صراع القبائل السياسي في السودان يهدد الفترة الانتقالية

نزاعات إثنية مدعومة من جهات معادية للثورة لشد الأطراف وإفشال التحوّل الديمقراطي

صراع القبائل السياسي في السودان يهدد الفترة الانتقالية
TT

صراع القبائل السياسي في السودان يهدد الفترة الانتقالية

صراع القبائل السياسي في السودان يهدد الفترة الانتقالية

خلال يوليو (تموز) الماضي، في غرب السودان، احتشد في اعتصام سلمي الآلاف من سكان منطقة نيرتتي عند سفح جبل مرة بولاية وسط دارفور، التي اشتهرت بإنتاج الفاكهة والبرتقال على وجه الخصوص، قبل أن تحرق الحرب المتطاولة الزرع وتجفف الضرع. سكان المنطقة كانوا يطالبون ببسط الأمن والحماية من «الميليشيات» التي دأبت على اقتلاع الأرواح والثمر. ولقد شهدت مناطق فتا برنو وكبكابية وكتم اعتصامات مثيلة، لكنها سرعان ما تحولت عن سياقها السلمي بدخول ميليشيات مسلحة فرقت بعضها بالقوة وقتلت وجرحت وأحرقت. ثم تفشت النزاعات ذات الطابع العرقي في أنحاء السودان المختلفة وبلغت الشرق والجنوب، وهو ما عده محللون محاولة لشد البلاد من الأطراف وإجهاض التحول الديمقراطي فيها.
ظن كثيرون من المراقبين أن اعتصام نيرتتي والمناطق السودانية الأخرى، بداية عهد جديد يقوم على المطالبة السلمية بالحقوق، ونهاية لعهد طلبها عن طريق البندقية، الأمر الذي تطاول في إقليم دارفور لنحو عقدين من الزمان دون جدوى. لكن هذه الظنون والتحليلات ذهب أدراج الريح، إثر هجمات الميليشيات المسلحة المجهولة على محتجين سلميين، استلهموا نجاح اعتصام نيرتتي في تحقيق مطالبهم.
سكان نيرتتي انصرفوا، على الأثر، إلى منازلهم بعدما زارهم وفد مركزي على مستوى عالٍ واستجاب لبعض مطالب السكان على الفور، ووعد بمعالجة المتبقي منها باعتبارها عملية. وتتمثل المطالب في بسط الأمن، وإعفاء قيادات حكومية محلية، ونزع سلاح الميليشيات، وتأمين الموسم الزراعي، والقبض على مرتكبي الجرائم ومحاكمتهم.
رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك من جهته، اعتبر اعتصام أهل نيرتتي مشروعاً، ومطالبهم عادلة ومستحقة. وتبعا لذلك أرسل وفدا حكومياً من مجلسي السيادة والوزراء التقى المعتصمين، وقال في تغريدة على «تويتر»: «ننحني تقديراً واحتراماً للشكل الحضاري للاعتصام، والتعبير السلمي».
وتوصل الوفد، الذي قاده عضو مجلس السيادة محمد حسن التعايشي، مع المعتصمين إلى اتفاق مع منظمي الاعتصام، وقضى الاتفاق بإنشاء محكمة عامة في المنطقة، وتشكيل قوة مشتركة من الجيش والدعم السريع والشرطة لجمع السلاح وحسم الانفلات الأمني وتأمين الموسم الزراعي، وتنظيم التعدين الأهلي، ودعم مبادرة التعايش السلمي في الإقليم.
وإثر استجابة الوفد الحكومي لمطالب سكان نيرتتي تزامنا مع، أو بعد، نظم مواطنو مناطق فتا برنو وكبكابية وكتم اعتصامات مثيلة للمطالبة بذات الحقوق، لكن قوة مسلحة مجهولة هاجمت المعتصمين في فتا برنو وقتلت منهم نحو عشرة أشخاص وجرحت العشرات، وأحرقت المنازل والمتاجر، ما أعاد للأذهان ذكرى مأساة «فض اعتصام القيادة العامة» في الخرطوم.

مبدأ المطالبة السلمية
لقد رسخت «ثورة ديسمبر» 2019 مبدأ المطالبة السلمية بالحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأفلحت في إسقاط نظام حكم الإسلاميين عبر التظاهرة والاعتصام والاحتجاج السلمي. وهو ما اتبعه المحتجون في دارفور، وفي 13 منطقة أخرى من البلاد، لكن قوة «مجهولة» - ومعروفة في الوقت ذاته – وجهت إليها أصابع الاتهام بترويع المعتصمين السلميين في دارفور، وهي قوى ميليشيات الجنجويد السيئة الصيت.
هذه الميليشيات عرفت إبان النزاع الدارفوري ابتداء من 2003 وحتى سقوط نظام حكم عمر البشير، الذي يتهم هو وبعض مساعديه من قبل المحكمة الجنائية الدولية، بتسليح الميليشيات القبلية بعضها ضد بعض مبتدأ الأمر، ثم تسليح ودعم المجموعات ذات الأصول العربية ضد المجموعات ذات الأصول الأفريقية. وقد مثل علي كوشيب، زعيم الجنجويد، طوعياً أمام محكمة لاهاي بانتظار محاكمته.
أما في شرق السودان، وتحديداً، في ولايات كسلا والبحر الأحمر والقضارف، فقد اتخذ الصراع أبعاداً إثنية بين مكونات الإقليم وقبائله. وما يُذكر، أن هذا الإقليم يعاني من شح الموارد والتهميش الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وهذه المعاناة قديمة العهد كمعاناة دارفور، ولكن مع فارق واحد هو الثراء الطبيعي في دارفور. هذا الثراء جعل الصراع في دارفور يأخذ شكل التنافس على موارد الإقليم بين مجموعات سكانية متكاملة ضد مجموعات أخرى. في حين اتخذ الصراع في الشرق شكل الصراع القبلي على الموارد الشحيحة أصلاً.

صراع الشرق
الصراع في شرق السودان اتخذ الشكل القبلي في شقيه الاجتماعي والاقتصادي، وهو تارة يدور بين سكان الإقليم الأصليين أنفسهم على الموارد الشحيحة، وتارة أخرى بينهم والوافدين. ثم إن له أبعاده التاريخية، لكن عدداً من النزاعات تفجر عقب سقوط نظام عمر البشير، وتكوين الحكومة الانتقالية، وأخذ منحى إثنياً بين المجموعات السكانية في الإقليم.
بعد أيام قليلة من نجاح الثورة، اندلع نزاع بين قبيلتي النوبة والبني عامر في ولاية القضارف، ففي مايو (أيار) 2019 اندلعت اشتباكات دموية بين المجموعتين، أدت لمقتل امرأة وحرق عدد من المنازل، وسقوط عدد من المصابين بين الطرفين. وتدخلت السلطات المحلية في حينه، وأفلحت في توقيع وثيقة للتصالح بين الطرفين، نصت على أهمية التعايش السلمي وإيقاف الأعمال العدائية بين الطرفين.
ثم انتقل التوتر بين المجموعتين إلى ولاية كسلا، إلى الشرق من القضارف. وشهد شهر مايو (أيار) 2020 في مدينة كسلا معارك دامية بين مجموعتي النوبة والبني عامر، راح جراءه عدد من القتلى والجرحى وأحرقت منازل، إثر مشاجرة بين فردين، استنصر كلاهما بقبيلته. ولاحقاً، امتد التوتر شرقاً إلى بورتسودان، حاضرة ولاية البحر الأحمر، وميناء السودان الرئيسي.
في الأسبوع الماضي، تجدد نزاع أبناء النوبة والبني عامر في بورتسودان. وراح ضحية ذلك وفقا للجنة أطباء السودان المركزية 25 قتيلاً بينما بلغ إجمالي المصابين 87 فرداً، إضافة إلى حرق عشرات المنازل والمتاجر. هذا حصل بعد أقل من سنة على اتفاق أهلي بين المجموعتين يعرف بـ«القلد»، وقعه الطرفان في سبتمبر (أيلول) 2019. بعد معارك مشابهة بين المجموعتين، إثر ضغوط قوية من نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، الذي هدد الطرفين بالإبعاد من البلاد ما لم يتوصلا لاتفاق.

صراع دارفور
نشب الصراع المسلح في إقليم دارفور في 2003. بهجوم شنته مجموعتان مسلحتان هما «حركة تحرير السودان» و«حركة العدل والمساواة»، على مناطق حكومية، تحت ذريعة اضطهاد المركز لسكان الإقليم من ذوي الأصول الأفريقية، وتسليح المجموعات ذات الأصول العربية للاعتداء عليهم. وإثر ذلك شنت الحكومة – وقتها - ما عُرف بـ«حملة تطهير عرقي واسعة» ضد المجموعات غير العربية. وأدت المواجهات إلى مقتل نحو 300 ألف شخص ونزوح ولجوء نحو ثلاثة ملايين من سكان الإقليم داخليا وخارجياً.
وبسبب الحملات العسكرية الانتقامية في دارفور، يواجه الرئيس المعزول عمر البشير ومعاوناه عبد الرحيم محمد حسين (وزير الدفاع وقتها) وأحمد هارون (وزير دولة بوزارة الداخلية وقتها)، فضلا عن قائد الجنجويد الموالية للحكومة علي كوشيب، اتهامات بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، من قبل المحكمة الجنائية الدولية، التي تطالب الحكومة الانتقالية بتسليمهم للمحاكمة بمقر المحكمة في لاهاي.
هذا، وتتكون أطراف صراع دارفور من الجيش السوداني والشرطة وقوات الجنجويد، وهي ميليشيا مكونة من مجموعات ذات أصول عربية، ولا تشارك فيها معظم المجموعات الرعوية ذات الأصول غير العربية. وعلى الجانب الآخر تتكون المجموعات المتمردة بشكل رئيس من «حركة تحرير السودان» (بجناحيها) و«حركة العدل والمساواة» والحركات المنشقة عنهما. ومعظم قوام هذه الحركات من مجموعات سكانية ذات أصول غير عربية أبرزها قبائل الفور والزغاوة والمساليت... وغيرهم.
ورغم التمظهر العرقي، فإن الصراع في دارفور - خصوصاً - بحسب المحللين، صراع اقتصادي على المرعى والمزارع والماء وملكية الأرض، بيد أنه أخذ الطابع الإثني وتخفى بثيابه. ويرى كثيرون أن مباحثات السلام بين الأطراف الدارفورية الجارية في جوبا، عاصمة دولة جنوب السودان، وبوساطة منها، لن تحل جذور النزاع الممثلة في «التهميش» الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لمكونات الإقليم، ما لم تتحقق التنمية المتوازنة بين أقاليم السودان، ومناطقه المختلفة.

مناطق أخرى
أيضاً، في جنوب كردفان والنيل الأزرق - أو ما يعرف بـ«المنطقتين» - اللتين تتقاسم السلطة فيهما الحكومة المركزية و«الحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال»، دار قتال سياسي بثوب قبلي في نوفمبر (تشرين الثاني)، بين القبائل ذات الأصول العربية وتلك ذات الأصول الأفريقية.
وصراع جنوب كردفان صراع موسمي على المرعى والمزارع، غير أنه ارتدى هذه المرة ثوبا سياسيا بين قبيلة دار نعيلة (فرع من قبيلة الحوازمة) والنوبا الغلفان، وأسفر عن مقتل وجرح العشرات، ثم تجدد الأسبوع الماضي بما عُرف بمنطقة خور الورل. وتبادلت خلاله القوات الحكومية وقوات الحركة الشعبية الاتهامات بالتواطؤ كل مع طرف من أطراف القتال القبلي، وانعكس هذا النزاع على مباحثات السلام الجارية في جوبا، واتخذته الحركة الشعبية مبرراً للتشدد في موقفها من التفاوض.
أما صراع شرق السودان الحالي، أو النزاع بين النوبة (لا علاقة لهم بالنوبا في كردفان) والبني عامر، فيرجع إلى ثمانينات القرن الماضي، إثر إعلان الرئيس الأسبق جعفر النميري قوانين الشريعة الإسلامية، واستقطاب مجموعة قبلية محددة لتبني نزعة دينية متشددة كي تقود حملات ضد أنشطة اقتصادية واجتماعية اعتبرتها مخالفة للشريعة الإسلامية. ويومذاك، سقط عدد كبير من القتلى بين الطرفين، وترتبت عليه «ترسبات إثنية» ما تنفك تنفجر بين فينة وأخرى، ثم تهدأ وتعود الأطراف للتعايش فيما بينها، قبل أن يشتعل القتال جراء أقل المشاجرات.

تهميش ومؤامرة

كما سبقت الإشارة، يعيش شرق السودان أصلاً حالة من التهميش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي دفعت مجموعات ذات طابع إثني، لتبني العمل المسلح ضد «المركز» الحكومي الذي تتهمه بممارسة التهميش ضدها... وهذا رغم أهميته الاستراتيجية للسودان، إذ يقع فيه ميناء السودان ومنفذه البحري الوحيد.
يوم 14 أكتوبر (تشرين الأول) 2006. وقعت الحكومة السودانية اتفاقية سلام في أسمرا، عاصمة إريتريا، عرفت بـ«اتفاقية شرق السودان»، أو «اتفاقية أسمرا» برعاية الحكومة الإريترية، وأنهت قتالاً مع الحكومة المركزية وحرباً دامت 13 سنة على حدود السودان الشرقية.
ولقد نصت الاتفاقية على إشراك «جبهة الشرق» في السلطة. وبموجبها أنشئ ما أطلق عليه «صندوق تنمية وإعمار شرق السودان»، وجرت تسوية لقضية المقاتلين عبر اتفاقيات تسريح وإعادة دمج. لكن الاتفاقية تحولت بسبب مماطلة حكومة البشير، إلى مجرد اتفاق لتقاسم السلطة مع مقاتلي «جبهة شرق السودان» وإعطائهم سلطة «اسمية»، دون تحقيق التنمية الكفيلة بخلق الاستقرار في الإقليم.
واليوم لا ينظر كثيرون إلى انفجار النزاعات العرقية الكامنة في غرب السودان وشرقه بعد «ثورة ديسمبر» ومجيء «الحكومة الانتقالية»، على أنها مجرد نزاعات قبلية محدودة. بل هم يشيرون إلى أن ثمة مؤامرة تدير خيوط اللعبة بالتنسيق مع أعداء الثورة والخاسرين معها لإفشال «الحكومة الانتقالية» وإجهاض الثورة، ومخاوف هذه القوى من نشوء نموذج ديمقراطي يستطيع تحويل السودان من «حديقة خلفية» إقليمية إلى بلد مستقر ونامٍ.
نُذر صراع سياسي يستغل التنوع الإثني
> إلى جانب الصراع الدامي بين البني عامر والنوبة، ثمة نذر صراع سياسي تستغل فيه الكتل الإثنية، بين المكونات المحلية. ولقد برز بشكل لافت في تعيين والي ولاية كسلا الجديد صالح عمار، الذي ترفض تعيينه إثنية الهدندوة وتخفي رفضها ذا الطابع الإثني بغلاف سياسي. وهو ما دفع المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء فايز السليك، لاتهام قوى سياسية - وتحديداً أنصار النظام القديم - بالعمل على «شد البلاد من الأطراف»، بهدف وقف التحول المدني.
ويربط السليك ما يدور في شرق السودان بما يجري في بقية أطراف السودان ولا يعزله عنها. ويقول إن الهدف منه «عرقلة التحول المدني، باستخدام الدولة الموازية وميليشيات النظام الإسلاميين» وعلى رأسها الأمن الشعبي، وعناصر خارج دائرة الصراع تحاول تأجيجه. ويضيف «النوبة والبني عامر مثلا، مهمشون وقضاياهم متشابهة، لكن بعض الأطراف تؤجج صراعات قديمة بينهم ترجع جذورها لمنتصف الثمانيات، فيما تحاول أطراف محلية ودولية جر الهدندوة باعتبارهم مكونا كبيرا لحلبة الصراع، وزيادة التوتر بما يهدد الفترة الانتقالية».
ويوضح السليك أن «الصراعات في السودان ذات دوافع مفهومة، لكن دوافع الصراعات لا تعفي الحكومة وضعف استجابتها الناتجة عن كثرة الملفات التي تتعامل معها. وهو ما أنتج فشلها على الجانب الأمني، وسهل لهذه الأطراف المناوئة أدوارها». وتابع: «الصراع على الولاة أصبح جزءاً من الصراع القبلي، ورغم أن قضايا المجموعات المتنافرة واحدة، وهناك جهات تؤجج الصراع بين الهدندوة والبني عامر».
ويشير مصدر قريب من الأوضاع في شرق السودان، إلى تقاطعات إقليمية ودولية تحاول الاصطياد في مياه البحر الأحمر وتعكيرها، لتحقيق أجندات مرتبطة بالنزاعات بين الدول المحيطة. ويشير المصدر بشكل خاص إلى دور عرقية التيغري التي تعمل على زعزعة الأوضاع في إثيوبيا من جانب، وسعي مجموعات إريترية للحفاظ على موطئ قدم في شرق البلاد من جانب آخر. وكل ذلك مرتبط بدور قطري تركي، يُلعب من خلال أنصار النظام المعزول والإسلاميين.

جولة تاريخية أنثروبولوجية في شرق السودان
> يتحدث البروفسور حسن مكي، المتخصص في شؤون الإقليم والقرن الأفريقي، عن الصراع في شرق السودان وتأسيس الدولة السودانية، فيقول «لشرق السودان تاريخيا وضع استثنائي لأن بعض مدنه ألحقت بالسودان في وقت متأخر». ويشير إلى أن مدينة سواكن أضيفت للسودان عام 1902 بعدما كانت خاضعة للدولة العثمانية، ثم لمصر بعد سيطرة «الحكم الثنائي» على السودان بعد معركة كرري.
ويتابع مكي «ثاني مدن الإقليم، أي مدينة كسلا، كانت تحت الإدارة الإيطالية حتى 1894. وعندما تخلى الإيطاليون عن المنطقة بعد معركة عدوة (في إثيوبيا) 1894 للبريطانيين الذين كانوا يستعمرون السودان، صارت كسلا أول مدينة تستعاد للسودان، عن طريق الزعيم الديني الشهير السيد علي الميرغني، الذي تسلمها باسم الجيش المصري الإنجليزي، الذي يحكم السودان.
ويتابع البروفسور مكي شارحاً «اختارت قبائل البني عامر الانتماء للسودان، والتخلي عن الجيش الإيطالي، الذي كان يتكون محلياً منهم أساساً. وبانسحاب إيطاليا اختاروا الذهاب مع السيد علي (الميرغني)... إن المكونات الثقافية في شرق السودان (الهدندوة والعبابدة والبشارية والبني عامر) لها وضع مختلف لأنها قبائل مشتركة بين السودان والحبشة قديماً (إريتريا وإثيوبيا حالياً).
أما دينياً فقد انقسم سكان الإقليم بين الطائفتين الكبيرتين في البلاد، إذ انقسم الهدندوة بين أتباع الزعيم العسكري المهدَوي عثمان دقنة ووالوا المهدية (طائفة الأنصار)، وبين المجموعة التي اختارت الولاء لطائفة الختمية بقيادة السيد علي الميرغني. أما البني عامر فيوالي الجزء الأكبر مهم السيد علي الميرغني والسيدة نفيسة، بجانب الخلافات العرقية الموجودة.
ويشير مكي إلى ظهور حركة «علي بيتاي» المكونة أساساً من الهدندوة، والتي لعبت بقيادة «سلمان بيتاي» دوراً معارضاً قوياً ضد حكومة الإنقاذ بتحالفه مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة د. جون قرنق، ثم أصبحت حليفا للإسلاميين، وهم لا يتبعون للختمية ولا الأنصار.
ويضيف مكي أن أهمية الإقليم زادت بإنشاء موانئ البحر، ما جعل أمن المملكة العربية السعودية يرتبط بالساحل الغربي للبحر والموانئ السودانية، فيما أحست مصر بالخطر بعد دخول تركيا للمنطقة تحت ذريعة «ترميم ميناء سواكن»، وإلى الشرق تعتبر دولة إريتريا مدينة كسلا منطقة «أمن غذائي لها»، لذلك تخشى إريتريا بشدة زيادة نفوذ الحركات السلفية وسط البني عامر في كسلا، مثل حركة الجهاد الإريتري.
ويوضح مكي: «هذه خلاصات توضح أن ما يدور في المنطقة، بعد أن أصبحت ثرية، تتحرك فيها أموال كثيرة من التهريب وتجارة المخدرات، وبيع السلاح هنا وهناك، فضلا عن عائدات الموانئ على البحر الأحمر، الأمر الذي أحدث فيها متغيرات».
وشهدت المنطقة بحسب مكي متغيرات ديموغرافية نتجت عن الهجرات التي وفدت إليها من غرب السودان وغرب أفريقيا، ما فرض جزراً لغوية وثقافية وإثنية، ويتابع: «لا أؤمن بنظرية المؤامرة، وأرى الصراع على الوظائف والرؤى، وحذر من التكوينات السياسية التي وصفها بأنها تستخدم الكتل الصماء في صراعاتها»، وأضاف: «الصراع الدائر في شرق السودان الآن جزء من الصراع الدائر في كل السودان، وهو ينبئ بتغيير الخريطة السياسية في البلاد، ربما قبل نهاية هذا العام».



العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
TT

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً، بل ربما سأثير هلع الكثيرين من أصدقائي الطيبين، لكنني أعتقد أن علينا أن نربط مصيرنا مع العرب في إسرائيل». هذه الكلمات نُشرت يوم 16 يونيو (حزيران) 2019، بقلم شخص يدعى نتان إيشل، المعروف كأقرب المستشارين إلى بنيامين نتنياهو. وجاء نشرها في اليوم نفسه، في صحيفتين على طرفي نقيض، «هآرتس» التي تعد اليسار الراديكالي في نظر اليمين، و«مكور ريشون»، صحيفة اليمين الاستيطاني التي يعدها اليسار منبراً للتيار اليميني الفاشي. كل من يعرف أسرار السياسة الإسرائيلية يفهم أن هذا المقال يعبّر عن وجهة نظر نتنياهو نفسه، وأن الرسالة التي تحملها كانت موجّهة من اليمين الحاكم، إلى الجمهور العام في إسرائيل، من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار، عبر الوسط الليبرالي. ومفادها أن اليمين يملك الشجاعة لتغيير السياسة الرسمية تجاه المواطنين العرب، التي اتّسمت طيلة سنوات الدولة العبرية، بالتمييز العنصري وقمع الحريات.

شكّل المقال أعلاه صدمة، يومها. ففي حينه، كانت إسرائيل تعيش أزمة دستورية تاريخية؛ إذ إنها عبرت 5 معارك انتخابية خلال سنتين ونصف السنة. وبدا أن «العرب ليسوا مشكلة، بل هم الحل»، كما كتب إيشل في المقال نفسه. فما الذي جرى خلال 7 سنوات، حتى يتراجع نتنياهو عن هذا الطريق، ويتخذ موقفاً مناقضاً، يملؤه العداء والكراهية؟

وليس نتنياهو وحده، فإسرائيل تقرّر، اليوم، عبر لجنة الانتخابات المركزية فيها، التي يُفترض أنها نموذج في النزاهة، تعمل على حرمان مواطنيها العرب من حقّهم الأوّلي في الترشح للكنيست (البرلمان)، فتصوّت بأكثريتها الساحقة لشطب جميع قوائم المرشحين العربية؟

قراءة معمقة في التطورات، تبين أن غالبية الأحزاب الإسرائيلية غارقة في مستنقع عنصري موحل. وبما أن العرب في إسرائيل أقلية، تتعامل الأحزاب معهم بتعالٍ وفوقية، تماماً كما كان الآريّون في أوروبا يتعاملون مع اليهود، فيشطبونهم ويدوسون حقوقهم، ويعملون كل ما من شأنه أن يقلل من شأنهم.

ونعود إلى السؤال: ما الذي دفع نتنياهو لإنصاف العرب ثم يقرّر التراجع، لدرجة أنه بات يرى في العرب «جبهة ثامنة» في حروب إسرائيل، إلى جانب إيران و«حزب الله» اللبناني و«حزب الله» العراقي و«حماس» في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة والحوثيين في اليمن؟

منصور عباس (أ.ف.ب)

بداية انعطافة

هناك من يرى بداية الانعطاف عام 2016، عندما قرر المستشار القضائي للحكومة، أبيحاي مندلبليت، إعداد لائحة اتهام في 3 قضايا فساد خطيرة. هؤلاء المحلّلون يحسبون أن نتنياهو، عندما قرر التقارب مع المواطنين العرب، يُقدِم على إجراء ديمقراطي طبيعي، ويبغي إنصاف المواطنين العرب بعد عشرات السنين من التمييز العنصري ضدهم، ليثبت أن اليمين تحديداً هو الذي يحقق لهم مساراً للمساواة، خصوصاً أنه صادق على «الخطة 922» التي تخصّص لهم ميزانية تسدّ بعضاً من هوة التمييز بقيمة 5 مليارات دولار. وهي الخطة التي أُعدت بالتعاون مع «القائمة العربية المشتركة» بقيادة النائب أيمن عودة واللجنة القطرية لرؤساء البلديات العربية بقيادة مازن غنايم.

لكن فريق مساعدي نتنياهو كان يتعاطى مع الموضوع بطريقة أخرى، فهو يخطط لتشكيل تحالف من أحزاب اليمين يكون ضمانة لمواجهة جهاز القضاء، الذي يحاكمه بثلاث لوائح اتهام بالفساد. وتلك الأحزاب كانت مشتتة. اليمين المتطرف فيها، يخشى من حكومات نتنياهو التي تضم دائماً حزباً أو أكثر من الوسط، فعرض عليهم صفقة: «حلف دائم معه، في السراء والضراء، ولا يتفسخ في أي ظروف. ويسانده في المحكمة»، لكنه عندما وجد أن قادة اليمين المتطرف يتبجّحون عليه، ويحاولون فرض شروط، لجأ لحيلة التحالف مع إحدى القوائم العربية.

يومها، كانت الأحزاب العربية قد توحّدت جميعاً تحت لواء «القائمة المشتركة». ونتنياهو يعرف أن السبيل لتفسيخها هو ضم أحدها إلى الائتلاف. وبذا يضرب 3 عصافير بحجر: يفتت الوحدة كعادته في التعامل مع كل خصومه، ويضمن أكثرية لتشكيل حكومة، ويكسب احتراماً في الغرب على أنه ينهي سياسة نبذ العرب والتمييز ضدهم.

إلا أن اليمين المتطرف العميق اشترط ألا يعقد تحالفاً مع العرب. وهكذا أجهضت الفرصة، لكن خصوم نتنياهو في اليمين الوسط، بقيادة نفتالي بنيت ويائير لبيد، استغلوا الوضع، وأقاموا ائتلافاً مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس عام 2021، وتمكّنوا من تشكيل حكومة بفضل هذا التحالف.

صمدت هذه الحكومة سنة ونصف السنة، من دون تحقيق تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية في مدة قصيرة كهذه، لكنها أكسبت الأحزاب العربية شرعية في الساحة السياسية، وحققت للعرب العديد من الإنجازات، في مقدمتها «الخطة 555» التي توفر للعرب ميزانية تقدر بعشرة مليارات دولار.

البداية مع رابين

لم يكن تحالف عباس مع حكومة بنيت – لبيد الأول الذي يضم العرب، فعام 1993، انسحب حزب «شاس» لليهود الشرقيين المتدينين (حريدي) من حكومة إسحاق رابين، لتغدو حكومة أقلية، فلجأ رابين إلى العرب، الذين كانوا ممثلين بحزبين هما «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة النائب توفيق زياد (3 نواب) والحزب الديمقراطي العربي بقيادة النائب عبد الوهاب دراوشة (نائبان)، فشكلوا ما سُمّي «الجسم المانع»، أي الذي يمنع اليمين من إسقاط الحكومة.

وحقاً أظهر رابين نية خالصة في هذا التحالف، ووافق على شرطين: بدء عملية لتحقيق المساواة التامة لمواطني إسرائيل العرب، والاعتراف بـ«منظمة التحرير الفلسطينية». وكان هذا التحالف ناجحاً وناجعاً، في الموضوعين. وجاءت «اتفاقيات أوسلو» ثمرةً له، لكن كما هو معروف، اغتال اليمين الإسرائيلي رابين. وجاء إلى الحكم نتنياهو في حقبته الأولى (1996 - 1999).

هكذا نُسِف المسار. وعاد «استثناء» العرب ومحاولة إبقائهم على هامش الحياة السياسية، ورجعت الأحزاب العربية إلى موقعها الكفاحي من الصفوف الخلفية للمعارضة في الكنيست، والمظاهرات في الشوارع، والضغوط الدولية، عبر مؤسسات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي... وغيرها. وعاد نتنياهو ليستغلها «غولا» يخيف به اليهود.

التحريض قديم

ليس صحيحاً الانطباع بأن نتنياهو يستغل هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لتأجيج الكراهية للعرب في إسرائيل، فالتحريض عليهم كان قائماً قبل ذلك بكثير وهو نفسه أدّى به دوراً حاسماً.

ومن دلائل نجاح تحريضه على العرب ما جاء في نتائج استطلاع رأي أجراه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» قبل أسبوع من دعوة نتنياهو ضم العرب إلى الائتلاف في يونيو (حزيران) 2019، أن 81 في المائة من الجمهور اليهودي لا يرغبون في مشاركة الأحزاب العربية فيها، فيما قال 13 في المائة من اليهود إنهم يرغبون بذلك.

لكن هجوم «حماس» المذكور تحوّل إلى معيار للسياسة الإسرائيلية، وعقدة مجتمع كامل، وفي صلبه الكراهية للفلسطينيين، كل الفلسطينيين، بمن في ذلك أطفال غزة وتأييد إعدامهم مع أمهاتهم وبناتهم وشيوخهم. وحتى الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل وضعوا في إطار عدائي.

لماذا؟ هل شاركوا في هجوم «حماس» أو وافقوا عليه؟

جميع السياسيين والعسكريين الإسرائيليين يعرفون أن المواطنين العرب هم النقيض التام لحركة «حماس» وموقفهم كان معارضاً كلياً لهجومها، بل إن العديد من هؤلاء العرب قتلوا أو جرحوا خلال الهجوم.

العرب ضد الهجوم

لقد كان العرب في النقب طليعة متلقّي صواريخ «حماس» في ذلك الهجوم، وقتل منهم 6 أشخاص، كذلك قتل المهاجمون امرأة فلسطينية محجّبة؛ لمحاولتها ثنيهم عن قتل مدنيين، وقالت لهم إن فعلهم لا يلائم القيم الإسلامية، فأطلقوا عليها الرصاص. وأطلقوا على مُسعف عربي من بلدة أكسال قرب الناصرة، يعمل في منظمة نجمة داود الحمراء، وهو يسعف أحد المصابين اليهود. وحتى «الحركة الإسلامية»، التي يقودها النائب منصور عباس، أدانت هجوم 7 أكتوبر بوصفه «مجزرة وعملاً غير إنساني وغير مبرّر لا يعكس قيم الشعب الفلسطيني». ومثله فعل تقريباً كل السياسيين العرب في إسرائيل.

لذا، فالقول إنه «بعد 7 أكتوبر لا يجوز تشكيل حكومة تستند إلى الأحزاب العربية»، نوع من التجنّي يقوم على الكذب ونكران الجميل، ويخفي في الحقيقة قيم العنصرية العمياء. ومن شدة خطورة هذه السياسة على مستقبل إسرائيل، يشتعل صراع بين اليهود أنفسهم حول كيفية التعاطي معه.

الغالبية، بما في ذلك قوى الوسط الليبرالي بقيادة غادي آيزنكوت ونفتالي بنيت ويائير لبيد، يتبنّى هذا الموقف العنصري بلا خجل ولا وجل. وهؤلاء رغم خوضهم تجربة جيدة في التحالف مع منصور عباس، خنعوا أمام حملة نتنياهو، وتنصّلوا من هذا التحالف، وتعهدوا برفض أي حكومة تستند إلى أي حزب عربي. وآيزنكوت تحديداً، حاول تخفيف هذه المعارضة وقال، خلال لقاء مع ناخبين في القدس، يوم الجمعة الماضي: «منذ الصباح، ينشغل طاقمي بالوعد الذي قيل إنه أعطي لهم، وهو أن منصور عباس سيكون في الحكومة. كل من يعرفني يعرف أنني لا أقدّم الوعود». ولكن جوابه ما زال يترك له مخرجاً؛ فحسب قوله، يجب على كل شريك أن يوافق على 3 مبادئ أساسية هي: أن دولة إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية – ليبرالية، وأن يوافق على قيم وثيقة الاستقلال، وأن يوافق على واجب الخدمة العسكرية أو الوطنية». ويوم الثلاثاء الأخير قال، خلال لقاء إذاعي مع «إف إم 103»، إنه قرر إضافة شرط رابع هو أن من يريد أن ينضم إلى حكومته أن يؤيد تصفية «حماس».

في المقابل، هناك تيار ليبرالي ويساري يرفض هذا التوجه العنصري، ويقول إن الشعب اليهودي الذي تعرض للتمييز العنصري بأبشع أشكاله في الماضي، يمارسه اليوم بوضوح وصراحة وبشكل رسمي وعلني. وبحسب يائير جولان، رئيس حزب الديمقراطيين فإن «دمج الأحزاب والمجتمع العربي في أي ائتلاف حكومي قادم ضرورة استراتيجية لإنقاذ إسرائيل، ولإلحاق هزيمة باليمين، الذي يدمر إسرائيل». لكن جولان هذا انضم إلى أحزاب اليمين العنصري في شطب سامي أبو شحادة، رئيس حزب «التجمع».

يائير لبيد (أ.ف.ب)

اليهود الذين تعرّضوا للتمييز العنصري

في الماضي يمارسونه اليوم بشكل رسمي وعلني

معركة عربية حذرة

في هذه الأثناء، تدير الأحزاب العربية معركتها بحذر، كي لا تعطي اليمين سلاحاً ضدها في أي ساحة. واليمين يضع محاربة هذه الأحزاب هدفاً أساسياً في حملته، خصوصاً وهو يرى كيف يقع خصومه في حبائل مؤامرته. وهو يخوض معركة قضائية لشطب جميع الأحزاب العربية، ومنعها من المشاركة في الانتخابات، بحجة أنها تؤيد الإرهاب، ولا تعترف بإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية.

قادة الأحزاب العربية أدركوا خطورة المعركة الانتخابية على مستقبل مجتمعهم، فسلكوا أسلم الدروب لزيادة وزنهم في الحلبة السياسية. وكانت الخطوة الأولى منع إضاعة أي أصوات عربية، فبنوا تحالفاً يضم الأحزاب العربية الثلاثة: «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة البروفسور يوسف جبارين، و«الحركة العربية للتغيير» بقيادة النائب أحمد الطيبي و«التجمع الوطني» بقيادة سامي أبو شحادة، وارتبطوا مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس باتفاق فائض أصوات.

والخطوة الثانية، توقيع «ميثاق شرف» يضمن معركة انتخابية نزيهة ونظيفة بين القائمتين العربيتين، واتفاق قادتهما على التعاون أيضاً بعد الانتخابات في الكنيست، كي يحظوا معاً بأفضل مواقع قيادية برلمانية.

والثالثة، ضمّ عباس نائباً يهودياً إلى القائمة، هو اللواء السابق في الشرطة، يوآف سيغالوفتس، ومنحه المكان الثاني في لائحته الانتخابية. وسيغالوفتش ذو رصيد غني في مكافحة الإجرام المنظم، الذي يعد اليوم أخطر آفة تواجه العرب في إسرائيل، ووجوده في قائمة عربية يقطع الطريق على من يعدها غير شرعية.

شطب أبو شحادة

والرابعة، توسيع دائرة المعركة مع اليمين، وإدخال جهات دولية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض القوى في الولايات المتحدة، لمنع الحملة العنصرية ضدهم. وسامي أبو شحادة، الذي شُطب في لجنة الانتخابات بسبب مقال كتبه يوم 8 أكتوبر 2023، غداة هجوم «حماس» على إسرائيل يمجِّد فيه الهجوم ويعده هجوم مقاومة ناجحاً، ومتوقعاً وفقاً لقوانين الفيزياء، «لكل فعل رد فعل»، تراجع عن مضمون مقاله، وقال أمام اللجنة، الأربعاء، إنه كتب المقال في حينه قبل أن يعرف ما تضمنه هجوم «حماس» من ممارسات بشعة. وأضاف أنه يعد كتابة المقال خطأً، ولو كان سيكتبه اليوم لكتبه بطريقة أخرى، وأكد أنه يرفض العنف ضد أي جهة كانت، دولة أو بشراً، وأن تاريخه السياسي حافل في تأييد السلام العادل؛ ولذلك فإن الاقتراح لشطبه غير عادل.

لكن هذا التراجع لم يسعفه، لا بل تقرر شطب حتى القائمة التي يقودها عباس وتبدي استعداداً لدخول الحكومة، وانضمت المحكمة العليا إلى هذا الموقف، وأبلغته أنها ستشطبه إذا استمر في المحكمة، لكنها تنصحه بأن ينسحب ويُبطِل هو ترشحه. وهكذا كان. وانضم سلوكه هذا إلى الإجراءات السابقة، التي عُدَّت جزءاً من الجهود العاقلة لسحب البساط من تحت أقدام اليمين.

البداية بالأحزاب... وبعدها المواطنة

اليوم، يرى العرب أن معركتهم جذرية ومصيرية، فمن يريد شطب أحزابهم، يمهّد عملياً للتخلص منهم كمواطنين، وهم يقرؤون جيداً كيف تؤثر الآراء الوحشية كآراء وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على جهات يهودية كثيرة، بدءاً بالميليشيات المسلحة التي تهدد وجودهم، وحتى البروفسور الإرهابي من جامعة بار إيلان، الذي وضع خطة لإقامة تنظيم إرهابي يهودي يقتل مئات منهم لغرض حملهم على الرحيل من الوطن.


إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
TT

إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع

البعض لقبها بـ«أخطر امرأة في ألمانيا»، وآخرون وصفوها بـ«ممداني الألماني» نسبة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني، أما الصحافة التركية فأطلقت عليها تسمية «ممداني التركي»... كل هذه تسميات تلاحق إيليف إيرالب، المحامية الألمانية - التركية التي تأمل بأن تصبح عمدة برلين بعد فوز حزبها «دي لينكا»، حزب أقصى اليسار، بالانتخابات المحلية في العاصمة الألمانية. الذين يتكلّمون عن «خطرها» يشيرون إلى تعهّداتها بتأميم شركات السكن الكبرى في العاصمة ضمن خطط لتخفيض أسعار الإيجارات. والذين يشبّهونها بعمدة نيويورك الشاب، يقصدون خلفيتها المهاجرة و«الكاريزما» التي تتمتّع بها وقربها من «البرلينيين» وحضورها القوي على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الصفات لعبت دوراً أساسياً في تحقيق حزبها فوزاً غير مسبوق في برلين؛ إذ حصل على ما يقارب الـ26 في المائة من نسبة الأصوات، متقدماً بـ6 نقاط على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، وهو يحكم حتى برلين حالياً.

إذا نجحت إيليف إيرالب البالغة من العمر 45 سنة، بتشكيل حكومة في ولاية - مدينة برلين، فستصبح أول سيدة ومن أصول مهاجرة تحكم العاصمة الألمانية. ويأتي هذا الحدث بينما يتأهب حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ليبدأ بحكم أول ولاية ألمانية يكسبها هي سكسونيا آنهالت حيث فاز بنسبة 44 في المائة؛ إذ بدأ مرشح الحزب لترؤس الحكومة أولريش زيغموند مشاوراته لتشكيل حكومة الولاية خلال الأسابيع المقبلة.

في الحقيقة، كثيرون ربطوا بين فوز أولريش، أو حزب «البديل من أجل ألمانيا» بشكل عام، وفوز إيرالب وحزبها، واعتبروا ما أنجزته إيرالب رد فعل من الناخبين الرافضين لاتجاه البلاد أكثر نحو أقصى اليمين. وقد يكون جزءاً من ذلك صحيح إضافة إلى عوامل أخرى. ولكن في أي حال، أصبحت إيرالب حديث الصحافة الألمانية اليومي منذ فوزها قبل ثلاثة أسابيع.

«أمثالي لا ينبغي أن يشغلوا منصب العمدة في هذا البلد»!بهذه الجملة أعلاه افتتحت إيليف إيرالب كلمتها المسجلة والتي توجّهت فيها للناخبين مع إطلاق حملتها الانتخابية. ولاحقاً شرحت ما تقصده بذلك.

إذ قالت في مقابلة مع صحيفة «تاغس شبيغل» البرلينية: «على عكس كثرة من الساسة، أنا لا أنتمي إلى حزب سياسي منذ عقود ولست جزءاً من المؤسسة السياسية. أنا ابنة لاجئين جاؤوا إلى ألمانيا من تركيا قبل فترة قصيرة من ولادتي». وحقاً كان هذا أن خلفيتها المهاجرة ستلعب دوراً محورياً في حملتها الانتخابية.

ولدت إيليف إيرالب في يناير (كانون الثاني) 1981 في مدينة ميونيخ الألمانية بعد أشهر قليلة من وصول والديها من تركيا هرباً من الانقلاب العسكري وما تبعه من عنف وقمع.

وبعكس معظم الأتراك الذين جاؤوا إلى ألمانيا عمالاً، فإن والديها كانا متعلمَين، ووصلا طالبين للجوء في ألمانيا الغربية في سبتمبر (أيلول) 1980. وهما يتحدّران من بلدة بانلي قرب مدينة قيصري، وكانا ناشطين سياسيين نقابيين سجناً بعد الانقلاب العسكري. الوالد كان طبيباً والوالدة ناشطة نسوية في الحزب العمالي الاشتراكي، سجنت بعد الانقلاب ولم يطلق سراحها إلا بسبب تقدّم حملها بشكل واضح عندما كانت حاملاً بإيرالب. وبالنتيجة، تمكنا من الهرب إلى ألمانيا حيث قدّما طلب لجوء في ميونخ. ولكن عمل والدها دفع بالعائلة لاحقاً إلى الانتقال إلى مدينة دورتموند، حيث كبرت إيرالب قبل أن تنتقل مرة أخرى إلى مدينة هامبورغ في سن الثامنة حيث أنهت المدرسة.

دراسة القانون في هامبورغ

بعد المدرسة، درست إيرالب القانون في جامعة هامبورغ وتخرّجت محامية، وأسهم في اختيارها تخصصها، وفق تصريح لها، المعاملة المختلفة والعنصرية التي تعرضت لهما عائلتها في ألمانيا.

لقد تطرقت إيرالب مراراً لتجربة عائلتها لدى وصولها إلى ألمانيا، وعملية اللجوء المعقدة والطويلة التي واجهوها، ومما قالته: «لقد عشت تجربة ما الذي يعنيه عندما تتّخذ السلطات قرارات غير مفهومة، وقد شعرت كذلك بالعنصرية والتمييز... لقد عاصرت عائلات عوملت معاملة مختلفة مثل عائلتنا، ولهذا درست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع».

وقبل إكمال تخصّصها في القانون الجزائي في جامعة هامبورغ، أمضت إيرالب فصلاً في مدينة أليكانتي في إسبانيا. وهو ما مكّنها من تعلّم الإسبانية، لتضاف إلى لغاتها الألمانية والتركية والإنجليزية.

وبعد تخرّجها عام 2007، انتقلت عام 2010 إلى برلين لتعمل مستشارة قانونية لكتلة حزب «دي لينكا» البرلمانية من دون أن تنضمّ للحزب اليساري آنذاك؛ إذ إنها لم تصبح عضواً في الحزب إلا عام 2017. بل، برّرت إيرالب قرارها الانضمام إلى الحزب المنتمي لأقصى اليسار بأنه جاء كرد مباشر على دخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف إلى البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى آنذاك. ومعلوم، أن الحزب اليميني المتطرف استغل من موجة اللاجئين السوريين التي وصلت إلى ألمانيا عام 2015 لتوسيع قاعدته الشعبية، بانياً حملته الانتخابية ضد اللاجئين والمسلمين.

العيش في بيئة مهاجرين

منذ انتقالها إلى برلين، تعيش إيرالب في منطقة كرويتزبيرغ، المعروفة بـ«إسطنبول الصغيرة»، وقال عنها المستشار الألماني فريدريش ميرتس - قبل أن يصبح مستشاراً - إنها «لا تمثل ألمانيا». وهي تعيش حياة بسيطة، في شقة تستأجرها مع زوجها وولديها اللذين يرتادان مدرسة عامة في الحي. وكانت قد حرصت خلال حملتها الانتخابية على عكس هذه الصورة، بأنها واحدة من سكان المدينة وأنها تشبههم، وأن الأمر لا يتعلق فقط بأصولها المهاجرة.

لقد قالت عن ذلك: «الحملة لا تتعلق بأصولي المهاجرة بل بواقع أنني مثل الجميع هنا. أعرف مشاكل المدينة، الإيجارات المرتفعة والمدارس المتهالكة ونظام التنقل المتردي». وتابعت: «أنا لا أعيش في فيلا في غرونافالد، وأولادي لا يرتادون مدارس خاصة بل مدرسة عادية». وبالمناسبة، غرونافالد منطقة راقية في غرب برلين مليئة بالفلل الفخمة ومحاطة بمدارس خاصة.

أزمة السكن

أزمة السكن في برلين شكلت بالفعل محور حملة إيليف إيرالب الانتخابية. وكانت قد ذكرت في إحدى المقابلات أنها هي نفسها تبحث عن شقة منذ 7 سنوات من دون توفيق. وفي الحقيقة، تعاني برلين من أزمة سكن كبيرة وارتفاع إيجارات مستمر رغم وجود قوانين تحد من رفعها. ويعيش معظم سكان برلين (قرابة 85 في المائة منهم) في شقق مستأجرة في بلد ما زالت فيه ثقافة امتلاك المنزل غير شعبية. وخلال السنوات العشر الأخيرة، ارتفعت أسعار الإيجارات بنسبة 70 في المائة مع تزايد عدد القادمين للعيش في المدينة. وعلى الرغم من وجود قانون يحد رفع الأسعار منذ عام 2015، فإن مالكي الشقق وشركات التأجير تستغل ثغرات في القانون لرفع الإيجارات بشكل دوري.

من جانبها، طرحت إيرالب أفكاراً راديكالية للتعامل مع أزمة السكن، منها الاستحواذ على الشقق المملوكة من كبرى الشركات العقارية الخاصة، بشرائها من ميزانية ولاية برلين بسعر محدد (أقل من سعر السوق الحالي) ثم تحويلها لكي تدار من قبل هيئة غير ربحية.

الخطط تشبه تأميم الشركات، ولكن علامات استفهام كثيرة تحيط بها، من قانونيتها إلى المخاطر التي قد تحملها على ميزانية الولاية التي قد لا تكون قادرة على تحملها. ولقد أثارت هذه الخطط مخاوف كبيرة لدى الشركات المالكة للشقق مثل «فينوفيا» التي تهوي أسهمها منذ فوز إيرالب. وحتى المستشار ميرتس الذي يرفض حزبه التحالف مع «دي لينكا»، تعهد بعد فوز إيرالب وحزبها في برلين، بإدخال قوانين سريعاً تمنع الاستحواذ على شركات العقارات وتحبط خطط الاستيلاء عليها.

أصداء كبيرة

مع هذا، فإن تركيز إيرالب على مواجهة أزمة السكن لقيت صدى كبيراً لدى سكان العاصمة الذين ذكروا في استفتاءات سابقة بأن أزمة السكن هي الموضوع الأول الذي يهتمون به في الانتخابات المحلية. وبينما لم تطرح الأحزاب الأخرى الرئيسة أي أفكار جديدة لمواجهة أزمة السكن، بدت أفكار «دي لينكا» جديدة وجذابة للناخبين. وقال كثيرون من الذين صوّتوا للحزب، إنهم لا يوافقونه في كل السياسات ولكن خطط حل أزمة السكن شكلت عاملاً رئيساً في التصويت لهم. وهكذا، نجح الحزب بمضاعفة أصواته عن الانتخابات السابقة. وما يذكر، أن «دي لينكا» استعان كذلك بفريق عمدة نيويورك ممداني، إذ قدم إلى برلين أحد مستشاريه في حملته الانتخابية ليقدم النصح لفريق إيرالب.

من جهة ثانية، رغم أن أزمة السكن كانت محور حملة إيرالب الانتخابية، فإن أصولها المهاجرة ونضالها في مواجهة التمييز العنصري ظَهَرا أيضاً بشكل محوري في لقاءاتها مع الناخبين. وكان لافتاً أنها استخدمت اللغة التركية في جزء كبير من حملتها في منطقة تعد القلب النابض للجالية التركية. والواقع أن إيرالب أمضت عدة سنوات ناشطة حقوقية أكثر منها سياسية. وحتى عندما انضمت إلى «دي لينكا»، أسست داخل الحزب جناحاً ضم من هم من أصول مهاجرة للترويج للألمان بخلفيات مختلفة وتسليط الضوء على قضايا تمييز يتعرض لها لاجئون ومهاجرون.

وبخلاف الأحزاب الألمانية الأخرى، لا يخشى «دي لينكا»، ولا إيرالب، إظهار التضامن مع القضية الفلسطينية، وهو ما جذب عدداً كبيراً من الناخبين من أصول عربية لهم. وإن كان تسبّب أيضاً بجدل أحاط بالحزب، خاصة، بعد ظهور صور لمشاركة ناشطين فلسطينيين في الحفلة التي أقامها الحزب ليلة صدور النتائج؛ إذ اتهمت الصحافة اليمينية إيرالب، وأيضاً اتهمها بعض الساسة منهم وزير الداخلية، بـ«معاداة السامية». ورد مكتب إيرالب بأنها ستتقدم بدعوى تشهير ضد وزير الداخلية.

الحملات المعادية

هذا، وتشن الصحافة الألمانية حملة لا تتوقف على إيرالب منذ فوزها. وفي المقابل، تكرر إيرالب مراراً بأنها تريد لبرلين أن تكون مكاناً لكل السكان من بينهم أتباع الديانة اليهودية، كما أنها تريد للحوار أن يكون أساسياً بين المجتمعات المسلمة واليهودية في برلين. أيضاً، تتهم الصحافة الألمانية «دي لينكا» بعلاقات مع الجريمة المنظمة، بعد انتشار صورة أيضاً لأحد «زعماء» العشائر العربية - كما تسميهم الصحافة الألمانية - موجود في حفل الحزب ليلة الفوز. لكن الحزب برر لاحقاً بأن الحفل كان مفتوحاً للعامة ولم يكن بالدعوات فقط.

ومن القصص السلبية الأخرى التي تنشرها الصحافة الألمانية يومياً عن إيرالب، قصة عن انتمائها لمجموعة يسارية راديكالية تعرف بـ«المساعدة الحمراء»، وهي مراقبة من المخابرات الداخلية. ولكن إيرالب لم تخف يوماً انتماءها للمجموعة، وأعلنت أعلنت أنها تركتها العام الماضي بسبب اختلاف حول قضايا أساسية.


«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
TT

«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)

نشطت المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية محلية في ولاية برلين، بعد أيام على صدور نتائج الانتخابات. ويقود المفاوضات حزب «دي لينكا» الفائز بالانتخابات بنسبة قاربت الـ26 في المائة، مع حزب «الخضر» الذي حصل على 14 في المائة من نسبة الأصوات والحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي حصل على 12 في المائة منها.

الحزبان الأخيران حددا شروطاً أساسية قبل انطلاق المفاوضات؛ إذ طالب حزب «الخضر» حزب «دي لينكا» باتخاذ موقف واضح من «معاداة السامية»، ومن الاتهامات المرتبطة بذلك التي تلاحق أفراداً في الحزب. وقالت كاتارينا دروغه، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب «الخضر» في ولاية برلين، إن على «دي لينكا» اتخاذ «موقف أقوى ضد معاداة السامية في صفوفه، فنحن لا نتكلّم عن حوادث معزولة بل عن مشاكل هيكلية». وأضافت أنه إذا «لم يحدد (دي لينكا) بشكل واضح الخطوات الصارمة التي سيصار إلى اتخاذها للتعامل مع هذه المشكلة، فلن يمكن إجراء مشاورات لتشكيل حكومة معهم».

أما الحزب الديمقراطي الاجتماعي فقال إنه يتوقع «تفسيراً» من إيرالب حول انتمائها لمجموعة «المساعدة الحمراء» المتطرفة والتي تخضع لمراقبة المخابرات الداخلية. وقال شتيفان كراخ، زعيم الكتلة البرلمانية للحزب في برلمان برلين، إن المشاورات لن تبدأ قبل الحصول على تفسير حول عضويتها تلك، وأيضاً بعد مناقشة ارتباط الحزب بمعاداة السامية والجريمة المنظمة.

أما فيما يخص حزب «دي لينكا»، فهو حزب من أقصى اليسار، شكّل عام 2007 من مجموعة أحزاب يسارية وشيوعية من بينها حزب «الوحدة العمالية» الألماني، وهو حزب ماركس لينيني أسس عام 1946 في مناطق شرق ألمانيا التي كانت تحت حكم الاتحاد السوفياتي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولدى الحزب تجربة بحكم محلي في ولاية ثورينجيا (الشرقية سابقاً) التي حكمها طوال 10 سنوات، وكان رئيس حكومة الولاية فيها هو بودو راميلو الذي تمتع بشعبية كبيرة طوال فترة حكمه. ويستعين فرع الحزب في برلين من تجربة «دي لينكا» في تورينجيا في الحكم، لإجراء المشاورات الحكومية ووضع برنامج الحكومة في حال نجحت المشاورات.