شهادات ودراسات نقدية في عالم جمال القصاص الشعري

ورشة الزيتون الأدبية تحتفل بسبعينيته و50 عاماً من الإبداع

من الأمسية الاحتفالية
من الأمسية الاحتفالية
TT

شهادات ودراسات نقدية في عالم جمال القصاص الشعري

من الأمسية الاحتفالية
من الأمسية الاحتفالية

بقراءات من دواوينه الشعرية، ودراسات نقدية سعت لاستقصاء عالمه الإبداعي، وتعامله الخاص مع اللغة، ورؤاه الشعرية، وانحيازاته الجمالية، وتعدد أساليبه على مدى 50 عاماً من الكتابة والشعر عبر 12 ديواناً شعرياً، احتفلت ورشة الزيتون الأدبية، التي يدير فعالياتها الشاعر والناقد شعبان يوسف، أخيراً بسبعينية الشاعر المصري جمال القصاص، وأدار الأمسية الشاعر أسامة الحداد الذي تحدث عن ملامح الكتابة الإبداعية لدى القصاص، وعن مسيرته التي بدأت بديوانه الأول «خصام الوردة»، وحتى ديوانه «جدار أزرق»، وعن دوره في جماعة «إضاءة 77»، وذكر أنها لا تزال تثير الكثير من الأسئلة والدهشة، وأنها ظهرت في وقت صعب من تاريخ مصر في عصر الرئيس الراحل أنور السادات. ثم تحدث المحتفى به الشاعر القصاص عن جيل السبعينيات الشعري الذي ينتمي إليه، ولحظته الاستثنائية التي ظهر فيها، وما أضافه للشعرية المصرية والعربية، وقال إنه وزملاءه من شعراء «إضاءة» شكلوا الموجة الأساس للقصيدة الجديدة التي أبدعها شعراء السبعينيات واتسعت في الوطن العربي، وقاموا بدور واضح في تشكيل جسدها، ووضع لبنتها الأولى. ولفت إلى أن ما مرت به مصر على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي، كان لحظة طاردة لكل قيمة ومعنى، اعتقل خلالها أغلب المثقفين، وغادر الكثيرون من الشعراء والكتاب إلى خارج البلاد.
وتحدث القصاص عما سماه «الضرورة النوعية» التي دعته وزملاءه في «إضاءة» للمغامرة والتجريب، وخوض تجربة حقيقية في الكتابة الشعرية، قدموا من خلالها، درساً مهماً في إطار العمل الجماعي النوعي، الذي ينطوي على فكرة التنوع داخل الكتلة.
وكان من ضمن الأشياء المهمة واللافتة فيها، حسب رأيه، أنها حفظت لكل واحد من أعضائها تميزه ورائحته وملامحه الشعرية الخاصة، وقد بدا ذلك واضحاً فيما قدموه من دواوين، مؤكداً أنهم سعوا جميعاً، داخل هذا التمايز، إلى تحقيق هم مشترك، وهو تطوير الشعر المصري، والبحث عن أشكال جديدة، ورؤى جمالية مختلفة تبتعد بالقصيدة عن ثنائية الشكل والمضمون الفجة، وتصل إلى بعض الحلول اللافتة في كثير من قضايا الإبداع الشعري، وتنقله من الخارج إلى الداخل، فلم تعد إبداعاتهم تتمثل المفاهيم الاجتماعية والوطنية والثورية المقررة والمعادة والمبتذلة، لكنهم جعلوا النص الشعري قضية أساسية، وبحثوا عن سبل تطويره وربطه بتيار الحداثة والتجريب.
وذكر القصاص أن التنوع داخل كتلة جماعة «إضاءة» كانت له سلبية عظيمة أيضاً، تجلت في النظر لأعضائها عبر سمات عامة مشتركة، فلم تكن النظرة النقدية تتعامل مع كل شاعر على حدة، وقد كان لزاماً من أجل إظهار هذه التمايزات، وحتى يأخذ كل شاعر في الجماعة حقه واستحقاقه، أن تنفك «إضاءة»، وتصل إلى قوسها الأخير، وأن يتم وضعها فوق رف التاريخ، وقد حدث ذلك بطريقة تليق بما أنجزه شعراؤها، عبر احتفالية كبيرة أقاموها في أتيليه القاهرة ودار الأوبرا بعدما طبعوا المجلة بأعدادها الأربعة عشرة في مجلد واحد. وفي ورقته النقدية، قال الدكتور يسري عبد الله، إن التجربة الشعرية لجمال القصاص بدت منفتحة على أسئلة مختلفة، تخص الشعر والحياة معاً، تسد الفراغ المصطنع للحد الفاصل بينهما، فتحمل معها وعيها الجمالي، ابن التجربة الحياتية المحضة، والمجاز الآسر، وتتمركز في بنية الشعر المصري، بوصفها تعبيراً عن نفس مختلف وصوت بدا طليعياً منذ ديوانه الباكر «خصام الوردة»، في عام 1984، وبه خلق القصاص بصمته الأسلوبية وصيغه الرائقة وحسه الجمالي الذي لا يعرف صخباً زائفاً، وإن حوى توترات داخلية مكتومة طيلة الوقت، تحيل النص إلى حال من السؤال المتجدد والمفتوح، على قسوة الحياة وألمها، وأشواقها المكسوة بالأسى والانكسار.
وذكر عبد الله أن القصاص يمتلك مشروعاً شعرياً يخصه، وهو ابن عالمه، وطرائقه الفنية، وخياره الجمالي، وذلك في إطار تجربة شعرية تأتي في متن تجربة السبعينيات، التي وإن حوت تنويعات متعددة، فهي تمثل أيضاً جوهراً مشتركاً في جانب من الجوانب، ويمكننا أن نرى أن تجربة جيل السبعينيات ليست كتلة واحدة، وأن جماعة «إضاءة» ليست كجماعة «أصوات»، وشعراء الأولى ليسوا كزملائهم في الثانية، كما أن شعراء التخوم، ليسوا كشعراء المراكز.
وقال المحاضر إن القصاص انحاز في دواوينه الأخيرة إلى قصيدة النثر دونما صخب أو افتعال، وهو مسكون بالمجاوزة والتخطي، وليس السكونية والثبات، كما أن نصوصه في جميعها تشكل جدارية بديعة في متن الشعرية المصرية تؤسس لتلك المتعة الفنية الخالصة، وهي غاية الكتابة ومرادها وفعلها المدهش لدى المتلقي، وهو يبحث دوماً عن نوع من المغامرة الجمالية المتجددة والرهان على قرائه لا مخاصمتهم كما فعل أخرون.
وذكر عبد الله أن القصاص يكتب نصاً شعرياً ممتداً، يستقي عوالمه من الحياة ذاتها، ويجعل مادته الخام من حكايات ناسه وشخوصه، وذواته المختلفين، وجميعها ترتبط دوماً بجدل خلاق مع الذات الشاعرة، وهي حاضرة دوماً، وقد يتفاوت حضورها في الديوان الواحد كما في ديوان «رباعية الإسكندرية»، أو من ديوان لآخر، وهناك في بعض دواوينه تصبح الذات مركزاً للعالم، وفي أخرى يتوارى حضورها لكنها تظل باقية، وفي بعض نصوص القصاص يمكننا أن نلاحظ نوعاً من الحضور المكثف للذات عندما يقول في بداية قصائده «أنا جمال القصاص»، وهو يشير إلى أن الذات أساس لديه، لكن حضورها يتفاوت من نص إلى آخر.
أما السمة الثانية في شعر القصاص، فقد ذكر عبد الله أنه يتعاطى مع الشعر بوصفه لعبة فنية وجمالية ذات نزوع فلسفي، حيث جدل الخبرتين المعرفية والجمالية، وتراسل الفنون داخل النص الواحد، جميعها تقنيات مركزية ترشح نص القصاص دوماً لأن يعانق ما يعرف بمفهوم النص المفتوح، باعتباره صاحب مستويات دلالية ومعرفية وقرائية متعددة. وفي مداخلته التي قدمها للحديث عن العالم الشعري لجمال القصاص، قال الناقد والروائي الليبي أحمد الفيتوري، إن تجربة الشعر لدى القصاص تتداخل مع تفاصيل الحياة المختلفة ومع ذاته بشكل واسع وعميق وقد عاشها كتجربة ذاتية أيضاً.
وذكر أنه عرف القصاص قبل أن يلتقيه شخصياً من خلال العدد الأول من «إضاءة»، ولفت انتباهه أن هناك رابطاً واضحاً بين تجربة القصاص الشعرية والحياتية، وهي مرتبطة بمرحلة السبعينيات، وهي بمعنى من المعاني أكثر تعبيرية عن مفهوم الجيل الذي يتحدد بإطار محدد من السنوات. وأشار الفيتوري إلى أن تجربة جمال القصاص تختلف عن تجارب أبناء جيله من حيث العفوية وعدم التعامل مع الإطار الفكري النقدي الذي يسيطر لدى البعض على البعد الجمالي، فجماليات قصيدته ترتبط أكثر بالشعر بعيداً عما أبدعه النقاد للحديث في شؤونها، وهو في هذا يختلف عن كثير من الشعراء الذين يفكرون في القصيدة قبل كتابتها، وينأى إلى العزلة مكتفيًا بذات يندمج من خلالها في الحياة ويتفاعل معها، وهذه السمات تشكل ملمحاً عميقاً في التجربة الشعرية لديه وفي تعامله العفوي مع المفردات، ودلالاتها، بعيداً عن قاموسيتها وما تحمل من معانٍ، حيث يستدعيها ويجعل منها مفردة بسيطة وسهلة وسارية في الحياة اليومية.
من جهتها، ركزت الدكتورة فاطمة الصعيدي، مداخلتها النقدية حول ثلاثة من النصوص المتفرقة من أشعار القصاص، ولفتت إلى عدد من الملاحظات العابرة، منها الشعور بالاغتراب والقدرة على إضفاء نوع من الروح الإنسانية العارمة على الأشياء، وتوقفت الصعيدي عند نص بعنوان «شهقة الطين»، نشر بمجلة «إبداع» عام 1994، والثاني بعنوان «نوافذ غريبة الأطوار»، وهو منشور في المجلة نفسها عدد أكتوبر (تشرين الأول) 1997، وهو من ديوان «السحابة التي في المرآة»، وفيهما يلخص قصة الإنسان ومشواره في الحياة، أما النص الثالث فجاءت به من «فيس بوك»، وقالت إنه في نصه يحتفي بالآخر ويدفع متلقيه إلى حالة من الارتباك، ويجعله يفكر فيما يريد أن يقول.
وشارك الشاعر والناقد المغربي عمر العسري، بدراسة خص بها الاحتفالية، قرأها الروائي محمد رفيع، عن الأنساق الجمالية والفكرية في ديوان «جدار أزرق» للقصاص، أكد فيها أنه ديوان لا يسائل الحياة كما هي، ولا يرهن الذات بالتفاصيل فحسب، وإنما يسمح بالاقتراب من هوية مغايرة تبنيها الكتابة في النص عبر خبرات ومعارف متنوعة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.