صراع القبائل السياسي في السودان يهدد الفترة الانتقالية

نزاعات إثنية مدعومة من جهات معادية للثورة لشد الأطراف وإفشال التحوّل الديمقراطي

صراع القبائل السياسي في السودان يهدد الفترة الانتقالية
TT

صراع القبائل السياسي في السودان يهدد الفترة الانتقالية

صراع القبائل السياسي في السودان يهدد الفترة الانتقالية

خلال يوليو (تموز) الماضي، في غرب السودان، احتشد في اعتصام سلمي الآلاف من سكان منطقة نيرتتي عند سفح جبل مرة بولاية وسط دارفور، التي اشتهرت بإنتاج الفاكهة والبرتقال على وجه الخصوص، قبل أن تحرق الحرب المتطاولة الزرع وتجفف الضرع. سكان المنطقة كانوا يطالبون ببسط الأمن والحماية من «الميليشيات» التي دأبت على اقتلاع الأرواح والثمر. ولقد شهدت مناطق فتا برنو وكبكابية وكتم اعتصامات مثيلة، لكنها سرعان ما تحولت عن سياقها السلمي بدخول ميليشيات مسلحة فرقت بعضها بالقوة وقتلت وجرحت وأحرقت. ثم تفشت النزاعات ذات الطابع العرقي في أنحاء السودان المختلفة وبلغت الشرق والجنوب، وهو ما عده محللون محاولة لشد البلاد من الأطراف وإجهاض التحول الديمقراطي فيها.
ظن كثيرون من المراقبين أن اعتصام نيرتتي والمناطق السودانية الأخرى، بداية عهد جديد يقوم على المطالبة السلمية بالحقوق، ونهاية لعهد طلبها عن طريق البندقية، الأمر الذي تطاول في إقليم دارفور لنحو عقدين من الزمان دون جدوى. لكن هذه الظنون والتحليلات ذهب أدراج الريح، إثر هجمات الميليشيات المسلحة المجهولة على محتجين سلميين، استلهموا نجاح اعتصام نيرتتي في تحقيق مطالبهم.
سكان نيرتتي انصرفوا، على الأثر، إلى منازلهم بعدما زارهم وفد مركزي على مستوى عالٍ واستجاب لبعض مطالب السكان على الفور، ووعد بمعالجة المتبقي منها باعتبارها عملية. وتتمثل المطالب في بسط الأمن، وإعفاء قيادات حكومية محلية، ونزع سلاح الميليشيات، وتأمين الموسم الزراعي، والقبض على مرتكبي الجرائم ومحاكمتهم.
رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك من جهته، اعتبر اعتصام أهل نيرتتي مشروعاً، ومطالبهم عادلة ومستحقة. وتبعا لذلك أرسل وفدا حكومياً من مجلسي السيادة والوزراء التقى المعتصمين، وقال في تغريدة على «تويتر»: «ننحني تقديراً واحتراماً للشكل الحضاري للاعتصام، والتعبير السلمي».
وتوصل الوفد، الذي قاده عضو مجلس السيادة محمد حسن التعايشي، مع المعتصمين إلى اتفاق مع منظمي الاعتصام، وقضى الاتفاق بإنشاء محكمة عامة في المنطقة، وتشكيل قوة مشتركة من الجيش والدعم السريع والشرطة لجمع السلاح وحسم الانفلات الأمني وتأمين الموسم الزراعي، وتنظيم التعدين الأهلي، ودعم مبادرة التعايش السلمي في الإقليم.
وإثر استجابة الوفد الحكومي لمطالب سكان نيرتتي تزامنا مع، أو بعد، نظم مواطنو مناطق فتا برنو وكبكابية وكتم اعتصامات مثيلة للمطالبة بذات الحقوق، لكن قوة مسلحة مجهولة هاجمت المعتصمين في فتا برنو وقتلت منهم نحو عشرة أشخاص وجرحت العشرات، وأحرقت المنازل والمتاجر، ما أعاد للأذهان ذكرى مأساة «فض اعتصام القيادة العامة» في الخرطوم.

مبدأ المطالبة السلمية
لقد رسخت «ثورة ديسمبر» 2019 مبدأ المطالبة السلمية بالحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأفلحت في إسقاط نظام حكم الإسلاميين عبر التظاهرة والاعتصام والاحتجاج السلمي. وهو ما اتبعه المحتجون في دارفور، وفي 13 منطقة أخرى من البلاد، لكن قوة «مجهولة» - ومعروفة في الوقت ذاته – وجهت إليها أصابع الاتهام بترويع المعتصمين السلميين في دارفور، وهي قوى ميليشيات الجنجويد السيئة الصيت.
هذه الميليشيات عرفت إبان النزاع الدارفوري ابتداء من 2003 وحتى سقوط نظام حكم عمر البشير، الذي يتهم هو وبعض مساعديه من قبل المحكمة الجنائية الدولية، بتسليح الميليشيات القبلية بعضها ضد بعض مبتدأ الأمر، ثم تسليح ودعم المجموعات ذات الأصول العربية ضد المجموعات ذات الأصول الأفريقية. وقد مثل علي كوشيب، زعيم الجنجويد، طوعياً أمام محكمة لاهاي بانتظار محاكمته.
أما في شرق السودان، وتحديداً، في ولايات كسلا والبحر الأحمر والقضارف، فقد اتخذ الصراع أبعاداً إثنية بين مكونات الإقليم وقبائله. وما يُذكر، أن هذا الإقليم يعاني من شح الموارد والتهميش الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وهذه المعاناة قديمة العهد كمعاناة دارفور، ولكن مع فارق واحد هو الثراء الطبيعي في دارفور. هذا الثراء جعل الصراع في دارفور يأخذ شكل التنافس على موارد الإقليم بين مجموعات سكانية متكاملة ضد مجموعات أخرى. في حين اتخذ الصراع في الشرق شكل الصراع القبلي على الموارد الشحيحة أصلاً.

صراع الشرق
الصراع في شرق السودان اتخذ الشكل القبلي في شقيه الاجتماعي والاقتصادي، وهو تارة يدور بين سكان الإقليم الأصليين أنفسهم على الموارد الشحيحة، وتارة أخرى بينهم والوافدين. ثم إن له أبعاده التاريخية، لكن عدداً من النزاعات تفجر عقب سقوط نظام عمر البشير، وتكوين الحكومة الانتقالية، وأخذ منحى إثنياً بين المجموعات السكانية في الإقليم.
بعد أيام قليلة من نجاح الثورة، اندلع نزاع بين قبيلتي النوبة والبني عامر في ولاية القضارف، ففي مايو (أيار) 2019 اندلعت اشتباكات دموية بين المجموعتين، أدت لمقتل امرأة وحرق عدد من المنازل، وسقوط عدد من المصابين بين الطرفين. وتدخلت السلطات المحلية في حينه، وأفلحت في توقيع وثيقة للتصالح بين الطرفين، نصت على أهمية التعايش السلمي وإيقاف الأعمال العدائية بين الطرفين.
ثم انتقل التوتر بين المجموعتين إلى ولاية كسلا، إلى الشرق من القضارف. وشهد شهر مايو (أيار) 2020 في مدينة كسلا معارك دامية بين مجموعتي النوبة والبني عامر، راح جراءه عدد من القتلى والجرحى وأحرقت منازل، إثر مشاجرة بين فردين، استنصر كلاهما بقبيلته. ولاحقاً، امتد التوتر شرقاً إلى بورتسودان، حاضرة ولاية البحر الأحمر، وميناء السودان الرئيسي.
في الأسبوع الماضي، تجدد نزاع أبناء النوبة والبني عامر في بورتسودان. وراح ضحية ذلك وفقا للجنة أطباء السودان المركزية 25 قتيلاً بينما بلغ إجمالي المصابين 87 فرداً، إضافة إلى حرق عشرات المنازل والمتاجر. هذا حصل بعد أقل من سنة على اتفاق أهلي بين المجموعتين يعرف بـ«القلد»، وقعه الطرفان في سبتمبر (أيلول) 2019. بعد معارك مشابهة بين المجموعتين، إثر ضغوط قوية من نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، الذي هدد الطرفين بالإبعاد من البلاد ما لم يتوصلا لاتفاق.

صراع دارفور
نشب الصراع المسلح في إقليم دارفور في 2003. بهجوم شنته مجموعتان مسلحتان هما «حركة تحرير السودان» و«حركة العدل والمساواة»، على مناطق حكومية، تحت ذريعة اضطهاد المركز لسكان الإقليم من ذوي الأصول الأفريقية، وتسليح المجموعات ذات الأصول العربية للاعتداء عليهم. وإثر ذلك شنت الحكومة – وقتها - ما عُرف بـ«حملة تطهير عرقي واسعة» ضد المجموعات غير العربية. وأدت المواجهات إلى مقتل نحو 300 ألف شخص ونزوح ولجوء نحو ثلاثة ملايين من سكان الإقليم داخليا وخارجياً.
وبسبب الحملات العسكرية الانتقامية في دارفور، يواجه الرئيس المعزول عمر البشير ومعاوناه عبد الرحيم محمد حسين (وزير الدفاع وقتها) وأحمد هارون (وزير دولة بوزارة الداخلية وقتها)، فضلا عن قائد الجنجويد الموالية للحكومة علي كوشيب، اتهامات بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، من قبل المحكمة الجنائية الدولية، التي تطالب الحكومة الانتقالية بتسليمهم للمحاكمة بمقر المحكمة في لاهاي.
هذا، وتتكون أطراف صراع دارفور من الجيش السوداني والشرطة وقوات الجنجويد، وهي ميليشيا مكونة من مجموعات ذات أصول عربية، ولا تشارك فيها معظم المجموعات الرعوية ذات الأصول غير العربية. وعلى الجانب الآخر تتكون المجموعات المتمردة بشكل رئيس من «حركة تحرير السودان» (بجناحيها) و«حركة العدل والمساواة» والحركات المنشقة عنهما. ومعظم قوام هذه الحركات من مجموعات سكانية ذات أصول غير عربية أبرزها قبائل الفور والزغاوة والمساليت... وغيرهم.
ورغم التمظهر العرقي، فإن الصراع في دارفور - خصوصاً - بحسب المحللين، صراع اقتصادي على المرعى والمزارع والماء وملكية الأرض، بيد أنه أخذ الطابع الإثني وتخفى بثيابه. ويرى كثيرون أن مباحثات السلام بين الأطراف الدارفورية الجارية في جوبا، عاصمة دولة جنوب السودان، وبوساطة منها، لن تحل جذور النزاع الممثلة في «التهميش» الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لمكونات الإقليم، ما لم تتحقق التنمية المتوازنة بين أقاليم السودان، ومناطقه المختلفة.

مناطق أخرى
أيضاً، في جنوب كردفان والنيل الأزرق - أو ما يعرف بـ«المنطقتين» - اللتين تتقاسم السلطة فيهما الحكومة المركزية و«الحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال»، دار قتال سياسي بثوب قبلي في نوفمبر (تشرين الثاني)، بين القبائل ذات الأصول العربية وتلك ذات الأصول الأفريقية.
وصراع جنوب كردفان صراع موسمي على المرعى والمزارع، غير أنه ارتدى هذه المرة ثوبا سياسيا بين قبيلة دار نعيلة (فرع من قبيلة الحوازمة) والنوبا الغلفان، وأسفر عن مقتل وجرح العشرات، ثم تجدد الأسبوع الماضي بما عُرف بمنطقة خور الورل. وتبادلت خلاله القوات الحكومية وقوات الحركة الشعبية الاتهامات بالتواطؤ كل مع طرف من أطراف القتال القبلي، وانعكس هذا النزاع على مباحثات السلام الجارية في جوبا، واتخذته الحركة الشعبية مبرراً للتشدد في موقفها من التفاوض.
أما صراع شرق السودان الحالي، أو النزاع بين النوبة (لا علاقة لهم بالنوبا في كردفان) والبني عامر، فيرجع إلى ثمانينات القرن الماضي، إثر إعلان الرئيس الأسبق جعفر النميري قوانين الشريعة الإسلامية، واستقطاب مجموعة قبلية محددة لتبني نزعة دينية متشددة كي تقود حملات ضد أنشطة اقتصادية واجتماعية اعتبرتها مخالفة للشريعة الإسلامية. ويومذاك، سقط عدد كبير من القتلى بين الطرفين، وترتبت عليه «ترسبات إثنية» ما تنفك تنفجر بين فينة وأخرى، ثم تهدأ وتعود الأطراف للتعايش فيما بينها، قبل أن يشتعل القتال جراء أقل المشاجرات.

تهميش ومؤامرة

كما سبقت الإشارة، يعيش شرق السودان أصلاً حالة من التهميش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي دفعت مجموعات ذات طابع إثني، لتبني العمل المسلح ضد «المركز» الحكومي الذي تتهمه بممارسة التهميش ضدها... وهذا رغم أهميته الاستراتيجية للسودان، إذ يقع فيه ميناء السودان ومنفذه البحري الوحيد.
يوم 14 أكتوبر (تشرين الأول) 2006. وقعت الحكومة السودانية اتفاقية سلام في أسمرا، عاصمة إريتريا، عرفت بـ«اتفاقية شرق السودان»، أو «اتفاقية أسمرا» برعاية الحكومة الإريترية، وأنهت قتالاً مع الحكومة المركزية وحرباً دامت 13 سنة على حدود السودان الشرقية.
ولقد نصت الاتفاقية على إشراك «جبهة الشرق» في السلطة. وبموجبها أنشئ ما أطلق عليه «صندوق تنمية وإعمار شرق السودان»، وجرت تسوية لقضية المقاتلين عبر اتفاقيات تسريح وإعادة دمج. لكن الاتفاقية تحولت بسبب مماطلة حكومة البشير، إلى مجرد اتفاق لتقاسم السلطة مع مقاتلي «جبهة شرق السودان» وإعطائهم سلطة «اسمية»، دون تحقيق التنمية الكفيلة بخلق الاستقرار في الإقليم.
واليوم لا ينظر كثيرون إلى انفجار النزاعات العرقية الكامنة في غرب السودان وشرقه بعد «ثورة ديسمبر» ومجيء «الحكومة الانتقالية»، على أنها مجرد نزاعات قبلية محدودة. بل هم يشيرون إلى أن ثمة مؤامرة تدير خيوط اللعبة بالتنسيق مع أعداء الثورة والخاسرين معها لإفشال «الحكومة الانتقالية» وإجهاض الثورة، ومخاوف هذه القوى من نشوء نموذج ديمقراطي يستطيع تحويل السودان من «حديقة خلفية» إقليمية إلى بلد مستقر ونامٍ.
نُذر صراع سياسي يستغل التنوع الإثني
> إلى جانب الصراع الدامي بين البني عامر والنوبة، ثمة نذر صراع سياسي تستغل فيه الكتل الإثنية، بين المكونات المحلية. ولقد برز بشكل لافت في تعيين والي ولاية كسلا الجديد صالح عمار، الذي ترفض تعيينه إثنية الهدندوة وتخفي رفضها ذا الطابع الإثني بغلاف سياسي. وهو ما دفع المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء فايز السليك، لاتهام قوى سياسية - وتحديداً أنصار النظام القديم - بالعمل على «شد البلاد من الأطراف»، بهدف وقف التحول المدني.
ويربط السليك ما يدور في شرق السودان بما يجري في بقية أطراف السودان ولا يعزله عنها. ويقول إن الهدف منه «عرقلة التحول المدني، باستخدام الدولة الموازية وميليشيات النظام الإسلاميين» وعلى رأسها الأمن الشعبي، وعناصر خارج دائرة الصراع تحاول تأجيجه. ويضيف «النوبة والبني عامر مثلا، مهمشون وقضاياهم متشابهة، لكن بعض الأطراف تؤجج صراعات قديمة بينهم ترجع جذورها لمنتصف الثمانيات، فيما تحاول أطراف محلية ودولية جر الهدندوة باعتبارهم مكونا كبيرا لحلبة الصراع، وزيادة التوتر بما يهدد الفترة الانتقالية».
ويوضح السليك أن «الصراعات في السودان ذات دوافع مفهومة، لكن دوافع الصراعات لا تعفي الحكومة وضعف استجابتها الناتجة عن كثرة الملفات التي تتعامل معها. وهو ما أنتج فشلها على الجانب الأمني، وسهل لهذه الأطراف المناوئة أدوارها». وتابع: «الصراع على الولاة أصبح جزءاً من الصراع القبلي، ورغم أن قضايا المجموعات المتنافرة واحدة، وهناك جهات تؤجج الصراع بين الهدندوة والبني عامر».
ويشير مصدر قريب من الأوضاع في شرق السودان، إلى تقاطعات إقليمية ودولية تحاول الاصطياد في مياه البحر الأحمر وتعكيرها، لتحقيق أجندات مرتبطة بالنزاعات بين الدول المحيطة. ويشير المصدر بشكل خاص إلى دور عرقية التيغري التي تعمل على زعزعة الأوضاع في إثيوبيا من جانب، وسعي مجموعات إريترية للحفاظ على موطئ قدم في شرق البلاد من جانب آخر. وكل ذلك مرتبط بدور قطري تركي، يُلعب من خلال أنصار النظام المعزول والإسلاميين.

جولة تاريخية أنثروبولوجية في شرق السودان
> يتحدث البروفسور حسن مكي، المتخصص في شؤون الإقليم والقرن الأفريقي، عن الصراع في شرق السودان وتأسيس الدولة السودانية، فيقول «لشرق السودان تاريخيا وضع استثنائي لأن بعض مدنه ألحقت بالسودان في وقت متأخر». ويشير إلى أن مدينة سواكن أضيفت للسودان عام 1902 بعدما كانت خاضعة للدولة العثمانية، ثم لمصر بعد سيطرة «الحكم الثنائي» على السودان بعد معركة كرري.
ويتابع مكي «ثاني مدن الإقليم، أي مدينة كسلا، كانت تحت الإدارة الإيطالية حتى 1894. وعندما تخلى الإيطاليون عن المنطقة بعد معركة عدوة (في إثيوبيا) 1894 للبريطانيين الذين كانوا يستعمرون السودان، صارت كسلا أول مدينة تستعاد للسودان، عن طريق الزعيم الديني الشهير السيد علي الميرغني، الذي تسلمها باسم الجيش المصري الإنجليزي، الذي يحكم السودان.
ويتابع البروفسور مكي شارحاً «اختارت قبائل البني عامر الانتماء للسودان، والتخلي عن الجيش الإيطالي، الذي كان يتكون محلياً منهم أساساً. وبانسحاب إيطاليا اختاروا الذهاب مع السيد علي (الميرغني)... إن المكونات الثقافية في شرق السودان (الهدندوة والعبابدة والبشارية والبني عامر) لها وضع مختلف لأنها قبائل مشتركة بين السودان والحبشة قديماً (إريتريا وإثيوبيا حالياً).
أما دينياً فقد انقسم سكان الإقليم بين الطائفتين الكبيرتين في البلاد، إذ انقسم الهدندوة بين أتباع الزعيم العسكري المهدَوي عثمان دقنة ووالوا المهدية (طائفة الأنصار)، وبين المجموعة التي اختارت الولاء لطائفة الختمية بقيادة السيد علي الميرغني. أما البني عامر فيوالي الجزء الأكبر مهم السيد علي الميرغني والسيدة نفيسة، بجانب الخلافات العرقية الموجودة.
ويشير مكي إلى ظهور حركة «علي بيتاي» المكونة أساساً من الهدندوة، والتي لعبت بقيادة «سلمان بيتاي» دوراً معارضاً قوياً ضد حكومة الإنقاذ بتحالفه مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة د. جون قرنق، ثم أصبحت حليفا للإسلاميين، وهم لا يتبعون للختمية ولا الأنصار.
ويضيف مكي أن أهمية الإقليم زادت بإنشاء موانئ البحر، ما جعل أمن المملكة العربية السعودية يرتبط بالساحل الغربي للبحر والموانئ السودانية، فيما أحست مصر بالخطر بعد دخول تركيا للمنطقة تحت ذريعة «ترميم ميناء سواكن»، وإلى الشرق تعتبر دولة إريتريا مدينة كسلا منطقة «أمن غذائي لها»، لذلك تخشى إريتريا بشدة زيادة نفوذ الحركات السلفية وسط البني عامر في كسلا، مثل حركة الجهاد الإريتري.
ويوضح مكي: «هذه خلاصات توضح أن ما يدور في المنطقة، بعد أن أصبحت ثرية، تتحرك فيها أموال كثيرة من التهريب وتجارة المخدرات، وبيع السلاح هنا وهناك، فضلا عن عائدات الموانئ على البحر الأحمر، الأمر الذي أحدث فيها متغيرات».
وشهدت المنطقة بحسب مكي متغيرات ديموغرافية نتجت عن الهجرات التي وفدت إليها من غرب السودان وغرب أفريقيا، ما فرض جزراً لغوية وثقافية وإثنية، ويتابع: «لا أؤمن بنظرية المؤامرة، وأرى الصراع على الوظائف والرؤى، وحذر من التكوينات السياسية التي وصفها بأنها تستخدم الكتل الصماء في صراعاتها»، وأضاف: «الصراع الدائر في شرق السودان الآن جزء من الصراع الدائر في كل السودان، وهو ينبئ بتغيير الخريطة السياسية في البلاد، ربما قبل نهاية هذا العام».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.