لبنان... شهادات ما بعد الصدمة

كتّاب باتوا بلا منازل

لبنان... شهادات ما بعد الصدمة
TT

لبنان... شهادات ما بعد الصدمة

لبنان... شهادات ما بعد الصدمة

من الصعب على اللبناني اليوم، أن يكتب عن عاصمته المنكوبة. إنه ليس وقت الكتابة، بل هو زمن للصمت والحزن والحداد، ولا يزال أهالي المفقودين يبحثون عن أشلاء أولادهم تحت الحطام. بعض الكتّاب باتوا بلا منازل بعد أن تحطم كل شيء، منهم من يلملون أجزاء بيوتهم التي تهاوت، منهم من فقدوا حبيباً أو صديقاً أو قريباً. بيوت بيروت في غالبيتها فقدت نوافذها وأصبح الناس معرضين للعراء. في هذه الأجواء، تصبح الكتابة فعل مقاومة أو فعل غضب. أو هي مجرد تأمل في سوريالية باتت تتجاوز الجميع. في لحظة واحدة طارت بيروت «ست الدنيا» ثم عادت واصطدمت بالأرض، وحلّ الخراب. الكتابة عن بيروت، من بيروت ليست سهلة، وهذه المساهمات التي تنشر اليوم، هي خارجة من قلب الصدمة.
أمين ألبرت الريحاني: أكتب
ولا أدري ماذا أقول
بقلب حزين وعين دامعة وغضبٍ «ساطع»، وبعد أيام على فاجعة تفجير بيروت وتدميرها، أجدني مختلياً بنفسي أكتب ولا أدري ماذا أقول. أحاول الابتعاد عن كل انفعال وكل ميل وهوى لأتساءل: هل أصرخ مع الصارخين بوجه أهل السلطة؟ هل أُذَكِّرُهم بأن الناس ما عادوا يتحملون كلامهم على الشاشات الصغيرة، هنا يُعلَن «الحداد الرسمي»، وكأن المسألة تتوقّف عند الحداد على الضحايا، ضاربين عرض الحائط كرامات الناس وحقوقهم ومطالبهم وعدالتهم ومستقبلهم ومستقبل أولادهم، أو أن المسألة رهن بصفة هذا الحِداد ما إذا كان «رسميّاً أم غير رسمي». ما قيمة كل هذه التفاصيل الشكلية حين تكون الدولة مستهترة، إلى هذه الدرجة، بحقوق الناس وكراماتهم؟ ما قيمة الشكليات حين تضرب الدولة عرض الحائط العدالة المنتظَرة وحماية المواطن من كلّ أذى لَحِقَ، أو قد يلحق به؟ هذا الاستخفاف بالمواطنين يطرح العديد من الأسئلة الجوهرية في معنى الحكم ودوره ومنافعه وحقيقة وجوده.
الدولة إمّا أن تكون في خدمة المواطن أو لا تكون، إمّا أن تسهم في عمليّة النمو الاجتماعي والاقتصادي والتربوي أو لا تكون. أي إمّا أن تكون دولة أو تصبح مغارة للصوص. وأهل الدولة، أهل السلطة، إمّا أن يتسابقوا على تعزيز الشأن العام، كما هو حاصل في البلدان المتقدّمة، أو يجدوا أنفسهم في «تناتش» السلطة ومكاسبها، وفي «كباش»، واحدهم مع الآخر، لكسب الصفقات وتوزيع المغانم... لذا تجدهم في تَذاكٍ دائم، وفي مزايدات لا تنتهي، والنتيجة تراجع مؤسسات الدولة وتقهقرها. واللافت أنّ أهل السلطة، في مزايداتهم وتذاكيهم، يرُدّون الفساد إلى ثلاثين سنة خلَت ظنّاً منهم أنّهم بذلك يرفعون المسؤولية عن كاهلِهِم ليلقوها على الآخرين، والآخرين الأبعدين. في حين أنّ الفساد المستشري قد نشط بشكل مباشر ووقِح منذ عشر سنوات وبدأ الانهيار الاقتصادي منذ نحو خمس سنوات. فميزان المدفوعات حتى عام 2010 كان يحمل مؤشرات إيجابية، ونسبة الصادرات بالمقارنة مع الاستيرادات كانت شبه متوازية ومتوازنة. ويجب أن نُذَكِّر بأننا في عام 1963، في عصرنا الذهبي، صُنِّفَ لبنان الرابع عالميّاً في النمو الاقتصادي بعد الولايات المتحدة الأميركيّة، وفرنسا، وسويسرا. إذن ما الذي كنّا قادرين عليه منذ ستين سنة تقريباً، ولم نعد قادرين عليه اليوم؟ صحيح أننا مررنا بحروب إقليمية وحروب الآخرين على أرضنا ولكن كلّ ذلك لا ينفي قدرة معيّنة كُنّا نتمتع بها جماعيّاً ووطنيّاً وافتقدناها اليوم. ما هو سحرُ ذلك العصر الذهبي الذي نجحنا في تنفيذه عهدذاك وأخفقنا في تنفيذه في هذا العهد؟
الدولة في بلاد الناس، هي التي تتكّل على أخلاقها قبل الاتكال على دستورها وقوانينها وأنظمتها. الدولة في بلاد الناس، دستورها الأخلاق، وقانونها الأخلاق، ونظامها الأخلاق.
الدولة عندنا في تخبّط وضياع لأننا عاجزون عن اتخاذ قرارات حاسمة حول أي مشكلة تواجهنا. والسبب في ذلك سببان: الأول: أنّ منطق التراضي والاسترضاء ما زال يغلب على كلّ اعتبار آخر. والثاني: أنّ منطق تغليب المصلحة الوطنية ما زال ضعيفاً أو غائباً كلّ الغياب.
والدولة في بلاد الناس، تحزم أمرها من البداية، فبعد تقديم الملفات المكشوفة والأهداف المكشوفة والأرقام المكشوفة، حول أي قضيّة من القضايا أو حول أي مشروع من المشاريع، تكون مستعدة للحسم في أمر قراراتها بلا تردد وبلا هوادة فالقرار يصدر بسرعة (من دون تسرّع)، والاستقالة عند الضرورة فورية، والفعل دائماً يسبق القول. لذا فالفعل في المواقف الوطنية لا يعرف صيغة المستقبل (سنفعل وسنُنشِئ وسوف نُنَفِّذ) بل يباشر دائما بصيغة الماضي (فعلنا وأنشأنا ونفّذنا) والقول يأتي دائماً بعد الفعل وليس العكس، لأنه لا قيمة للقول الذي يسبق الفعل.

إيمان حميدان: لا نريد سوى أن نؤلف الشعر والموسيقى
أنا في المترو للقاء ابنتي، حين شعرت بهاتفي الصامت يهتز. رأيت اسم صديقة لم أسمع منها منذ أشهر. لم أردّ. ترَكَت رسالة «كوني بخير مع عائلتك في بيروت. إنها فاجعة. طمّنيني»... رسائل متتالية من أصدقاء وصديقات، فيما بدأتُ أبحثُ عمّا حدث في بيروت وأتلقى الصور والأفلام... إنها أكثر من فاجعة، بيروت تحت الأنقاض، ضربة أبوكاليبتيكية. حدث جلل يتجاوز خيالي أنا التي عشت الحروب الأهلية والعنف لسنوات. إلا أن ما حدث في مدينتي مساء 4 أغسطس (آب) لا يشبه ما عشناه سابقا بشيء. إنها 11 أيلول بيروت، هيروشيما بيروت.
أقضي الليل مع ابنتي نتصل بأفراد العائلة ونطمئن على الأصدقاء. ليلة بيضاء تتخللها كوابيس قصيرة أخاف أن أرويها.
بيروت، لماذا يكرهونك إلى هذا الحد؟ لماذا عليكِ، أنت التي على صورتنا، أن تُدمّري مرّات ومرّات؟ متى سيشبعون؟ متى سيحوّلون كرههم وأمراضهم عنك ويتركوننا بسلام؟ لماذا كتب على أطفالنا أن يولدوا في الحرب ويكبروا في الحرب ويهاجروا، هذا إن لم يموتوا، في الحرب؟ لماذا كُتب على لبنان أن يبقى في عين العاصفة الدولية والإقليمية؟
كفى! نريد أن نحيا بسلام، أن ننتج بحرية ونبدع ونكتب ما نفكّر به. أن نرسم ونغني ونؤلف الشعر والموسيقى.
اتركوا لنا لبناننا الذي نريد، وخذوا حقدكم وكرهكم وارحلوا!
اتركوا لنا بيروتنا الغارقة في دمها ودمارها. اتركوها!
نحن، فقط نحن، سنبنيها من جديد.

جنى الحسن: أخجل من الاعتراف
بيروت... أحبك ولكن لا ضوء في آخر هذا النفق. مرّ انفجار بيروت وأنا على بعد مئات آلاف الأميال عن المدينة. بعيدة جداً بالمسافة. بعيدة بقرارٍ شخصي اتخذته منذ خمسة أعوام لأنّ هذه المدينة أرهقتني. أن ترهقنا أوطاننا لا يعني أنّنا توقفنا عن حبّها، بل إن الألم الذي تسببت لنا به كان أقوى من أن نستمر بالعيش فيها
أنا الهاربة من الانفجارات وقطع الكهرباء المستمر والجدالات السياسية العقيمة والطائفية والنفايات والتضخم الاقتصادي والبطالة وغياب العدالة ولائحة لا تنتهي من المشاكل التي تثقل كاهل اللبنانيين. أراقب الانفجار عن بعد وأجد نفسي عالقة بين إحساسين، الأوّل يتمثّل بالغضب والحزن، يتماشى معه شعورٌ رهيب بالعجز، والثاني والذي يؤرقني فعلياً ويشعرني بالخزي بشكلٍ أو بآخر، ولكن سأعترف به لأنّه موجود، وهو شعوري بالخلاص وبأنّني ناجية من «جحيم» الوطن.
الشعور الثاني هو فعلياً ما أخجل بالاعتراف به حتّى لنفسي، فكيف سأقول إنّ جزءاً منّي، يشعر بأنّي محظوظة لأنّي حظيت بفرصة الرحيل. ثمّ أتذكر أنّني لست المهاجرة الوحيدة. الذين هربوا من هذه البلاد هم فعلاً أكثر من الذين بقوا فيها. وربما معظم من بقوا هناك إمّا ندموا أو لم تأتهم فرصة الرحيل.
أنا لا أتباهى بالرحيل، فهو مؤلمٌ كثيراً. ألمه على قدر الخيبة. والخيبة شعورٌ قاتم، كعنكبوتٍ ينسج خيوطه حول القلب، فيجد الأخير نفسه يعتصر كلّ الوقت بحرقة، ويبقى نزفه داخلياً، عاجزا حتى عن الصراخ. لا يمكنني أن أشاهد كلّ صور الموتى التي أتت من بيروت، لا أريد ذلك. لا أريد أن أرى غضب الناس الذي لا يستجيب له أحد، لأنّي محبطة. وأعرف أن الإحباط ليس الحل، لكن هذا ما أشعر به.
حكايات الموت في هذا البلد لا تنتهي. والصراعات تصبح أحياناً نمط حياة، نألفها بشدة لدرجة أنّنا لا نعود قادرين على إدراك مدى كونها غير طبيعية وكم يمكن أن تكون تأثيراتها سلبية.
وها هو جرحٌ جديد وعميق وآخر. وليس هذا أسوأ ما في الأمر، الأسوأ هو أنّه على الأغلب لن يكون الأخير. لا ضوء في آخر هذا النفق. لقد اعتقدنا أننا رأيناه العام الماضي، حين نزل اللبنانيون إلى الشوارع في مظاهرات سلمية كان وجهها الأبرز الحب وهتافات الحرية والمطالبة بالعيش الكريم. كان ذلك الضوء الذي رأيناه، طرابلس التي رقصت على موسيقى التكنو لتصرخ أنّها ليست مدينة اشتباكات وبيروت التي تخلّت عن أي صبغة طائفية والنبطية، وخلعت عباءة الزعيم ومشاهد أخرى أضاءت لنا شعوراً بأنّه قد يصبح لنا يوماً وطن.
ولكن تلك المشاهد زالت وحلّ مكانها العنف والتكسير، وتلا ذلك شعور بالانهزام في داخل الكثيرين، كأنّه محكوم على هذا البلد الصغير بأن يبقى رهينة من يعبثون به.
الانفجار ليس وحده المأساة. قد يكون ربما دويّها الأشدّ، ولكنّ يوميات الحياة في لبنان هي انفجار صامت تحرق نيرانه السكّان.
من على بعد آلاف الأميال... أرى بلداً يحترق، حكاما يقتلون شعبهم، وشعبا يتمسّك جزء منه بهؤلاء الحكام. بلدٌ يحترق، يحرق معه أبناءه الذين يحبونه بشدّة ولكنّ بعضهم تعبوا من هذا الحب، لا يريدون أن يتصدّروا نشرات الأخبار ولا أن يلملموا الجراح ويستمروا بالصمود. الصمود يجب ألا يتحوّل إلى أسلوب حياة. يريدون فقط أن يعيشوا ببساطة وبأمان، فهل هذا ممكن؟
بيروت، أنا أحبّك وأدين لك بالكثير. أنت وأنا، كلانا نعرف أنّنا تشاركنا لحظات كثيرة حميمة معاً، ضحكنا وتألمنا وفرحنا وبكينا. وأنتِ تؤلمينني كثيراً وأنا أراكِ هكذا ولا يمكنني أن أفعل لكِ شيئا. وأنت تعرفين أنّي أحاول أن أخرجكِ من تفكيري لأنّكِ منهكة. وأنا أبحث لكِ عن الخلاص، ولا أجده، وأحياناً أحسبكِ وهماً وأحياناً أخرى مارداً قادرا على النهوض من بين الركام.
بيروت أنا أحبّك وأحاول من على بعد آلاف الأميال، أن أجدكِ وأمدّ جسراً إليكِ ولكنّي لا أرى هذا الضوء في آخر النفق. وربما كل ما تحتاجين إليه الآن ليس الحل، بل أن أضيء شمعة لأجلك. هذا ما سأفعله لكِ وأعدك يوماً أنّي سأجد لك طريقة لأعبّر لك بها عن هذا الحب. حتّى ذلك الوقت، كوني بخير ولا تحزني.

سليمان بختي: بيروت 2020 و2750 طنا من الياسمين
هذه بيروت. مدينة ولدت فيها ونشأت وتعلمت وعملت وحلمت. ومشيت فوق ترابها مع جدي وأبي وابني وأمني النفس أن أمشي فيها مع أحفادي وأموت فيها
هي مدينة الأفق والأمل إذا سكنتها مرة سكنتك إلى الأبد. وإذا غبت عنها أو تأخرت قليلاً تركت لك الباب مفتوحاً للعود الأبدي. اليوم، ينام معنا السؤال كيف ننقذ بيروت. كيف؟ ونحن لا نعيش بل ننجو. وبيروت لا تعتم تعطيك من روحها وتوسع لك مطرحاً فكيف ترد. في الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 افتدى صنوبر بيروت أرز لبنان. وفي انفجار بيروت عام 2020 افتدى أهل بيروت المدينة بأرواحهم. كم صعبة ومعبرة صورة الأم التي ولدت الطفل في غرفة مدمرة في مستشفى مدمر. هكذا تولد الحكاية. يولد الأمل. تولد بيروت.
كم صعبة ومؤثرة صورة اليمامة الميتة النائمة على أوتوستراد المرفأ، وكان لها حصة من فنجان قهوتنا كل صباح في البلد.
وبيروت لا ترمى بوردة وليس بـ2750 طنا من المواد المتفجرة وعنابر الزيت وهي التي اعتادت أن تغدق أطنان الياسمين وينتشر العبير في ضفاف المتوسط. ولم يبق من وهم المدن المشرقية المتوسطية المهمة (الإسكندرية، إزمير، بيروت) سواها ولم تلبث تقاتل ببسالة لأجل النور. تحرقها نار القربى، ونار الصراع العربي الإسرائيلي، ونار صراعات المنطقة والقوى الصاعدة والقوى النازلة، ولا تستسلم. وما أحرقت ألف حرب هويتها بل بلورتها وحققتها.
تنهض في كل مرة لتشهد للحداثة والحرية وقبول الآخر المختلف وقيمة الإنسان وكرامته وتعزيز سبل التلاقي بين الجميع. مدينة المواطن والمقيم والعابر. مدينة أنت تملكها وتكون فيها ما تريد من الزهو والانكسار وتساعدك على إنجاز مشروعك وعلى الحلم، وشغف الحياة.
كتب الشاعر محمود درويش غير مرة: أدهشتني بيروت حين لم أستطع الحصول على تذكرة لحضور فيلم لبيرغمان في بعد ظهر يوم عادي. وشرح العلاقة مع بيروت: «نادراً ما تحتاج إلى التأكيد من أنك في بيروت لأنك موجود فيها بلا دليل وهي موجودة فيك بلا برهان».
بيروت حنونة على المهاجرين وكانوا يهبطون من القرى للهجرة من مرفئها ومعهم الأهل يودعون فلذاتهم. وكانوا يحملون معهم درفات المرايا في خزائنهم وكلما أبحرت السفينة صعدوا إلى تلال المرفأ لكي تنعكس الشمس في المرايا باتجاه عيونهم. «هكذا تبقى شمس بلادهم في عيونهم، ويعودون. يا بحر هدي الموج فيك حبابنا». هكذا يروي فؤاد سليمان قصة الذين هاجروا من مرفأ بيروت بداية القرن الماضي.
«لماذا تطير بيروت بأجنحة قاتلة؟» هل ثمة من يرسم مصيرا آخر لها؟ كيف يعود الزمن الذي تحبه بيروت؟ تقول الأغنية الفيروزية: «ارجعي يا بيروت بترجع الأيام».



الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
TT

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي، وهو عمل مطرز يعود إلى ما يقرب من 1000 عام ويصوّر غزو وليام الأول، وهو من أجداد الملك، لإنجلترا في عام 1066.

وبموجب اتفاق مع الحكومة الفرنسية، تمت إعارة النسيج، الذي يبلغ طوله 70 متراً، إلى المتحف البريطاني من مقره في شمال فرنسا ليُعرض على الأراضي الإنجليزية لأول مرة منذ صنعه.

ويروي هذا النسيج المطرز الأحداث التي قادت إلى معركة هيستنغز الشهيرة وهزيمة الملك الأنغلوسكسوني هارولد الثاني على يد النورمان. ويعتقد المؤرخون أن الأسقف أودو شقيق وليام أمر بصنع النسيج وأن خياطات إنجليزيات في منطقة كنت تولين تطريزه.

وينحدر جميع ملوك إنجلترا منذ ذلك الحين، بمن فيهم الملك تشارلز، من نسل وليام. ويمثل غزوه لإنجلترا آخر غزو ناجح للبلاد، ويعتبر عام 1066 من أشهر الأعوام في تاريخها.

وكان الإقبال كبيراً على مشاهدة هذه التحفة الفنية التي تعود إلى العصور الوسطى لدرجة أن الدفعة الأولى من التذاكر، التي قد يصل سعرها إلى 33 جنيهاً إسترلينياً، نفدت بالكامل، مما حقق إيرادات تقارب 2.5 مليون جنيه إسترليني (3.4 مليون دولار) ليصبح هذا أكثر معارض المتحف بيعاً للتذاكر.

وقال قصر بكنغهام إن الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا سينضم إليهما ماكرون وزوجته، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام، لتفقد النسيج الطويل ودراسة أبرز مشاهده، مثل تتويج هارولد غودوينسون وواقعة قتله الشهيرة بسهم خلال المعركة.

وجرى تأكيد إعارة النسيج في يوليو (تموز) خلال زيارة رسمية أجراها ماكرون إلى بريطانيا، وتعد الخطوة رمزاً لتعزيز العلاقات بين البلدين بعد الخلاف الذي أعقب تصويت بريطانيا في 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. وتربط الملك والرئيس علاقة ودية.

وقال بورنهام، الذي من المقرر أن يجتمع مع ماكرون في داوننغ ستريت غداً، الخميس، في بيان «تمثل عودة نسيج بايو إلى إنجلترا لحظة تاريخية لبلدينا، وأريد أن يتمكن الناس في كل أنحاء البلاد من الاستمتاع به».

وأضاف: «بينما نحتفل بتراثنا المشترك، سنواصل أنا والرئيس ماكرون تعزيز العلاقة بين بلدينا».

ووصل النسيج إلى بريطانيا في يوليو في رحلة نظمتها فرنسا بعناية، إذ نقل داخل صندوق مكيف ومقاوم للاهتزاز تحت حراسة الشرطة.

ومن المقرر أن يفتح المعرض أبوابه أمام الجمهور في المتحف البريطاني في العاشر من سبتمبر (أيلول) حتى يوليو من العام المقبل.


حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب
TT

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب

يردد بعض النقاد المنحازين للحداثة وما بعدها، وصف الشعراء الذين تطفح قصائدهم بالعاطفة بالشعراء الغنائيين، ويبدو أن هذه الصفة ليست مدحاً، بل هي جزء من مؤاخذتهم على القصيدة الغنائية. وكأن الغنائية، في هذه الرؤية، قد أصبحت تهمة نقدية ينبغي للشاعر الحديث أن يتخلص منها، أو على الأقل أن يخفف من حضورها في قصيدته، حتى لا يُحسب على الشعر الذي ينتمي إلى مرحلة شعرية تجاوزتها الحداثة في نظرهم.

وليس الاعتراض هنا على مصطلح «الغنائية» في ذاته، فهو مصطلح نقدي أصيل، وله حضوره في تاريخ الشعر العربي والعالمي، وإنما على الحمولة التي أُضيفت إليه في بعض التصورات النقدية الحديثة؛ إذ لم يعد يدل على طبيعة التجربة الشعرية وارتباطها بالذات والانفعال والموسيقى، بل صار يُستعمل أحياناً بوصفه علامة على تقليدية القصيدة وذاتيتها، ولم يبلغ ـ في تصور بعض النقاد ـ درجة كافية من التعقيد أو الانفتاح أو التشظي.

والغريب أن العاطفة، التي كانت في تاريخ الشعر واحدة من أهم عناصر الشعرية، أخذت تُعامل في بعض القراءات الحديثة بحذر شديد، وكأن حضورها الكثيف يهبط بالنص من مرتبة الشعر إلى مرتبة البوح. وهنا يقع خلط واضح بين العاطفة بوصفها مادة إنسانية، والتعبير الساذج عنها بوصفه ضعفاً فنياً. فليست المشكلة أن يكون الشاعر عاطفياً، وإنما المشكلة في كيفية تحويل العاطفة إلى بناء شعري قادر على تجاوز الانفعال الشخصي إلى تجربة إنسانية قابلة للتلقي والتأويل.

فامرؤ القيس والمتنبي وأبو تمام وأبو فراس والمعري، وغيرهم من كبار الشعراء، لم يكونوا غرباء عن ذواتهم ومشاعرهم، بل إن جانباً كبيراً من خلود شعرهم جاء من قدرتهم على تحويل التجربة الخاصة إلى لغة تتجاوز صاحبها. وحتى في الشعر الحديث، لا يمكن فهم كثير من التجارب الشعرية الكبرى من دون الاعتراف بمركزية الذات والانفعال والحنين والحزن والحب والاغتراب. إن قصيدة السياب، مثلاً، لا تفقد حداثتها لأنها مشبعة بالعاطفة، كما أن شعر محمود درويش لا يصبح أقل حداثة لأن الذات والحب والوطن والذاكرة حاضرة فيه بقوة.

محمود درويش

المشكلة إذن ليست في الغنائية، وإنما في اختزال الشعر إليها. فإذا كانت القصيدة مجرد انفعال مباشر، فقد تكون معرضة للفقر الفني مهما كان موضوعها. أما إذا استطاع الشاعر أن يصوغ انفعاله في صورة ورمز وإيقاع وتركيب لغوي ودلالي، فإن الغنائية تصبح عنصراً من عناصر الشعرية، لا نقيضاً لها.

واللافت أن بعض النقاد الحداثيين بالغوا في الاحتفاء بالتجريب واللغة المنفلتة من المرجع، وجدوا أنفسهم أحياناً أسرى ثنائية مصطنعة: قصيدة غنائية قديمة في مقابل قصيدة حداثية، وذات شاعرة في مقابل نص مستقل، وموسيقى في مقابل تفكيك، ووضوح في مقابل غموض. وكأن الحداثة لا تتحقق إلا بإقصاء ما سبقها، لا بإعادة قراءته واستثماره وتجاوزه بصورة إبداعية.

والحقيقة أن الشعر لا يتقدم بإلغاء خصائصه الأولى، وإنما بإعادة تشكيلها. فالقصيدة الحديثة تستطيع أن تكون غنائية وتجريبية في الوقت نفسه، وأن تحتفظ بالعاطفة من دون أن تقع في المباشرة، وأن تستثمر الإيقاع من دون أن تكون أسيرة النموذج الموروث، وأن تجعل من الذات منطلقاً لرؤية تتجاوز الذات.

ومن هنا تبدو تسمية الشاعر بـ«الغنائي» بحاجة إلى قدر من التروي النقدي. فإن أريد بها وصف طبيعة شعره، فهي تسمية مشروعة لا تحمل ذماً ولا مدحاً في ذاتها. أما إذا أريد بها إدانة الشاعر لأنه يمنح العاطفة والذات مساحة واسعة في تجربته، فإن الأمر يتحول من توصيف نقدي إلى حكم مسبق تحكمه ذائقة آيديولوجية أو حداثية معينة.

ولعل أخطر ما في هذه النظرة أنها تنقل مركز الحكم من النص إلى التصنيف؛ فيُقرأ الشاعر أولاً بوصفه غنائياً أو حداثياً أو ما بعد حداثي، ثم يُقرأ شعره على ضوء التصنيف، بدل أن يكون النص نفسه هو الذي يفرض أدوات قراءته. وهنا يفقد النقد شيئاً من وظيفته الأساسية؛ لأن الناقد لا يعود مكتشفاً لجماليات النص وطرائق اشتغاله، بل يصبح موظفاً في منظومة تصنيفية جاهزة.

إن الشعر في جوهره لا يُقاس بكمية العاطفة فيه، ولا بكمية العقل، ولا بدرجة اقترابه من الحداثة أو ابتعاده عنها، وإنما بقدرته على تحويل التجربة الإنسانية إلى لغة ذات قيمة جمالية ودلالية. ولذلك لا ينبغي أن تكون الغنائية تهمة، كما لا ينبغي أن تكون الحداثة شهادة جودة تلقائية.

فقد تكون القصيدة غنائية، لكنها عميقة ومركبة ومفتوحة على أسئلة الإنسان والوجود، وقد تكون حداثية في شكلها ومصطلحاتها، لكنها فقيرة في التجربة والانفعال. وفي الحالتين لا تنقذ التسمية النص من الحكم النقدي، ولا تدينه. وحده النص هو الذي ينبغي أن يكون في قفص الاتهام، لا الشاعر بسبب انتمائه إلى طريقة شعرية أو حساسية جمالية معينة.

إن النقد الحقيقي لا يسأل الشاعر: لماذا كنت غنائياً؟ بل يسأل: ماذا صنعت بغنائيتك؟ وكيف حولت عاطفتك إلى شعر؟ هنا فقط يصبح الحكم جمالياً وفنياً، بعيداً عن المحاكمات المسبقة التي تجعل من بعض خصائص الشعر العربي تهماً ينبغي التخلص منها لمجرد أنها لا تنسجم مع ذائقة نقدية عابرة. 

 


فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
TT

فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.

تقع منطقة الحلابات في البادية الشمالية الشرقية التابعة لمحافظة الزرقاء في الأردن، وتضم متحفاً حمل اسم «متحف آثار قصر الحلابات»، كان قد افتُتح عام 2008، وهو بمثابة «متحف موقع»؛ تعود كل القطع المحفوظة فيه إلى هذا القصر الأموي وما يتبعه من مرافق معمارية، وتشكّل مجموعات متنوّعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، وألواح الفسيفساء، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية، إضافة إلى كثير من الأواني الفخارية والأدوات المصنوعة من الحجر الصابوني. تبرز في هذا الميدان المجموعة الفسيفسائية، وتتمثّل بقطع جزئية تمثّل عينة من إرث ضاع الجزء الأكبر منه مع الأسف.

تعود هذه القطع في الأصل إلى أرضيات رُصفت على شكل سجادات متعدّدة الأحجام، تزيّن مجموعة من قاعات القصر الداخلية، وهي تحتل مساحة تمتد بين الجدران؛ شمال القصر وجنوبه، كما شرقه. تجمع هذه القطع بين التقاسيم الهندسية والعناصر التصويرية النباتية والحيوانية، وتتمثّل أبرزها في قطعة مستطيلة، تعود إلى طرف الزاوية الجنوبية الشرقية من أرضية تزيّن قاعة حملت رقم «4» في الدراسات التوثيقية الخاصة بهذا الموقع. ضاع الجزء الأكبر من هذه الأرضية، وما بقي منها سمح بتحديد تأليفها الأصلي، وهو على شكل شبكة تتكون من مساحات بيضاوية ودائرية مجدولة، تمتد عمودياً وأفقياً. في القسم الأعلى، تنعقد مساحتان دائريتان مع مساحتين بيضاويتين، ويتكرّر هذا التقسيم في القسم الأسفل. وفي القسم الأوسط، تحل مساحتان بيضاويتان مستقلتان، بينهما مساحتان مستطيلتان.

يحيط بهذه الشبكة إطار عريض، قوامه شريط مزخرف، بقي منه طرفه الأعلى، وهو الطرف المحفوظ على شكل لوح مستطيل في «متحف آثار قصر الحلابات». يحد هذا اللوحَ شريطٌ زخرفي قوامه زهرة اللوتس التي تحل في صياغة مجرّدة من أي ثقل، وتتحوّل عنصراً هندسياً، يتمثّل في كوب تعلوه 3 مساحات مقوّسة، تمثّل بتلات هذه الزهرة. يتكرر هذا العنصر النباتي، ويشكّل في تكراره سلسلة، تقابلها سلسلة تبدو أشبه بصورة منعكسة لها. في القسم الأعلى، يحل اللون الأحمر بتدرجاته، وفي القسم المعاكس يحلّ اللون الأخضر بتدرجاته، في صياغة تشكيلية محكمة بمساحات بيضاء ناصعة.

يتكوّن شريط الإطار من مساحات متشابكة مجدولة، تمتدّ على مساحة نحو 75 سنتيمتراً. تجمع هذه الشبكة بين سلسلة متعاقبة من الدوائر، وسلسلة مشابهة من المربعات المنحنية، تربط بينهما سلسلة من الضفائر المجدولة، تشكّل مساحات متعددة، منها المساحات المثلثة، والمساحات المقوسة، والمساحات اللولبية، في تأليف محكم يشهد لحرفة عالية في الصياغة والابتكار. تدخل سلسلة من العناصر النباتية هذا التأليف المتقن، وتنصهر فيه، وتتمثّل في 3 أنواع تحلّ في صياغة مختزلة؛ هي: الرمان، والبرتقال، والإجاص. تحضر الثمرة الأولى بشكل مفرد، وتأتي على شكل دائرة تعلوها نتوءات بارزة. وتحضر الثمرة الثانية بشكل ثلاثي، مع طرف من غصنها. أما الثمرة الثالثة، فتحضر بشكل مزدوج، وتتميّز بحجمها المنمنم. تأخذ الصياغة اللونية شكلاً تجريدياً جامعاً، وقوامها 3 ألوان متعاقبة، تتكرر في تشكيل كل ثمرة من هذه الثمار. كما في صياغة اللوتس، يحل الأحمر الخمري والأخضر اللازوردي، مع مساحة بيضاء تجمع بينهما في الوسط.

يقابل هذا الشريط الزخرفي المحكم جزء بسيط من الشبكة التي تحتل وسط الأرضية، ويتمثّل هذا التفصيل بمساحة مقوّسة يحلّ في وسطها زوج من الطيور الدجاجية، في وضعية جانبية، وهما على الأرجح من فصيلة الحجل، يتواجهان، وتكسو ريشهما الأخضر شبكة من البقع الدائرية البيضاء. تعلو هذه المساحة المقوّسة مساحتان فارغتان، يسكن كلّ منهما حيوان من الفصيلة الوحشية، بقي واحد منهما، ضاع رأسه ومؤخرته، ونجت من بدنه إحدى قائمتيه الخلفيتين. تعلو قامة هذا الحيوان المتوحّش شبكة من البقع السوداء توحي بأنه نمر، صُوّر في وضعية حيّة، وكأنّه ينقضّ إلى الأمام، شاهراً مخالبه، وظهرت منها تلك التي تعلو قائمته الخلفية التي نجت من التلف.

يحتفظ «متحف آثار قصر الحلابات» بقطع أخرى تعود إلى وسط هذه الأرضية وأسفلها. من القسم الأوسط، يظهر أرنب بري ضمن مربع يحيط به إطار مجدول، ويبدو حانياً رأسه وهو يقضم عنقود عنب مكوّناً من 9 حبات. تحت هذا الأرنب، يظهر ذئب يمد قائمتيه الأماميتين، فاتحاً فكّي فمه، كاشفاً عن أنيابه التي يتدلى من وسطها لسان طويل. في الزاوية المقابلة لصورة هذا الذئب، يظهر غزال له قرنان طويلان مقوسان ولحية متصلة بفكه الأسفل، ويبدو في وضعية جانبية، على خلفية بيضاء مجردة، تزينها شتلتان مورقتان تعلو إحداهما ثمرة برتقالية. في الجزء الأسفل من هذا اللوح، يظهر طير من فصيلة الحجل في وضعية مشابهة وسط خانة نصف دائرية مستقلة. يواجه هذا الطير في الأصل حجلٌ مشابهٌ ضاع أثره، وترتفع بين الطيرين شتلة مورقة، تمتد أغصانها بشكل متجانس على خلفية بيضاء مجرّدة. تتعدّد العناصر الحيوانية وتتنوّع في هذا التأليف كما يبدو. بين الذئب والغزال، تظهر سمكة وسط إطار مقوّس، وتبدو في وضعية جانبية، كأنها تسبح في فضاء مجرّد خلا من أي عنصر مائي.

تكشف بقايا أرضيات قاعات «قصر الحلابات» عن عناصر حيوانية أخرى. في القاعة التي تحمل رقم «10»، يظهر حيوان ضاع رأسه، وما بقي من عنقه وصدره وقوائمه يوحي بأنه جمل ذو سنام. وفي القاعة التي تحمل رقم «25»، تظهر بطة داخل إطار نصف دائري مزخرف، ينصهر في شبكة زخرفية محكمة.

تجد هذه العناصر الحيوانية ما يماثلها في الأرضيات البيزنطية المحلية، وتعكس مناخاً فردوسياً جامعاً تتعدّد تجلياته في تقاسيم تتكرّر وتتجدّد بشكل متواصل.