دعوة لتقييم الإصلاح الاقتصادي والمكتسبات الاستراتيجية في «رؤية السعودية 2030»

خبراء دوليون: استقرار الاقتصاد الكلي وتطوير أسواق رأس المال والرقمنة الحكومية شواهد منجزة

السعودية تواصل العمل في إطار رؤية المملكة 2030 الطموحة (أ.ف.ب)
السعودية تواصل العمل في إطار رؤية المملكة 2030 الطموحة (أ.ف.ب)
TT

دعوة لتقييم الإصلاح الاقتصادي والمكتسبات الاستراتيجية في «رؤية السعودية 2030»

السعودية تواصل العمل في إطار رؤية المملكة 2030 الطموحة (أ.ف.ب)
السعودية تواصل العمل في إطار رؤية المملكة 2030 الطموحة (أ.ف.ب)

دعت دراسة حديثة إلى أن الوقت حان لتقييم حيثيات في رحلة الإصلاح الاقتصادي التي تشرع فيها السعودية في إطار رؤية المملكة 2030 التي تبناها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان منذ أربعة أعوام، مؤكدة أن ذلك يأتي مع بروز تقدم محقق لا سيما على صعيد مكتسبات استراتيجية رئيسية واستمرار المشروعات العملاقة ونضوج توجهات السياسات الاقتصادية العامة.
وقال خبراء اقتصاد دوليون في مراجعة تحليلية لرؤية المملكة 2030 أن السعودية بعد أن شهدت أكثر التحديات الاقتصادية صعوبة في تاريخها الحديث إثر انهيار أسعار النفط على الصعيد العالمي في صيف عام 2014. تبنت صياغة خطة الإصلاح الاقتصادي الطموحة للغاية «رؤية السعودية 2030» بدا أنها مصممة للإقلال من اعتماد اقتصاد المملكة العربية السعودية على النفط وذلك من خلال تيسير الظهور القوي للقطاع الخاص السعودي.
وأشار ستيفن غراد وكاثرين وولف من مجلس أتلانتك - منظمة أميركية غير ربحية تبحث ديناميكيات الاقتصادية والسياسة في منطقة الشرق الأوسط – إلى أن حكومة السعودية بذلت جهودا هائلة للوصول إلى مستهدفات الرؤية ما تحقق معه منجزات ذات أهمية، لافتين إلى أنه لم تتبدَ حتى الآن الصورة الكاملة للصدمات المزدوجة التي طالت الاقتصاد السعودي في ظل الأزمة الراهنة بتداعيات كورونا المستجد. إلى تفاصيل أكثر عن التقرير:

الأزمة الراهنة
يؤكد الباحثان ستيفن غراد وكاثرين وولف من مجلس أتلانتك للدراسات أنه في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة التي ألقت بظلالها على اقتصاد العالم مع تداعيات فيروس كورونا المستجد، عادت مجددا وبعد مرور ست سنوات فقط، المستويات المتدنية لأسعار النفط، مشابه للعام 2014، ما يزيد من حاجة السعودية – أحد كبار مصدري النفط في العالم - إلى إعادة تقييم بعض البرامج ذات الصلة بـ«الرؤية السعودية 2030».
يقول الباحثان «تعتمد «رؤية السعودية 2030» على الإنفاق الحكومي الكبير، وعلى المقدرة على جذب رؤوس الأموال الأجنبية واستثمارها في البلاد، لا سيما في مجالات كبيرة من أمثلة المشاريع العملاقة التي يمولها صندوق الاستثمارات العامة، حيث من شأن الإنفاق الحكومي الهائل والاستثمارات الأجنبية الكبيرة أن تتأثر بمجريات الأزمة الاقتصادية الراهنة».
وبرغم توقعات صندوق النقد الانكماشية على الاقتصاد السعودي، يؤكد غراد وولف، على أن الأنباء الإيجابية تكمن في أن المملكة حددت بالفعل مجالات الإصلاحات الرئيسية المطلوبة والمهمة لصحة الاقتصاد الوطني على المدى البعيد، كما شرعت في العمل على الاضطلاع بتنفيذ العديد من عمليات الإصلاح في تلك المجالات ذات الأهمية.
ويستطرد الخبيران «ما تزال المبادئ الأساسية في «الرؤية السعودية 2030» قوية وصحيحة، وهي تستند إلى الحاجة إلى خلق المزيد من فرص العمل، ودعم القطاع الخاص، وتنويع مصادر الاقتصاد، والاستثمار في القطاعات التي تتيح للمملكة امتلاك المقدرة على المنافسة في الصعيد العالمي».

مكتسبات استراتيجية
ووفق ستيفن غراد وكاثرين وولف، مضت حكومة السعودية قدما في البرنامج الإصلاحي الخاص بمشروع رؤية 2030. بمنجزات مهمة، مشيرين إلى أن أبرز تلك المنجزات الاستراتيجية تكمن في استقرار الأوضاع المالية وإدارة الاقتصاد الكلي، بجانب تطوير أسواق رأس المال السعودية، وتحقيق إصلاح النظام المصرفي، والتقدم الكبير في رقمنة الخدمات الحكومية، فضلا عن مجال الإصلاحات الاجتماعية.
ويرى الخبيران أن جهود الإصلاح الاقتصادي المبذولة تمضي للرقي إلى الأهداف الموضوعة بيد أنها تحتاج إلى مزيد من التقييم المستمر في الحيثيات من أجل خلق المزيد من فرص العمل، وتحويل القطاع الخاص السعودي إلى محرك حقيقي للنمو الاقتصادي في البلاد.

الإدارة الجزئية
ودعا الباحثان في الدراسة التي جاءت بعنوان: «تقييم رؤية السعودية 2020 – مراجعة»، حكومة السعودية النأي بالنفس تماما عن مغريات الإدارة الجزئية للتغييرات الاقتصادية من النسق الأعلى مع العودة مجددا إلى الروح الأصلية الأولى لإصلاحات «رؤية المملكة 2030»، التي كانت تتمحور حول العثور على القطاعات والمجالات التي تسمح من خلالها بدخول المنافسة على الصعيد العالمي، وتمكين القدرات والإمكانات الريادية لمواطني السعودية.
وبحسب الباحثين، حري بالسعودية في هذا المستوى من التقدم على صعيد المشروعات العملاقة، الذهاب نحو مشروعات الكلية الأكبر التي تعتمد فيها على الالتزام الجاد بمجال التعليم، وتنمية رأس المال البشري، وإفساح المجال في اقتصاد البلاد للقطاع الخاص، ومواصلة التحسينات المستحدثة في البيئة الرقابية والتنظيمية، مع اعتماد مساحة أكبر من الشفافية لجذب الاستثمارات الأجنبية.

قناعة النفط
ويرى الخبيران في قناعات السعودية التي تقوم عليها «رؤية 2030» هي أن مستقبل النفط لا يوحي بقدر معتبر من يقين السعوديين، ما يشجع على التحرر من الاعتماد على المورد الطبيعي الوحيد، مضيفين أن السعودية تملك تعدادا سكانيا من الشباب يعزز توجهاتها المستقبلية في الاقتصاد.
وقال الباحثان «تملك المملكة العربية السعودية في الآونة الراهنة فرصة نادرة في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية واسعة النطاق من أجل المضي قدما وبحزم كبير على طريق الإصلاح... ففي غالب الأحيان، تحصل البلدان على فرصة وحيدة فقط عبر جيل واحد من أجل تنفيذ الإصلاحات الداخلية بعيدة المدى».
ويشير الخبراء أنه نظرا للشكوك ذات الصلة بالمستقبل غير الواضح لأسواق النفط العالمية، ربما يكون أمام المملكة أقل من 10 سنوات أو نحوها من أجل النجاح في الانتقال باقتصاد البلاد بعيدا عن الاعتماد الكبير والراهن على الموارد النفطية، وعليه، فإن الحكومة السعودية في حاجة ماسة إلى التحرك بوتيرة سريعة لإحداث التغيير الاقتصادي المهم والهادف.

منافسة عالمية
ويرى التقرير أن من شأن الاقتصاد السعودي أن يزدهر عندما يجد المنافسة المعتبرة في سلاسل التوريد العالمية في وقت ليس من شأن المملكة أن تبلغ حد النجاح في خلق أنواع الوظائف التي تحتاج إليها من خلال محاولة أن تكون المملكة هي «وادي السيليكون» في منطقة الشرق الأوسط، إنما تحتاج إلى إصلاحات اقتصادية كأقلمة وتكييف سياساتها مع القوى العاملة الوطنية الحالية لديها، وليس مع القوى العاملة التي تصبو المملكة لأن تشكلها في المستقبل. ومن أفضل السبل أمام السعودية، بحسب التقرير، لتوسيع فرص العمل في القطاع الخاص بوتيرة سريعة هي تنمية الصناعات في القطاعات القابلة للتداول والتي يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى جزء من سلاسل التوريد العالمية، والتي يمتلك فيها عدد كبير من المواطنين السعوديين المهارات اللازمة لمواصلة العمل والإنتاج.
رأس المال البشري

يشير التقرير إلى أن رأس المال البشري السعودي هو من الأصول الكبيرة وذات الأهمية القصوى وطويلة الأجل بالنسبة لخطة الإصلاح السعودية الطموحة، ما يدعو الحكومة السعودية إلى تحسين جودة التعليم بصورة كبيرة في مرحلتي الابتدائية والثانوية، وكذلك تعليم القوة العاملة الأكثر مهارة وموهبة على المدى البعيد لتمكين الدولة من التقدم إلى قطاعات ذات قيمة أرقى على الصعيد الاقتصادي العالمي.
ووفق غراد وولف، سينعكس هذا بوضوح ضمن مجريات «الرؤية السعودية 2030» وبرامجها الإصلاحية، بيد أنه ينبغي أن ينعكس ذلك كأولوية سياسية رئيسية خلال السنوات العشر المقبلة على أدنى تقدير.

الدور المهيمن
وطالبت الدراسة في إطار تقييم الإصلاحات بأهمية النظر إلى التخلي عن بعض مما تسيطر عليه الحكومة من دور المهيمن في الاقتصاد الوطني السعودي والتحول إلى ديناميكية الأسواق حيث تحتاج الحكومة السعودية إلى أن تتحول إلى عامل التمكين للاقتصاد الوطني يقود زمامه القطاع الخاص. ووفق الدراسة ينبغي إعادة ضبط ميدان العمل من أجل رفع القيمة التنافسية لدى القطاع الخاص، الأمر الذي يستلزم أن تفسح الحكومة السعودية المجال في بعض القطاعات الحكومية الكبيرة أمام مؤسسات القطاع الخاص وتحرير السوق من منافسة الكيانات والمؤسسات الكبرى المملوكة للدولة.
وقالت الدراسة «من شأن الاستثمار الأجنبي المباشر، والتكنولوجيا الأجنبية، والمعرفة الأجنبية أن تتحول إلى جزء لا يتجزأ من منجزات ونجاحات الاقتصاد الوطني السعودي... بيد أنه ينبغي على الحكومة السعودية تعزيز سيادة القانون وتعزيز الشفافية».


مقالات ذات صلة

«أرامكو» تنقل حصتها في مشروع «بريفكيم» إلى «بتروناس» الماليزية

الاقتصاد شعار «أرامكو» (رويترز)

«أرامكو» تنقل حصتها في مشروع «بريفكيم» إلى «بتروناس» الماليزية

أعلنت شركة «أرامكو السعودية» نقل حصتها في مشروع «بريفكيم» بالكامل إلى شركة «بتروناس» الماليزية.

«الشرق الأوسط» (الظهران)
الاقتصاد بوتين يتحدث خلال نسخة العام الماضي من منتدى بطرسبرغ الاقتصادي (موقع المنتدى)

بوتين: روسيا جزء لا يتجزأ من نظام الاقتصاد العالمي

وجَّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسالة حازمة إلى المجتمع الاستثماري الدولي، أكَّد فيها أن روسيا ستبقى «جزءاً لا يتجزأ من النظام الاقتصادي العالمي».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
خاص الجاسم وبراينت يتعانقان بعد توقيع الاتفاقية في لندن وسط تصفيق المفاوضين (وزارة الاقتصاد البريطانية)

خاص رئيس الفريق التفاوضي: الاتفاقية الخليجية - البريطانية خطوة استراتيجية في عالم مضطرب

قال المنسق العام للمفاوضات ورئيس الفريق التفاوضي الخليجي، الدكتور رجاء المرزوقي، إن اتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج وبريطانيا تمثل خطوة استراتيجية.

مساعد الزياني (الرياض)
خاص منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز) p-circle

خاص التشريعات تقود عقارات السعودية نحو النضج وسط مبيعات ربعية بـ1.75 مليار دولار

أكدت النتائج المالية لشركات القطاع العقاري المُدرجة في السوق المالية السعودية (تداول) متانة الأسس التشغيلية للسوق خلال الرُّبع الأول.

محمد المطيري (الرياض)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

«موديز» تمنح تصنيف السعودية حصانة النظرة «المستقرة» رغم الرياح الجيوسياسية

حمل الإعلان الأخير لوكالة «موديز» تثبيت التصنيف الائتماني للسعودية عند «إيه إيه 3» (Aa3) مع إبقاء النظرة المستقبلية «مستقرة»، دلالات عميقة تجاوزت التصنيف.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الدولار يترنح وسط تقلبات مفاوضات الدوحة والضربات الأميركية الجديدة

أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار يترنح وسط تقلبات مفاوضات الدوحة والضربات الأميركية الجديدة

أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)

شهد الدولار الأميركي تراجعاً ملحوظاً في التعاملات الآسيوية يوم الثلاثاء، تحت ضغط تفاؤل حذر بين المستثمرين بقرب التوصل إلى اتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز الاستراتيجي، وإنهاء الحرب المستمرة مع إيران منذ ثلاثة أشهر، رغم أن الأنباء عن ضربات أميركية جديدة على أهداف إيرانية حدّت من هذا التفاؤل، وأبقت الأسواق في حالة ترقب.

ورغم ضآلة احتمالات التوصل إلى انفراجة دبلوماسية فورية، فإن توقعات بلوغ تسوية دفعت أسعار خام برنت للتراجع دون مستوى 100 دولار للبرميل في الجلسة السابقة، مما خفف الضغوط عن عملات الأسواق الناشئة، وأنعش شهية المخاطرة لدى المستثمرين.

توازن العملات الرئيسة

واستقر اليورو محتفظاً بمكاسبه الأخيرة ليجري تداوله عند 1.16365 دولار، في حين سجل الين الياباني 158.95 ين مقابل الدولار الأميركي، وذلك بعد هدوء نسبي جراء إغلاق الأسواق الأميركية يوم الاثنين بسبب عطلة رسمية. ومقابل سلة من العملات الرئيسة، استقر مؤشر الدولار عند مستوى 99.031 نقطة.

وفي كواليس الدوحة، يواصل كبير المفاوضين الإيرانيين ووزير الخارجية محادثاتهما مع رئيس الوزراء القطري. وبينما وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب سير المحادثات بأنها تسير «بشكل جيد»، حذر في الوقت نفسه من ضربات جديدة إذا فشلت الدبلوماسية؛ وهو ما ترجمته القيادة المركزية الأميركية فعلياً بإعلانها شن ضربات جديدة وصفتها بأنها «لحماية القوات من التهديدات الإيرانية».

امتحان الناقلات وعقود التأمين

وعلقت تشارو تشانانا، رئيسة استراتيجية الاستثمار في بنك ساكسو بسنغافورة، على مشهد السوق قائلة: «الأسواق محقة في تسعير بعض التفاؤل؛ لأن مجرد وجود مسار يؤدي لإعادة فتح مضيق هرمز يقلل من المخاطر الحادة المحيطة بالنفط، والتضخم، والنمو العالمي».

لكن تشانانا حذرت من خلط الضجيج الإيجابي للمفاوضات بإنهاء حقيقي ومستدام للتصعيد، مؤكدة أن «الاختبار الحقيقي ليس في الإعلان عن اتفاق مبدئي، بل في قدرة ناقلات النفط على الحركة بحرية، وانخفاض أقساط التأمين، وعودة تدفقات الطاقة لطبيعتها».

وفي أسواق العملات المرتبطة بالسلع، والمخاطر، استقر الدولار الأسترالي (الذي يُعد مؤشراً لشهية المخاطرة) عند 0.71665 دولار، قريباً من أعلى مستوياته في أسبوع. وفي المقابل تراجع الدولار النيوزيلندي بنسبة 0.25 في المائة ليصل إلى 0.58575 دولار قبيل قرار السياسة النقدية للمصرف المركزي النيوزيلندي المتوقع بتثبيت الفائدة.

غياب أسباب التراجع الحاد للدولار

من جهتهم، يرى المحللون أن أسعار الطاقة لن تعود إلى مستويات ما قبل الحرب في أي وقت قريب حتى مع التوصل لحل، نظراً لأن سلاسل الإمداد ستحتاج إلى وقت طويل للتعافي، مما يبقي هواجس التضخم والفائدة قائمة.

وأشار استراتيجيون في مصرف أو سي بي سي (OCBC) في مذكرة للمستثمرين: «نتوقع تراجعاً بطيئاً لأسعار النفط حتى لو استقرت دون 100 دولار في النصف الثاني من عام 2026. هذا يشير إلى أن الدعم الذي يتلقاه الدولار من شروط التبادل التجاري لن يتلاشى سريعاً». وختم خبراء المصرف بالقول: «لا توجد أسباب قوية تدفع لاتخاذ موقف متشائم تجاه الدولار، خاصة في ظل مرونة النمو الأميركي، وضغوط التضخم المدفوعة بالطفرة التكنولوجية، والذكاء الاصطناعي، والتي وجهت لغة مجلس الاحتياطي الفيدرالي نحو مسار أكثر تشدداً».


الذهب يتراجع تحت وطأة صدمة النفط ومخاوف التضخم المستدام

بائعة تقوم بتعديل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ في مقاطعة جيانغسو الشرقية بالصين (أ.ف.ب)
بائعة تقوم بتعديل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ في مقاطعة جيانغسو الشرقية بالصين (أ.ف.ب)
TT

الذهب يتراجع تحت وطأة صدمة النفط ومخاوف التضخم المستدام

بائعة تقوم بتعديل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ في مقاطعة جيانغسو الشرقية بالصين (أ.ف.ب)
بائعة تقوم بتعديل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ في مقاطعة جيانغسو الشرقية بالصين (أ.ف.ب)

تراجعت أسعار الذهب في التعاملات الآسيوية يوم الثلاثاء، بضغط من الضربات العسكرية الأميركية الجديدة في إيران، والتي دفعت أسعار النفط نحو الارتفاع، مما أجج مخاوف الأسواق من عودة الضغوط التضخمية، وبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.

وانخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.6، ليصل إلى 4542.20 دولار للأوقية (الأونصة)، في حين ارتفعت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم يونيو (حزيران) بنسبة طفيفة بلغت 0.4، لتسجل 4542.80 دولار.

مخاوف الملاحة والمعادلة العكسية

وجاء هذا الهبوط رداً على التوترات الميدانية المستمرة في الممرات المائية؛ حيث شنت القوات الأميركية ضربات في جنوب إيران استهدفت زوارق لزرع الألغام، ومنصات لإطلاق الصواريخ، مما دفع عقود خام برنت للقفز بنسبة 2 في المائة، وهو ما يهدد بتأخير التعافي السريع لتدفقات النفط من الشرق الأوسط إلى الأسواق العالمية حتى في حال نجاح الدبلوماسية.

وتخضع أسواق الذهب لمعادلة عكسية معقدة حالياً؛ فبينما يُعرف المعدن الأصفر تاريخياً بأنه ملاذ آمن، وأداة للتحوط ضد التضخم، فإن احتمالية صعود أسعار المستهلكين بفعل كلفة الطاقة تدفع البنوك المركزية –وعلى رأسها مجلس الاحتياطي الفيدرالي- للاحتفاظ بسياسات نقدية متشددة. وتزيد الفائدة المرتفعة من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب الذي لا يدر عائداً، مما يدفع المستثمرين للتخلي عنه لصالح السندات، أو الدولار.

توقعات الفائدة والمعادن الأخرى

وأظهرت أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي» تبدلاً سريعاً في معنويات المستثمرين؛ إذ بدأت الأسواق تسعير احتمالات قوية لقيام الفيدرالي الأميركي برفع أسعار الفائدة قبل نهاية العام الجاري، مع تسجيل نسبة احتمال بلغت 56 في المائة لاتخاذ هذه الخطوة بحلول ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وعلى صعيد المعادن النفيسة الأخرى، تراجعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 1.6 في المائة لتصل إلى 76.84 دولار للأوقية. كما هبط البلاتين بنسبة 0.8 في المائة ليسجل 1952.56 دولار، في حين انخفض البلاديوم بنسبة 1.2 في المائة متراجعاً إلى 1381.27 دولار للأوقية.


الضربات الأميركية في إيران تقفز بخام برنت 2 %

ناقلة نفط خام عملاقة تحمل مليوني برميل من النفط السعودي تصل إلى مصفاة قبالة تشيتا اليابان (رويترز)
ناقلة نفط خام عملاقة تحمل مليوني برميل من النفط السعودي تصل إلى مصفاة قبالة تشيتا اليابان (رويترز)
TT

الضربات الأميركية في إيران تقفز بخام برنت 2 %

ناقلة نفط خام عملاقة تحمل مليوني برميل من النفط السعودي تصل إلى مصفاة قبالة تشيتا اليابان (رويترز)
ناقلة نفط خام عملاقة تحمل مليوني برميل من النفط السعودي تصل إلى مصفاة قبالة تشيتا اليابان (رويترز)

ارتفعت أسعار العقود الآجلة لخام برنت بأكثر من 2 في المائة في التعاملات الآسيوية يوم الثلاثاء، عقب تنفيذ الجيش الأميركي ضربات عسكرية داخل إيران، مما أبقى أسواق الطاقة العالمية في حالة ترقب شديد، في وقت لا يزال فيه التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز الاستراتيجي أمراً بعيد المنال.

وصعدت عقود برنت بمقدار 1.98 دولار، أو ما يعادل 2.1 في المائة، لتصل إلى 98.12 دولار للبرميل، بعد أن كانت قد تسلّمت تراجعاً حاداً بنسبة 7 في المائة في الجلسة السابقة. في المقابل، استقر خام غرب تكساس الوسيط الأميركي عند 91.79 دولار للبرميل، مرتفعاً بشكل طفيف عن آخر سعر تداول يوم الاثنين، ولكنه ظل منخفضاً بمقدار 4.81 دولار (أو 5 في المائة) عن إغلاق يوم الجمعة، علماً أن الأسواق الأميركية لم تسجل تسوية رسمية يوم الاثنين بسبب عطلة «يوم الذكرى» في الولايات المتحدة.

اتساع الفارق بين «برنت» و«تكساس»

وأوضح مايكل مكارثي، الرئيس التنفيذي لمنصة التداول «مومو أستراليا»، أنه رغم تراجع كلا العقدين خلال التعاملات الليلية مدفوعين بآمال التوصل إلى صفقة سلام، فإن الضربات الأميركية في جنوب إيران، والجموح العسكري الإسرائيلي ضد «حزب الله» منعا استمرار الهبوط، وساهما في قفزة أسعار برنت، وتوسيع الفارق السعري بينه وبين الخام الأميركي.

وفي الجانب الدبلوماسي، بدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو آمال النهاية الوشيكة للصراع؛ حيث صرح يوم الثلاثاء بأن تفاوض بلاده على اتفاق مع إيران قد «يستغرق بضعة أيام»، وذلك بعد يوم واحد من شن القوات الأميركية ما وصفته واشنطن بـ«الضربات الدفاعية» في جنوب إيران.

يُذكر أن طهران تفرض منذ اندلاع الحرب حظراً شبه كامل على حركة الشحن غير الإيرانية عبر مضيق هرمز، مما تسبب في خنق نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، والغاز الطبيعي المسال.

مفاوضات كواليس الدوحة وملف الألغام

وجاءت هذه التطورات الميدانية المتلاحقة في وقت يوجد فيه كبير المفاوضين الإيرانيين ووزير الخارجية في الدوحة لإجراء محادثات مكثفة مع رئيس الوزراء القطري، بحثاً عن صيغة اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة، لإنهاء الحرب المستمرة منذ ثلاثة أشهر.

وأشارت مصادر من واشنطن وطهران إلى إحراز تقدم ملموس بشأن «مذكرة تفاهم» تقضي بوقف الحرب، ومنح المفاوضين مهلة 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي. ونقلت صحيفة «نيكي» اليابانية عن مصدر دبلوماسي بالشرق الأوسط أن الاتفاق يتضمن التزام إيران بتطهير مضيق هرمز من الألغام خلال نافذة زمنية مدتها 30 يوماً، تعود بعدها السفن من جميع الدول للملاحة بحرية وأمان، مع إنهاء طهران جباية رسوم العبور.

وفي هذا الصدد، قال تيم ووترر، كبير محللي السوق في «كي سي إم تريد»: «الـمُضاربون يراهنون بقوة على أن هذا الاختراق الدبلوماسي سيفك في النهاية أسر ناقلات النفط المشلولة، والمحتجزة في المضيق ومحيطه منذ أشهر». وأظهرت بيانات تتبع السفن أن ثلاث ناقلات للغاز الطبيعي المسال بدأت بالفعل عبور المضيق في الأيام الأخيرة متجهة إلى باكستان، والصين، والهند، إلى جانب ناقلة عملاقة تحمل خاماً عراقياً كانت متجهة للصين، وظلت عالقة لنحو ثلاثة أشهر.

مطالب ترمب ونذر الانهيار

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، جدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين مطالبته الصارمة لإيران بتسليم اليورانيوم المخصب بالكامل لديها من أجل تدميره، كشرط أساسي لإتمام التسوية.

وعلق توني سيكامور، محلل السوق في «آي جي»، على هذا التعقيد بالقول: «هذا الموقف يمثل تذكيراً صارخاً لأسواق المال بأن الاتفاق قد ينهار في الربع الساعة الأخير، تماماً كما حدث في المحاولات الخمس السابقة التي باءت بالفشل».