة «نيويورك تايمز»



حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».