لبنان... شهادات ما بعد الصدمة

كتّاب باتوا بلا منازل

لبنان... شهادات ما بعد الصدمة
TT

لبنان... شهادات ما بعد الصدمة

لبنان... شهادات ما بعد الصدمة

من الصعب على اللبناني اليوم، أن يكتب عن عاصمته المنكوبة. إنه ليس وقت الكتابة، بل هو زمن للصمت والحزن والحداد، ولا يزال أهالي المفقودين يبحثون عن أشلاء أولادهم تحت الحطام. بعض الكتّاب باتوا بلا منازل بعد أن تحطم كل شيء، منهم من يلملون أجزاء بيوتهم التي تهاوت، منهم من فقدوا حبيباً أو صديقاً أو قريباً. بيوت بيروت في غالبيتها فقدت نوافذها وأصبح الناس معرضين للعراء. في هذه الأجواء، تصبح الكتابة فعل مقاومة أو فعل غضب. أو هي مجرد تأمل في سوريالية باتت تتجاوز الجميع. في لحظة واحدة طارت بيروت «ست الدنيا» ثم عادت واصطدمت بالأرض، وحلّ الخراب. الكتابة عن بيروت، من بيروت ليست سهلة، وهذه المساهمات التي تنشر اليوم، هي خارجة من قلب الصدمة.
أمين ألبرت الريحاني: أكتب
ولا أدري ماذا أقول
بقلب حزين وعين دامعة وغضبٍ «ساطع»، وبعد أيام على فاجعة تفجير بيروت وتدميرها، أجدني مختلياً بنفسي أكتب ولا أدري ماذا أقول. أحاول الابتعاد عن كل انفعال وكل ميل وهوى لأتساءل: هل أصرخ مع الصارخين بوجه أهل السلطة؟ هل أُذَكِّرُهم بأن الناس ما عادوا يتحملون كلامهم على الشاشات الصغيرة، هنا يُعلَن «الحداد الرسمي»، وكأن المسألة تتوقّف عند الحداد على الضحايا، ضاربين عرض الحائط كرامات الناس وحقوقهم ومطالبهم وعدالتهم ومستقبلهم ومستقبل أولادهم، أو أن المسألة رهن بصفة هذا الحِداد ما إذا كان «رسميّاً أم غير رسمي». ما قيمة كل هذه التفاصيل الشكلية حين تكون الدولة مستهترة، إلى هذه الدرجة، بحقوق الناس وكراماتهم؟ ما قيمة الشكليات حين تضرب الدولة عرض الحائط العدالة المنتظَرة وحماية المواطن من كلّ أذى لَحِقَ، أو قد يلحق به؟ هذا الاستخفاف بالمواطنين يطرح العديد من الأسئلة الجوهرية في معنى الحكم ودوره ومنافعه وحقيقة وجوده.
الدولة إمّا أن تكون في خدمة المواطن أو لا تكون، إمّا أن تسهم في عمليّة النمو الاجتماعي والاقتصادي والتربوي أو لا تكون. أي إمّا أن تكون دولة أو تصبح مغارة للصوص. وأهل الدولة، أهل السلطة، إمّا أن يتسابقوا على تعزيز الشأن العام، كما هو حاصل في البلدان المتقدّمة، أو يجدوا أنفسهم في «تناتش» السلطة ومكاسبها، وفي «كباش»، واحدهم مع الآخر، لكسب الصفقات وتوزيع المغانم... لذا تجدهم في تَذاكٍ دائم، وفي مزايدات لا تنتهي، والنتيجة تراجع مؤسسات الدولة وتقهقرها. واللافت أنّ أهل السلطة، في مزايداتهم وتذاكيهم، يرُدّون الفساد إلى ثلاثين سنة خلَت ظنّاً منهم أنّهم بذلك يرفعون المسؤولية عن كاهلِهِم ليلقوها على الآخرين، والآخرين الأبعدين. في حين أنّ الفساد المستشري قد نشط بشكل مباشر ووقِح منذ عشر سنوات وبدأ الانهيار الاقتصادي منذ نحو خمس سنوات. فميزان المدفوعات حتى عام 2010 كان يحمل مؤشرات إيجابية، ونسبة الصادرات بالمقارنة مع الاستيرادات كانت شبه متوازية ومتوازنة. ويجب أن نُذَكِّر بأننا في عام 1963، في عصرنا الذهبي، صُنِّفَ لبنان الرابع عالميّاً في النمو الاقتصادي بعد الولايات المتحدة الأميركيّة، وفرنسا، وسويسرا. إذن ما الذي كنّا قادرين عليه منذ ستين سنة تقريباً، ولم نعد قادرين عليه اليوم؟ صحيح أننا مررنا بحروب إقليمية وحروب الآخرين على أرضنا ولكن كلّ ذلك لا ينفي قدرة معيّنة كُنّا نتمتع بها جماعيّاً ووطنيّاً وافتقدناها اليوم. ما هو سحرُ ذلك العصر الذهبي الذي نجحنا في تنفيذه عهدذاك وأخفقنا في تنفيذه في هذا العهد؟
الدولة في بلاد الناس، هي التي تتكّل على أخلاقها قبل الاتكال على دستورها وقوانينها وأنظمتها. الدولة في بلاد الناس، دستورها الأخلاق، وقانونها الأخلاق، ونظامها الأخلاق.
الدولة عندنا في تخبّط وضياع لأننا عاجزون عن اتخاذ قرارات حاسمة حول أي مشكلة تواجهنا. والسبب في ذلك سببان: الأول: أنّ منطق التراضي والاسترضاء ما زال يغلب على كلّ اعتبار آخر. والثاني: أنّ منطق تغليب المصلحة الوطنية ما زال ضعيفاً أو غائباً كلّ الغياب.
والدولة في بلاد الناس، تحزم أمرها من البداية، فبعد تقديم الملفات المكشوفة والأهداف المكشوفة والأرقام المكشوفة، حول أي قضيّة من القضايا أو حول أي مشروع من المشاريع، تكون مستعدة للحسم في أمر قراراتها بلا تردد وبلا هوادة فالقرار يصدر بسرعة (من دون تسرّع)، والاستقالة عند الضرورة فورية، والفعل دائماً يسبق القول. لذا فالفعل في المواقف الوطنية لا يعرف صيغة المستقبل (سنفعل وسنُنشِئ وسوف نُنَفِّذ) بل يباشر دائما بصيغة الماضي (فعلنا وأنشأنا ونفّذنا) والقول يأتي دائماً بعد الفعل وليس العكس، لأنه لا قيمة للقول الذي يسبق الفعل.

إيمان حميدان: لا نريد سوى أن نؤلف الشعر والموسيقى
أنا في المترو للقاء ابنتي، حين شعرت بهاتفي الصامت يهتز. رأيت اسم صديقة لم أسمع منها منذ أشهر. لم أردّ. ترَكَت رسالة «كوني بخير مع عائلتك في بيروت. إنها فاجعة. طمّنيني»... رسائل متتالية من أصدقاء وصديقات، فيما بدأتُ أبحثُ عمّا حدث في بيروت وأتلقى الصور والأفلام... إنها أكثر من فاجعة، بيروت تحت الأنقاض، ضربة أبوكاليبتيكية. حدث جلل يتجاوز خيالي أنا التي عشت الحروب الأهلية والعنف لسنوات. إلا أن ما حدث في مدينتي مساء 4 أغسطس (آب) لا يشبه ما عشناه سابقا بشيء. إنها 11 أيلول بيروت، هيروشيما بيروت.
أقضي الليل مع ابنتي نتصل بأفراد العائلة ونطمئن على الأصدقاء. ليلة بيضاء تتخللها كوابيس قصيرة أخاف أن أرويها.
بيروت، لماذا يكرهونك إلى هذا الحد؟ لماذا عليكِ، أنت التي على صورتنا، أن تُدمّري مرّات ومرّات؟ متى سيشبعون؟ متى سيحوّلون كرههم وأمراضهم عنك ويتركوننا بسلام؟ لماذا كتب على أطفالنا أن يولدوا في الحرب ويكبروا في الحرب ويهاجروا، هذا إن لم يموتوا، في الحرب؟ لماذا كُتب على لبنان أن يبقى في عين العاصفة الدولية والإقليمية؟
كفى! نريد أن نحيا بسلام، أن ننتج بحرية ونبدع ونكتب ما نفكّر به. أن نرسم ونغني ونؤلف الشعر والموسيقى.
اتركوا لنا لبناننا الذي نريد، وخذوا حقدكم وكرهكم وارحلوا!
اتركوا لنا بيروتنا الغارقة في دمها ودمارها. اتركوها!
نحن، فقط نحن، سنبنيها من جديد.

جنى الحسن: أخجل من الاعتراف
بيروت... أحبك ولكن لا ضوء في آخر هذا النفق. مرّ انفجار بيروت وأنا على بعد مئات آلاف الأميال عن المدينة. بعيدة جداً بالمسافة. بعيدة بقرارٍ شخصي اتخذته منذ خمسة أعوام لأنّ هذه المدينة أرهقتني. أن ترهقنا أوطاننا لا يعني أنّنا توقفنا عن حبّها، بل إن الألم الذي تسببت لنا به كان أقوى من أن نستمر بالعيش فيها
أنا الهاربة من الانفجارات وقطع الكهرباء المستمر والجدالات السياسية العقيمة والطائفية والنفايات والتضخم الاقتصادي والبطالة وغياب العدالة ولائحة لا تنتهي من المشاكل التي تثقل كاهل اللبنانيين. أراقب الانفجار عن بعد وأجد نفسي عالقة بين إحساسين، الأوّل يتمثّل بالغضب والحزن، يتماشى معه شعورٌ رهيب بالعجز، والثاني والذي يؤرقني فعلياً ويشعرني بالخزي بشكلٍ أو بآخر، ولكن سأعترف به لأنّه موجود، وهو شعوري بالخلاص وبأنّني ناجية من «جحيم» الوطن.
الشعور الثاني هو فعلياً ما أخجل بالاعتراف به حتّى لنفسي، فكيف سأقول إنّ جزءاً منّي، يشعر بأنّي محظوظة لأنّي حظيت بفرصة الرحيل. ثمّ أتذكر أنّني لست المهاجرة الوحيدة. الذين هربوا من هذه البلاد هم فعلاً أكثر من الذين بقوا فيها. وربما معظم من بقوا هناك إمّا ندموا أو لم تأتهم فرصة الرحيل.
أنا لا أتباهى بالرحيل، فهو مؤلمٌ كثيراً. ألمه على قدر الخيبة. والخيبة شعورٌ قاتم، كعنكبوتٍ ينسج خيوطه حول القلب، فيجد الأخير نفسه يعتصر كلّ الوقت بحرقة، ويبقى نزفه داخلياً، عاجزا حتى عن الصراخ. لا يمكنني أن أشاهد كلّ صور الموتى التي أتت من بيروت، لا أريد ذلك. لا أريد أن أرى غضب الناس الذي لا يستجيب له أحد، لأنّي محبطة. وأعرف أن الإحباط ليس الحل، لكن هذا ما أشعر به.
حكايات الموت في هذا البلد لا تنتهي. والصراعات تصبح أحياناً نمط حياة، نألفها بشدة لدرجة أنّنا لا نعود قادرين على إدراك مدى كونها غير طبيعية وكم يمكن أن تكون تأثيراتها سلبية.
وها هو جرحٌ جديد وعميق وآخر. وليس هذا أسوأ ما في الأمر، الأسوأ هو أنّه على الأغلب لن يكون الأخير. لا ضوء في آخر هذا النفق. لقد اعتقدنا أننا رأيناه العام الماضي، حين نزل اللبنانيون إلى الشوارع في مظاهرات سلمية كان وجهها الأبرز الحب وهتافات الحرية والمطالبة بالعيش الكريم. كان ذلك الضوء الذي رأيناه، طرابلس التي رقصت على موسيقى التكنو لتصرخ أنّها ليست مدينة اشتباكات وبيروت التي تخلّت عن أي صبغة طائفية والنبطية، وخلعت عباءة الزعيم ومشاهد أخرى أضاءت لنا شعوراً بأنّه قد يصبح لنا يوماً وطن.
ولكن تلك المشاهد زالت وحلّ مكانها العنف والتكسير، وتلا ذلك شعور بالانهزام في داخل الكثيرين، كأنّه محكوم على هذا البلد الصغير بأن يبقى رهينة من يعبثون به.
الانفجار ليس وحده المأساة. قد يكون ربما دويّها الأشدّ، ولكنّ يوميات الحياة في لبنان هي انفجار صامت تحرق نيرانه السكّان.
من على بعد آلاف الأميال... أرى بلداً يحترق، حكاما يقتلون شعبهم، وشعبا يتمسّك جزء منه بهؤلاء الحكام. بلدٌ يحترق، يحرق معه أبناءه الذين يحبونه بشدّة ولكنّ بعضهم تعبوا من هذا الحب، لا يريدون أن يتصدّروا نشرات الأخبار ولا أن يلملموا الجراح ويستمروا بالصمود. الصمود يجب ألا يتحوّل إلى أسلوب حياة. يريدون فقط أن يعيشوا ببساطة وبأمان، فهل هذا ممكن؟
بيروت، أنا أحبّك وأدين لك بالكثير. أنت وأنا، كلانا نعرف أنّنا تشاركنا لحظات كثيرة حميمة معاً، ضحكنا وتألمنا وفرحنا وبكينا. وأنتِ تؤلمينني كثيراً وأنا أراكِ هكذا ولا يمكنني أن أفعل لكِ شيئا. وأنت تعرفين أنّي أحاول أن أخرجكِ من تفكيري لأنّكِ منهكة. وأنا أبحث لكِ عن الخلاص، ولا أجده، وأحياناً أحسبكِ وهماً وأحياناً أخرى مارداً قادرا على النهوض من بين الركام.
بيروت أنا أحبّك وأحاول من على بعد آلاف الأميال، أن أجدكِ وأمدّ جسراً إليكِ ولكنّي لا أرى هذا الضوء في آخر النفق. وربما كل ما تحتاجين إليه الآن ليس الحل، بل أن أضيء شمعة لأجلك. هذا ما سأفعله لكِ وأعدك يوماً أنّي سأجد لك طريقة لأعبّر لك بها عن هذا الحب. حتّى ذلك الوقت، كوني بخير ولا تحزني.

سليمان بختي: بيروت 2020 و2750 طنا من الياسمين
هذه بيروت. مدينة ولدت فيها ونشأت وتعلمت وعملت وحلمت. ومشيت فوق ترابها مع جدي وأبي وابني وأمني النفس أن أمشي فيها مع أحفادي وأموت فيها
هي مدينة الأفق والأمل إذا سكنتها مرة سكنتك إلى الأبد. وإذا غبت عنها أو تأخرت قليلاً تركت لك الباب مفتوحاً للعود الأبدي. اليوم، ينام معنا السؤال كيف ننقذ بيروت. كيف؟ ونحن لا نعيش بل ننجو. وبيروت لا تعتم تعطيك من روحها وتوسع لك مطرحاً فكيف ترد. في الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 افتدى صنوبر بيروت أرز لبنان. وفي انفجار بيروت عام 2020 افتدى أهل بيروت المدينة بأرواحهم. كم صعبة ومعبرة صورة الأم التي ولدت الطفل في غرفة مدمرة في مستشفى مدمر. هكذا تولد الحكاية. يولد الأمل. تولد بيروت.
كم صعبة ومؤثرة صورة اليمامة الميتة النائمة على أوتوستراد المرفأ، وكان لها حصة من فنجان قهوتنا كل صباح في البلد.
وبيروت لا ترمى بوردة وليس بـ2750 طنا من المواد المتفجرة وعنابر الزيت وهي التي اعتادت أن تغدق أطنان الياسمين وينتشر العبير في ضفاف المتوسط. ولم يبق من وهم المدن المشرقية المتوسطية المهمة (الإسكندرية، إزمير، بيروت) سواها ولم تلبث تقاتل ببسالة لأجل النور. تحرقها نار القربى، ونار الصراع العربي الإسرائيلي، ونار صراعات المنطقة والقوى الصاعدة والقوى النازلة، ولا تستسلم. وما أحرقت ألف حرب هويتها بل بلورتها وحققتها.
تنهض في كل مرة لتشهد للحداثة والحرية وقبول الآخر المختلف وقيمة الإنسان وكرامته وتعزيز سبل التلاقي بين الجميع. مدينة المواطن والمقيم والعابر. مدينة أنت تملكها وتكون فيها ما تريد من الزهو والانكسار وتساعدك على إنجاز مشروعك وعلى الحلم، وشغف الحياة.
كتب الشاعر محمود درويش غير مرة: أدهشتني بيروت حين لم أستطع الحصول على تذكرة لحضور فيلم لبيرغمان في بعد ظهر يوم عادي. وشرح العلاقة مع بيروت: «نادراً ما تحتاج إلى التأكيد من أنك في بيروت لأنك موجود فيها بلا دليل وهي موجودة فيك بلا برهان».
بيروت حنونة على المهاجرين وكانوا يهبطون من القرى للهجرة من مرفئها ومعهم الأهل يودعون فلذاتهم. وكانوا يحملون معهم درفات المرايا في خزائنهم وكلما أبحرت السفينة صعدوا إلى تلال المرفأ لكي تنعكس الشمس في المرايا باتجاه عيونهم. «هكذا تبقى شمس بلادهم في عيونهم، ويعودون. يا بحر هدي الموج فيك حبابنا». هكذا يروي فؤاد سليمان قصة الذين هاجروا من مرفأ بيروت بداية القرن الماضي.
«لماذا تطير بيروت بأجنحة قاتلة؟» هل ثمة من يرسم مصيرا آخر لها؟ كيف يعود الزمن الذي تحبه بيروت؟ تقول الأغنية الفيروزية: «ارجعي يا بيروت بترجع الأيام».



مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي
TT

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

بعكس ما كانت عليه حال الرسامين في العراق من ميل للتجريد بحثاً عن هوية عالمية تكون بديلاً عن هوية محلية عمل رسامو الخمسينات على خلقها، ظهر بداية سبعينات القرن الماضي جيل جديد من النحاتين الذين وجدوا في التشخيص ضالتهم في التعبير عن رؤيتهم المعاصرة التي كانت في جزء مهم منها تجسيداً لمحاولة تجريبية يكمن أساسها في البحث عن مقاربات انفتحوا من خلالها على إنجازات النحت العالمي من غير أن يتخلوا عن شغفهم في الامتزاج بغموض اللحظة الجمالية التي عاشها النحات العراقي القديم بأساليب ومواد مختلفة، بدءاً من سومر وانتهاء بآشور مروراً ببابل. كان مكي حسين مكي (1947) الذي توفي أواخر العام الماضي في برلين واحداً من أهم أبناء ذلك الجيل.

وعلى الرغم من أن الجسد البشري كان ولا يزال محور النحت في كل أزمنته فإن نحاتي الحداثة الفنية نجحوا في إزاحة أيقونيته بعدّه رمزاً مقدساً وصولاً إلى إلحاقه برمزية جديدة عبارة عن تصوير لتجليات صلته بالحياة المباشرة بكل ما خالطها من فوضى وعبث وخواء وسواها من معاني الشقاء الوجودي.

كان النحات السويسري ألبرتو جياكومتي هو عنوان ذلك التحول. ذلك التحول الذي وجد صداه في تجربة مكي حسين بطريقة فتحت أمامه الأبواب للولوج إلى مسألة الجسد السياسي جمالياً. ولأن السياسة لا تحمل إلى الفن صفات حميدة، فقد كان الفنان العراقي الذي عاش مطروداً من وطنه منذ عام 1979 حتى وفاته سعى إلى التعامل مع الجسد بعدّه خلاصة جمالية وليس مجرد وثيقة يمكن ربطها بزمن محدد.

صحيح أن النحات حسين كان قد عاش حياة قلقة، بالأخص في المرحلة التي تلت هروبه من بغداد وانضمامه إلى المجموعات المقاتلة مع الأكراد شمال العراق ومن ثم الشتات، غير أن الصحيح أيضاً أنه كان يفكر بطريقة عميقة في الوضع البشري بصورته المطلقة. وهو ما حرره من عبء اللحظة الراهنة ووهب منحوتاته طابعاً زمنياً يقع خارج زمن إلهامها. إنه زمن الفن.

خيال الأسئلة الوجودية

«صرخة من عمق الجبال» ذلك هو عنوان المعرض الذي أقامه في لاهاي الهولندية. كان ذلك هو آخر معارضه ويمكن عدّه تحية وداع وخلاصة حياة.

غير أن ذلك ليس كل شيء. فالسنوات التي عاشها النحات في الغربة نجحت في ترويض ذاكرته السياسية انتصاراً للفن. تلك فكرة استمدها الفنان من خبرة أصابعه الجمالية وخيالها.

إلى جانب الجسد كانت لدى الفنان مفرداته التي يمكن النظر إليها بطريقتين من جهة المعنى. الإطار المربع والكرة. وهما مفردتان مركزيتان في لغته التشكيلية.

هل كانت الذاكرة السياسية ضرورية بالنسبة لمكي حسين الذي عُثر عليه ميتاً في شقته بعد أربعة أيام من وفاته؟ لقد اكتشف النحات في وقت مبكر من حياته أن أزمة الإنسان تكمن في مسعاه الوجودي من أجل التعرف على معنى مصيره وما ينطوي عليه ذلك المصير من اقتراحات خلاقة. معرضه الأخير كان شهادة، ولكنها شهادة لا تقع فيما هو متعارف عليه في عالم السياسة. كان صرخة احتجاج لم تضع كل شيء في سلة النهايات. لقد أراح الفنان ضميره حين قدم جردة حساب شاملة من غير أن يستثني المسكوت عنه لأسباب حزبية غير مقنعة.

ولأن مكي حسين واحد من أكثر تلاميذ جياكومتي العراقيين كفاءة في تجريد الجسد من مؤهلات غوايته الخارجية وتقشيره وصولاً إلى جوهره فقد نجح في استخراج مفهوم الجسد السياسي من حيزه الضيق ليحرره من الأفكار الجاهزة أو المتاحة. لذلك لم يلجأ إلى تصويره، مقاوماً لظرف تاريخي جائر أو ضحية لتبدل في مزاج مقهور. وكان في ذلك ذكياً في التعبير عن انحيازه للفن، بوصفه ناقداً لا يخطئ طريقه في محاولة الوصول إلى مواقع الجمال الكامنة في التجربة الإنسانية.

كائنات على وشك التحليق

كل الكائنات التي نحتها مكي حسين تبدو في وضع قلق غير متوازن، كما لو أنها مهددة بالسقوط في أي لحظة. وهو ما يعكس شعور الفنان باكتظاظ التجربة الإنسانية التي عاشها بالأسئلة العائمة التي ظلت من غير جواب.

يقف أحد تلك الكائنات بقدم واحدة على مكعب فيما تُركت القدم الأخرى في الهواء كما لو أنه مشهد راقص أراد الفنان من خلاله أن يكسر واحدة من أهم قواعد النحت، وفي عمل آخر يحاول الكائن أن يتسلق سلماً تُركت نهايته سائبة في الفضاء. وهو ما يهب الفراغ قوة هي ليست منه. في الحالين تبدو المحاولة كما لو أنها صُممت من غير هدف إلا المجازفة في القيام بفعل بطولي خارق ومدهش بغض النظر عما ينطوي عليه من عبث.

لا يخلو ذلك العبث من فكرة ثورية، عرف الفنان كيف يجسدها من خلال عمله الذي صور من خلاله ذلك الكائن الذي يحمل صخرة على هيئة كرة ثقيلة كما لو أنه يحتضن مصيره ليذهب به إلى مكان آمن. وكما أرى فإن النحات الذي عاش حياته مُقتلَعاً كان مضطراً إلى حمل ذاكرته بمحتوياتها التي لا تسرعلى الرغم من شعوره بعبثية ما يفعل.

ليس من الصعب القول إن النحات كان يقاوم غربته بمفردات معجمه الثوري الذي يهب الإنسان قدرة استثنائية على مقاومة الظرف التاريخي. تلك فكرة ملهمة تساعد على العيش على الحافات. كما أنها بالنسبة له فناناً تشكل منجماً لتحديات، هي في حقيقتها المنقذ من رتابة العيش الذي يمر من غير معنى. في أكثر حالاته انغماساً في التقاط مسراته السابقة لم يكن مكي حسين إنساناً سعيداً.

النحات السياسي مقاوماً

وبسبب تربيته اليسارية، كان مكي حسين يفكر في المآل الرمزي لكائناته المشدودة مثل حبل قلق بين آمالها المخيبة وهزيمتها. إنه يدرك أن المحتوى الحكائي سيتم استهلاكه عبر مرويات قد تخون الحقيقة؛ لذلك انتقل بكائناته إلى المجال الرمزي الذي تبدو من خلاله تلك الكائنات كما لو أنها قُدّت من مادة أثيرية. في منحوتته «عبير في حلم زيارتها لأهلها» استلهم حسين حادثة واقعية، جريمة ارتكبها الجنود الأميركان في الفلوجة عام 2004 يوم اغتصبوا الطفلة عبير وقتلوها. وها هي عبير تعود إلى أهلها من خلال منحوتة الفنان بعدّها رمزاً للمقاومة.

لم تكن الطفلة عبير جسداً سياسياً بقدر ما كانت وطناً لأسئلة المصير الوجودية التي كان النحات مصراً على مواجهتها. من خلال أكثر من عشرين عملاً نحتياً صغيراً لخص فيها موقفه من الاحتلال الأميركي، استعاد مكي حسين انسجامه الروحي مع الجسد بوصفه موطن حكايات ومنجم أسئلة. ولكن الصعوبة تكمن في أن فناناً بنى تجربته على التفكير في الخلاصات لا يمكنه أن يكون حكائياً. هنا بالضبط تكمن أهمية فن مكي حسين الذي يمكن عدّه حدثاً مهماً في تاريخ النحت في العراق. من خلال ذلك الفن لن نعثر على حكايات تم اختزالها في جملة واحدة. هي تلك الجملة يتناغم فيها الجسد مع مصيره وهو جسد لم يخن أبجدياته حين ملك القدرة على إخفائها.

كان مكي حسين دائماً نحاتاً سياسياً لكن برؤية جمالية أنقذت الوقائع اليومية من بنيتها الهشة لتهبها قوة الإلهام ورهافته.


رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو
TT

رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو

«سأغادر أوروبا. هواء البحر سوف يحرق رئتي، والمناخات البعيدة الضائعة سوف تسمر بشرتي. السباحة، هرس العشب، الصيد والقنص، التدخين بشكل خاص. سوف أشرب سوائل كالمعادن التي تغلي كما كان يفعل أسلافي الأعزاء حول مواقد النيران».

«سأعود بأعضاء من حديد، الوجه أسمر، والعين حانقة. ومن خلال قناعي سوف يقولون إني أنتمي إلى عرق قوي. سوف أمتلك الذهب».

«كان ذلك في البداية دراسة. كنت أكتب الصمت، الليالي، كنت أعبّر عمّا لا يُعبَّر عنه، كنت أثبت الدوخان».

«لم يبقَ شكل من أشكال الجنون إلا وعرفته». «الصراع مع الذات لا يقل خطورة عن معارك الرجال».

«لكن لماذا نتحسر على شمس أبدية إذا كنا منخرطين في البحث عن النور الإلهي - بعيداً عن البشر الذين يموتون على الفصول».

«آه لو الأزمنة تجيء... حيث تشتعل القلوب».

(مقاطع متفرقة من فصل في الجحيم)

والآن دعونا ندخل في صلب الموضوع. ماذا يقول المشاهير عن أزعر فرنسا الأكبر: آرثر رامبو؟ ماذا يقولون عن هذا المتمرد الأفاق الثائر على كل الأعراف والتقاليد؟ ماذا يقولون عن هذا العبقري المتوهج أو المتأجج الذي فجَّر الشعر في كل الاتجاهات؟ الجميع يستغربون كيف يمكن أن ينهي كاتب ما حياته الأدبية وهو في سن العشرين فقط. كيف يمكن أن يختتمها في مثل هذه السن المبكرة؟ ثم يتساءلون: هل يعقل أن يحدث هذا الشخص ثورةً شعريةً كبرى وهو لا يزال طفلاً في الـ15 أو الـ16؟ لا يوجد تفسير مقنع لهذه الظاهرة التي حيَّرت البشرية. يمكن القول إن العبقرية هي انفجار جنوني أو إعصار بركاني يهب فجأة، ثم ينطفئ، ولا تفسير له غير ذاته. هل هناك من تفسير لهبوب الرياح أو تفجر الينابيع أو تدفق الشلالات؟ رجاء تفهموا الوضع: العبقريات استثنائية، وجنونها خارق واستثنائي أيضاً. لا تحاولوا تفسير الظواهر الخارقة. لا تقيسوها بمقاييسكم الضيقة.

يعترف لويس أراغون بأن رامبو كان الأب الروحي لقادة «الحركة السريالية»؛ من أمثال أندريه بريتون وسواه. يقول ما معناه: لقد كنا أول مَن رأى العالم على ضوء الشمس الساطعة لرامبو. ثم يضيف قائلاً: «في أحد الصباحات فتحت بالصدفة ديوان (الإشراقات)، وفوراً اختفت من أمامي كل الوجوه الكالحة والخائبة للحياة. فجأة شعرت بتدفق الحياة والحيوية في شراييني وعروقي بعد أن كنت يائساً شبه ميت... فجأة راحت البحار تزمجر، والأمواج تتصاعد فوق البيوت. فجأة راح طوفان نوح يغمر البشرية. ما هذا الشعر؟ ما هذا الجنون؟ يا إلهي ما أجمل الوجود في حضرة رامبو! فجأة راحت أزهار خارقة جديدة، لم أشهدها قط من قبل، تتفتح وتبتسم لي، وأكاد أقول تغازلني. فجأة راح عالم جديد بكر ينبثق أمامي ويتلألأ. رامبو يبدد الظلمات».

وأما ذلك المجنون الآخر تريستان تزارا، الذي أسَّس الدادائية أم السريالية، فيقول لنا هذه العبارة المدهشة: «بمعنى من المعاني يمكن القول إن شعر رامبو كان يحتوي منذ البداية على جرثومة تدميره أو بذرة تدميره. ولهذا السبب سكت نهائياً بعد العشرين. والشعر إن لم يكن تدميراً للشعر فما قيمته وما جدواه؟».

وأما موريس بلانشو، الذي بلغ بالنقد الأدبي الفرنسي ذروة العبقرية الخلاقة، فيقول لنا ما فحواه: لقد اتخذت فضيحة رامبو أشكالاً وأنواعاً عدة. فهو أولاً أتحفنا ببعض الروائع الأدبية والقصائد العبقرية التي لا يجود بها الزمان إلا قليلاً. وهو ثانياً سكت نهائياً وصمت صمت القبور، في حين إنه كان قادراً على إبداع قصائد أخرى جديدة لا تقل عبقريةً عمّا سبق. وقد أحبطنا ودمَّرنا بفعلته تلك. لقد أوصلنا إلى منتصف البئر وقطع الحبلة فينا. وهذه فضيحة كبرى. هذا ما لن نغفره له أبداً. ما فعله رامبو انتحار حقيقي، بل أفظع من الانتحار وأخطر من الجنون. إنه انتحار جماعي ضمن مقياس أنه نحرنا معه أيضاً. يا أخي لماذا تسكت عن الإبداع الشعري الأعظم في مثل هذه السن المبكرة؟ يا أخي لماذا تحرمنا من القصيدة وأنت قادر عليها؟ إنه الكفر المحض. لإيضاح كل ذلك اسمحوا لنا نحن العرب أن نقول ما يلي: هل تعتقدون أن المتنبي كان سيحرمنا من أعظم القصائد لو أنه عاش عشر سنوات إضافية فقط: أي حتى الستين؟ كان حتماً قد أتحفنا بديوان جديد آخر أهم من السابق. ولكنه قُتل في الخمسين وسقط مضرجاً بدمائه. وهذه أكبر كارثة حلَّت بتراثنا الأدبي والشعري على مدار 2000 سنة من تاريخه. لقد سقط المتنبي شاباً في عز العمر وأوج العبقرية: خمسون سنة فقط. ولا نزال ندفع ثمن هذه الجريمة منذ عام 965 ميلادية وحتى اللحظة. كنا نتمنى فقط لو أنهم اغتالوه في السبعين أو الثمانين بعد أن يكون قد نضب بركانه الشعري المتأجج وليس في الخمسين. أما رامبو فقد عاش 17 سنة إضافية دون أن يكتب حرفاً واحداً، دون أن ينبس ببنت شفة، دون أن يتحفنا بقطرة واحدة تروي الغليل. عيب عليك يا رامبو. اخجل على حالك.

وأما إيف بونفوا، فيقول لنا ما فحواه: إن عظمة رامبو تكمن في أنه رفض هامش الحرية الصغيرة الضيقة التي كان يؤمنها له عصره وبيئته وقريته. معظم الناس كانت تكفيهم تلك الحرية الضيقة الصغيرة ولكن ليس هو. ولذلك فضَّل أن يخوض تلك المعركة التراجيدية مع المطلق الأعظم حتى ولو تهشَّم رأسه على صخرته. وقد تهشم في نهاية المطاف في بلاد العرب، في حرار أو عدن أو اليمن... بمعنى آخر: لنا الصدر دون العالمين أو القبر. لا يوجد حل وسط في قاموس رامبو. ولكن هذا القرار الجنوني الذي اتخذه في غفلة من الزمن هو الذي جعل من أشعاره القصائد الأكثر راديكالية، وبالتالي الأكثر تحريراً وحريةً في تاريخ الآداب الفرنسية.

وأخيراً، لقد أتحفنا رينيه شار، رامبو القرن العشرين، بمقالة رائعة مطلعها: «حسناً فعلت إذ رحلت آرثر رامبو».


سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية
TT

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

في روايته الجديدة «معزوفة اليوم السابع» الصادرة في القاهرة عن دار «الشروق»، يكشف الروائي الأردني جلال برجس أنه استلهم فكرة العمل من لقاء واقعي بشاب غجري عام 2012؛ حيث نشأت بينهما «صداقة صامتة» انتهت بموقف إنساني حين دثره الكاتب بمعطفه، ليكتشف لاحقاً نبل أخلاق الشاب رغم الفقر والتشرد.

يروي برجس، فيما يشبه مقدمة للنص، كيف أنه في أحد الصباحات الربيعية من عام 2012 وبينما ينتظر حافلة تقله إلى عمله شاهد شاباً غجرياً يكنس الشارع على أنغام موسيقى تصدر من هاتف نقال معلق في خاصرته، كان يقفز بحركات رشيقة والمكنسة بين يديه طيعة كأنها امرأة يراقصها، وفي لحظة تقمص متقنة تتحول إلى بندقية يصوبها نحو أعداء مفترضين.

اعتاد رؤية الغجري ونشأت بينهما صداقة صامتة لا يتخللها سوى تحيات خاطفة، وفي أحد صباحات الشتاء الباردة لم يجد ذلك الشاب، لكنه سمع أنينه وهو يتوارى وراء جدار. وقبل أن يغادر خلع معطفه ودثره، عند المساء وجده بانتظاره يضع معطفه على يده ليعيده له قائلاً: «لست مجنوناً وليس بالضرورة أن يكون الغجري لصاً كما يُشاع».

في تلك اللحظة وهو يتأمل خيام الغجر على طرف المدينة ولدت فكرة هذه الرواية التي تحكي سيرة المصير الإنساني وكيف يمكن للآدمي أن يكون وحشاً وفي الآن نفسه حملاً وديعاً في مدينة مكونة من سبعة أحياء: جنوبها مخيم كبير لغجر مطرودين منها وغربها جبل على قمته قبر جده الأول، مدينة يصاب سكانها بوباء غريب.

تستعرض الرواية الصراع بين الجانب «الوحشي» والجانب «الوديع» في النفس البشرية، عبر نص يُعد استبطاناً للهم الإنساني وتناقضات العالم، وكيف نقع جميعاً ضحايا للانطباعات المسبقة الخاطئة والتحيزات النمطية، مع سرد يتحرك صعوداً وهبوطاً بين الماضي والحاضر والمستقبل ليسلط الضوء على تراجع القيم الإنسانية. من أجواء الرواية:

«لم يخبر الرجل أحداً بنيته إلا الفتاة اليتيمة التي لا أهل لها، قبل طلوع الفجر كان قد تجاوز حدود القرية حين فوجئ بتلك الفتاة تلحق به وتقرن مصيرها بمصيره لما في قلبها من حب عارم له وسأم من تلك القرية. مضيا في طريقهما وتواريا عن الأنظار وليس في جعبتيهما شيء سوى ناي ورثه الرجل عن أبيه ولا يعرف عنه شيئاً غير أنه قُدّ من شجرة نادرة ونُذر لزمن قادم ليصد البلاء ولا مهمة له إلا الحفاظ عليه.

سارا لأيام يعبران سهولاً وجبالاً وودياناً، لا يأكلان غير قليل مما يجدانه في طريقهما من طيور وأرانب وبعض الثمار، إلى أن وصلا ذلك السهل مع شروق الشمس، حيث بدا كل شيء حولهما بكراً كأنه يولد للتو: الأشجار باخضرارها الناصع وحفيف أغصانها يتهادى إلى مسمعيهما واضحاً ونقياً، خرير الماء وهو يتدفق من شق صخري ويرسم له مجرى يروح إلى البعيد باعثاً في الهواء رائحة تلاقيه بالتراب. كل شيء كان على نحوٍ بدائي: نقيق الضفادع، زقزقة العصافير وتغريدها، ضغيب الأرانب، ضباح الثعالب، عواء الذئاب، ثغاء الماعز، سليل الغزلان. كل شيء حولهما بدا لهما على ذلك النحو، حتى الهواء وهو يلفح جسديهما بخفة، وهما غارقان في الحيرة والخوف والتيه».