بعد زيارة واشنطن والاغتيالات... الدولة من الفرضية إلى الإثبات

احتجاجات مناهضة للحكومة في بغداد (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة في بغداد (أ.ب)
TT

بعد زيارة واشنطن والاغتيالات... الدولة من الفرضية إلى الإثبات

احتجاجات مناهضة للحكومة في بغداد (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة في بغداد (أ.ب)

مع دخول رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي البيت الأبيض، الأسبوع الماضي، فُعِّلَتْ عُقدُ المشهد العراقي إلى حدودها القصوى. فصائل مسلحة ترفع وتيرة الاغتيالات الممنهجة ضدّ ناشطي المظاهرات، والناصرية إلى عادتها في نزع المقرات الحزبية، بينما أطراف سياسية تريد إقالة الحكومة.
وفي طريق عودة الكاظمي إلى البلاد، وبعد أن أدلى بتصريحات عن «انتشار القوات الأميركية خارج العراق» بوصف «الانتشار» تعبيراً دقيقاً عن الانسحاب؛ رُصدت تحركات قوافل تابعة لقوات التحالف الدولي بعبوات ناسفة أضرمت فيها النيران وسط وجنوب البلاد.
وجاءت هذه الأحداث المتقاطعة والمُفعّلة حتى الساعة، بينما يفحص المراقبون زيارة الكاظمي ونتائجها بطرق مختلفة بعضها تواق للتفاؤل، وبعضها يطرح الأسئلة الجاهزة عما حققه من مكاسب تتعلق بحماية «المصالح العراقية»، فيما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستغل الزيارة في مبارزته السياسية قبل نحو شهرين من موعد الانتخابات الرئاسية؛ ولكنّ الصورة أكثر تعقيداً من ذلك.
لقد حصلت زيارة الكاظمي على اهتمام أميركي، على المستويينِ الرسمي والإعلامي، منذ لحظة إقلاع طائرته من بغداد نحو واشنطن. ومن المناسب هنا الإشارة إلى البيت الأبيض؛ إذ لم يجهز مراسيم استقبال بهذا الحجم منذ بدء أزمة فيروس «كوفيد 19» سوى للرئيس المكسيكي ورئيس الوزراء العراقي. ومع اختتام الزيارة كتب الصحافي الأميركي ديفد إغناتيوس، في «واشنطن بوست» أن ترمب على غير العادة كان ودوداً مع الكاظمي خلال الاجتماع، فيما الدوائر السياسية الأميركية، وهي لا تهتمّ بملف العراق في الوقت الحالي، لاحظت أن رئيس حكومة البلد الذي يصيبهم بالصداع، يطرح نموذجاً مغايراً. ووقّعَ العراق على اتفاقيات في مجالات: الطاقة، والصحة، والتعليم، فضلاً عن تفاهمات بشأن دراسة إمكانية استغلال الغاز العراقي، بينما اللهجة التي أجملت هذه الاتفاقيات هي تمكين العراق من تقليل اعتماده على الجيران.
وقال موظف دبلوماسي لـ«الشرق الأوسط»، إن «تمكين العراق من استقلاله الاقتصادي يحتاج حزمة إصلاحات لا تشمل فقط الاتفاقيات الاقتصادية، نحن نتحدث عن فرض معادلة استقرار مستدامة في حالة عراقية مرتبكة سياسيا وأمنياً».
الفصائل المسلحة هي العقدة، وزيارة الكاظمي لواشنطن أحيطت كثيراً بفرضيات صحافية عن حلها؛ لكنها لا تجيب عن سؤال جوهري، وهو: هل تكفي المكاسب التي حصل عليها رئيس الوزراء من تلك الزيارة لإحداث مواجهة سريعة بضمانات سياسية وأمنية؟ ويضيف الدبلوماسي الغربي، المطلع على أجواء الاجتماعات العراقية الأميركية، أن «المشاريع التي تم الاتفاق عليها مع العراق تحتاج إلى بيئة مناسبة بضمانات طويلة الأمد».
ويحاول الكاظمي استغلال «الانطباع الجيد» الذي تركه في واشنطن، بوصفه رئيس حكومة إصلاحية بمعايير جادة، في تعزيز الموقف العراقي وهو يواجه أزمة اقتصادية خانقة وتحديات أمنية وصحية؛ لكن التحدي الأكبر في هذه المواجهة هو الحصول على دعم دولي يتزامن مع نزاع مُعقّد بين واشنطن وطهران.
وفور انتهاء الزيارة، أطلق ترمب يد وزير خارجيته مايك بومبيو؛ لإعادة تفعيل جميع العقوبات ضد إيران لدى مجلس الأمن الدولي، فيما سمي بالـ«سناب باك»، وهي مرحلة متقدمة أخرى من تضييق الخناق على النظام في إيران.
وبدت طهران منزعجة من التطورات الأخيرة انطلاقاً من زيارة الكاظمي، وعبر عن ذلك رئيس تحرير صحيفة «كيهان» حسين شريعتمداري، وهو مستشار المرشد الإيراني الأعلى في مقال ورد فيه أن «مواقف الكاظمي امتداد للخيانات التي تعرض لها آل البيت في الكوفة»، وأضاف، «أنه (رئيس الوزراء) منفصل عن مطالب الشعب العراقي».
لكن الكاظمي عاد إلى العراق وهو يواجه اشتعالاً عنيفاً في الجنوب؛ فالناشطون يسقطون تباعاً في حملة اغتيالات منظمة ومكثفة في البصرة، فيما ردّ متظاهرو الناصرية على تصريح متلفز للمالكي اعتبروه مسيئاً لهم، بحرق وهدم مقرات حزبية من بينها «الدعوة الإسلامية» و«منظمة بدر».
بعض الناشطين فرُّوا من مدن الجنوب بعد تداول معلومات وصفتها مصادر مختلفة بالـ«جدية» عن قائمة اغتيالات «منتظرة»، بعضهم وصل أخيراً إلى بلدات آمنة في البلاد. قال أحدهم، لـ«الشرق الأوسط»، وهو من البصرة (جنوب) واستقر قبل أيام في السليمانية (شمال)، إن «الاغتيالات لم تتوقّف أبداً في الأشهر الماضية، منها ما يحدث على مدار الأسبوع وبينها تصفيات سياسية؛ لكن الأسبوع الماضي بدا أنّ أحدهم ضغط زر تفعيل اغتيالات جماعية».
ويقول إغناتيوس، في مقاله بـ«واشنطن بوست» إن الحكومة العراقية الجديدة أعطت مؤشرات جدية بأنها تريد فرض الأمن ووقف الأنشطة المسلحة التي تضر بمصالح العراق.
والحال، أنّ المفهوم الذي لفت انتباه الأميركيين، بينما ينشغلون بالانتخابات الرئاسية، والذي طرحه الكاظمي هو تفضيل العراق إقامة علاقات صداقة وتحالفات «بين دولة ودولة»، بينما تحيط الشكوك باستفحال «اللادولة» هنا في بلاد الرافدين.
وبعد ساعات من عودة الكاظمي من أميركا، وسفره إلى البصرة بِنيّة السيطرة على الوضع المنفلت هناك، تداول ناشطون رسالة موجهة إلى رئيس الحكومة تدعوه إلى «اتخاذ قرارات حازمة قبل أن تغرق البلاد في العنف والفوضى»، وتعكس هذه الدعوة مزاجاً قلقاً في الوقت نفسه من أن ينتقل العراق إلى اقتتال داخلي، ولا سيما مع ظهور مؤشرات عن ردود أفعال انتقامية بحمل السلاح.
ويتجادل مراقبون وسياسيون عراقيون بشأن ما إذا كانت الاغتيالات الأخيرة في البصرة والناصرية وغيرهما مخططاً لها إحراج الكاظمي أمام الولايات المتحدة وإظهاره ضعيفاً غير مؤهل لعقد تحالفات دولية، أو أنها أسهمت في تعزيز صورته كرئيس وزراء «شجاع يواجه تحديات تتعلق بضرورة فرض القانون»؛ لكن التطورات الأخيرة - في المُجمل - وضعت الكاظمي بما لا يقبل الشك أمام حالة يتوجب عليه المواجهة؛ لكن لا أحد يتوقع مواجهة شاملة ومفتوحة.
سيبقى تحديد شكل هذه المواجهة وطبيعتها مقترناً بالطريقة التي يفضلها الكاظمي، التي تراعي خطورة وصول الاستقطابات الإقليمية درجة حرجة، بمعنى أنه سيحاول رسم هذه المواجهة في إطار يحمي المواجهة من نفاذ أطراف النزاع إليها، وهذا الأخير يبدو بقدر صعوبة المواجهة ذاتها.
لقد حظي الكاظمي بالانتباه الأميركي والحذر الإيراني، لكنه على ما يبدو يحاول ابتكار صيغة مختلفة عن سابقيه في التعاطي الخارجي، إذا إنه يحاول استثمار غضب الشارع من الأحزاب التقليدية التي لا ينتمي إليها في تحقيق إصلاحات نادرة في بلد تنازعه الصراعات والفوضى والفساد.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.