صراع القبائل السياسي في السودان يهدد الفترة الانتقالية

نزاعات إثنية مدعومة من جهات معادية للثورة لشد الأطراف وإفشال التحوّل الديمقراطي

صراع القبائل السياسي في السودان يهدد الفترة الانتقالية
TT

صراع القبائل السياسي في السودان يهدد الفترة الانتقالية

صراع القبائل السياسي في السودان يهدد الفترة الانتقالية

خلال يوليو (تموز) الماضي، في غرب السودان، احتشد في اعتصام سلمي الآلاف من سكان منطقة نيرتتي عند سفح جبل مرة بولاية وسط دارفور، التي اشتهرت بإنتاج الفاكهة والبرتقال على وجه الخصوص، قبل أن تحرق الحرب المتطاولة الزرع وتجفف الضرع. سكان المنطقة كانوا يطالبون ببسط الأمن والحماية من «الميليشيات» التي دأبت على اقتلاع الأرواح والثمر. ولقد شهدت مناطق فتا برنو وكبكابية وكتم اعتصامات مثيلة، لكنها سرعان ما تحولت عن سياقها السلمي بدخول ميليشيات مسلحة فرقت بعضها بالقوة وقتلت وجرحت وأحرقت. ثم تفشت النزاعات ذات الطابع العرقي في أنحاء السودان المختلفة وبلغت الشرق والجنوب، وهو ما عده محللون محاولة لشد البلاد من الأطراف وإجهاض التحول الديمقراطي فيها.
ظن كثيرون من المراقبين أن اعتصام نيرتتي والمناطق السودانية الأخرى، بداية عهد جديد يقوم على المطالبة السلمية بالحقوق، ونهاية لعهد طلبها عن طريق البندقية، الأمر الذي تطاول في إقليم دارفور لنحو عقدين من الزمان دون جدوى. لكن هذه الظنون والتحليلات ذهب أدراج الريح، إثر هجمات الميليشيات المسلحة المجهولة على محتجين سلميين، استلهموا نجاح اعتصام نيرتتي في تحقيق مطالبهم.
سكان نيرتتي انصرفوا، على الأثر، إلى منازلهم بعدما زارهم وفد مركزي على مستوى عالٍ واستجاب لبعض مطالب السكان على الفور، ووعد بمعالجة المتبقي منها باعتبارها عملية. وتتمثل المطالب في بسط الأمن، وإعفاء قيادات حكومية محلية، ونزع سلاح الميليشيات، وتأمين الموسم الزراعي، والقبض على مرتكبي الجرائم ومحاكمتهم.
رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك من جهته، اعتبر اعتصام أهل نيرتتي مشروعاً، ومطالبهم عادلة ومستحقة. وتبعا لذلك أرسل وفدا حكومياً من مجلسي السيادة والوزراء التقى المعتصمين، وقال في تغريدة على «تويتر»: «ننحني تقديراً واحتراماً للشكل الحضاري للاعتصام، والتعبير السلمي».
وتوصل الوفد، الذي قاده عضو مجلس السيادة محمد حسن التعايشي، مع المعتصمين إلى اتفاق مع منظمي الاعتصام، وقضى الاتفاق بإنشاء محكمة عامة في المنطقة، وتشكيل قوة مشتركة من الجيش والدعم السريع والشرطة لجمع السلاح وحسم الانفلات الأمني وتأمين الموسم الزراعي، وتنظيم التعدين الأهلي، ودعم مبادرة التعايش السلمي في الإقليم.
وإثر استجابة الوفد الحكومي لمطالب سكان نيرتتي تزامنا مع، أو بعد، نظم مواطنو مناطق فتا برنو وكبكابية وكتم اعتصامات مثيلة للمطالبة بذات الحقوق، لكن قوة مسلحة مجهولة هاجمت المعتصمين في فتا برنو وقتلت منهم نحو عشرة أشخاص وجرحت العشرات، وأحرقت المنازل والمتاجر، ما أعاد للأذهان ذكرى مأساة «فض اعتصام القيادة العامة» في الخرطوم.

مبدأ المطالبة السلمية
لقد رسخت «ثورة ديسمبر» 2019 مبدأ المطالبة السلمية بالحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأفلحت في إسقاط نظام حكم الإسلاميين عبر التظاهرة والاعتصام والاحتجاج السلمي. وهو ما اتبعه المحتجون في دارفور، وفي 13 منطقة أخرى من البلاد، لكن قوة «مجهولة» - ومعروفة في الوقت ذاته – وجهت إليها أصابع الاتهام بترويع المعتصمين السلميين في دارفور، وهي قوى ميليشيات الجنجويد السيئة الصيت.
هذه الميليشيات عرفت إبان النزاع الدارفوري ابتداء من 2003 وحتى سقوط نظام حكم عمر البشير، الذي يتهم هو وبعض مساعديه من قبل المحكمة الجنائية الدولية، بتسليح الميليشيات القبلية بعضها ضد بعض مبتدأ الأمر، ثم تسليح ودعم المجموعات ذات الأصول العربية ضد المجموعات ذات الأصول الأفريقية. وقد مثل علي كوشيب، زعيم الجنجويد، طوعياً أمام محكمة لاهاي بانتظار محاكمته.
أما في شرق السودان، وتحديداً، في ولايات كسلا والبحر الأحمر والقضارف، فقد اتخذ الصراع أبعاداً إثنية بين مكونات الإقليم وقبائله. وما يُذكر، أن هذا الإقليم يعاني من شح الموارد والتهميش الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وهذه المعاناة قديمة العهد كمعاناة دارفور، ولكن مع فارق واحد هو الثراء الطبيعي في دارفور. هذا الثراء جعل الصراع في دارفور يأخذ شكل التنافس على موارد الإقليم بين مجموعات سكانية متكاملة ضد مجموعات أخرى. في حين اتخذ الصراع في الشرق شكل الصراع القبلي على الموارد الشحيحة أصلاً.

صراع الشرق
الصراع في شرق السودان اتخذ الشكل القبلي في شقيه الاجتماعي والاقتصادي، وهو تارة يدور بين سكان الإقليم الأصليين أنفسهم على الموارد الشحيحة، وتارة أخرى بينهم والوافدين. ثم إن له أبعاده التاريخية، لكن عدداً من النزاعات تفجر عقب سقوط نظام عمر البشير، وتكوين الحكومة الانتقالية، وأخذ منحى إثنياً بين المجموعات السكانية في الإقليم.
بعد أيام قليلة من نجاح الثورة، اندلع نزاع بين قبيلتي النوبة والبني عامر في ولاية القضارف، ففي مايو (أيار) 2019 اندلعت اشتباكات دموية بين المجموعتين، أدت لمقتل امرأة وحرق عدد من المنازل، وسقوط عدد من المصابين بين الطرفين. وتدخلت السلطات المحلية في حينه، وأفلحت في توقيع وثيقة للتصالح بين الطرفين، نصت على أهمية التعايش السلمي وإيقاف الأعمال العدائية بين الطرفين.
ثم انتقل التوتر بين المجموعتين إلى ولاية كسلا، إلى الشرق من القضارف. وشهد شهر مايو (أيار) 2020 في مدينة كسلا معارك دامية بين مجموعتي النوبة والبني عامر، راح جراءه عدد من القتلى والجرحى وأحرقت منازل، إثر مشاجرة بين فردين، استنصر كلاهما بقبيلته. ولاحقاً، امتد التوتر شرقاً إلى بورتسودان، حاضرة ولاية البحر الأحمر، وميناء السودان الرئيسي.
في الأسبوع الماضي، تجدد نزاع أبناء النوبة والبني عامر في بورتسودان. وراح ضحية ذلك وفقا للجنة أطباء السودان المركزية 25 قتيلاً بينما بلغ إجمالي المصابين 87 فرداً، إضافة إلى حرق عشرات المنازل والمتاجر. هذا حصل بعد أقل من سنة على اتفاق أهلي بين المجموعتين يعرف بـ«القلد»، وقعه الطرفان في سبتمبر (أيلول) 2019. بعد معارك مشابهة بين المجموعتين، إثر ضغوط قوية من نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، الذي هدد الطرفين بالإبعاد من البلاد ما لم يتوصلا لاتفاق.

صراع دارفور
نشب الصراع المسلح في إقليم دارفور في 2003. بهجوم شنته مجموعتان مسلحتان هما «حركة تحرير السودان» و«حركة العدل والمساواة»، على مناطق حكومية، تحت ذريعة اضطهاد المركز لسكان الإقليم من ذوي الأصول الأفريقية، وتسليح المجموعات ذات الأصول العربية للاعتداء عليهم. وإثر ذلك شنت الحكومة – وقتها - ما عُرف بـ«حملة تطهير عرقي واسعة» ضد المجموعات غير العربية. وأدت المواجهات إلى مقتل نحو 300 ألف شخص ونزوح ولجوء نحو ثلاثة ملايين من سكان الإقليم داخليا وخارجياً.
وبسبب الحملات العسكرية الانتقامية في دارفور، يواجه الرئيس المعزول عمر البشير ومعاوناه عبد الرحيم محمد حسين (وزير الدفاع وقتها) وأحمد هارون (وزير دولة بوزارة الداخلية وقتها)، فضلا عن قائد الجنجويد الموالية للحكومة علي كوشيب، اتهامات بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، من قبل المحكمة الجنائية الدولية، التي تطالب الحكومة الانتقالية بتسليمهم للمحاكمة بمقر المحكمة في لاهاي.
هذا، وتتكون أطراف صراع دارفور من الجيش السوداني والشرطة وقوات الجنجويد، وهي ميليشيا مكونة من مجموعات ذات أصول عربية، ولا تشارك فيها معظم المجموعات الرعوية ذات الأصول غير العربية. وعلى الجانب الآخر تتكون المجموعات المتمردة بشكل رئيس من «حركة تحرير السودان» (بجناحيها) و«حركة العدل والمساواة» والحركات المنشقة عنهما. ومعظم قوام هذه الحركات من مجموعات سكانية ذات أصول غير عربية أبرزها قبائل الفور والزغاوة والمساليت... وغيرهم.
ورغم التمظهر العرقي، فإن الصراع في دارفور - خصوصاً - بحسب المحللين، صراع اقتصادي على المرعى والمزارع والماء وملكية الأرض، بيد أنه أخذ الطابع الإثني وتخفى بثيابه. ويرى كثيرون أن مباحثات السلام بين الأطراف الدارفورية الجارية في جوبا، عاصمة دولة جنوب السودان، وبوساطة منها، لن تحل جذور النزاع الممثلة في «التهميش» الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لمكونات الإقليم، ما لم تتحقق التنمية المتوازنة بين أقاليم السودان، ومناطقه المختلفة.

مناطق أخرى
أيضاً، في جنوب كردفان والنيل الأزرق - أو ما يعرف بـ«المنطقتين» - اللتين تتقاسم السلطة فيهما الحكومة المركزية و«الحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال»، دار قتال سياسي بثوب قبلي في نوفمبر (تشرين الثاني)، بين القبائل ذات الأصول العربية وتلك ذات الأصول الأفريقية.
وصراع جنوب كردفان صراع موسمي على المرعى والمزارع، غير أنه ارتدى هذه المرة ثوبا سياسيا بين قبيلة دار نعيلة (فرع من قبيلة الحوازمة) والنوبا الغلفان، وأسفر عن مقتل وجرح العشرات، ثم تجدد الأسبوع الماضي بما عُرف بمنطقة خور الورل. وتبادلت خلاله القوات الحكومية وقوات الحركة الشعبية الاتهامات بالتواطؤ كل مع طرف من أطراف القتال القبلي، وانعكس هذا النزاع على مباحثات السلام الجارية في جوبا، واتخذته الحركة الشعبية مبرراً للتشدد في موقفها من التفاوض.
أما صراع شرق السودان الحالي، أو النزاع بين النوبة (لا علاقة لهم بالنوبا في كردفان) والبني عامر، فيرجع إلى ثمانينات القرن الماضي، إثر إعلان الرئيس الأسبق جعفر النميري قوانين الشريعة الإسلامية، واستقطاب مجموعة قبلية محددة لتبني نزعة دينية متشددة كي تقود حملات ضد أنشطة اقتصادية واجتماعية اعتبرتها مخالفة للشريعة الإسلامية. ويومذاك، سقط عدد كبير من القتلى بين الطرفين، وترتبت عليه «ترسبات إثنية» ما تنفك تنفجر بين فينة وأخرى، ثم تهدأ وتعود الأطراف للتعايش فيما بينها، قبل أن يشتعل القتال جراء أقل المشاجرات.

تهميش ومؤامرة

كما سبقت الإشارة، يعيش شرق السودان أصلاً حالة من التهميش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي دفعت مجموعات ذات طابع إثني، لتبني العمل المسلح ضد «المركز» الحكومي الذي تتهمه بممارسة التهميش ضدها... وهذا رغم أهميته الاستراتيجية للسودان، إذ يقع فيه ميناء السودان ومنفذه البحري الوحيد.
يوم 14 أكتوبر (تشرين الأول) 2006. وقعت الحكومة السودانية اتفاقية سلام في أسمرا، عاصمة إريتريا، عرفت بـ«اتفاقية شرق السودان»، أو «اتفاقية أسمرا» برعاية الحكومة الإريترية، وأنهت قتالاً مع الحكومة المركزية وحرباً دامت 13 سنة على حدود السودان الشرقية.
ولقد نصت الاتفاقية على إشراك «جبهة الشرق» في السلطة. وبموجبها أنشئ ما أطلق عليه «صندوق تنمية وإعمار شرق السودان»، وجرت تسوية لقضية المقاتلين عبر اتفاقيات تسريح وإعادة دمج. لكن الاتفاقية تحولت بسبب مماطلة حكومة البشير، إلى مجرد اتفاق لتقاسم السلطة مع مقاتلي «جبهة شرق السودان» وإعطائهم سلطة «اسمية»، دون تحقيق التنمية الكفيلة بخلق الاستقرار في الإقليم.
واليوم لا ينظر كثيرون إلى انفجار النزاعات العرقية الكامنة في غرب السودان وشرقه بعد «ثورة ديسمبر» ومجيء «الحكومة الانتقالية»، على أنها مجرد نزاعات قبلية محدودة. بل هم يشيرون إلى أن ثمة مؤامرة تدير خيوط اللعبة بالتنسيق مع أعداء الثورة والخاسرين معها لإفشال «الحكومة الانتقالية» وإجهاض الثورة، ومخاوف هذه القوى من نشوء نموذج ديمقراطي يستطيع تحويل السودان من «حديقة خلفية» إقليمية إلى بلد مستقر ونامٍ.
نُذر صراع سياسي يستغل التنوع الإثني
> إلى جانب الصراع الدامي بين البني عامر والنوبة، ثمة نذر صراع سياسي تستغل فيه الكتل الإثنية، بين المكونات المحلية. ولقد برز بشكل لافت في تعيين والي ولاية كسلا الجديد صالح عمار، الذي ترفض تعيينه إثنية الهدندوة وتخفي رفضها ذا الطابع الإثني بغلاف سياسي. وهو ما دفع المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء فايز السليك، لاتهام قوى سياسية - وتحديداً أنصار النظام القديم - بالعمل على «شد البلاد من الأطراف»، بهدف وقف التحول المدني.
ويربط السليك ما يدور في شرق السودان بما يجري في بقية أطراف السودان ولا يعزله عنها. ويقول إن الهدف منه «عرقلة التحول المدني، باستخدام الدولة الموازية وميليشيات النظام الإسلاميين» وعلى رأسها الأمن الشعبي، وعناصر خارج دائرة الصراع تحاول تأجيجه. ويضيف «النوبة والبني عامر مثلا، مهمشون وقضاياهم متشابهة، لكن بعض الأطراف تؤجج صراعات قديمة بينهم ترجع جذورها لمنتصف الثمانيات، فيما تحاول أطراف محلية ودولية جر الهدندوة باعتبارهم مكونا كبيرا لحلبة الصراع، وزيادة التوتر بما يهدد الفترة الانتقالية».
ويوضح السليك أن «الصراعات في السودان ذات دوافع مفهومة، لكن دوافع الصراعات لا تعفي الحكومة وضعف استجابتها الناتجة عن كثرة الملفات التي تتعامل معها. وهو ما أنتج فشلها على الجانب الأمني، وسهل لهذه الأطراف المناوئة أدوارها». وتابع: «الصراع على الولاة أصبح جزءاً من الصراع القبلي، ورغم أن قضايا المجموعات المتنافرة واحدة، وهناك جهات تؤجج الصراع بين الهدندوة والبني عامر».
ويشير مصدر قريب من الأوضاع في شرق السودان، إلى تقاطعات إقليمية ودولية تحاول الاصطياد في مياه البحر الأحمر وتعكيرها، لتحقيق أجندات مرتبطة بالنزاعات بين الدول المحيطة. ويشير المصدر بشكل خاص إلى دور عرقية التيغري التي تعمل على زعزعة الأوضاع في إثيوبيا من جانب، وسعي مجموعات إريترية للحفاظ على موطئ قدم في شرق البلاد من جانب آخر. وكل ذلك مرتبط بدور قطري تركي، يُلعب من خلال أنصار النظام المعزول والإسلاميين.

جولة تاريخية أنثروبولوجية في شرق السودان
> يتحدث البروفسور حسن مكي، المتخصص في شؤون الإقليم والقرن الأفريقي، عن الصراع في شرق السودان وتأسيس الدولة السودانية، فيقول «لشرق السودان تاريخيا وضع استثنائي لأن بعض مدنه ألحقت بالسودان في وقت متأخر». ويشير إلى أن مدينة سواكن أضيفت للسودان عام 1902 بعدما كانت خاضعة للدولة العثمانية، ثم لمصر بعد سيطرة «الحكم الثنائي» على السودان بعد معركة كرري.
ويتابع مكي «ثاني مدن الإقليم، أي مدينة كسلا، كانت تحت الإدارة الإيطالية حتى 1894. وعندما تخلى الإيطاليون عن المنطقة بعد معركة عدوة (في إثيوبيا) 1894 للبريطانيين الذين كانوا يستعمرون السودان، صارت كسلا أول مدينة تستعاد للسودان، عن طريق الزعيم الديني الشهير السيد علي الميرغني، الذي تسلمها باسم الجيش المصري الإنجليزي، الذي يحكم السودان.
ويتابع البروفسور مكي شارحاً «اختارت قبائل البني عامر الانتماء للسودان، والتخلي عن الجيش الإيطالي، الذي كان يتكون محلياً منهم أساساً. وبانسحاب إيطاليا اختاروا الذهاب مع السيد علي (الميرغني)... إن المكونات الثقافية في شرق السودان (الهدندوة والعبابدة والبشارية والبني عامر) لها وضع مختلف لأنها قبائل مشتركة بين السودان والحبشة قديماً (إريتريا وإثيوبيا حالياً).
أما دينياً فقد انقسم سكان الإقليم بين الطائفتين الكبيرتين في البلاد، إذ انقسم الهدندوة بين أتباع الزعيم العسكري المهدَوي عثمان دقنة ووالوا المهدية (طائفة الأنصار)، وبين المجموعة التي اختارت الولاء لطائفة الختمية بقيادة السيد علي الميرغني. أما البني عامر فيوالي الجزء الأكبر مهم السيد علي الميرغني والسيدة نفيسة، بجانب الخلافات العرقية الموجودة.
ويشير مكي إلى ظهور حركة «علي بيتاي» المكونة أساساً من الهدندوة، والتي لعبت بقيادة «سلمان بيتاي» دوراً معارضاً قوياً ضد حكومة الإنقاذ بتحالفه مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة د. جون قرنق، ثم أصبحت حليفا للإسلاميين، وهم لا يتبعون للختمية ولا الأنصار.
ويضيف مكي أن أهمية الإقليم زادت بإنشاء موانئ البحر، ما جعل أمن المملكة العربية السعودية يرتبط بالساحل الغربي للبحر والموانئ السودانية، فيما أحست مصر بالخطر بعد دخول تركيا للمنطقة تحت ذريعة «ترميم ميناء سواكن»، وإلى الشرق تعتبر دولة إريتريا مدينة كسلا منطقة «أمن غذائي لها»، لذلك تخشى إريتريا بشدة زيادة نفوذ الحركات السلفية وسط البني عامر في كسلا، مثل حركة الجهاد الإريتري.
ويوضح مكي: «هذه خلاصات توضح أن ما يدور في المنطقة، بعد أن أصبحت ثرية، تتحرك فيها أموال كثيرة من التهريب وتجارة المخدرات، وبيع السلاح هنا وهناك، فضلا عن عائدات الموانئ على البحر الأحمر، الأمر الذي أحدث فيها متغيرات».
وشهدت المنطقة بحسب مكي متغيرات ديموغرافية نتجت عن الهجرات التي وفدت إليها من غرب السودان وغرب أفريقيا، ما فرض جزراً لغوية وثقافية وإثنية، ويتابع: «لا أؤمن بنظرية المؤامرة، وأرى الصراع على الوظائف والرؤى، وحذر من التكوينات السياسية التي وصفها بأنها تستخدم الكتل الصماء في صراعاتها»، وأضاف: «الصراع الدائر في شرق السودان الآن جزء من الصراع الدائر في كل السودان، وهو ينبئ بتغيير الخريطة السياسية في البلاد، ربما قبل نهاية هذا العام».



ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
TT

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)

تزداد القناعة لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن بلادهم عالقة في دوامة بالغة التعقيد، بين فوضى أمنية تتفاوض فيها التشكيلات المسلحة بالنار، وتتجاذب النفوذ على ممرات التهريب وتجارة المخدّرات والهجرة غير النظامية، وبين «مبادرة أميركية» تستهدف إنهاء الانقسام في بلد أنهكته الصراعات منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. في الساحل الغربي الليبي، بات مشهداً متكرراً أن تتراجع الحلول السياسية وتخفت أصوات الحوار أمام تمدد الفوضى الأمنية. وهذا المشهد وصفته المبعوثة الأممية هانا تيتيه، بلغة دبلوماسية هادئة، بأنه «هشّ»، في ظل تنافس جماعات مسلحة على النفوذ والموارد، وانخراط بعضها في أنشطة «غير مشروعة»، بما يضاعف تعقيدات المشهد ويبدد فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.

تبدو مدينة الزاوية، بشمال غربي ليبيا، مرآة تعكس جانباً من واقع البلاد؛ إذ باتت الاشتباكات بين التشكيلات النافذة فيها مشهداً مألوفاً اعتاده السكان، حتى «تحوّل ليلهم إلى نهار»، بحسب الناشط المدني عبد الرحمن شعيب، في وصفه لأحدث موجة من الاشتباكات التي اندلعت في الثالث من أغسطس (آب) الحالي داخل مناطق سكنية في الزاوية وصرمان، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.

استهداف مرافق النفط

ولم يتوقف أثر هذا الانفلات عند حدود الأمن، بل امتد إلى ما يُعرف بـ«قوت الليبيين»، في إشارة إلى النفط، مصدر الدخل الرئيس للدولة؛ إذ كان استخدام «طائرات مسيّرة» في استهداف مصفاة الزاوية ومنشآت حيوية فيها، تطوراً نوعياً في المشهد الأمني، أثار مخاوف من أن تتحوّل الهجمات هذه إلى ورقة ضغط تهدد أحد أهم مصادر الإيرادات، وتفتح الباب أمام اضطراب أوسع في إنتاج النفط وتصديره.

وحقاً، لا يبدو أن ما شهدته الزاوية مرشح للبقاء معزولاً عن محيطها؛ حيث يحذّر باحثون من انتقال نمط الفوضى نفسه إلى مدن أخرى في غرب ليبيا، وصولاً إلى العاصمة طرابلس، في ظل استمرار غياب احتكار الدولة لأدوات القوة. وهذه أيضاً رؤية الباحث العسكري محمد الترهوني، الذي حذّر من أن هذا الواقع قد يتكرّر بصورة «أكثر قسوة»، ما دامت أدوات الإكراه والقوة لا تزال موزعة بين فصائل مسلحة خارج السيطرة الكاملة لمؤسسات الدولة.

تحت وطأة هذا المشهد، يستحضر ليبيون لقاءات متكرّرة جمعت رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة ومستشاره للأمن القومي إبراهيم الدبيبة بعدد من قادة التشكيلات المسلحة البارزين. وتحوّلت صور هذه اللقاءات، التي تداولتها صفحات ليبية على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى مادة للنقاش بشأن طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية في طرابلس والتشكيلات المسلحة النافذة.

إرث أمني «ثقيل»!

في معرض الدفاع عن الحكومة، يقول مؤيدو الدبيبة إنها «تسلمت إرثاً أمنياً مثقلاً بواقع ميليشياوي»، ما فرض عليها في بعض المراحل عقد تفاهمات مؤقتة مع القوى المسلحة لتجنب صدامات أوسع. لكن عضو «المجلس الأعلى للدولة» أبو القاسم قزيط يُحمّل «الوحدة الوطنية» جانباً من المسؤولية عن تنامي نفوذ هذه التشكيلات خلال السنوات الماضية، قائلاً إنها «دعمتها بالمال والسلاح، وعقدت معها تفاهمات مؤقتة أسهمت في تعاظم قوتها»، ومعتبراً أن الحكومة لم تمتلك «الإرادة السياسية الكافية» لتفكيك التشكيلات المنفلتة.

مع هذا، يميز قزيط بين التشكيلات المسلحة، فيرى أن «بعضها تحوّل إلى قوى عسكرية وأمنية شبه نظامية تتمتع بقدر من التراتبية والانضباط، ويمكن أن تشكل نواة يمكن البناء عليها في إطار أي ترتيبات أمنية مقبلة، بدلاً من التعامل معها جميعاً باعتبارها كتلة واحدة».

ومن قلب هذا التعقيد، يطرح خالد الترجمان، أمين سر «المجلس الانتقالي الليبي» السابق ورئيس «مجموعة العمل الوطني»، سؤالاً يتجاوز حدود المشهد الأمني الراهن، وهو: هل تمتلك الولايات المتحدة والدول المنخرطة في الملف الليبي جدية حقيقية لنزع سلاح التشكيلات المسلحة في غرب البلاد؟ أم أن أي مبادرة سياسية ستظل رهينة موازين القوة التي تفرضها هذه التشكيلات على الأرض؟

مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها

وضع شرقي ليبيا

وفي شرق البلاد، حيث تفرض قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر حالة من الاستقرار الأمني النسبي منذ سنوات، لم يكن المشهد بمنأى عن المفاجآت الأمنية. فقد أدى انفجار عبوة ناسفة إلى مقتل مدير الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري ببنغازي في 10 أغسطس (آب) الحالي، في حادثة أعادت إلى الواجهة تساؤلات بشأن احتمال وجود «خلايا نائمة» لمسلحين أو متطرّفين في شرق البلاد وجنوبها، قادرة على استغلال أي ثغرات أمنية لضرب شخصيات ومؤسسات عسكرية وأمنية.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر في ظل تحذيرات سابقة من استمرار مخاطر الخلايا المسلحة والمتطرفة، وهو ما أشار إليه رئيس الأركان العامة بـ«الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر، في وقت مبكّر، بما يعكس أن الهدوء الأمني الذي يميّز شرق ليبيا لا يعني بالضرورة انحسار التهديدات.

حلول دولية طال انتظارها

بالتالي، مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين، وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين، تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها، بعدما عجزت المسارات الداخلية عن إنهاء الانقسام، وسط تحرّك الأطراف المتنازعة إقليمياً ودولياً. ومن بين هذه الحلول «مبادرة أميركية» يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، وتستهدف التوصل إلى صيغة لتقاسم السلطة بين طرفي الصراع في البلاد.

بنود التفاوض بشأن هذه المبادرة لا تزال طي الكتمان، الأمر الذي دفع البعض إلى وصفها بـ«الصفقة» لا «المبادرة»، في ظل محدودية ما كُشف عنها حتى الآن، والذي لم يتجاوز مقترحاً بتولي صدام حفتر، نجل قائد «الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي، بالتزامن مع تشكيل حكومة موحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

وللعلم، دأب بولس على إبراز ما يعدّها «نجاحات» حقّقها حراكه الدبلوماسي منذ صيف العام الماضي، وتوجّت في أبريل (نيسان) هذا العام سواءً في التوصل إلى اتفاق لتوحيد الميزانية للمرة الأولى منذ 13 سنة، أو في جمع قوتين عسكريتين من شرقي البلاد وغربها في مناورة مشتركة بمدينة سرت. غير أن المبادرة لا تزال تواجه رفضاً صارماً من أطراف في الغرب الليبي، ولا سيما في مدينة مصراتة، مسقط رأس الدبيبة، بما تتمتع به مصراتة من ثقل عسكري، إلى جانب مدن وقوى أخرى ترى أن الترتيبات المطروحة لا تحقّق توازناً مقبولاً بين أطراف المشهد السياسي، وتحذّر من مخاطر ما تصفه بـ«عسكرة الدولة».

عضو المجلس الأعلى للدولة قزيط جدد هذا الموقف، قائلاً إن المبادرة «ليست فقط متعثرة، وإنما تحمل في طياتها أسباب تعثرها»، ومشيراً إلى أن الغموض الذي يكتنف مسارها وتفاعلاتها يزيد من «التساؤلات والشكوك» حول فرص نجاحها ومآلاتها.

مبادرة وإشكاليات

تطرح المبادرة، من منظور قزيط، إشكالية أعمق، مفادها أن «الحل نفسه قد يتحول أحياناً إلى عائق أمام الحل»؛ إذ يرى أن المبادرة التي يفترض أن تفتح الطريق أمام التسوية قد تتحول إلى عقبة في طريقها إذا أفضت إلى إعادة إنتاج توازنات القوى ذاتها التي أسهمت في تكريس حالة الانسداد السياسي القائمة.

ومقابل المتحمسين لـ«المبادرة الأميركية» الذين يرون فيها «الحل الواقعي» لوقف صراع دامَ سنوات أنهك الليبيين واستنزف طاقاتهم، يستند معارضوها، ومن بينهم قزيط، إلى أن التفاهمات بين طرفي الصراع الرئيسين «لن تقود بالضرورة إلى تسوية مستقرة»، خصوصاً مع تجاهل مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، وما تبقى من قوى وفعاليات سياسية وقبلية وبلديات ومكوّنات من المجتمع المدني وتشكيلات مسلحة فاعلة.

ومع أن شرق ليبيا قد يكون متّفقاً إلى حد كبير على تمثيل «الجيش الوطني» بقيادة المشير حفتر لها في هذه الترتيبات، فإن قزيط يرى أن «المنطقة الغربية ترفض بشكل واسع» تمثيل حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة لها، لا سيما في ظل المعارضة التي واجهتها حكومته في غرب البلاد خلال السنوات الأخيرة.

أيضاً، لا تقتصر الأصوات الرافضة أو المتحفّظة أو المتشكّكة في المبادرة على الداخل الليبي؛ إذ تمتد المخاوف إلى دوائر غربية لا تخفي قلقها من مآلات تحرك بولس. وهذا ما عكسه «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، الذي وصف المفاوضات بأنها بمثابة «أوكسجين سياسي» للنخب الليبية، التي قد تتعامل معها بوصفها فرصة لتحقيق «مكاسب شخصية وعائلية».

وفي هذه الأثناء، يحتفظ بعض الليبيين بقدر من التفاؤل المشروط بإمكان نجاح المبادرة، بينهم الناشط السياسي المقرّب من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، عمر بوسعيدة، الذي يرى أن «هناك زخماً دولياً وإقليمياً محيطاً بمبادرة المبعوث الأميركي مسعد بولس، وأدوات ضغط ونفوذاً اقتصادياً وسياسياً غير مسبوق».

ومع ذلك، ينتهي بوسعيدة إلى التحذير من أن هذا الزخم لن يكون كافياً لتجاوز العقبات المحلية وتوحيد السلطة التنفيذية ما لم تتبلور الإرادة الدولية بصورة كاملة، وتتمكّن الإدارة الأميركية وحلفاؤها من تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات أمنية ومؤسسية مستدامة على الأرض. وبالتالي، إجراء الأطراف الليبية، الممثلة في «الجيش الوطني» وحكومة «الوحدة» مباحثات بين القاهرة وأنقرة وواشنطن وموسكو؛ سعياً للتوصل إلى تفاهمات تفضي إلى توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام السياسي والأمني.

15 سنة من الصراع على الشرعية السياسية في ليبيا

تسعى التحركات الدولية والأممية إلى إخراج ليبيا من دوامة المراحل الانتقالية وإنهاء حالة الانسداد السياسي، ويظل السؤال المحوري: هل تنجح البلاد في كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها منذ عام 2011؟ هذا التساؤل الذي أثاره «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية» قبل نحو أربع سنوات، ظل بلا إجابة حاسمة، متقاطعاً مع المعضلة الحقيقية المتمثلة في تراجع الثقة وغياب الضمانات اللازمة لحل الأزمة في ظل صراع قائم على الشرعية السياسية. يتجلى هذا المشهد في المسارات التي أعقبت إسقاط نظام معمر القذافي، حين تعاقبت صيغ سياسية متعددة؛ حملت كل منها وعداً بالوصول إلى دولة مستقرة ومؤسسات دائمة، غير أن كل تسوية كانت تنتهي قبل تحقيق غايتها، مفسحة المجال أمام صيغة انتقالية أخرى أكثر تعقيداً وأقل قدرة على توحيد البلاد. بدأت الرحلة مع «المجلس الوطني الانتقالي» الذي أدار البلاد عقب سقوط النظام السابق، قبل أن يسلّم السلطة إلى «المؤتمر الوطني العام» المنتخب في أغسطس (آب) 2012. وبدا ذلك الانتقال كأنه تأسيس سياسي جديد، لكنه أخفق في بناء مؤسسات قادرة على احتواء الخلافات. ومع انتخابات مجلس النواب عام 2014، دخلت الأزمة مرحلة جديدة بتدوير التنافس السياسي إلى انقسام مؤسسي بين حكومتين واقتتال أهلي، ليرسم الانقسام خريطة القوة بين شرق البلاد وغربها، ويغدو توحيد المؤسّسات شرطاً متكرّراً في كل تسوية وسبباً رئيساً لتعثرها. بعدها، جاء «اتفاق الصخيرات» بالمغرب في ديسمبر (كانون الأول) 2015 محاولةً لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات عبر حكومة «الوفاق الوطني». لكنه لم يُنهِ الانقسام، بل ظلت ترتيبات الحكم مرهونة بتوازنات القوى المسلحة والسياسية، ليبقى الاتفاق «معالجة انتقالية» لا تأسيساً لنظام مستقر. «حرب طرابلس» عام 2019 عكست حدود تلك التسويات، قبل أن يفتح اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 الطريق أمام مسار أممي جديد أسفر في فبراير (شباط) 2021 عن اختيار «سلطة تنفيذية مؤقتة»، تمثلت مهمتها الأساسية في إيصال البلاد إلى انتخابات وطنية بحلول نهاية ذلك العام. لقد كان مُفترضاً أن تشكّل انتخابات 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021 نقطة الخروج من المراحل الانتقالية، لكنها تعثرت نتيجة الخلافات حول القاعدة الدستورية وشروط الترشح ونزاهة المؤسسات المنظمة. ومنذ ذلك الحين، دخلت البلاد في دوامة مفتوحة بلا أفق محدد. وفي عام 2022، أدى ظهور حكومة منافسة في الشرق إلى إعادة إنتاج الانقسام التنفيذي، فيما واصلت المؤسسات السيادية والعسكرية عملها عبر ترتيبات متوازية، لـتتحول الانتخابات من أداة لإنهاء الانقسام إلى محور صراع حول شرعية إدارة الدولة. اليوم، تسعى المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى تعديل المعادلة عبر مسار يجمع بين إصلاح الإطار الانتخابي، وتوحيد المؤسسات، ومعالجة الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية. وعلى خط موازٍ، تتحرك واشنطن بشكل مباشر عبر مبادرة للحل، معتمدة على توحيد الحكومة والمؤسسات لتهيئة البيئة الملائمة للانتخابات. ويرهن مراقبون نجاح هذه التحركات بقدرة الأطراف الليبية والدولية على معالجة جذور المعضلة وصولاً إلى إنهاء الصراع الفردي على الشرعية السياسية، وإجراء الانتخابات العامة وإعادة السيادة للدولة.


خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
TT

خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً

لم يصل خافيير بيسيرا إلى صدارة السباق على حاكمية ولاية كاليفورنيا الأميركية بوصفه المرشح الأكثر شهرة أو صاحب البرنامج الأكثر صخباً. إذ انتزع المركز الأول في الانتخابات التمهيدية بنسبة 28 في المائة، مستفيداً من تفكّك مجموعة منافسيه وانسحاب أسماء كانت تتقدّمه، ثم وجد نفسه المرشح الديمقراطي في ولاية تميل بقوة إلى حزبه. إلا أن المفارقة أن الرجل الذي خدم نحو 35 سنة في مواقع تمتد من برلمان الولاية إلى الكونغرس ووزارة الصحة، لا يزال، في نظر كثيرين في ساكرامنتو، عاصمة كاليفورنيا، مجهولاً سياسياً: يعرفون سجلّه ولا يعرفون تماماً كيف سيحكم. هذه ليست مسألة أسلوب فقط. فحاكم كاليفورنيا المقبل سيرث رابع أكبر اقتصاد في العالم، لكنه سيرث أيضاً أزمة سكن وتأمين وطاقة وتشرّد، وقلقاً من الضرائب والقيود التنظيمية وهجرة السكان والأعمال. وبالتالي، سيُطلب من بيسيرا أن يحدّد ما إذا كان سيواصل نموذج الحاكم الديمقراطي الحالي غافين نيوسوم، أم يعيد توجيه الحزب الديمقراطي من المعارك الرمزية الكبرى إلى اختبار يومي أبسط وأقسى: هل تستطيع حكومة تقدمية جعل الحياة أقل كلفة من دون إضعاف القدرة التنافسية للولاية؟

وُلد خافيير بيسيرا في مدينة ساكرامنتو، العاصمة السياسية لولاية كاليفورنيا، عام 1958، وهو ثالث أربعة أبناء لعائلة عاملة محدودة الدخل.

كان والده مانويل قد وُلد أيضاً في ساكرامنتو، لكنه نشأ في مدينة تيخوانا المكسيكية الحدودية، في حين تربّت والدته ماريا تيريزا في مدينة غوادالاخارا، ثاني كبرى مدن المكسيك، قبل انتقالها إلى الولايات المتحدة.

ولقد عمل الأب عاملاً زراعياً في الحقول ثم في شق الطرق، وعملت الأم سكرتيرة. وبحسب السيرة الرسمية في مجلس النواب، عاش الأبناء في منزل صغير قرب حي لاند بارك، وكان خافيير أول فرد في العائلة يحصل على شهادة جامعية.

بداية الصعود والحياة الأسرية

تبدو قصة دخول خافيير جامعة ستانفورد الشهيرة أقرب إلى الحكايات الأميركية الكلاسيكية؛ إذ عثر على طلب التحاق فارغ كان صديق له يريد التخلّص منه، فملأه وقُبل.

وفي ستانفورد درس الاقتصاد وتخرّج عام 1980، ثم نال شهادة القانون من كلية الحقوق في الجامعة ذاتها، عام 1984. وهناك تعرّف إلى كارولينا رييس، التي أصبحت طبيبة وزوجته وأم بناتهما الثلاث. وبعد التخرّج انتقل إلى ولاية ماساتشوستس، في الجانب الآخر من أميركا، حيث كانت زوجته تدرس الطب في جامعة هارفارد، وعمل في مجال المساعدة القانونية، قبل أن يعود إلى كاليفورنيا مساعداً للسيناتور المحلي آرت توريس ثم نائباً للمدعي العام في الولاية.

هذه السيرة تمنح خافيير بيسيرا «لغة سياسية» تتجاوز الانتماء الإثني؛ فهو ابن عامل نقابي، وأول جامعي في أسرته، ومحام بدأ بخدمة محدودي الدخل. وكل هذه عناصر تفسر تركيزه الدائم على الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والهجرة، لكنها توفر له أيضاً مَدخلاً إلى ناخبين بيض ومستقلّين لا تتحرك خياراتهم على أساس الهويّة بقدر ما تتأثر بالطبقة والاستقرار الاقتصادي.

صعود بلا ضجيج

بدأ بيسيرا طريقه الانتخابية عام 1990 بمفاجأة تشبه فوزه الأخير؛ إذ دخل سباقاً على مقعد في برلمان كاليفورنيا وهو قليل الشهرة، وخاض حملة طرق أبواب مكّنته من التواصل مع الطبقة الوسطى اللاتينية والأحياء الأفقر في شرق لوس أنجليس، ففاز في الانتخابات التمهيدية بنسبة 35 في المائة. وبعد ولاية واحدة فقط، انتقل عام 1993 إلى مجلس النواب الأميركي ممثلاً إحدى مناطق مدينة لوس أنجليس، وبقي فيه 24 سنة.

في العاصمة واشنطن، بنى بيسيرا نفوذه بالتدرّج: ترأس كتلة النواب من أصول لاتينية، وأصبح أول لاتيني ينضم إلى لجنة الوسائل والموارد النافذة، ثم ترأس الكتلة الديمقراطية في مجلس النواب بين 2013 و2017. وبعدها اشتغل على الهجرة والضرائب والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، وكان قريباً من نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب، لكنه حرص على ألا يُختصر في قضايا اللاتينيين، قائلاً مبكراً إن مَن لديه مشكلة ضريبية أو صحية يجب أن يراه ممثلاً له أيضاً.

في الحقيقة، لم تكن الطريق سلسلة انتصارات متصلة. ففي 2001 جرّب العودة إلى السياسة المحلية مرشحاً لرئاسة بلدية لوس أنجليس، لكنه خسر في معركة تمهيدية مزدحمة. وعندما عرض عليه الرئيس باراك أوباما منصب الممثل التجاري الأميركي عام 2008، فضّل البقاء في مجلس النواب. ويكشف القراران عن سمتين لازمتاه: طموح يتجاوز المقعد النيابي، وحذر يجعله يختار توقيت انتقاله وموقع القوة الذي يريد أن ينطلق منه.

تعيينه محامياً عاماً

عام 2017، عيّنه الحاكم جيري براون مدعياً عاماً خلفاً لكامالا هاريس، ثم فاز بالمنصب انتخابياً. وهناك، تحوّل من مشرّع هادئ إلى أحد أبرز خصوم إدارة دونالد ترمب الأولى، فرفع أكثر من مائة دعوى في ملفات الهجرة والبيئة والرعاية الصحية والحقوق الإنجابية.

وفي عام 2021، اختاره الرئيس جو بايدن وزيراً للصحة والخدمات الإنسانية. وأشرف حينذاك على مرحلة الجائحة (كوفيد - 19) وتنفيذ توسيع التغطية الصحية، وعلى أول مفاوضات لخفض أسعار أدوية ضمن «ميديكير» بموجب قانون خفض التضخم.

لكن تجربته مع السلطة الفيدرالية تركت ظلالاً أيضاً؛ إذ اتهمه مسؤولون سابقون بالبطء وقلة الحضور خلال أزمات، ولاحقته انتقادات بشأن سرعة تسليم القاصرين المهاجرين غير المصحوبين إلى كفلاء لم يخضع بعضهم لتدقيق كافٍ. وهذه الانتقادات يرفضها بيسيرا ويعدُّها هو وحلفاؤه مُجحفة، غير أنها تضع أمامه سؤالاً مشروعاً: هل أسلوبه التشاوري الدقيق ميزة في إدارة مؤسسة ضخمة، أم هو تردّد لا تحتمله الأزمات؟

فوز بين الشقوق

تقول «بوليتيكو» إن بيسيرا لم يكن الخيار الأول لمعظم مراكز القوى في الحزب الديمقراطي؛ إذ أحجم كل من كامالا هاريس وأليكس باديّا عن خوض السباق، وانسحب إريك سوالويل بعد انهيار حملته، في حين أنفق الملياردير توم ستاير مبالغ طائلة ليحتلّ المساحة التقدمية بوعود تشمل الرعاية الصحية ذات الدافع الواحد وفرض ضرائب على المليارديرات وتفكيك احتكارات المرافق. أما بيسيرا فظهر بمظهر «اليد الثابتة» الموثوقة والبديل الأقل مخاطرة.

وفق النتائج الرسمية، نال بيسيرا 28 في المائة مقابل 24.6 في المائة للجمهوري ستيف هيلتون. وهذه نتيجة تمنحه بطاقة العبور، لا تفويضاً كاسحاً. لكنه خرج منها بميزة نادرة: لم يصل محمولاً على قائمة طويلة من التعهّدات أو مُرتهناً بالكامل للنقابات ومجموعات المصالح التي تأخرت في تأييده. وهذا يفسّر جانباً من حذَر ساكرامنتو؛ فالجهات النافذة لا تعرف بعد مَن سيختار لفريقه... ولا أي الملفات سيقدّم.

في المقابل، تبدو الانتخابات العامة أقل غموضاً؛ إذ أظهر استطلاع معهد بيركلي للدراسات الحكومية يوم 13 أغسطس (آب) تقدّمه على هيلتون بـ55 في المائة مقابل 37 في المائة. غير أن ضمان الفوز تقريباً قد يتحوّل إلى مشكلة حكم. ذلك أنه سيكون عليه أن يصنع تفويضه بعد الانتخابات، لا أن يزعم أن المعركة التمهيدية منحته إياه.

برنامج ينتظر التفاصيل

يردّ بيسيرا على من يسأله عما سيفعل بعبارة «انظروا إلى سجلّي!». وفي رد له على «بوليتيكو»، قال إنه يستطيع إطلاق وعود كبيرة، لكنه لا يريد الفوز بتعهّدات مضخّمة قد لا يستطيع تنفيذها.

في نظر مؤيديه، هذا انضباط اكتسبه بيسيرا من إدارة ملفات حياة أو موت إبان جائحة «كوفيد - 19»، أما في نظر منتقديه، فإنها طريقة لطيفة لتأجيل الخيارات الصعبة.

مع هذا، أجندة بيسيرا ليست فارغة. فهو يقترح تجميد زيادات أقساط التأمين على المنازل، وتحديد مشاريع إسكان جاهزة للبناء، ووضع خطة شاملة تجعل قدرة الأسرة المتوسطة على شراء المنزل المتوسط هدفاً قابلاً للقياس.

ثم إنه يتعهّد بالحفاظ على التغطية الصحية لملايين قد يتضرّرون من التخفيضات الفيدرالية، واستعادة تغطية مهاجرين غير موثقين قلّصها الحاكم الحالي نيوسوم، والتحرّك من ثم تدريجياً نحو نظام صحي شامل.

أيضاً طرح منح الأسر المنخفضة الدخل ساعتين مجانيتين من الكهرباء في منتصف النهار للاستفادة من فائض الطاقة الشمسية، مع تقدير وفر قد يصل إلى ألف دولار سنوياً للأسرة المستفيدة. وسيواصل وقف تنفيذ أحكام الإعدام، لكنه يلمّح إلى اختلافات مع نيوسوم. فهو، مثلاً يعارض السماح للشاحنات الذاتية القيادة بالعمل بلا سائق، بعدما قاوم الحاكم الحالي قيود النقابات عليها، وأبدى تردّداً أولياً قبل أن يؤيد إمكان تحقيق هدف وقف بيع السيارات الجديدة العاملة بالبنزين في 2035.

ويؤيد بيسيرا أيضاً رسماً على الشركات التي تدفع أجوراً منخفضة تجعل موظفيها مؤهلين للمساعدات العامة، وقد يستخدم عائداته لتمويل التغطية الصحية. لكن هذا يحتاج إلى أكثرية الثلثين في المجلس التشريعي، وقد يصطدم بغرفة تجارة كاليفورنيا التي أيدته.

هذه التناقضات هي جوهر امتحان بيسيرا الاقتصادي. فوفق معهد السياسات العامة في كاليفورنيا، بلغ اقتصاد الولاية 4.3 تريليون دولار عام 2025، لكنه نما منذ 2020 بوتيرة أبطأ من نمو اقتصاد كل من ولايتي تكساس وفلوريدا. وتفيد وزارة المال في الولاية بأن صافي الهجرة الداخلية سجّل خسارة قدرها 216 ألف شخص للسنة 2024 - 2025.

ويرى مراقبون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها، لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً. ولا يكفي لمواجهتها أن يعِد بيسيرا بجمع الأطراف حول الطاولة؛ عليه تحديد ما سيبسّطه، وما سيموّله، ومن سيدفع الثمن.

من الهوية إلى اختبار الحكم

في أي حال، إذا فاز بيسيرا فسيصبح أول لاتيني يُنتخب حاكماً لكاليفورنيا، وأول من يتولّى المنصب منذ روموالدو باتشيكو الذي شغله لعشرة أشهر عام 1875 بعد شغوره.

هنا للرمزية وزن واضح في ولاية يشكل فيها اللاتينيون 38 في المائة من البالغين، وقد خاطبهم بيسيرا بالإسبانية وعبر «تيك توك» تحت صورة «العم خافيير». لكنها ليست شيكاً انتخابياً مفتوحاً: اللاتينيون لا يمثلون سوى 29 في المائة من الناخبين المرجّح اقتراعهم، وقد حقّق الجمهوريون تقدماً بينهم في دورات أخيرة.

ولذا يحتاج بيسيرا إلى ائتلاف أوسع. وتظهر بيانات معهد السياسات العامة أن البيض يمثلون نصف الناخبين المرجح اقتراعهم، وأن 51 في المائة من المُستقلين يعدّون أنفسهم «معتدلين». وهنا قد يخدمه أسلوبه غير الاستعراضي وخلفيته العمالية، شرط أن يحوّل الاعتدال في النبرة إلى وضوح في النتائج. فالمستقل لا يطلب منه تقليد الجمهوريين، بل إثبات أن حماية المناخ والمهاجرين والعمال لا تعني تجاهل فاتورة الكهرباء أو عجز الأسرة عن شراء منزل.

بعض القراءات تلتقط، راهناً، تحولاً حقيقياً في مسار الحزب الديمقراطي؛ إذ ترى أن تركيزه على أسعار الدواء والإيجارات والخدمات المحلية ينقله من قوة ذات رؤية «كونية» إلى حزب أكثر انكفاءً على الشأن المحلي. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة نزعة انعزالية؛ فقد أظهر استطلاع أُجري في مايو (أيار) 2026 أن الناخبين باتوا أقل استعداداً لمكافأة الخطاب المجرّد؛ إذ وضع 44 في المائة منهم كلفة المعيشة والاقتصاد في صدارة مشاكل الولاية، تليهما أزمة السكن. ثم إن وظيفة الحاكم تقوم أساساً على إدارة هذه التفاصيل، بينما تتجاوز عادةً، آثار سياسات كاليفورنيا في المناخ والتكنولوجيا والخصوصية والسيارات حدود الولاية.

آيديولوجياً، بيسيرا نفسه ليس تجسيداً صافياً لانتفاضة «تقدّمية» على «المؤسسة»؛ فهو ابن المؤسسة الديمقراطية، وإن كان تقدمياً في الصحة والهجرة والحقوق. ولذا قد لا يكون صعوده انكفاءً عن «الكونية»، بل محاولة لإعادة بنائها من أسفل؛ أي إقناع الناخب أولاً بأن الحكومة قادرة على خفض كلفة الدواء والسكن والطاقة، ثم تقديم نموذج كاليفورنيا إلى البلاد.

نجاحه في ذلك قد يمنح الديمقراطيين جواباً عن أزمة القيادة المقبلة؛ أما فشله فسيحوّل رمزية انتخاب أول حاكم لاتيني منذ قرن ونصف قرن إلى إنجاز تاريخي محدود الأثر.


من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)
TT

من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)

تعاقب على كاليفورنيا منذ عقد الستينات حكّام من الحزبين ترك كل منهم تعريفاً مختلفاً لدور الولاية وحدود السلطة التنفيذية. وتُظهر القائمة التاريخية الرسمية أن الهيمنة الديمقراطية الراهنة حديثة نسبياً، بعدما حكم الجمهوريون معظم الفترة الممتدة من 1983 إلى 1999، ثم عادوا مع أرنولد شوارتزنيغر. وهذا التاريخ يجعل الحاكمية أيضاً مختبراً لإنتاج زعامات وطنية، لا مجرد إدارة محلية لولاية كبيرة.

إدموند «بات» براون (ديمقراطي، 1959-1967): يُعد مهندس كاليفورنيا الحديثة؛ وسّع الجامعات والطرق ومشاريع المياه في مرحلة نمو سكاني هائل. لكن اضطرابات الستينات والقلق من الضرائب والجريمة مهّدت لهزيمته أمام رونالد ريغان.

رونالد ريغان (جمهوري، 1967-1975): وصل بخطاب محافظ ضد الاحتجاجات على خلفية «حرب فيتنام» والإنفاق الحكومي، وحوّل الحاكمية إلى منصة وطنية قادته لاحقاً إلى البيت الأبيض. إلا أن سجله التنفيذي كان أكثر براغماتية من شعاراته؛ وافق على زيادات ضريبية ووقّع قوانين اجتماعية وتنظيمية لا تنسجم كلها مع صورته المحافظة اللاحقة.

شوارتزنيغر (آ ب)

إدموند «جيري» براون (ديمقراطي، 1975-1983 و2011-2019): ابن الحاكم حكم ولايتين تفصل بينهما ثلاثة عقود. في الأولى مثّل جيلاً ديمقراطياً جديداً وواجه ثورة الضرائب التي جسّدها الاقتراح 13. وعندما عاد، قدّم نفسه حارساً مالياً، عالج عجزاً كبيراً وراكم احتياطيات، فيما دفع بقوة بسياسات المناخ والقطار السريع.

جورج ديوكمجيان (جمهوري، 1983-1991): جعل مكافحة الجريمة وتوسيع السجون محور حكمه، وتمسك بمقاومة الضرائب. جسّد مرحلة كان فيها الجمهوريون قادرين على الفوز بأكثرية مستقرة في الولاية.

بيت ويلسون (جمهوري، 1991-1999): واجه ركوداً قاسياً واضطر أولاً إلى زيادات ضريبية، ثم تبنى الاقتراح 187 الذي حرم المهاجرين غير الموثّقين خدمات عامة. عزز ذلك فوزه عام 1994، لكنه أسهم على المدى البعيد في نفور اللاتينيين من الحزب الجمهوري.

نيوسوم (غيتي)

غراي ديفيس (ديمقراطي، 1999-2003): أعاد الديمقراطيين إلى الحاكمية، لكن أزمة الكهرباء والعجز وصورته بوصفه سياسياً شديد الارتباط بالمانحين قادت إلى عزله من منصبه في اقتراع تاريخي.

أرنولد شوارتزنيغر (جمهوري، 2003-2011): فاز في الانتخابات التي أجريت بعد عزل ديفيس بقوة شهرته السينمائية، وبدأ محافظاً إصلاحياً ثم تحرك نحو الوسط. أبرز إرثه قانون خفض الانبعاثات لعام 2006 ومشروعات البنية التحتية، فيما ظلت أزمة الموازنة نقطة ضعفه الكبرى.

غافين نيوسوم (ديمقراطي، 2019-2027): حوّل الولاية إلى رأس حربة ديمقراطية في مواجهة ترمب، ووسّع سياسات المناخ والصحة والحقوق الإنجابية، ونجا من محاولة عزل عام 2021. لكنه يترك لخلفه أزمات السكن والتشرد والتأمين وكلفة المعيشة، ومعضلة الفصل بين قوة «نموذج كاليفورنيا» وطنياً وصعوبة تقديم خدمات مقنعة يومياً.