لبنان... شهادات ما بعد الصدمة

كتّاب باتوا بلا منازل

لبنان... شهادات ما بعد الصدمة
TT

لبنان... شهادات ما بعد الصدمة

لبنان... شهادات ما بعد الصدمة

من الصعب على اللبناني اليوم، أن يكتب عن عاصمته المنكوبة. إنه ليس وقت الكتابة، بل هو زمن للصمت والحزن والحداد، ولا يزال أهالي المفقودين يبحثون عن أشلاء أولادهم تحت الحطام. بعض الكتّاب باتوا بلا منازل بعد أن تحطم كل شيء، منهم من يلملون أجزاء بيوتهم التي تهاوت، منهم من فقدوا حبيباً أو صديقاً أو قريباً. بيوت بيروت في غالبيتها فقدت نوافذها وأصبح الناس معرضين للعراء. في هذه الأجواء، تصبح الكتابة فعل مقاومة أو فعل غضب. أو هي مجرد تأمل في سوريالية باتت تتجاوز الجميع. في لحظة واحدة طارت بيروت «ست الدنيا» ثم عادت واصطدمت بالأرض، وحلّ الخراب. الكتابة عن بيروت، من بيروت ليست سهلة، وهذه المساهمات التي تنشر اليوم، هي خارجة من قلب الصدمة.
أمين ألبرت الريحاني: أكتب
ولا أدري ماذا أقول
بقلب حزين وعين دامعة وغضبٍ «ساطع»، وبعد أيام على فاجعة تفجير بيروت وتدميرها، أجدني مختلياً بنفسي أكتب ولا أدري ماذا أقول. أحاول الابتعاد عن كل انفعال وكل ميل وهوى لأتساءل: هل أصرخ مع الصارخين بوجه أهل السلطة؟ هل أُذَكِّرُهم بأن الناس ما عادوا يتحملون كلامهم على الشاشات الصغيرة، هنا يُعلَن «الحداد الرسمي»، وكأن المسألة تتوقّف عند الحداد على الضحايا، ضاربين عرض الحائط كرامات الناس وحقوقهم ومطالبهم وعدالتهم ومستقبلهم ومستقبل أولادهم، أو أن المسألة رهن بصفة هذا الحِداد ما إذا كان «رسميّاً أم غير رسمي». ما قيمة كل هذه التفاصيل الشكلية حين تكون الدولة مستهترة، إلى هذه الدرجة، بحقوق الناس وكراماتهم؟ ما قيمة الشكليات حين تضرب الدولة عرض الحائط العدالة المنتظَرة وحماية المواطن من كلّ أذى لَحِقَ، أو قد يلحق به؟ هذا الاستخفاف بالمواطنين يطرح العديد من الأسئلة الجوهرية في معنى الحكم ودوره ومنافعه وحقيقة وجوده.
الدولة إمّا أن تكون في خدمة المواطن أو لا تكون، إمّا أن تسهم في عمليّة النمو الاجتماعي والاقتصادي والتربوي أو لا تكون. أي إمّا أن تكون دولة أو تصبح مغارة للصوص. وأهل الدولة، أهل السلطة، إمّا أن يتسابقوا على تعزيز الشأن العام، كما هو حاصل في البلدان المتقدّمة، أو يجدوا أنفسهم في «تناتش» السلطة ومكاسبها، وفي «كباش»، واحدهم مع الآخر، لكسب الصفقات وتوزيع المغانم... لذا تجدهم في تَذاكٍ دائم، وفي مزايدات لا تنتهي، والنتيجة تراجع مؤسسات الدولة وتقهقرها. واللافت أنّ أهل السلطة، في مزايداتهم وتذاكيهم، يرُدّون الفساد إلى ثلاثين سنة خلَت ظنّاً منهم أنّهم بذلك يرفعون المسؤولية عن كاهلِهِم ليلقوها على الآخرين، والآخرين الأبعدين. في حين أنّ الفساد المستشري قد نشط بشكل مباشر ووقِح منذ عشر سنوات وبدأ الانهيار الاقتصادي منذ نحو خمس سنوات. فميزان المدفوعات حتى عام 2010 كان يحمل مؤشرات إيجابية، ونسبة الصادرات بالمقارنة مع الاستيرادات كانت شبه متوازية ومتوازنة. ويجب أن نُذَكِّر بأننا في عام 1963، في عصرنا الذهبي، صُنِّفَ لبنان الرابع عالميّاً في النمو الاقتصادي بعد الولايات المتحدة الأميركيّة، وفرنسا، وسويسرا. إذن ما الذي كنّا قادرين عليه منذ ستين سنة تقريباً، ولم نعد قادرين عليه اليوم؟ صحيح أننا مررنا بحروب إقليمية وحروب الآخرين على أرضنا ولكن كلّ ذلك لا ينفي قدرة معيّنة كُنّا نتمتع بها جماعيّاً ووطنيّاً وافتقدناها اليوم. ما هو سحرُ ذلك العصر الذهبي الذي نجحنا في تنفيذه عهدذاك وأخفقنا في تنفيذه في هذا العهد؟
الدولة في بلاد الناس، هي التي تتكّل على أخلاقها قبل الاتكال على دستورها وقوانينها وأنظمتها. الدولة في بلاد الناس، دستورها الأخلاق، وقانونها الأخلاق، ونظامها الأخلاق.
الدولة عندنا في تخبّط وضياع لأننا عاجزون عن اتخاذ قرارات حاسمة حول أي مشكلة تواجهنا. والسبب في ذلك سببان: الأول: أنّ منطق التراضي والاسترضاء ما زال يغلب على كلّ اعتبار آخر. والثاني: أنّ منطق تغليب المصلحة الوطنية ما زال ضعيفاً أو غائباً كلّ الغياب.
والدولة في بلاد الناس، تحزم أمرها من البداية، فبعد تقديم الملفات المكشوفة والأهداف المكشوفة والأرقام المكشوفة، حول أي قضيّة من القضايا أو حول أي مشروع من المشاريع، تكون مستعدة للحسم في أمر قراراتها بلا تردد وبلا هوادة فالقرار يصدر بسرعة (من دون تسرّع)، والاستقالة عند الضرورة فورية، والفعل دائماً يسبق القول. لذا فالفعل في المواقف الوطنية لا يعرف صيغة المستقبل (سنفعل وسنُنشِئ وسوف نُنَفِّذ) بل يباشر دائما بصيغة الماضي (فعلنا وأنشأنا ونفّذنا) والقول يأتي دائماً بعد الفعل وليس العكس، لأنه لا قيمة للقول الذي يسبق الفعل.

إيمان حميدان: لا نريد سوى أن نؤلف الشعر والموسيقى
أنا في المترو للقاء ابنتي، حين شعرت بهاتفي الصامت يهتز. رأيت اسم صديقة لم أسمع منها منذ أشهر. لم أردّ. ترَكَت رسالة «كوني بخير مع عائلتك في بيروت. إنها فاجعة. طمّنيني»... رسائل متتالية من أصدقاء وصديقات، فيما بدأتُ أبحثُ عمّا حدث في بيروت وأتلقى الصور والأفلام... إنها أكثر من فاجعة، بيروت تحت الأنقاض، ضربة أبوكاليبتيكية. حدث جلل يتجاوز خيالي أنا التي عشت الحروب الأهلية والعنف لسنوات. إلا أن ما حدث في مدينتي مساء 4 أغسطس (آب) لا يشبه ما عشناه سابقا بشيء. إنها 11 أيلول بيروت، هيروشيما بيروت.
أقضي الليل مع ابنتي نتصل بأفراد العائلة ونطمئن على الأصدقاء. ليلة بيضاء تتخللها كوابيس قصيرة أخاف أن أرويها.
بيروت، لماذا يكرهونك إلى هذا الحد؟ لماذا عليكِ، أنت التي على صورتنا، أن تُدمّري مرّات ومرّات؟ متى سيشبعون؟ متى سيحوّلون كرههم وأمراضهم عنك ويتركوننا بسلام؟ لماذا كتب على أطفالنا أن يولدوا في الحرب ويكبروا في الحرب ويهاجروا، هذا إن لم يموتوا، في الحرب؟ لماذا كُتب على لبنان أن يبقى في عين العاصفة الدولية والإقليمية؟
كفى! نريد أن نحيا بسلام، أن ننتج بحرية ونبدع ونكتب ما نفكّر به. أن نرسم ونغني ونؤلف الشعر والموسيقى.
اتركوا لنا لبناننا الذي نريد، وخذوا حقدكم وكرهكم وارحلوا!
اتركوا لنا بيروتنا الغارقة في دمها ودمارها. اتركوها!
نحن، فقط نحن، سنبنيها من جديد.

جنى الحسن: أخجل من الاعتراف
بيروت... أحبك ولكن لا ضوء في آخر هذا النفق. مرّ انفجار بيروت وأنا على بعد مئات آلاف الأميال عن المدينة. بعيدة جداً بالمسافة. بعيدة بقرارٍ شخصي اتخذته منذ خمسة أعوام لأنّ هذه المدينة أرهقتني. أن ترهقنا أوطاننا لا يعني أنّنا توقفنا عن حبّها، بل إن الألم الذي تسببت لنا به كان أقوى من أن نستمر بالعيش فيها
أنا الهاربة من الانفجارات وقطع الكهرباء المستمر والجدالات السياسية العقيمة والطائفية والنفايات والتضخم الاقتصادي والبطالة وغياب العدالة ولائحة لا تنتهي من المشاكل التي تثقل كاهل اللبنانيين. أراقب الانفجار عن بعد وأجد نفسي عالقة بين إحساسين، الأوّل يتمثّل بالغضب والحزن، يتماشى معه شعورٌ رهيب بالعجز، والثاني والذي يؤرقني فعلياً ويشعرني بالخزي بشكلٍ أو بآخر، ولكن سأعترف به لأنّه موجود، وهو شعوري بالخلاص وبأنّني ناجية من «جحيم» الوطن.
الشعور الثاني هو فعلياً ما أخجل بالاعتراف به حتّى لنفسي، فكيف سأقول إنّ جزءاً منّي، يشعر بأنّي محظوظة لأنّي حظيت بفرصة الرحيل. ثمّ أتذكر أنّني لست المهاجرة الوحيدة. الذين هربوا من هذه البلاد هم فعلاً أكثر من الذين بقوا فيها. وربما معظم من بقوا هناك إمّا ندموا أو لم تأتهم فرصة الرحيل.
أنا لا أتباهى بالرحيل، فهو مؤلمٌ كثيراً. ألمه على قدر الخيبة. والخيبة شعورٌ قاتم، كعنكبوتٍ ينسج خيوطه حول القلب، فيجد الأخير نفسه يعتصر كلّ الوقت بحرقة، ويبقى نزفه داخلياً، عاجزا حتى عن الصراخ. لا يمكنني أن أشاهد كلّ صور الموتى التي أتت من بيروت، لا أريد ذلك. لا أريد أن أرى غضب الناس الذي لا يستجيب له أحد، لأنّي محبطة. وأعرف أن الإحباط ليس الحل، لكن هذا ما أشعر به.
حكايات الموت في هذا البلد لا تنتهي. والصراعات تصبح أحياناً نمط حياة، نألفها بشدة لدرجة أنّنا لا نعود قادرين على إدراك مدى كونها غير طبيعية وكم يمكن أن تكون تأثيراتها سلبية.
وها هو جرحٌ جديد وعميق وآخر. وليس هذا أسوأ ما في الأمر، الأسوأ هو أنّه على الأغلب لن يكون الأخير. لا ضوء في آخر هذا النفق. لقد اعتقدنا أننا رأيناه العام الماضي، حين نزل اللبنانيون إلى الشوارع في مظاهرات سلمية كان وجهها الأبرز الحب وهتافات الحرية والمطالبة بالعيش الكريم. كان ذلك الضوء الذي رأيناه، طرابلس التي رقصت على موسيقى التكنو لتصرخ أنّها ليست مدينة اشتباكات وبيروت التي تخلّت عن أي صبغة طائفية والنبطية، وخلعت عباءة الزعيم ومشاهد أخرى أضاءت لنا شعوراً بأنّه قد يصبح لنا يوماً وطن.
ولكن تلك المشاهد زالت وحلّ مكانها العنف والتكسير، وتلا ذلك شعور بالانهزام في داخل الكثيرين، كأنّه محكوم على هذا البلد الصغير بأن يبقى رهينة من يعبثون به.
الانفجار ليس وحده المأساة. قد يكون ربما دويّها الأشدّ، ولكنّ يوميات الحياة في لبنان هي انفجار صامت تحرق نيرانه السكّان.
من على بعد آلاف الأميال... أرى بلداً يحترق، حكاما يقتلون شعبهم، وشعبا يتمسّك جزء منه بهؤلاء الحكام. بلدٌ يحترق، يحرق معه أبناءه الذين يحبونه بشدّة ولكنّ بعضهم تعبوا من هذا الحب، لا يريدون أن يتصدّروا نشرات الأخبار ولا أن يلملموا الجراح ويستمروا بالصمود. الصمود يجب ألا يتحوّل إلى أسلوب حياة. يريدون فقط أن يعيشوا ببساطة وبأمان، فهل هذا ممكن؟
بيروت، أنا أحبّك وأدين لك بالكثير. أنت وأنا، كلانا نعرف أنّنا تشاركنا لحظات كثيرة حميمة معاً، ضحكنا وتألمنا وفرحنا وبكينا. وأنتِ تؤلمينني كثيراً وأنا أراكِ هكذا ولا يمكنني أن أفعل لكِ شيئا. وأنت تعرفين أنّي أحاول أن أخرجكِ من تفكيري لأنّكِ منهكة. وأنا أبحث لكِ عن الخلاص، ولا أجده، وأحياناً أحسبكِ وهماً وأحياناً أخرى مارداً قادرا على النهوض من بين الركام.
بيروت أنا أحبّك وأحاول من على بعد آلاف الأميال، أن أجدكِ وأمدّ جسراً إليكِ ولكنّي لا أرى هذا الضوء في آخر النفق. وربما كل ما تحتاجين إليه الآن ليس الحل، بل أن أضيء شمعة لأجلك. هذا ما سأفعله لكِ وأعدك يوماً أنّي سأجد لك طريقة لأعبّر لك بها عن هذا الحب. حتّى ذلك الوقت، كوني بخير ولا تحزني.

سليمان بختي: بيروت 2020 و2750 طنا من الياسمين
هذه بيروت. مدينة ولدت فيها ونشأت وتعلمت وعملت وحلمت. ومشيت فوق ترابها مع جدي وأبي وابني وأمني النفس أن أمشي فيها مع أحفادي وأموت فيها
هي مدينة الأفق والأمل إذا سكنتها مرة سكنتك إلى الأبد. وإذا غبت عنها أو تأخرت قليلاً تركت لك الباب مفتوحاً للعود الأبدي. اليوم، ينام معنا السؤال كيف ننقذ بيروت. كيف؟ ونحن لا نعيش بل ننجو. وبيروت لا تعتم تعطيك من روحها وتوسع لك مطرحاً فكيف ترد. في الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 افتدى صنوبر بيروت أرز لبنان. وفي انفجار بيروت عام 2020 افتدى أهل بيروت المدينة بأرواحهم. كم صعبة ومعبرة صورة الأم التي ولدت الطفل في غرفة مدمرة في مستشفى مدمر. هكذا تولد الحكاية. يولد الأمل. تولد بيروت.
كم صعبة ومؤثرة صورة اليمامة الميتة النائمة على أوتوستراد المرفأ، وكان لها حصة من فنجان قهوتنا كل صباح في البلد.
وبيروت لا ترمى بوردة وليس بـ2750 طنا من المواد المتفجرة وعنابر الزيت وهي التي اعتادت أن تغدق أطنان الياسمين وينتشر العبير في ضفاف المتوسط. ولم يبق من وهم المدن المشرقية المتوسطية المهمة (الإسكندرية، إزمير، بيروت) سواها ولم تلبث تقاتل ببسالة لأجل النور. تحرقها نار القربى، ونار الصراع العربي الإسرائيلي، ونار صراعات المنطقة والقوى الصاعدة والقوى النازلة، ولا تستسلم. وما أحرقت ألف حرب هويتها بل بلورتها وحققتها.
تنهض في كل مرة لتشهد للحداثة والحرية وقبول الآخر المختلف وقيمة الإنسان وكرامته وتعزيز سبل التلاقي بين الجميع. مدينة المواطن والمقيم والعابر. مدينة أنت تملكها وتكون فيها ما تريد من الزهو والانكسار وتساعدك على إنجاز مشروعك وعلى الحلم، وشغف الحياة.
كتب الشاعر محمود درويش غير مرة: أدهشتني بيروت حين لم أستطع الحصول على تذكرة لحضور فيلم لبيرغمان في بعد ظهر يوم عادي. وشرح العلاقة مع بيروت: «نادراً ما تحتاج إلى التأكيد من أنك في بيروت لأنك موجود فيها بلا دليل وهي موجودة فيك بلا برهان».
بيروت حنونة على المهاجرين وكانوا يهبطون من القرى للهجرة من مرفئها ومعهم الأهل يودعون فلذاتهم. وكانوا يحملون معهم درفات المرايا في خزائنهم وكلما أبحرت السفينة صعدوا إلى تلال المرفأ لكي تنعكس الشمس في المرايا باتجاه عيونهم. «هكذا تبقى شمس بلادهم في عيونهم، ويعودون. يا بحر هدي الموج فيك حبابنا». هكذا يروي فؤاد سليمان قصة الذين هاجروا من مرفأ بيروت بداية القرن الماضي.
«لماذا تطير بيروت بأجنحة قاتلة؟» هل ثمة من يرسم مصيرا آخر لها؟ كيف يعود الزمن الذي تحبه بيروت؟ تقول الأغنية الفيروزية: «ارجعي يا بيروت بترجع الأيام».



مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي
TT

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي، تنتصب الخيمتان العملاقتان اللتان تختصران نبض سوق الفن العالمي وذاكرته، حيث تلتئم نسختا هذا العام من معرَضي «فريز لندن» و«فريز ماسترز» لتؤكدا مجدداً أن العاصمة البريطانية ليست مجرد سوق تداول، بل مختبر نقدي حي يتلمس تحولات الجمال والسياسة والهوية. خيمتا الفن العملاقتان هذا العام ليستا مجرد مساحات لعرض السلع البصرية الفارهة، بل تحولت تحت أقدام الزوار والقيّمين إلى ساحة اشتباك فكري عالي النبرة، تتصارع فيها السرديات الكولونيالية الموروثة مع أصوات الهامش والجسد والمادة، مانحةً النقاد فرصة نادرة لتشريح أين يتجه الفن المعاصر، وكيف ينظر إلى ماضيه بعيون لا ترحم ولا تكتفي بالزخرفة والتزيين.

إذا تجولنا أولاً في أروقة «فريز لندن»، سنرى كيف انشغل 172 غاليري من مختلف أصقاع الأرض بتفكيك الحاضر وتشريح الجسد المعاصر، ففي جناح «ليسون غاليري» مثلاً، يقدم الفنان البرازيلي دالتون باولا مرافعته التشكيلية الصامتة والعميقة عبر لوحات تعيد الاعتبار لشخصيات تاريخية من ذوي البشرة السمراء ممن محتهم الذاكرة الاستعمارية بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، مستخدماً ضربات فرشاة رقيقة وسطوحاً حليبية تمنح شخوصه طابعاً طيفياً يرفض النسيان.

وإلى جوار هذه الصرامة التاريخية، تقتحم الفنانة الأميركية لوسي دود، عبر غاليري «سبروث ماغرز»، فضاء التجريب المادي البحت مستبدلة بالصبغات التقليدية تركيبات عضوية وطبيعية تنفتح على الموت والتآكل والتشكل، لاغية الحدود الفاصلة بين اللوحة ككائن جمالي مستقل وبين الطبيعة في صيرورتها الحية، وهو ما يعيدنا برهافة تشكيلية إلى «فن الأرض» Land art، ولا يقل عنها حضوراً الفنان الأميركي خليف طاهر طومسون مع غاليري «فيكتوريا ميرو»، حيث يمزج بحرفية عالية بين الجلد والأقمشة والخشب في بورتريهات حميمية تحتفي باليومي والمهمش من حياة الأفارقة الأميركيين، مؤكداً أن الملمس المادي للعمل الفني هو جزء لا يتجزأ من حمولته السياسية والنفسية.

وعلى الضفة المقابلة للحديقة، حيث يعيد «فريز ماسترز» كتابة التاريخ الفني بعيون واعية نقدياً، تتجلى بوضوح رغبة المعرض في تفكيك المركزية الغربية والاحتفاء بالحداثات البديلة والمهمشة. ولعل الجناح المشترك بين غاليري «ديفيد زورنر» وغاليري «فيكتوريا ميرو» قد شكل العلامة الفارقة الأبرز عبر استعادة أعمال الرسامة الأميركية أليس نيل وهي تعيد تعريف الحداثة الجندرية والإنسانية النيئة؛ حيث تصرخ الأجساد العارية والمأزومة بشجاعة نادرة في وجه القواعد الأكاديمية الكلاسيكية.

وفي الاتجاه نفسه، يبرز حضور غاليري «لوفت آرت» مسلطاً الضوء على ريادة الحداثة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، من خلال التكثيف البصري الساحر لأعمال الفنان المغربي الراحل محمد المليحي وموجاته الشهيرة التي تختزل روح مدرسة الدار البيضاء وتلاحمها العضوي مع التراث الحرفي الأمازيغي. ولا يغفل المعرض رد الاعتبار لنسوة الحركات التجريدية كفنانات نادي الشارع الثامن (The 8th Street Club) وهن مجموعة رائدة من الفنانات اللاتي سكنّ وابتكرن في قلب مشهد التجريدي التعبيري في نيويورك خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين مثل إلين دي كويينغ وجوان ميشيل وغيرهن، واللائي ظَللن لعقود طويلة محجبات بظل أقرانهن الرجال، لتأتي أجنحة مثل غاليري «بيري كامبل» وتكشف عن عبقريتهن البصرية المكبوتة.

لغة الأرقام الفنية

أمّا على صعيد لغة أرقام المبيعات الصاخبة خلف الستار الجمالي، فقد برزت صفقات ثقيلة الوزن تجسد صدارة القطع المتحفية عالمياً؛ إذ بيعت لوحة الطبيعة الساكنة التاريخية للرسام الفلمنكي جان بروغيل الأكبر لدى غاليري «هاوزر أند ويرث» بمبلغ ناهز 6.5 مليون دولار، تليها لوحة الفنان البلجيكي ميكائيل بوريمانس بـ1.5 مليون دولار. كما بيعت لوحة للفنان المفاهيمي جورج كوندو بـ600 ألف دولار بالتساوي مع عمل برونزي لأنطوني غورملي، بينما بيعت لوحة للفنانة كارا ووكر بـ400 ألف دولار.

جغرافيا الفن العربي

ولم يكن الوجود العربي في هذا الحدث الاستثنائي مجرد مشاركة شرفية أو هامشية، بل امتداداً لقوة حوارية تفرض حضورها الجمالي والمفهومي بثبات؛ حيث وضعت الصالات العربية بصمتها التأسيسية من خلال مشاركات نوعية شقت قنوات جديدة للرؤية. فتألق غاليري «صفير زملر/ بيروت - هامبورغ» بطرحها المفاهيمي العميق عبر استعادة صياغة الأرشيفات السياسية والبصرية في المنطقة مع أعمال لورنس أبا حمدان ووليد رعد ورايان تابت، بينما نجحت صالة أثر (جدة/ الرياض) في لفت الأنظار إلى التحولات المعاصرة في المشهد السعودي عبر مقاربات فنية ومفاهيمية للفنانين مثل أحمد ماطر ورامي فاروق ومحمد الفرج وسارة أبو عبد الله وأميرة موصلي، واستكشافهم الشاعري للبيئة والمادة.

وعلى صعيد «فريز ماسترز»، فرض غاليري «لوري شبيبي» (دبي) حضوره عبر عرض أعمال الفنانة الفلسطينية الإيرانية الراحلة مليحة أفنان مستعرضا آثارها الخطية والتجريدية التي تتقاطع فيها الكتابة والذاكرة والنزوح بشاعرية مكثفة.

وسجل غاليري «المرسى» حضوراً لافتأ عبر الاحتفاء بالأعمال الإيقاعية والتجريدية الفريدة للفنان التونسي-الفرنسي محجوب بن بله ليقدم من خلالها جسراً بصرياً يمزج بين الذاكرة الأفريقية-العربية والتقاطعات الخطية المعاصرة لتؤكد أن الجغرافيا العربية أضحت أحد المحركات الأساسية لإعادة تشكيل المشهد البصري المعاصر.


«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي
TT

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المصرية دينا شحاتة من عتبة غنائية، تستعير عنوانها من أغنية للمطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر، المفضل لدى بطلها «طارق العايق»، الذي يبدو كأنه خرج من عالم الأغنية نفسها، محملاً بخيبات عاطفية وأحلام صغيرة لم تتحقق.

من هذه العتبة يمتد الطابع الشعبي عبر سطح العالم الروائي، المعبأ بأصوات الباعة الجائلين، وأغاني «الضمة» البورسعيدية، وصولاً إلى مدرجات النادي المصري لكرة القدم، في عالم يستدعي ذاكرة السينما المصرية في تكويناتها الشعبية الصاخبة، وشخصياتها التي تتأرجح ما بين الاستعراض والهزيمة.

ومن خلال قصة حب تبدو عادية، تجمع طارق بابنة جيرانه «ميرفت» تتسع أسئلة الخديعة لتطال تصوّرات البطل عن نفسه، وعن النجاح والمكسب والخسارة، وعن حدود إنسانيته داخل المدينة التي ينتمي إليها.

يستعيد طارق حكايته مع ميرفت بوصفها خسارته الكبرى، كأن حياته انقسمت إلى ما قبل هذه العلاقة وما بعدها، غير أن الخسارة العاطفية تأتي ضمن سلسلة من الإخفاقات؛ فالرجل الذي لم ينجح في الاحتفاظ بوهج قصته مع حبيبته، لم ينجح كذلك في تحقيق وعود الصعود الاقتصادي التي أغرته بها تجارة الملابس المستعملة في سوق «البالة»، لتعيد تساؤلات المكسب والخسارة تدوير نفسها، فيما يواصل البطل البحث عن تفسير لما جرى له، وعن طرف آخر يحمّله مسؤولية الهزيمة.

وهكذا تتجاوز مفردة «انخدعنا» دلالتها الغنائية المباشرة، لتتشعب عبر شبكة من الأسئلة التي تضعها دينا شحاتة داخل بناء سردي يستعير منطقه من لعبة «الدومينو»، لتتوزع الرواية عبر أربع جولات، تتخللها فواصل تعيد ترتيب قطع اللعبة، وصولاً إلى «قفلتها» الأخيرة.

لتصبح لعبة الدومينو هنا وسيلة لتنظيم العلاقات بين الشخصيات والأصوات، حيث تتغير مواقع اللاعبين «الأبطال» وتتبدل احتمالات الفوز والخسارة، بينما تظل كل قطعة مرهونة بما يسبقها وما يليها.

من خلال هذا الترتيب، تسحبنا الرواية من النظر إلى طارق بعين الراوي العليم، إلى الإصغاء لصوته نفسه، قبل أن تضع الصوتين في مواجهة صوت سردي ثالث هو صوت المدينة، لتكتسب «بورسعيد» حضوراً سردياً مستقلاً، بوصفها ذاتاً تمتلك ذاكرة خاصة، وتعيد قراءة حكاية طارق في ضوء تاريخها.

حدود الراوي العليم

تبلغ هذه الندية ذروتها في تحدي المدينة لمعرفة الراوي العليم نفسه، ووصفه بأنه «الراوي ناقص المعرفة»، لتشمل لعبة الرواية تحدي سلطة السارِد العليم، ويفتح صوت المدينة حكاية طارق على تاريخ أقدم من علاقته بميرفت، يبدأ من لحظة ميلاد بورسعيد مع حفر قناة السويس عام 1859.

في هذا الانتقال، تضع الرواية الذاكرة الشخصية للبطل في مواجهة ذاكرة جمعية مثقلة بالتحولات، فبورسعيد، المدينة التي ارتبط اسمها في الوجدان المصري بالبسالة والمقاومة، تحمل أيضاً تاريخاً من المعاناة البشرية والخسائر؛ من العمال الذين قضوا في أعمال حفر القناة، إلى مواجهة العدوان الثلاثي عام 1956، ثم تجربة الحرب والتهجير عقب عام 1967، وصولاً إلى التحولات الاقتصادية التي أعادت تشكيل حياتها الاجتماعية وصورتها عن نفسها.

ويتيح استدعاء هذا التاريخ قراءة ما يقع خلف الروايات الكبرى عن المجد والانتصار، بما فيها الأجساد التي دفعت الثمن، والوعود التي لم تتحقق، والحيوات الصغيرة التي توارت خلف التحولات السياسية والاقتصادية، وتستعيد المدينة تاريخ ميلادها بوصفه جرحاً جسديّاً، تتجاور فيه صورة الشريط الساحلي الذي شقته الفؤوس مع أجساد العمال الذين احتضنتهم الرمال، لتصبح نشأتها نفسها محملة بمفارقة التقدم والخسارة.

تتبدى أنسنة المدينة في نديتها للبطل عبر تشبيه مصيرها بمصيره: «مثلك أنا يا طارق، عشر سنوات لم تكفِ الأيادي عن الحفر، تمنيت لو يتم مسحها من ذاكرتي»، لتمنح خساراته الفردية عمقاً أبعد في ذاكرة المكان، فكما يتمنى طارق نسيان سنوات عمله في التهريب وتجارة الملابس، تتمنى المدينة محو سنوات الحفر التي شهدت ميلادها، وما ارتبط بها من استغلال وموت.

وتتعمق هذه الأنسنة عبر الصورة التي ترسمها المدينة لنشأتها، حين تتشكل لها عينان قبل أن تمتلك القدرة على الاعتراض، فيصبح النظر إلى المأساة أول أفعالها، وتتحوّل الذاكرة إلى عبء ملازم لوجودها، وتكتسب عبارة «هل تدرك قسوة أن تتشكل لك عينان أولاً. قسوة أن ترى دون فعل؟ وما رأته عيناي في ولادتي، ما كان يجب أن يُرى» دلالتها من هذا العجز المبكر، الذي يجعل شهادة المدينة على التاريخ مشوبة بإحساس مستمر بالفقد.

ومن هنا تتجاوز الموازاة بين البطل «طارق العايق» ومدينة «بورسعيد» مجرد التشابه في الخسارة؛ فبينما يرى طارق أن خديعته بدأت مع ميلاد ميرفت، تعيد المدينة قصته إلى تاريخ أسبق، حيث تتشكل مصائر الأفراد في امتداد الشروط الاجتماعية والاقتصادية للأمكنة التي نشأوا فيها.


بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»
TT

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

تنتمي هذه الرواية، وأعني بها رواية «الزعيم، خرائط وأسلحة» للروائي علي بدر، إلى ما نسميه برواية السيرة، أو الرواية السيرية فهي تجمع بين مستويين سرديين؛ مستوى السيرة ومستوى الرواية، وإن تغلب المنحى الروائي في النهاية على الطبعة النهائية للنص.

وهذه الرواية تجمع أيضاً بين السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافيا) والسرد الروائي المبأر التي يرويها سارد أو مشاهد داخلي أو خارجي، فالرواية لا تخلو من كونها رواية «بيوغرافية» عن شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسم، لكنها لا تلتزم بسياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية إنما بعطاء المخيلة السردية، فالروائي سيكتب، أساساً، سيرة بيوغرافية عن شخصية الزعيم، لكنه أيضاً يكشف عن بعدٍ (أوتو بيوغرافي) من خلال المرويات التي يقدمها الزعيم عن نفسه أسرته ومجتمعه، أو من خلال مرويات تخييلية وافتراضية وسردية ليس إلا.

والرواية ليست عن حياة الزعيم فقط، بل ربما أساساً عن الناس، وعن العراق بصورة عامة، وبشكل خاص المحطات التاريخية التي صنعها، وتلك التي ساهم في صنعها، ولذا فالرواية لا تخلو إلى حدٍ كبيرٍ من سرد تاريخي موثق ودقيق، على الرغم من بنيتها التخييلية الافتراضية، كما أنها تنطوي على مقاطع تأريخية وتسجيلية واقعية مما يجعلها رواية «ميتا سردية»، وتتحول أحياناً إلى فسيفساء سردية ملونة وعلى الرغم من كون الرواية تدور حول شخصية تأريخية معينة هي شخصية الزعيم لكنها لا تعتمد على ملاحقة حبكة أو حكاية واحدة، بل على مجموعة حبكات ومرويات وحكايات. ولذا فهي لا تنمو خطياً، وإنما تنتقل بين أزمنة وأماكن وتواريخ متعددة وتمتد إلى بداية القرن العشرين، والاحتلالين العثماني والإنجليزي للعراق.

وبسبب تعدد الروايات والمتطورات السردية، تتحول الرواية تدريجياً إلى رواية بوليفونية تتميز بظهور عدد كبير من الأصوات الرواة والشهود الرئيسيين والثانويين الذين يسردون صفحات مطوية من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي منذ نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، التي أسفرت عن هزيمة العثمانيين واحتلال الإنجليز للعراق عام 1917، وهي تدون وقائع مركزية من تاريخ العراق الحديث.

ويمكن القول إن الكثير من مرويات الرواية عن مخطوطات ووثائق شفاهية أو مكتوبة، وهي تعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على الجوهر الواقعي للسرد، الذي يخلو من مقاطع تسجيلية أو وثائقية، وبشكل خاص في وصف وقائع الثورة التي تم غالباً عبر طراز الصحافة الاستقصائية التي تلاحق الحدث المركزي منذ بدايته كاشفة عن جذوره ومساراته وعوامل القوة والتقهقر فيه، إلا أن الروائي يعمد بين آونة وأخرى لاختلاق شخصيات غير واقعية مثل شخصية جورج إلياس الذي يروي نيابة عن والد الزعيم الكثير من جوانب الحياة في العراق آنذاك.

هذه الرواية رواية عن التاريخ العراقي الحديث، لكنها ليست رواية تسجيلية أو تاريخية تقليدية، إنما هي سرد تاريخي تخيلي وافتراضي لا يخلو من التلفيق أحياناً، ويستحق تقدير الجهد الذي بذله المؤلف في نبش التاريخ والجغرافيا والسياسة في العراق، وإعادة تقديم تصوره الشخصي لما يدور، وما يمكن أن تسير إليه الأمور مستقبلاً.

والرواية من الناحية الفنية، تنهض على بنية سردية تشكل من تقنيتي المونتاج والكولاج، ومن المعروف أن تقنية المونتاج ترتبط أساساً بفن السينما، حيث الانتقاء المدروس للمشاهد والأحداث لتحقيق هدف السرد السينمائي، أما تقنية الكولاج فترتبط أساساً بالفن التشكيلي حيث التداخل شبه العشوائي بين المنظورات والمشاهد، ولعل الحركة الروائية كانت أفضل من وظف هذه التقنية لإنتاج اللوحة التشكيلية الحديثة.

ويستطيع القارئ أن يلاحق بهدوء تشكيلات الكولاج والمونتاج في بناء المشاهد الروائية، بعيداً عن المنظور الخطي المتصاعد للحدث أو لبناء الشخصية.

ويمكن أن نعدّ شخصية الزعيم بمثابة البنية الإطارية في الرواية، بوصفها البؤرة المولدة للأحداث الروائية، لكنها لن تكون البؤرة الوحيدة، فهناك عدد غير قليل من البؤر الثانوية المولدة للأحداث الروائية.

وتبدأ الرواية، من النهاية تقريباً، تحديداً بعد مقتل الزعيم عبد الكريم قاسم في انقلاب الثامن من فبراير 1963 الذي دبره القوميون والبعثيون بقيادة العقيد عبد السلام عارف، ثم تعود الرواية، ربما عبر تقنية التقريب والتكبير (الكلوز آب) السينمائية إلى الماضي، الذي يمتد إلى مطلع القرن العشرين عندما رزق النجار قاسم ولداً سماه عبد الكريم، الذي تدور الرواية حوله.

والرواية لا تتماشى والمسار الخطي المتصاعد من الماضي إلى الحاضر، بل تبدأ من صورة الزعيم المدني وجدته التي قيل إنها ألقيت في نهر دجلة آنذاك، ومن خلال تشبيه وجه الزعيم النحيف هذا يعود الروائي إلى العام الذي التقطت له فيه صورته الوحيدة عام 1917، عندما كان عمره ثلاث سنوات لا غير، طويل القامة، له منظر سقيم وأذنان كبيرتان تشبهان الفطر، يقف أمام المنزل في محلة المهدية مع شقيقه حامد، هو أكبر سناً منه، ومعهما شقيقته أمينة، بأسمالها ووجهها الذي سوّده الدخان (ص 10). ويقارن الروائي بين صورة الزعيم هذه عندما كان طفلاً بصورته عندما قتل بين الانقلابين عام 1963 و«صورة وجهه يوم مقتله، بالأبيض والأسود، والمنشورة في مجلة (التايم)، البريطانية، تشبه صورته وهو طفل... عندما كان له من العمر ثلاث سنوات فقط» (ص 1).

تدور الرواية حول شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسمrnلكنها لا تلتزم سياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية وإنما عطاء المخيلة السردية