صراع القبائل السياسي في السودان يهدد الفترة الانتقالية

نزاعات إثنية مدعومة من جهات معادية للثورة لشد الأطراف وإفشال التحوّل الديمقراطي

صراع القبائل السياسي في السودان يهدد الفترة الانتقالية
TT

صراع القبائل السياسي في السودان يهدد الفترة الانتقالية

صراع القبائل السياسي في السودان يهدد الفترة الانتقالية

خلال يوليو (تموز) الماضي، في غرب السودان، احتشد في اعتصام سلمي الآلاف من سكان منطقة نيرتتي عند سفح جبل مرة بولاية وسط دارفور، التي اشتهرت بإنتاج الفاكهة والبرتقال على وجه الخصوص، قبل أن تحرق الحرب المتطاولة الزرع وتجفف الضرع. سكان المنطقة كانوا يطالبون ببسط الأمن والحماية من «الميليشيات» التي دأبت على اقتلاع الأرواح والثمر. ولقد شهدت مناطق فتا برنو وكبكابية وكتم اعتصامات مثيلة، لكنها سرعان ما تحولت عن سياقها السلمي بدخول ميليشيات مسلحة فرقت بعضها بالقوة وقتلت وجرحت وأحرقت. ثم تفشت النزاعات ذات الطابع العرقي في أنحاء السودان المختلفة وبلغت الشرق والجنوب، وهو ما عده محللون محاولة لشد البلاد من الأطراف وإجهاض التحول الديمقراطي فيها.
ظن كثيرون من المراقبين أن اعتصام نيرتتي والمناطق السودانية الأخرى، بداية عهد جديد يقوم على المطالبة السلمية بالحقوق، ونهاية لعهد طلبها عن طريق البندقية، الأمر الذي تطاول في إقليم دارفور لنحو عقدين من الزمان دون جدوى. لكن هذه الظنون والتحليلات ذهب أدراج الريح، إثر هجمات الميليشيات المسلحة المجهولة على محتجين سلميين، استلهموا نجاح اعتصام نيرتتي في تحقيق مطالبهم.
سكان نيرتتي انصرفوا، على الأثر، إلى منازلهم بعدما زارهم وفد مركزي على مستوى عالٍ واستجاب لبعض مطالب السكان على الفور، ووعد بمعالجة المتبقي منها باعتبارها عملية. وتتمثل المطالب في بسط الأمن، وإعفاء قيادات حكومية محلية، ونزع سلاح الميليشيات، وتأمين الموسم الزراعي، والقبض على مرتكبي الجرائم ومحاكمتهم.
رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك من جهته، اعتبر اعتصام أهل نيرتتي مشروعاً، ومطالبهم عادلة ومستحقة. وتبعا لذلك أرسل وفدا حكومياً من مجلسي السيادة والوزراء التقى المعتصمين، وقال في تغريدة على «تويتر»: «ننحني تقديراً واحتراماً للشكل الحضاري للاعتصام، والتعبير السلمي».
وتوصل الوفد، الذي قاده عضو مجلس السيادة محمد حسن التعايشي، مع المعتصمين إلى اتفاق مع منظمي الاعتصام، وقضى الاتفاق بإنشاء محكمة عامة في المنطقة، وتشكيل قوة مشتركة من الجيش والدعم السريع والشرطة لجمع السلاح وحسم الانفلات الأمني وتأمين الموسم الزراعي، وتنظيم التعدين الأهلي، ودعم مبادرة التعايش السلمي في الإقليم.
وإثر استجابة الوفد الحكومي لمطالب سكان نيرتتي تزامنا مع، أو بعد، نظم مواطنو مناطق فتا برنو وكبكابية وكتم اعتصامات مثيلة للمطالبة بذات الحقوق، لكن قوة مسلحة مجهولة هاجمت المعتصمين في فتا برنو وقتلت منهم نحو عشرة أشخاص وجرحت العشرات، وأحرقت المنازل والمتاجر، ما أعاد للأذهان ذكرى مأساة «فض اعتصام القيادة العامة» في الخرطوم.

مبدأ المطالبة السلمية
لقد رسخت «ثورة ديسمبر» 2019 مبدأ المطالبة السلمية بالحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأفلحت في إسقاط نظام حكم الإسلاميين عبر التظاهرة والاعتصام والاحتجاج السلمي. وهو ما اتبعه المحتجون في دارفور، وفي 13 منطقة أخرى من البلاد، لكن قوة «مجهولة» - ومعروفة في الوقت ذاته – وجهت إليها أصابع الاتهام بترويع المعتصمين السلميين في دارفور، وهي قوى ميليشيات الجنجويد السيئة الصيت.
هذه الميليشيات عرفت إبان النزاع الدارفوري ابتداء من 2003 وحتى سقوط نظام حكم عمر البشير، الذي يتهم هو وبعض مساعديه من قبل المحكمة الجنائية الدولية، بتسليح الميليشيات القبلية بعضها ضد بعض مبتدأ الأمر، ثم تسليح ودعم المجموعات ذات الأصول العربية ضد المجموعات ذات الأصول الأفريقية. وقد مثل علي كوشيب، زعيم الجنجويد، طوعياً أمام محكمة لاهاي بانتظار محاكمته.
أما في شرق السودان، وتحديداً، في ولايات كسلا والبحر الأحمر والقضارف، فقد اتخذ الصراع أبعاداً إثنية بين مكونات الإقليم وقبائله. وما يُذكر، أن هذا الإقليم يعاني من شح الموارد والتهميش الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وهذه المعاناة قديمة العهد كمعاناة دارفور، ولكن مع فارق واحد هو الثراء الطبيعي في دارفور. هذا الثراء جعل الصراع في دارفور يأخذ شكل التنافس على موارد الإقليم بين مجموعات سكانية متكاملة ضد مجموعات أخرى. في حين اتخذ الصراع في الشرق شكل الصراع القبلي على الموارد الشحيحة أصلاً.

صراع الشرق
الصراع في شرق السودان اتخذ الشكل القبلي في شقيه الاجتماعي والاقتصادي، وهو تارة يدور بين سكان الإقليم الأصليين أنفسهم على الموارد الشحيحة، وتارة أخرى بينهم والوافدين. ثم إن له أبعاده التاريخية، لكن عدداً من النزاعات تفجر عقب سقوط نظام عمر البشير، وتكوين الحكومة الانتقالية، وأخذ منحى إثنياً بين المجموعات السكانية في الإقليم.
بعد أيام قليلة من نجاح الثورة، اندلع نزاع بين قبيلتي النوبة والبني عامر في ولاية القضارف، ففي مايو (أيار) 2019 اندلعت اشتباكات دموية بين المجموعتين، أدت لمقتل امرأة وحرق عدد من المنازل، وسقوط عدد من المصابين بين الطرفين. وتدخلت السلطات المحلية في حينه، وأفلحت في توقيع وثيقة للتصالح بين الطرفين، نصت على أهمية التعايش السلمي وإيقاف الأعمال العدائية بين الطرفين.
ثم انتقل التوتر بين المجموعتين إلى ولاية كسلا، إلى الشرق من القضارف. وشهد شهر مايو (أيار) 2020 في مدينة كسلا معارك دامية بين مجموعتي النوبة والبني عامر، راح جراءه عدد من القتلى والجرحى وأحرقت منازل، إثر مشاجرة بين فردين، استنصر كلاهما بقبيلته. ولاحقاً، امتد التوتر شرقاً إلى بورتسودان، حاضرة ولاية البحر الأحمر، وميناء السودان الرئيسي.
في الأسبوع الماضي، تجدد نزاع أبناء النوبة والبني عامر في بورتسودان. وراح ضحية ذلك وفقا للجنة أطباء السودان المركزية 25 قتيلاً بينما بلغ إجمالي المصابين 87 فرداً، إضافة إلى حرق عشرات المنازل والمتاجر. هذا حصل بعد أقل من سنة على اتفاق أهلي بين المجموعتين يعرف بـ«القلد»، وقعه الطرفان في سبتمبر (أيلول) 2019. بعد معارك مشابهة بين المجموعتين، إثر ضغوط قوية من نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، الذي هدد الطرفين بالإبعاد من البلاد ما لم يتوصلا لاتفاق.

صراع دارفور
نشب الصراع المسلح في إقليم دارفور في 2003. بهجوم شنته مجموعتان مسلحتان هما «حركة تحرير السودان» و«حركة العدل والمساواة»، على مناطق حكومية، تحت ذريعة اضطهاد المركز لسكان الإقليم من ذوي الأصول الأفريقية، وتسليح المجموعات ذات الأصول العربية للاعتداء عليهم. وإثر ذلك شنت الحكومة – وقتها - ما عُرف بـ«حملة تطهير عرقي واسعة» ضد المجموعات غير العربية. وأدت المواجهات إلى مقتل نحو 300 ألف شخص ونزوح ولجوء نحو ثلاثة ملايين من سكان الإقليم داخليا وخارجياً.
وبسبب الحملات العسكرية الانتقامية في دارفور، يواجه الرئيس المعزول عمر البشير ومعاوناه عبد الرحيم محمد حسين (وزير الدفاع وقتها) وأحمد هارون (وزير دولة بوزارة الداخلية وقتها)، فضلا عن قائد الجنجويد الموالية للحكومة علي كوشيب، اتهامات بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، من قبل المحكمة الجنائية الدولية، التي تطالب الحكومة الانتقالية بتسليمهم للمحاكمة بمقر المحكمة في لاهاي.
هذا، وتتكون أطراف صراع دارفور من الجيش السوداني والشرطة وقوات الجنجويد، وهي ميليشيا مكونة من مجموعات ذات أصول عربية، ولا تشارك فيها معظم المجموعات الرعوية ذات الأصول غير العربية. وعلى الجانب الآخر تتكون المجموعات المتمردة بشكل رئيس من «حركة تحرير السودان» (بجناحيها) و«حركة العدل والمساواة» والحركات المنشقة عنهما. ومعظم قوام هذه الحركات من مجموعات سكانية ذات أصول غير عربية أبرزها قبائل الفور والزغاوة والمساليت... وغيرهم.
ورغم التمظهر العرقي، فإن الصراع في دارفور - خصوصاً - بحسب المحللين، صراع اقتصادي على المرعى والمزارع والماء وملكية الأرض، بيد أنه أخذ الطابع الإثني وتخفى بثيابه. ويرى كثيرون أن مباحثات السلام بين الأطراف الدارفورية الجارية في جوبا، عاصمة دولة جنوب السودان، وبوساطة منها، لن تحل جذور النزاع الممثلة في «التهميش» الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لمكونات الإقليم، ما لم تتحقق التنمية المتوازنة بين أقاليم السودان، ومناطقه المختلفة.

مناطق أخرى
أيضاً، في جنوب كردفان والنيل الأزرق - أو ما يعرف بـ«المنطقتين» - اللتين تتقاسم السلطة فيهما الحكومة المركزية و«الحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال»، دار قتال سياسي بثوب قبلي في نوفمبر (تشرين الثاني)، بين القبائل ذات الأصول العربية وتلك ذات الأصول الأفريقية.
وصراع جنوب كردفان صراع موسمي على المرعى والمزارع، غير أنه ارتدى هذه المرة ثوبا سياسيا بين قبيلة دار نعيلة (فرع من قبيلة الحوازمة) والنوبا الغلفان، وأسفر عن مقتل وجرح العشرات، ثم تجدد الأسبوع الماضي بما عُرف بمنطقة خور الورل. وتبادلت خلاله القوات الحكومية وقوات الحركة الشعبية الاتهامات بالتواطؤ كل مع طرف من أطراف القتال القبلي، وانعكس هذا النزاع على مباحثات السلام الجارية في جوبا، واتخذته الحركة الشعبية مبرراً للتشدد في موقفها من التفاوض.
أما صراع شرق السودان الحالي، أو النزاع بين النوبة (لا علاقة لهم بالنوبا في كردفان) والبني عامر، فيرجع إلى ثمانينات القرن الماضي، إثر إعلان الرئيس الأسبق جعفر النميري قوانين الشريعة الإسلامية، واستقطاب مجموعة قبلية محددة لتبني نزعة دينية متشددة كي تقود حملات ضد أنشطة اقتصادية واجتماعية اعتبرتها مخالفة للشريعة الإسلامية. ويومذاك، سقط عدد كبير من القتلى بين الطرفين، وترتبت عليه «ترسبات إثنية» ما تنفك تنفجر بين فينة وأخرى، ثم تهدأ وتعود الأطراف للتعايش فيما بينها، قبل أن يشتعل القتال جراء أقل المشاجرات.

تهميش ومؤامرة

كما سبقت الإشارة، يعيش شرق السودان أصلاً حالة من التهميش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي دفعت مجموعات ذات طابع إثني، لتبني العمل المسلح ضد «المركز» الحكومي الذي تتهمه بممارسة التهميش ضدها... وهذا رغم أهميته الاستراتيجية للسودان، إذ يقع فيه ميناء السودان ومنفذه البحري الوحيد.
يوم 14 أكتوبر (تشرين الأول) 2006. وقعت الحكومة السودانية اتفاقية سلام في أسمرا، عاصمة إريتريا، عرفت بـ«اتفاقية شرق السودان»، أو «اتفاقية أسمرا» برعاية الحكومة الإريترية، وأنهت قتالاً مع الحكومة المركزية وحرباً دامت 13 سنة على حدود السودان الشرقية.
ولقد نصت الاتفاقية على إشراك «جبهة الشرق» في السلطة. وبموجبها أنشئ ما أطلق عليه «صندوق تنمية وإعمار شرق السودان»، وجرت تسوية لقضية المقاتلين عبر اتفاقيات تسريح وإعادة دمج. لكن الاتفاقية تحولت بسبب مماطلة حكومة البشير، إلى مجرد اتفاق لتقاسم السلطة مع مقاتلي «جبهة شرق السودان» وإعطائهم سلطة «اسمية»، دون تحقيق التنمية الكفيلة بخلق الاستقرار في الإقليم.
واليوم لا ينظر كثيرون إلى انفجار النزاعات العرقية الكامنة في غرب السودان وشرقه بعد «ثورة ديسمبر» ومجيء «الحكومة الانتقالية»، على أنها مجرد نزاعات قبلية محدودة. بل هم يشيرون إلى أن ثمة مؤامرة تدير خيوط اللعبة بالتنسيق مع أعداء الثورة والخاسرين معها لإفشال «الحكومة الانتقالية» وإجهاض الثورة، ومخاوف هذه القوى من نشوء نموذج ديمقراطي يستطيع تحويل السودان من «حديقة خلفية» إقليمية إلى بلد مستقر ونامٍ.
نُذر صراع سياسي يستغل التنوع الإثني
> إلى جانب الصراع الدامي بين البني عامر والنوبة، ثمة نذر صراع سياسي تستغل فيه الكتل الإثنية، بين المكونات المحلية. ولقد برز بشكل لافت في تعيين والي ولاية كسلا الجديد صالح عمار، الذي ترفض تعيينه إثنية الهدندوة وتخفي رفضها ذا الطابع الإثني بغلاف سياسي. وهو ما دفع المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء فايز السليك، لاتهام قوى سياسية - وتحديداً أنصار النظام القديم - بالعمل على «شد البلاد من الأطراف»، بهدف وقف التحول المدني.
ويربط السليك ما يدور في شرق السودان بما يجري في بقية أطراف السودان ولا يعزله عنها. ويقول إن الهدف منه «عرقلة التحول المدني، باستخدام الدولة الموازية وميليشيات النظام الإسلاميين» وعلى رأسها الأمن الشعبي، وعناصر خارج دائرة الصراع تحاول تأجيجه. ويضيف «النوبة والبني عامر مثلا، مهمشون وقضاياهم متشابهة، لكن بعض الأطراف تؤجج صراعات قديمة بينهم ترجع جذورها لمنتصف الثمانيات، فيما تحاول أطراف محلية ودولية جر الهدندوة باعتبارهم مكونا كبيرا لحلبة الصراع، وزيادة التوتر بما يهدد الفترة الانتقالية».
ويوضح السليك أن «الصراعات في السودان ذات دوافع مفهومة، لكن دوافع الصراعات لا تعفي الحكومة وضعف استجابتها الناتجة عن كثرة الملفات التي تتعامل معها. وهو ما أنتج فشلها على الجانب الأمني، وسهل لهذه الأطراف المناوئة أدوارها». وتابع: «الصراع على الولاة أصبح جزءاً من الصراع القبلي، ورغم أن قضايا المجموعات المتنافرة واحدة، وهناك جهات تؤجج الصراع بين الهدندوة والبني عامر».
ويشير مصدر قريب من الأوضاع في شرق السودان، إلى تقاطعات إقليمية ودولية تحاول الاصطياد في مياه البحر الأحمر وتعكيرها، لتحقيق أجندات مرتبطة بالنزاعات بين الدول المحيطة. ويشير المصدر بشكل خاص إلى دور عرقية التيغري التي تعمل على زعزعة الأوضاع في إثيوبيا من جانب، وسعي مجموعات إريترية للحفاظ على موطئ قدم في شرق البلاد من جانب آخر. وكل ذلك مرتبط بدور قطري تركي، يُلعب من خلال أنصار النظام المعزول والإسلاميين.

جولة تاريخية أنثروبولوجية في شرق السودان
> يتحدث البروفسور حسن مكي، المتخصص في شؤون الإقليم والقرن الأفريقي، عن الصراع في شرق السودان وتأسيس الدولة السودانية، فيقول «لشرق السودان تاريخيا وضع استثنائي لأن بعض مدنه ألحقت بالسودان في وقت متأخر». ويشير إلى أن مدينة سواكن أضيفت للسودان عام 1902 بعدما كانت خاضعة للدولة العثمانية، ثم لمصر بعد سيطرة «الحكم الثنائي» على السودان بعد معركة كرري.
ويتابع مكي «ثاني مدن الإقليم، أي مدينة كسلا، كانت تحت الإدارة الإيطالية حتى 1894. وعندما تخلى الإيطاليون عن المنطقة بعد معركة عدوة (في إثيوبيا) 1894 للبريطانيين الذين كانوا يستعمرون السودان، صارت كسلا أول مدينة تستعاد للسودان، عن طريق الزعيم الديني الشهير السيد علي الميرغني، الذي تسلمها باسم الجيش المصري الإنجليزي، الذي يحكم السودان.
ويتابع البروفسور مكي شارحاً «اختارت قبائل البني عامر الانتماء للسودان، والتخلي عن الجيش الإيطالي، الذي كان يتكون محلياً منهم أساساً. وبانسحاب إيطاليا اختاروا الذهاب مع السيد علي (الميرغني)... إن المكونات الثقافية في شرق السودان (الهدندوة والعبابدة والبشارية والبني عامر) لها وضع مختلف لأنها قبائل مشتركة بين السودان والحبشة قديماً (إريتريا وإثيوبيا حالياً).
أما دينياً فقد انقسم سكان الإقليم بين الطائفتين الكبيرتين في البلاد، إذ انقسم الهدندوة بين أتباع الزعيم العسكري المهدَوي عثمان دقنة ووالوا المهدية (طائفة الأنصار)، وبين المجموعة التي اختارت الولاء لطائفة الختمية بقيادة السيد علي الميرغني. أما البني عامر فيوالي الجزء الأكبر مهم السيد علي الميرغني والسيدة نفيسة، بجانب الخلافات العرقية الموجودة.
ويشير مكي إلى ظهور حركة «علي بيتاي» المكونة أساساً من الهدندوة، والتي لعبت بقيادة «سلمان بيتاي» دوراً معارضاً قوياً ضد حكومة الإنقاذ بتحالفه مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة د. جون قرنق، ثم أصبحت حليفا للإسلاميين، وهم لا يتبعون للختمية ولا الأنصار.
ويضيف مكي أن أهمية الإقليم زادت بإنشاء موانئ البحر، ما جعل أمن المملكة العربية السعودية يرتبط بالساحل الغربي للبحر والموانئ السودانية، فيما أحست مصر بالخطر بعد دخول تركيا للمنطقة تحت ذريعة «ترميم ميناء سواكن»، وإلى الشرق تعتبر دولة إريتريا مدينة كسلا منطقة «أمن غذائي لها»، لذلك تخشى إريتريا بشدة زيادة نفوذ الحركات السلفية وسط البني عامر في كسلا، مثل حركة الجهاد الإريتري.
ويوضح مكي: «هذه خلاصات توضح أن ما يدور في المنطقة، بعد أن أصبحت ثرية، تتحرك فيها أموال كثيرة من التهريب وتجارة المخدرات، وبيع السلاح هنا وهناك، فضلا عن عائدات الموانئ على البحر الأحمر، الأمر الذي أحدث فيها متغيرات».
وشهدت المنطقة بحسب مكي متغيرات ديموغرافية نتجت عن الهجرات التي وفدت إليها من غرب السودان وغرب أفريقيا، ما فرض جزراً لغوية وثقافية وإثنية، ويتابع: «لا أؤمن بنظرية المؤامرة، وأرى الصراع على الوظائف والرؤى، وحذر من التكوينات السياسية التي وصفها بأنها تستخدم الكتل الصماء في صراعاتها»، وأضاف: «الصراع الدائر في شرق السودان الآن جزء من الصراع الدائر في كل السودان، وهو ينبئ بتغيير الخريطة السياسية في البلاد، ربما قبل نهاية هذا العام».



مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
TT

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)

فتح تنامي الدور الأميركي في جنوب لبنان، بالتوازي مع الترتيبات التي أعقبت الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، نقاشاً سياسياً وقانونياً حول الجهة التي تتولى إدارة هذا الملف في المرحلة المقبلة. وبينما تتمسك قراءات قانونية بأن الأمم المتحدة لا تزال المرجعية التي تستند إليها قرارات مجلس الأمن واتفاقية الهدنة، يرى آخرون أن واشنطن تحوّلت عملياً إلى المرجعية الفعلية بعد انتقالها من موقع الوسيط إلى موقع المشرف على آليات التنفيذ والضمان.

يكتسب هذا الجدل أهمية خاصة مع استمرار البحث في تطوير «الميكانيزم» الذي أُنشئ بعد حرب عام 2024، والحديث عن صيغ جديدة لتعزيز الحضور الدولي في الجنوب، سواء عبر توسيع الدور الأميركي أو إدخال شركاء دوليين إضافيين لدعم تنفيذ التفاهمات الأمنية ومواكبة انتشار الجيش اللبناني. ويعيد ذلك إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز الترتيبات الأمنية إلى طبيعة المرجعية التي تدير الجنوب اللبناني، وما إذا كانت التطورات الأخيرة تمثل تحولاً في الأساس القانوني الذي يحكم النزاع، أم أنها تقتصر على تطوير أدوات تنفيذ القرارات الدولية.

وتعود المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، التي أرست الإطار القانوني للعلاقة بين الطرفين، قبل أن يتعزز الدور الأممي مع صدور القرار 425 عام 1978 الذي أنشأ قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ثم القرار 1701 بعد حرب يوليو (تموز) 2006، الذي رسّخ دور الأمم المتحدة في مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وإنشاء لجنة ثلاثية لمعالجة الخروقات. إلا أن محدودية تنفيذ هذه القرارات خلال السنوات الماضية، واستمرار الانتهاكات الإسرائيلية، دفعا إلى استحداث آليات تنفيذية جديدة، كان أبرزها «الميكانيزم»، لتسهيل تطبيق التفاهمات الأمنية، وهو ما أعاد طرح السؤال حول ما إذا كانت المرجعية الدولية بقيت على حالها أم أن إدارة الملف انتقلت عملياً إلى الولايات المتحدة.

المرجعية القانونية لا تزال أممية

في هذا السياق، يرفض الوزير السابق رشيد درباس اعتبار أن تنامي الدور الأميركي يعني انتقال المرجعية القانونية والسياسية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة، مؤكداً أن ما تغير هو أدوات التنفيذ، فيما بقي الأساس القانوني الذي يحكم النزاع على حاله.

وقال درباس لـ«الشرق الأوسط»: «من حيث المبدأ، المرجعية لا تزال واضحة، وهي قرارات مجلس الأمن الدولي. وإذا اضطلعت الولايات المتحدة بدور، سواء عبر آلية المراقبة (الميكانيزم) أو أي إطار آخر، فإن هذا الدور يستند إلى هذه المرجعية الدولية، لأن لبنان لا يملك مرجعية أخرى يستند إليها سوى القرارات الصادرة عن مجلس الأمن».

وأوضح أن وجود الأمم المتحدة لم يتغير من الناحية القانونية، مضيفاً: «قد يكون دور قوات الأمم المتحدة خلال المراحل السابقة محدود التأثير، لكن هذا لا يعني أن الأمم المتحدة خرجت من المشهد. فالمرجعية القانونية والسياسية لا تزال قائمة، وأي خلاف بين لبنان وإسرائيل حول تنفيذ الاتفاقات يبقى مرجعه قرارات الأمم المتحدة، بغض النظر عن الجهة التي تتولى التنفيذ أو المساعدة في تطبيقها».

ورأى أن الحديث عن إمكان مشاركة قوات من دول حلف شمال الأطلسي أو دول أوروبية يجب أن يُفهم في إطار تعزيز قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ مهامه، وليس بوصفه بديلاً عن المرجعية الدولية، قائلاً: «إذا جاءت قوى إضافية لمساندة الجيش اللبناني، فإن ذلك يهدف إلى ضبط الوضع بصورة أفضل، لكنه لا يغيّر المرجعية التي تبقى أممية».

الدور الأميركي... تنفيذ وضغط لا استبدال

ويربط درباس اتساع الحضور الأميركي في الجنوب بالسياق الإقليمي الأوسع، معتبراً أن واشنطن تتولى اليوم أدواراً متشابكة في ملفات المنطقة، ما يجعل انخراطها في الملف اللبناني جزءاً من مقاربة أشمل لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي.

وقال: «الولايات المتحدة منخرطة اليوم في ملفات المنطقة كلها، من غزة إلى إيران وصولاً إلى لبنان، وهي تعمل ضمن رؤية لإعادة رسم المشهد الإقليمي. لذلك من الطبيعي أن يكون لها حضور أكبر في الملف اللبناني أيضاً».

وأضاف: «النفوذ الأميركي في لبنان ليس جديداً، بل هو نفوذ متجذر منذ عقود، إلا أن ما نشهده اليوم يتميز بحضور أكثر وضوحاً، وبعلاقة مباشرة وصريحة مع الدولة اللبنانية».

واعتبر أن هذا النفوذ قد يصب في مصلحة لبنان، موضحاً: «قد يكون من مصلحة اللبنانيين أن يكون للولايات المتحدة هذا الدور، لأنها الجهة الوحيدة القادرة، إذا أرادت، على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل وكبح اندفاعها».

وربط مستقبل الوضع في الجنوب بعاملين أساسيين، هما «مدى جدية الولايات المتحدة في وضع حد للتجاوزات الإسرائيلية، ومدى قدرة الجيش اللبناني على تثبيت سيطرته الكاملة على المناطق التي ينتشر فيها ومنع أي خروق أو تسلل، بما يسقط أي ذرائع قد تستخدمها إسرائيل للاستمرار في عملياتها».

وأكد أن أي حضور أميركي مباشر يمكن أن يشكل ضمانة إضافية لتنفيذ التفاهمات، قائلاً: «وجود الولايات المتحدة يمنح لبنان جهة تستطيع أن تسأل إسرائيل: ماذا تفعلون؟ وما الذي تسمحون به أو تمنعونه؟ وهذا بحد ذاته عنصر ضغط».

بين المرجعية القانونية وآليات التنفيذ

ويجد هذا الطرح ما يدعمه لدى متخصصين في القانون الدولي، الذين يميزون بين المرجعية القانونية التي تحكم النزاع، والآليات التنفيذية التي تُستحدث لتسهيل تطبيقها. وبحسب هذه المقاربة، فإن اتساع الدور الأميركي لا يعني نسخ المرجعية الأممية، بل يعكس محاولة لتفعيل تنفيذ قرارات بقيت لعقود تصطدم بالاعتبارات السياسية والميدانية، سواء نتيجة ضعف الدولة اللبنانية أو استمرار الخروقات الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، يقدم أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس الدكتور محيي الدين الشحيمي قراءة قانونية تنطلق من اتفاقية الهدنة وقرارات مجلس الأمن، وتخلص إلى أن المرجعية الدولية ما زالت قائمة، وأن ما تغير هو أدوات التنفيذ والضمان، لا الإطار القانوني الذي يحكم النزاع.

وقال الشحيمي لـ«الشرق الأوسط»: إن «المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي تبدأ باتفاقية الهدنة لعام 1949، مروراً بسلسلة القرارات الدولية التي صدرت تباعاً مع تطور طبيعة النزاع والاعتداءات الإسرائيلية، وصولاً إلى القرار 1701 وما أعقبه من تعزيز دور قوات (اليونيفيل)، فضلاً عن القرارات المرتبطة باستعادة لبنان سيادته الكاملة على أراضيه. وهذه المنظومة القانونية والدولية لا تزال هي المرجع الصالح والأساس الذي يحكم الوضع في الجنوب».

وأوضح أن «الوساطة الأميركية والمفاوضات الجارية اليوم ليست بديلاً عن هذه المرجعية، بل هي جزء من الآليات التنفيذية التي تساعد على استكمال أهداف القرارات الدولية والوصول إلى مرحلة الاستقرار التي نصّت عليها تلك القرارات»، مضيفاً أن «ما يجري اليوم هو (ميكانيزم) مستقل وجزئي لإدارة الأزمة اللبنانية، لكنه لا يبتلع القضية بكاملها ولا يلغي الإطار الأممي الذي يحكمها».

وأشار إلى أن «الورقة الحالية ليست اتفاقية دولية ولا معاهدة، بل هي أقرب إلى وثيقة نيات أو إطار لربط النزاع واستكمال مراحل الحل، وبالتالي فهي أدنى مرتبة من الاتفاقيات الدولية ولا ترتقي إلى مستوى المعاهدات الملزمة».

ورأى الشحيمي أن «لبنان لم يتمكن خلال العقود الماضية من تنفيذ أي من القرارات الدولية بصورة كاملة، بما فيها القرار 1701، سواء بسبب ضعف الدولة وأزماتها الداخلية أو بسبب رفض إسرائيل الالتزام الكامل بتلك القرارات»، معتبراً أن «هذا الواقع استدعى إنشاء آليات تنفيذية خاصة ووساطات دولية لدفع عملية التطبيق قدماً».

وكشف أن «النقاش الدائر حالياً لا يتعلق بإلغاء دور الأمم المتحدة، بل بإعادة صياغة نموذج جديد للشراكة الدولية في الجنوب اللبناني، قد يشمل تمديد مهمة (اليونيفيل) مع إدخال قوات أوروبية إضافية، وربما مشاركة عربية، مع تنسيق أكبر مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في إطار دعم الاستقرار وتنفيذ القرارات الدولية».

وشدد على أن «أي وجود أميركي لن يكون وجوداً عسكرياً قتالياً على غرار قوات (المارينز) في الثمانينات، وإنما سيقتصر على التدريب والدعم اللوجستي وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وهو أمر يندرج أساساً ضمن اتفاقيات التعاون العسكري القائمة بين بيروت وواشنطن». مؤكداً أنّ «المرجعية الأممية ستبقى المرجعية القانونية الصالحة والصريحة والمستدامة لإدارة النزاع اللبناني، أما المرجعية الأميركية فهي مرجعية سياسية وتنفيذية وجزئية، هدفها ضمان حسن تنفيذ الآليات المتفق عليها وتوفير الضمانات اللازمة لإنجاحها».

وأضاف أن «الوساطة الأميركية تخلق ضغطاً عملياً على الأرض وتوفر الضمانات التي لا تستطيع الدول الأوروبية أو غيرها توفيرها، خصوصاً أن إسرائيل تستجيب عملياً للضغط الأميركي أكثر من استجابتها لأي وسيط آخر».

وأكد أن «الولايات المتحدة تؤدي اليوم دور الضامن لتنفيذ القرارات الدولية، لأن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى تفاهمات، بل في ضمان تنفيذها. ومن هنا تأتي أهمية الدور الأميركي في تعزيز إجراءات بناء الثقة وحسن النيات بين الأطراف، وصولاً إلى تثبيت الاستقرار».

انتقال تدريجي للمرجعية

وفي مقابل هذه القراءة القانونية، يطرح اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي مقاربة مختلفة تنطلق من الوقائع السياسية والميدانية أكثر مما تنطلق من النصوص القانونية، معتبراً أن الجهة التي تدير الملف عملياً هي التي تحدد المرجعية الفعلية، بصرف النظر عن استمرار قرارات مجلس الأمن كإطار قانوني للنزاع.

ويستند شحيتلي في قراءته إلى التطور الذي شهدته آليات إدارة الجنوب خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الانتقال من اللجنة الثلاثية برئاسة «اليونيفيل» إلى «الميكانيزم»، ثم الحديث عن ترتيبات جديدة بقيادة أميركية، يعكس تحولاً تدريجياً في مركز إدارة الملف.

وقال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان يتجاوز مجرد ترتيبات أمنية أو اتفاقات ميدانية، معتبراً أن لبنان يشهد «تحولاً في المرجعية التي تدير ملفه، ولا سيما في الجنوب».

وقال إن لبنان، «منذ عام 1860، كان يُدار دائماً ضمن توازنات إقليمية تحظى بغطاء دولي، موضحاً أن النفوذ على لبنان تعاقبت عليه قوى مختلفة وفق مراحل تاريخية، بدءاً من الدولة العثمانية، ثم فرنسا، مروراً بمصر وسوريا وإسرائيل، وصولاً إلى تفاهمات دولية وإقليمية شاركت فيها الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها». وأضاف: «كان هناك دائماً توافق إقليمي يمتلك امتداداً دولياً لإدارة هذا البلد، فيما بقيت فرنسا، بعد عام 1920، محوراً أساسياً في هذه التفاهمات، مع تبدل القوى الإقليمية الشريكة بحسب موازين القوى في المنطقة».

واعتبر أن التحول الأخطر يتمثل في انتقال الولايات المتحدة إلى موقع المرجعية المباشرة، قائلاً: «منذ صدور القرار 425 عام 1978 أصبحت الأمم المتحدة، عبر قوات اليونيفيل وهيئة مراقبة الهدنة، المرجعية الأساسية في جنوب لبنان. أما اليوم، فإن الولايات المتحدة ألغت عملياً دور الأمم المتحدة، كما همّشت الأدوار الفرنسية والعربية والمصرية، وانفردت بإدارة هذا الملف».

وأضاف أن واشنطن «لم تعد تؤدي دور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، بل باتت تفرض بنفسها آليات العمل على الطرفين، ما يعني عملياً انتقال المرجعية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة». معتبراً أن هذا التطور لا يقتصر على إنهاء النفوذ الإيراني في جنوب لبنان، بل يشمل أيضاً تقليص أدوار جميع القوى التي كانت تاريخياً شريكة في إدارة الملف اللبناني، سواء فرنسا أو الدول العربية أو الأمم المتحدة.

ورداً على سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة أصبحت المرجعية بدلاً من المرجعية الدولية، قال شحيتلي: «الولايات المتحدة أصبحت المرجعية الفعلية، حتى وإن لم يكن هذا الأمر يحظى بموافقة فرنسا أو الدول العربية أو لبنان، إلا أنه الواقع الذي يجري تكريسه».

ورأى أن هذا المسار لم يبدأ مع تشكيل «الميكانيزم» بعد حرب 2024، بل جاء نتيجة تطور تدريجي، موضحاً أن القرار 1701 نصّ على لجنة برئاسة قائد قوات «اليونيفيل» لمعالجة الخروقات بصورة دائمة، «ثم جرى استبدال هذه اللجنة وجاءت بدلاً منها آلية الميكانيزم، واليوم يجري استبدال الميكانيزم لتحل محلها لجنة ثلاثية برئاسة أميركية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، بما يؤكد انتقال إدارة الملف تدريجياً من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة».


كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو
TT

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري، 51 عاماً، ستصبح الرئيسة التاسعة للبيرو في أقل من عشر سنوات، وستتولى مهامها يوم الاحتفال بالعيد الوطني، في 28 يوليو (تموز) الحالي. ويأتي توليها الحكم بعدما أعلنت الهيئة الانتخابية النتائج الرسمية النهائية للجولة الثانية من الاقتراع والتي أجريت في السابع يونيو (حزيران) الفائت بين فوجيموري والمرشح اليساري روبرتو سانشيز. وحصلت فوجيموري على 50.135 في المائة من أصوات الناخبين في جولة الإعادة، مقابل 49.865 في المائة لسانشيز، وهو فارق يقل عن 50 ألف صوت، وفق الأرقام التي صدّقت عليها المحكمة الانتخابية في البيرو.

كانت هذه المرة الرابعة التي تترشح فيها فوجيموري للرئاسة تحت راية إرث والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، الشخصية التي دمغت المشهد السياسي في البيرو بالاستقطاب الحاد والعنف وفضائح الفساد خلال العقود الأربعة المنصرمة. وهي سترأس بلداً مشطوراً بشكل حاد إلى معسكرين متناحرين سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، ويعاني من ضعف في المؤسسات، ومن انعدام الاستقرار بعد الاضطرابات والصدمات السياسية التي مر بها. لكن في رصيدها صمودها الطويل في وجه التيّار المناهض لتركة والدها الثقيلة التي رفضت النأي عنها.

وقد لعبت أصوات المهاجرين في الخارج دوراً حاسماً في فوزها، خاصة أولئك الذين يعيشون في الولايات المتحدة حيث توجد أكبر جالية من البيروفيين. ولم تنفع الطعون التي تقدم بها منافسها روبرتو سانشيز في نتائج فرز أقلام المهجر، علماً بأنه هدد برفض الاعتراف بها والدعوة إلى تحركات شعبية. لكن المحكمة الانتخابية رفضت طعونه، وارتفعت أصوات كثيرة منددة بموقفه الذي يشبه الموقف الذي اتخذته فوجيموري عندما انهزمت في انتخابات عام 2021 ضد اليساري بيدرو كاستيّو الموجود حالياً في السجن بعد إدانته بالقيام بمحاولة انقلاب ذاتي قال إن بعض مساعديه نصبوها فخاً له.

شخصية مثيرة للجدل... كوالدها

وعلى غرار والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، تتمتع كيكو بشخصية مثيرة للجدل في الأوساط السياسية والاجتماعية، علماً بأنها قامت خلال سنوات حكمه مقام السيدة الأولى بعد خلافات عميقة بين رئيس البلاد وزوجته انتهت بالطلاق.

وكيكو فوجيموري متخرجة بتفوق من أرقى الجامعات الأميركية، وانتُخبت عضواً في البرلمان للمرة الأولى عام 2006 حيث حصدت أعلى عدد من الأصوات في تاريخ الانتخابات الاشتراعية في البيرو، قبل أن تترشح للانتخابات الرئاسية عام 2011، ثم في عامي 2016 و2021 حيث كانت تُهزم دائماً في الدورة الثانية. إلى جانب ذلك، تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد وغسل الأموال، وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر. ورغم ذلك، يعتبرها أنصارها ضمانة للاستقرار الاقتصادي والأمني في البلاد، بينما يرى فيها خصومها استمراراً لإرث والدها الذي حكم البيرو عشر سنوات حافلة بالفساد المالي والتجاوزات.

في تصريحاتها الأولى بعد ضمان فوزها، قالت فوجيموري: «أدرك جيداً أن البلاد في حال من الانقسام العميق، لذلك سأحرص على نيل ثقة الذين لم يصوتوا لي في هذه الانتخابات، وستكون حكومتي ممثلة لجميع مكونات المشهد السياسي، تعتمد على الكفاءة والنزاهة».

وبفوزها تنضمّ كيكو فوجيموري إلى قافلة الزعماء اليمينيين الذين يجاهرون بولائهم لخط الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أميركا اللاتينية. وكان من أوائل مهنئيها البرازيلي فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جاير بولسونارو الذي يقضي عقوبة بالسجن حالياً بعد إدانته بمحاولة انقلاب عسكري ضد الرئيس الحالي إيغناسيو لولا. وقال فلافيو بولسونارو الذي سينافس لولا في الانتخابات الرئاسية مطلع الخريف المقبل، إن فوز فوجيموري يؤكد صعود القوى اليمينية «القادرة وحدها على مكافحة الإرهاب العابر للوطن الذي يتغذّى من أموال الاتجار بالمخدرات». كما سارع إلى تهنئتها أيضاً الرئيس الكولومبي الجديد اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا أسبريلّا الذي عرض عليها إقامة تحالف إقليمي ضد القوى والأحزاب اليسارية.

الشعار الذي رفعته فوجيموري عنواناً لحملتها الانتخابية الرئاسية «عادت كيكو ليعود النظام»، أرادت من خلاله تسليط الضوء على الشاغل الأكبر للمواطنين ومصدر قلقهم الأساسي منذ سنوات، حيث ازدادت أعمال الاغتيال بشكل ملحوظ، وتفشّى العنف والابتزاز الذي يتعرّض له صغار التجار في المدن الكبرى.

وتعهدت فوجيموري في برنامجها بتنظيم دوريات تشارك فيها القوات المسلحة لمكافحة العنف، وبطرد المهاجرين الذين يرتكبون جرائم، وإجبار المسجونين على العمل مقابل حصولهم على الطعام، بعد الاضطرابات العنيفة التي شهدتها السجون في الفترة الأخيرة على يد أفراد عصابات الاتجار بالمخدرات. وقد حرصت خلال حملتها الانتخابية على تشبيه الحملة الواسعة التي قام بها والدها لمكافحة الإرهاب في تسعينات القرن الماضي، بخطتها التي تهدف من خلالها إلى مكافحة الجريمة. لكنها رفضت دائماً انتقاد التجاوزات التي قام بها والدها، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي وصلت إلى حد وضع خطة، بالتنسيق والتعاون مع القوات المسلحة وأجهزة المخابرات، لتعقيم السكان الأصليين منعاً لتناسلهم.

ويقول محللون إن الخطاب المتشدد الذي تميزت به حملة فوجيموري الانتخابية، كان له كبير الأثر في حشد التأييد الذي أوصلها إلى الرئاسة، وساعد على اجتذاب أصوات كثيرة بين الناخبين المترددين أو الذين لا يشاركون عادة في الانتخابات، ويعانون من تردي الأوضاع الأمنية.

لكن فوز فوجيموري وعودة سلالة والدها إلى السلطة، من شأنه أن يزيد الشرخ الاجتماعي والسياسي حدة، ليس فحسب بسبب عدم تمكن الرؤساء من إكمال ولاياتهم خلال السنوات الأخيرة، بل أيضاً بسبب الاستقطاب العميق الذي تثيره الرئيسة الجديدة التي كانت تتمتع بسلطة واسعة في البرلمان خلال السنوات الماضية، حيث كانت المحرّض الرئيسي على الأزمات التي زعزعت الاستقرار السياسي في البيرو بعد فشلها ثلاث مرات متتالية في الوصول إلى الرئاسة، وسيطرتها على أكبر كتلة نيابية في البرلمان. لكن رغم أن الحزب الذي تقوده، حزب «القوة الشعبية»، ما زال يشكّل الكتلة الأكبر في مجلس النواب، فإنها ستجد نفسها مضطرة للتوصل إلى اتفاقات مع الكتل الأخرى للموافقة على الإصلاحات التي وعدت بها في برنامجها، ولن يكون ذلك سهلاً في الأجواء المتوترة السائدة، خاصة في الأرياف الفقيرة التي تشكّل معقل اليساريين ومركز الثقل للتيار المعارض الذي كان مناهضاً لوالدها، ويهدد اليوم بالتمرد إذا أصرّت على السير في خطاه.

صعود الأحزاب اليمينية

الأضواء الإقليمية مسلّطة على فوز فوجيموري، ليس من باب قراءة هذا الفوز ضمن إطار المعادلات والتطورات الداخلية، بل في سياق التحول العميق والواسع الذي تشهده المنطقة لصعود نسخة جديدة من الأحزاب اليمينية التي لا ترى في الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجرد حليفاً سياسياً فحسب، بل تنظر إليه باعتباره مرجعية فكرية يقتدى بها، وأسلوباً يحتذى. فالبيرو، على غرار العديد من الدول الأخرى في المنطقة، تجرّ منذ سنوات أذيال أوضاع أمنية متردية، وركود اقتصادي مديد، واستقطاب سياسي عقيم عطّل المؤسسات وأبعد المواطنين عن السياسة.

والأخطر في هذا التماهي مع الموجة الترمبية، أنه فيما تبقى المؤسسات حصناً منيعاً أمام تجاوزات الحكومة في الولايات المتحدة، تعاني معظم بلدان أميركا اللاتينية من ضعف مؤسساتها، خاصة الرقابية منها، وانعدام ثقة المواطنين بفاعليتها. ولذلك لجأت القوى اليمينية والشعبوية المتطرفة إلى شعارات تعد باستعادة النظام وفرض هيبة الدولة عن طريق تعزيز صلاحيات الحكومة، وعدم الاكتراث بالضوابط المؤسسية أو التباهي بتجاوزها. كما تلجأ هذه الأحزاب إلى استخدام المعارك الثقافية كأدوات للعمل السياسي، وإعادة النظر في الحقوق الاجتماعية والمدنية التي اكتسبتها الأقليات والطبقات الفقيرة في العقود المنصرمة، أو إلغاء بعضها، وبناء خطاب سياسي يقوم على اعتبار أي معارضة حاجزاً أمام تنفيذ الإرادة الشعبية. والأنظار، كل الأنظار، تتجه الآن إلى البرازيل حيث سيحاول فلافيو بولسونارو في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل استعادة السلطة لعائلته ولليمين المتطرف.

ولا شك أن هذا الانعطاف الواسع نحو اليمين ليس مجرد تحوّل آيديولوجي، بقدر ما هو نمط جديد لممارسة السلطة. فالديمقراطية لم تعد توازناً بين القوى السياسية الفائزة في الانتخابات، والمؤسسات، والحقوق المكرّسة في الدساتير، بل أصبحت مصدراً لشرعية بلا حدود لمن يصل إلى الحكم. وهذه الشرعية المفترضة تعتبر القضاء والصحافة المستقلة وأجهزة الرقابة ومنظمات المجتمع المدني مجرد خصوم أو أعداء، عوض أن تكون ركائز أساسية في النظام الديمقراطي، بحسب ما يقول منتقدون لليمين المتطرف أو الشعبوي. ويتساءل هؤلاء: كيف أن زعماء اليمين المتطرف والأحزاب القومية الذين يرفعون شعارات السيادة الوطنية فوق أي اعتبار، يذهبون إلى بناء شرعيتهم على التماهي مع أولويات الإدارة الأميركية وتبنيها، بل المزايدة في الدفاع عنها؟ تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد

وغسل الأموال وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر


فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
TT

فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)

لا شيء يحصل في الخفاء عند عائلة فوجيموري؛ فقد تعوّد أهل البيرو على حروب هذه الأسرة، لا بل يبدو أحياناً أنهم يتابعون فصولها بما يشبه الشغف بالأفلام السينمائية أو المسلسلات التلفزيونية.

ونادراً ما تخلو وسائل الإعلام في البيرو من أخبار الصراعات التي تدور بين أفراد هذه العائلة التي تُعتبر من بين الأغنى والأوسع نفوذاً في البلاد. كانت البداية مع «الأب المؤسس» ألبرتو، المولود من أبوين يابانيين هاجرا إلى البيرو سعياً وراء الرزق إبان سنوات الفقر التي كانت تعيشها اليابان بعد هزيمتها القاسية في الحرب العالمية الثانية. كان ألبرتو تلميذاً ناجحاً أنهى دراسته الجامعية متخرجاً بتفوق مهندساً زراعياً من جامعة ليما، ثم أصبح عميداً لكلية العلوم، ورئيساً للجامعة، ومقدماً لبرنامج تلفزيوني علمي شهير.

أواخر ثمانينات القرن الفائت، وضعت القوات المسلحة في البيرو برنامجاً سرياً بعنوان «الخطة الخضراء» يهدف إلى تعقيم الفقراء والسكان الأصليين، ومراقبة الصحافة الوطنية، وإقامة منظومة اقتصادية نيوليبرالية موازية تحت سيطرة الزمرة العسكرية الحاكمة. عندما أسس ألبرتو فوجيموري حزب «التغيير» في عام 1989 كان سياسياً مغموراً، لكنه عندما ترشّح للانتخابات الرئاسية في العام التالي، نال تأييداً واسعاً في أوساط رجال الأعمال وبعض الكنائس الإنجيلية، وأيضاً الدعم من حكومة آلن غارسيا الذي كان يتمتع بشعبية واسعة ونفوذ كبير. وتجاوز فوجيموري الدورة الأولى ليتنافس في الدورة الثانية مع الكاتب المعروف ماريو فارغاس يوسا. وكان للدعم الذي قدمته الحكومة وأجهزة المخابرات التابعة لها، كبير الأثر في الفوز الذي حققه بنسبة تجاوزت 62 في المائة من الأصوات.

لكن ألبرتو فوجيموري سارع بُعيد فوزه إلى التخلي عن برنامجه الانتخابي ونهج سياسة اقتصادية تجاوزت بليبراليتها تلك التي كان منافسه يدعو إليها، وراح يتقرّب من القوات المسلحة التي كان يخشى انقلابها عليه، ويتبنّى بنود «الخطة الخضراء» مخصصاً لبعض كبار الضباط مناصب عليا في الدولة.

وخلال ولايته الرئاسية الأولى شهدت البيرو ما كان يعرف بالمعجزة الاقتصادية التي فتحت أبواب الاستثمارات الخارجية، وتدفقت القروض من المؤسسات المالية الدولية بعد خصخصة معظم المؤسسات العامة وتقييد النشاط النقابي، وتراجعت نسبة التضخم إلى أن حققت البيرو نمواً اقتصادياً بلغ 13 في المائة في عام 1994.

في ولايته الثانية، جنح فوجيموري نحو ممارسة أسلوب استبدادي فيما كانت تحوم حوله شبهات بفضائح فساد مالي ضخمة، وكانت بدأت تحاصره ملاحقات الأجهزة القضائية والبرلمان الذي لم يعد يسيطر على أغلبية أعضائه. في تلك الفترة ظهر إلى العلن خلاف عميق مع زوجته التي اتهمته بالمشاركة في أعمال الفساد وتغطيتها وهددت بمقاضاته، فانفصل عنها بعد أن دبّر تهمة ضدها بمساعدة أجهزة المخابرات. وفيما وقف معظم أبنائه بجانب والدتهم، كانت كيكو الوحيدة التي دعمت والدها وبقيت إلى جانبه حتى النهاية.

في عام 1992 قامت مجموعة من الضباط بمحاولة انقلابية ضد فوجيموري الذي كان بدوره يحاول حل البرلمان وتعطيل السلطة القضائية، فلجأ إلى السفارة اليابانية في ليما إلى أن فشل الانقلاب واستعاد مقاليد السلطة، قبل أن يُحال لاحقاً أمام القضاء بتهم الفساد المالي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وعند صدور الحكم بسجنه، فرّ إلى اليابان التي رفضت التجاوب مع طلب سلطات البيرو بتسليمه. وبعد أن انتقل سراً إلى سانتياغو (تشيلي)، تم القبض عليه هناك واقتيد إلى البيرو حيث أودع السجن حتى وفاته في عام 2024.