منبر القصِّ ومنصّة الشِّعر

الأول أكثر قدرة على تمثل الواقع الحياتي... وتخصص الثاني بالوزن والقافية جعل إنتاجه عزيزاً

منبر القصِّ ومنصّة الشِّعر
TT

منبر القصِّ ومنصّة الشِّعر

منبر القصِّ ومنصّة الشِّعر

تخبرنا المصادر التاريخية عن جوانب أكيدة نستشف منها أنّ الجاهلية في حياة العرب لم تكن تعني جاهلية الفكر والأدب البتة؛ إنما هي جاهلية إيمان ومعتقد واصطراع بين عادات ومعتقدات، بعضها مجسد في سجع الكهان، وبعضها الآخر غير محدد في صيغ من الأساطير والخرافات حول الكون والإنسان على وفق مفاهيم معينة وبهواجس شتى.
وواحدة من مظاهر العقل عند العرب في الجاهلية التقلب بين الإلحاد والإيمان، والمتمثل بوجود الأحناف جنباً إلى جنب اليهود والنصارى، مع وجود أصداء أديان أخرى كالزرادشتية والمندائية مثلاً. وصحيح أن قيم البداوة ومظاهرها كانت طاغية فلم تسمح لمثل هؤلاء بالمضي في التصومع المفضي إلى التفلسف داخل هذا المجتمع، غير أن في الأدب العربي حصيلة كافية تعكس أنماط التفكير بالواقع العقلي والروحي الذي كان متوفراً وقتذاك، وإن كان على نحو نزر.
ومن تلك الحصيلة الفكرية لدى العرب في جاهليتها ما عكسه الأدب من تمييز في الكلام بين قصٍّ وشعرٍ من دون حدود بينهما، فكانا يسترسلان على لسان العربي استرسالاً. ولئن كان أدبنا العربي حراً لا تؤطره قيود ولا تحده مواضعات، غدا العام الغالب منه هو القص والحكايا التي تغلغلت في الشعر والحكم والكهانة والخطابة والأمثال وأضرابها التي هي أهم مظاهر العقل العربي في الجاهلية.
ولأن القص هو الأكثر قدرة على تمثل الواقع الحياتي، محاكياً الحياة في أدق تفاصيلها، صار عمومياً بأساسات جمالية أرست قواعدها بقوة ومتانة في الأدب العربي، ومنها أساسان: أولهما: الاستناد إلى الحكاية، وثانيهما: تغلغل التخييل فيها. وهو ما نجد أمثلته في القص الشفاهي والكتابي على اختلاف أنواعه كالحكاية الخرافية والسيرة الشعبية والمقامة والرسائل والرحلات والمنامات والأمثال وغيرها.
والدليل على اتساع القص وتغلغله في كلام العرب أنّ الذات العربية معتادة على القص، تجده متاحاً على مائدة يومياتها باستمرار، ولأنّ العرب كانت تستحضر القص كجزء لا يتجزأ من تفصيلات حياتها، فلم يكن لديها من هو متخصص في فعل القص أو من هو ناقد لهذا الفعل بحسب عناصره، لأن الكل قادر على أدائه كوسيلة لتحقيق الحاجات اليومية.
وبالقص نُقلت تجارب الآباء للأبناء أو الأجيال للأجيال، فغدا هو المصدر الأول الذي عليه انبنى فعل التأرخة. وكان معيار الإجادة في القص يتوقف على الحكّاء وأسلوبه وعلى المتلقين ومدى انجذابهم له ومتابعتهم سرده. وفعل القص في الجاهلية متاح مباح في أي زمان أو أي مكان، لا لأنه شفاهي حسب؛ بل لأنه عام لا تخصيص فيه ولا تحديد.
أمّا الشعر فشكّل جانباً مخصوصاً من الأدب، لأنه إلى جانب احتياجه إلى الخيال والحكي احتاج إلى القافية والوزن اللذين هما أساس التخصص في نظم الشعر.
وهذا التخصص هو الذي جعل إنتاجه عزيزاً لا يؤتيه إلا من وُهب الفطرة والطبع اللذين بهما غدا المميز من الشعر معلقاً من المعلقات المذهبة، وصار لكل شاعر مجيد لقب به يُعرف كالمهلهل والصنّاجة، كما شُيدت للتباري فيه أسواق معلومة كعكاظ والمربد، فيها يحوز كل شاعر على مرتبة ما بعد أن يدخل في تسابق شعري ذي طابع فردي، فيُلقي قصيدته ليتم تقييمها من قبل محكمين هم أنفسهم شعراء نوابغ أو لهم باعهم في الدراية بكيفيات صناعة القصيدة.
ولقد عُرف محكمو الشعر في عصر التدوين منتصف القرن الثاني للهجرة باسم «علماء الشعر». وما كان للشعر أن يكون علماً لولا التخصصية في إبداعه، التي بسببها وضعت في الشعر كتب مهمة كطبقات الشعراء لابن سلام، والشعر والشعراء لابن قتيبة، ومعجم الشعراء للمرزباني، بينما لم تؤلف في القص كتب تهتم بنقده نظراً لعموميته وارتباطه بدقائق الحياة المعيشة، فلم يكن الحكاؤون على مراتب ولم تكن لهم أسواق يعرضون فيها بضاعتهم.
وحاولت بعض الكتب النقدية القديمة الجمع بين القص والشعر مثل كتاب «الصناعتين» لأبي هلال العسكري وكتاب «العقد الفريد» لابن عبد ربه؛ بيد أنها لم تضع للقص أصولاً وقواعد، ولم تتناوله نصاً مؤسساً، بل اقتصرت على تصنيف فنونه وتبويبها ومن ثم بقي الحكاء سائراً خلف الشاعر على عكس واقع الحال الذي كان في الجاهلية ومرحلتها الشفاهية.
وإذ خلا القص من الخصومات، صارت للشعر ميادين أخرى للاختصام، باركتها الحاضنة الثقافية وساهمت في إذكاء التباري الشعري فيها، فارتقى الشعر وصار فحولياً، ولم يعد تابعاً كما كان في الجاهلية، ولم تتأت هذه الفحولية للشعر إلا من أهمية علاقته بلغة القرآن وتأويله.
وبعد أن كان القص خيراً من الشعر وأشرف، صار الشعر خيراً من القص بينما تراجع القص، والمدهش أن هذا التشريف والارتقاء للشعر وذاك التراجع والتابعية للقص إنما كان على مستوى الحياة الرسمية وحاضنتها الأدبية، بينما ظل القص على المستوى الشعبي بلا حاضنة حراً في عموميته، مزدهراً بفنونه، لا سيما السير الشعبية التي صارت تلبي الحاجة المجتمعية.
وعلى الرغم من هذا الأثر الإيجابي الذي تركته الحياة السياسية على ذيوع الشعر، فإن لها تأثيراً سلبياً أيضاً تمثل في دخول النحل والوضع على الشعر الجاهلي، مما جعل كثيراً منه مشكوكاً في صحته، حتى عد طه حسين أغلب هذا الشعر هو من «انتحال الرواة واختلاق الأعراب وتكلف القصاص واختراع المفسرين والمحدثين».
وما كان للحاضنة الثقافية أن تقلب مسألة العموم والخصوص في القص والشعر لصالح الأخير، لولا استنادها إلى الكتابة التي بها حددت للأدب قوانين جديدة منها أنّ الحكاء ما عاد حراً في حكاياته وخيالاته، وإلا اتهم بالكذب والدجل.
وصار الحكاؤون ملزمين بمشروطيات جديدة، فلا مكان للمخالفين منهم في المساجد. ولم يعد أمام من يريد أن يساير الحاضنة الثقافية سوى أن يكون متحرياً متطلباتها. فصار على الحكاء أن يمتهن القص مرة بوصفه مؤرخاً وإخبارياً، ومرة أخرى يمتهنه مفسراً للقرآن وراوياً للشعر، ومرة ثالثة عالماً بالأنساب والأيام والأمثال ناقلاً خبرات قوم إلى قوم أو تجارب جيل إلى جيل أو مواعظ النابغين وحكمهم إلى الآخرين كي يفيدوا منها ناهيك عن حقيقة أن الموالاة للحاضنة الثقافية كانت قد جعلت مؤرخي الأدب يعترفون بالحكائين حين يكونون خاضعين خانعين، بينما يحجمون عن الاعتراف بهم حين يكونون واقعين خارج نطاق هذه الحاضنة.
هكذا حورب القص كتابياً ليظل أكثره شفاهياً شعبياً، ومع ذلك ظل محافظاً على أصالته، تتناقله الذاكرة الجمعية بوعي ولا وعي من جيل إلى جيل، بينما ظل الشعر على خصوصيته الكتابية، ربيب السياسة، يشتد كلما اشتدت السلطة والولاية والعصبية، ويكثر كلما كثر التنازع والتناحر، حتى بدا أكثر الشعراء إما ندماء للساسة وعلية القوم مدافعين عنهم أو مناوئين لهم ومعارضين لسياستهم موالين لساسة أو أقطاب غيرهم.
هذا الأمر جعل الشعر نخبوياً، فاعتلى الهرم الثقافي العربي، بينما قبع القص بعموميته بلا حظوة ولا نخبوية باستثناء نتاجات سردية دونها التاريخ الأدبي، كان مؤلفوها إما شعراء أو أدباء أو فلاسفة ممن وجدوا في السرد بغيتهم التي لا يستطيعها الشعر، متأثرين بما وفد إليهم من حكايات مترجمة كألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، فكتب المعري وابن طفيل وابن سينا وابن رشد رسائل رمزية، وكتب الهمذاني والحريري المقامات بنزعة اجتماعية، وكتب ابن جبير وابن بطوطة رحلاتهما الجغرافية سرداً.
وعلى الرغم من أن الجاحظ الذي هو أعظم حكاء عربي انقاد للحاضنة الثقافية فأعلى لواء الشعر؛ فإن هذا الشعر ظل في حاجة إلى القص فلا ديوان شعري إلا وهو يبتغي حكاء يسرده شارحاً مفرداته، ناسباً ألفاظه، مدللاً على أصل ما فيه من قصص وأخبار وأمثال.
هكذا استمر الأدب العربي يجمع التخييل بالحياة، حيث لا مستحيل مع السرد الذي هو الحياة نفسها بوصفها احتمالاً لا مستحيلاً.
وفي العصر الحديث، ظلت تراكمات السرد العربي، الشفاهية منها والكتابية، تعمل عملها في مختلف أجناس السرد، حتى إذا طرأت عليها تبدلات كانت بمثابة محصلات تستنهض تراكمات تاريخ القص العربي لدينا ومتأثرة بالسرد الغربي معاً.
واليوم تسعى سرديات ما بعد الحداثة إلى تأكيد ما أكده السرد العربي قديماً، وهي فاعلية التخييل في جعل السرد يتغلغل في الحياة بلا حدود أو مواضعات ليكون مجالاً حراً وخصباً للإنتاج الأدبي، وفي أي جانب من جوانب الثقافة الرسمية منها والشعبية.
ولا مناص من القول إن عمومية القص وشفاهيته وعفوية تشكله هي التي جعلته نصاً مؤسساً بوصفه أصلاً وجوهراً. بيد أن الحاضنة الثقافية ساهمت في تعزيز التأسيس للشعر بوصفه هو الجوهر عبر توكيد خصوصيته الصوتية التي قيّدها الخليل بن أحمد الفراهيدي بتفعيلات معلومة وبحور معمولة، ثم ساهم الأصمعي والجاحظ وابن قتيبة وابن قدامة وابن طباطبا والآمدي وعبد القاهر الجرجاني وغيرهم من النقاد القدماء في وضع الحدود الموضوعية التي بتلاقيها مع الحدود الشكلية تكون القصيدة العربية الكلاسيكية قد أرست قالبها ودلت على فحولتها. ليكون (الشعر) هو السيد الذي تلبس العموم فعبر عنه، أما العموم (القص) فانزوى مخصوصاً جوهراً، واستمر فناً نمطياً لا يقبل البتة أن يتنازل للشعر عن عمومية الحكي وغيريته واحتمالية التخييل فيه.



سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود
TT

سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود

يعبّر بعض العراقيين المقيمين في بريطانيا عن غبطتهم وهم يروون حكاية نجاح ابن بلدهم تشارلز ساتشي الذي تحولت مؤسسته الفنية عبر أربعين سنة من المغامرة والجرأة سلطةً تهب فنانيها تذكرة المرور إلى عالم الفن العالمي. ولا يفوتهم التأكيد على معلومة تاريخية تفيد بأن لقب ساتشي يعود إلى مهنة والد تشارلز الذي كان ساعاتياً في بغداد. تلك حكاية لا يلتفت إليها أحد في خضم الإعجاب بنشاط جامع الأعمال الفنية الذي تغلغل في سوق الدعاية والإعلام حاملاً لواء المعارضة من خلال تبنيه للفنون المعاصرة.

منذ تأسيسه عام 1985 تبنى غاليري ساتشي فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة التي كانت بمثابة التمهيد الوسيط بين الأساليب الفنية الراسخة في حداثتها والفنون المعاصرة التي تشكل انقلاباً في طرق الرؤية والتقنيات، فضم معرضه الأول أعمالاً لدونالد جود، وسي تومبلي، وبرايس ماردن وأندي وارهول.

أُقيم المعرض الأول في الفترة من مارس (آذار) إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1985، وضمّ الكثير من أعمال الفنان الأميركي دونالد جود، أحد رواد المدرسة التقليلية والفنانين الأميركيين برايس ماردن وسي تومبلي، أحد رواد الرسم التجريدي والفنان الأميركي آندي وارهول، أحد رواد فن البوب. بعد ذلك بسنة احتضن الغاليري معرضاً لأعمال النحات الأميركي جون تشامبرلين والفنانين الأميركيين دان فلافين، وسول لويت، وروبرت رايمان، وفرانك ستيلا وكارل أندريا، وجميعهم من رواد المدرسة التقليلية. كما أقيم معرض للفنان الألماني أنسيلم كيفر، والنحات الأميركي ريتشارد سيرا الذي عُرف بأعماله النحتية الضخمة.

من خلال تلك المعارض التي جذبت الأنظار إليه نجح تشارلز ساتشي في تكريس وجوده في الحياة الفنية البريطانية؛ وهو ما أهَّله للانتقال إلى المرحلة التي تحول فيها عراباً للفنون المعاصرة من خلال تبنيه الفنانين الشباب مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل، وسارة لوكاس، وجافين تروك وراشيل وايت ريد. لا يُفهم نشاط تشارلز ساتشي إلا إذا وضعناه في سياقه الاستثماري الذي كان الترويج الدعائي للفن بصفته بضاعة جزءاً أساسياً منه.

حين يعود الرسم إلى الواجهة

اقتحم ساتشي الأسواق الفنية العالمية، لكنه فعل ذلك من خلال غزو المتاحف العالمية بمجموعته بدءاً من متحف هامبورغر بانهوف ببرلين وانتهاءً بمتحف الفن الحديث (موما) بنيويورك. يختلف الكثيرون في وصف مهمته التي تمتزج فيها الحماسة للفنون المعاصرة بالهوس التجاري إلى درجة أن البعض من النقاد كان قد عدَّه واحداً من الطغاة الذين يسعون إلى صناعة تاريخ زائف للفن، ملمحين إلى ظاهرة المنظمة السرية التي تدير سوق الفن بالخفاء متخذة من أصحاب القاعات الفنية واجهة هشة مخادعة.

كل ذلك قد يكون صحيحاً على الرغم مما يتخلله من أوهام غير أن الاحتفالية التي يقيمها غاليري ساتشي بلندن لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه تقول شيئاً مختلفاً. شيئاً لا ينفي ولا يؤكد بقدر ما يأخذنا إلى مناطق خاصة في التفكير الفني. مناطق يعود فيها على سبيل المثال الاهتمام بالرسم إلى الواجهة. وهو ما أدهشني في معرض «الآن البعيد»، وهو معرض يعيد إلى الرسم مكانته من خلال أعمال رسامين بأساليب مختلفة.

لقد دأبت منذ أكثر من عشر سنوات على زيارة غاليري ساتشي، وكنت في كل مرة أشعر بالإحباط بسبب ذائقتي الجمالية غير أن المعرض الحالي، وهو أشبه بمعرض استعادي يؤكد أن الغاليري الذي صار مؤسسة سلطوية يملك من المعرفة الفنية ما يؤهله أن يكون وسيطاً عادلاً بين مختلف التيارات الفنية، وبالأخص ما كان منها حداثوياً وما هو معاصر. لا يعني ذلك أن ما يطرحه المعرض هو أشبه بصيغة التعايش بين الأساليب بقدر ما يعني أن هناك بيئة ثقافية هي الفضاء الذي تتلاقح من خلاله تلك الأساليب، بعضها من البعض الآخر لتكتمل صورة الفن الآن، الذي هو فن المستقبل.

المزاوجة بين التجارة والثقافة

بغض النظر عن الخلافات العميقة في الآراء بين مناصري ساتشي والمعترضين على نهجه، وبالأخص فيما يتعلق بانفتاحه على الفنون المعاصرة، فإن الغاليري تخطى الحدود الضيقة التي تحصره في مهمة إقامة المعارض والترويج لأعمال فنانيه ليصبح قوة ضاربة لا في السوق الفنية المحلية فحسب، بل وفي المشهد الفني العالمي. فمَن تنفتح له أبواب «ساتشي» يكون ذهابه إلى العالمية أمراً ليس عسيراً إذا ما اجتهد وصقل موهبته بالعمل والمعرفة والتجدد. وهو ما يعني أن الصرح الكبير الذي يقع في منطقة تشيلسي الثرية بلندن ليس مجرد مجموعة من القاعات التي ينتهي عملها بعرض الرسوم والمنحوتات والصور الفوتوغرافية والأعمال التركيبية والأفلام، بل هو مؤسسة معقدة التفاصيل فيما تمارسه من تأثير خفي على الحياة الفنية تبعاً لقدرتها على فرض تيارات فنية معينة وتعزيز وجود فنانين دون سواهم والتحكم بأسعار الأعمال الفنية.

زاوج ساتشي بين التجارة والثقافة بطريقة محترفة. لم تغره التجارة بعد أن أثبت أنه مؤهل للوقوف خارج المنافسة بتفوق ملحوظ، بل اندفع في اتجاه خلق ثقافة بصرية جديدة، قوامها الانتصار للفنون المعاصرة التي تجلب عروضها سمعة غير أنها لا تجلب أرباحاً. قلب ساتشي المعادلة حين صار فنانوه يبيعون أعمالهم بأعلى الأسعار وتتسابق المتاحف العالمية على إقامة معارض لهم، كما أن هناك دولاً صارت تتسابق على اقتناء أعمالهم. لقد تحول فنانون مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل وسارة لوكاس أيقوناتٍ عالمية في المشهد الفني المعاصر. كل هذا من صنع ساتشي.

تبنَّى غاليري ساتشي منذ تأسيسه عام 1985 فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة

غاليري من غير حدود

«الآن البعيد» هو عنوان المعرض الذي يقيمه ساتشي لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه. انتقى القيَّمون على هذا المعرض أعمالاً فنية قديمة وجديدة بما يتيح التعرف على مراحل زمنية مختلفة، نجح الغاليري عبرها في تكريس سمعته عراباً لفن مغاير، بعضه يتمسك بالخيوط التي تربطه بالحداثة الفنية كما كانت في النصف الثاني من القرن العشرين، في حين يذهب البعض الآخر في نفوره من الحداثة إلى درجة القطيعة؛ وهو ما فتح الباب أمام هيمنة الفنون المعاصرة على العروض التي دأب ساتشي على إقامتها عبر العشرين سنة الماضية.

«الحاضر يذهب إلى المستقبل» من خلال تلك المقولة يظهر ساتشي ثقته من أن سلطته ونفوذه سيظلان قائمين حتى بعد غيابه، وهو هنا كمَن يقول: «سيكون المستقبل من صنعي» هل سيكون ذلك حقيقياً أم أنه مجرد وهم، تمليه القوة التي يمكن أن يتمرد عليها الفن؟

من المؤكد أن هناك دعاية مبالَغ فيها لصالح ساتشي وهو الذي يدير الجزء الأكبر منها، غير أن ما لا يمكن إنكاره أن سلطته لم تكن وهماً. إن صرحاً بحجم الغاليري إنما يستند إلى سعة في النفوذ لا على مستوى السوق الفنية وحدها، بل يتخطاها إلى عموم المشهد الفني بضمنه الجوائز الفنية الرفيعة، وفي مقدمتها جائزة «تيرنر».

عبر مسيرته لم يكتفِ غاليري ساتشي بتبني الفنانين البريطانيين المعاصرين، بل امتد نشاطه ليشمل برعايته فنانين عالميين من مثل جيف كونز، وسيندي شيرمان، وروبرت غوبر، وبيتر هالي، وحاييم شتاينباخ، وفيليب تافي وكارول دونهام. أما حين أقام عام 1987 معرض «فن نيويورك الآن» فإنه اكتسي سمعة الغاليري عابر الحدود.


صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
TT

صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن

دأب شيوخ قبائل العرب على صيد الطيور والحيوانات البرية، وجعلوا من هذه المزاولة تقليداً راسخاً، ورثه الحكام الأمويون وطوّروه، فغدا وسيلة من وسائل اللهو، ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالغنى والترف، كما يشهد الميراث الأدبي الخاص بتلك الحقبة. تردّد صدى هذا التقليد في الفن الأموي، وتجلّى في مجموعة من الأعمال التصويرية المتعدّدة الأنواع، منها لوحات من الحجم الكبير تشكّل جزءاً من الجداريات التي تزيّن قاعات قصير عمرة في صحراء الأردن. تمثّل إحدى هذه اللوحات صيد الحمير البرية وسط حلبة مسيّجة، في مشهد شامل وجامع يتميّز بتفاصيله الإنشائية الدقيقة.

يحوي قصير عمرة قاعة كبيرة مكوَّنة من ثلاثة إيوانات حافظت على الجزء الأكبر من جدارياتها، ويحضر مشهد صيد الحمير الوحشية في الإيوان الغربي في لوحة أفقية مستطيلة، تحتلّ الجزء الأعلى من الجدار الغربي، وتستقرّ فوق تأليف ثلاثي يجمع بين ثلاثة مشاهد مستقلّة تمتدّ على الجزء الأوسط من هذا الجدار. مُحِي النصف الأعلى من مشهد الصيد بشكل كبير بحيث تعذَّر تحديد معالمه عند اكتشاف القصير في مطلع القرن الماضي، غير أن بعضاً من هذه المعالم انكشف وظهر بفضل أعمال الترميم التي أجرتها بعثة إيطالية من «المعهد العالي للحفظ والترميم» في الموقع خلال عام 2010. في المقابل، حافظ النصف الأسفل من هذه اللوحة على مختلف عناصره، واستعادت هذه العناصر لمعانها الأوّل بفضل هذا الترميم الدقيق.

يدور هذا الصيد داخل حلبة تحدّها شرقاً شبكة عريضة ترتفع على شكل سياج مقوّس. داخل هذه الحلبة، تحل مجموعة من البهائم تركض معاً في اتجاه الشبكة. تتكوّن هذه المجموعة كما يبدو من 17 بهيمة متراصة، تحضر كلها في وضعية جانبية، وتظهر وهي تجري في حركة واحدة، رافعة رؤوسها إلى الأمام. وحدها البهيمة التي تحضر في الطرف الأخير تدير رأسها إلى الخلف في اتجاه كلب سلوقي يلاحقها ويدنو منها. تبدو هذه البهائم من فصيلة الخيليات، وهيكلها ما بين الحمار والحصان، ممّا يوحي بأنّها من الحمير البريَّة التي تُعرف في الميراث الأدبي بحُمر وحش، كما تُعرف بحمير وحش. يأتي ذكر هذه الحمير في الأدبيات الخاصة بالصيد، وأقدم ما وصلنا منها رسالة الصيد المنسوبة إلى عبد الحميد بن يحيى، كاتب مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، وفيها يذكر كلاب السلوقي السريعة في مطاردة الغزلان، ويتحدّث عن غابة «من ورائها حمير وحش كثيرة».

تنقل جدارية قصير عمرة صورة حيَّة لهذه الحمير، وفيها تبدو «صُفْر المناخرِ والأَشْداق»، كما وصفها الشاعر ابن ميادة في زمن الدولة الأموية، ويظهر من خلفها ثلاثة من رجال الصيد يمتطون خيلهم. مُحِيَت صور هؤلاء الفرسان، وما بقي منها يُظهر تقدّم اثنين منهم في حركة موازية، وتهاوي الثالث وسقوطه عن حصانه في حركة معاكسة. في القسم الأسفل من التأليف، ترتفع سلسلة من الرايات المرفوعة فوق قضبان مغروسة في الأرض، تقابلها سلسلة مشابهة في القسم الأعلى من الصورة. تُشكّل هاتان السلسلتان حلقة تطلّ من خلف عدد من راياتها قامات تُمثّل على الأرجح مراقبي جولة الصيد. يظهر كلّ فرد من هؤلاء المراقبين أمام راية من هذه الرايات، رافعاً ذراعه أفقياً في حركة واحدة ثابتة. في المقابل، تظهر خيمة سوداء في طرف التأليف شرقاً، حيث ترتفع تحت الشبكة المقوّسة. تكشف هذه الخيمة عن ثلاثة وجوه تُمثّل كذلك مراقبين يتابعون جولة الصيد. وتقابل هذه الخيمة في الطرف المعاكس خيمة أخرى مشابهة تخلو من الشهود.

رصد بازيار العزيز الفاطمي أحوال الصيد وطقوسه في كتاب يُعرف باسم «البيرزة»، وفيه أشار إلى تعدد هذه الأحوال بحسب الأوضاع الطبقية الخاصة بالصيادين، وقال: «ويغدو للصيد اثنان متفاوتان، صعلوك منسحق الأطمار، وملك جبار، فينكفئ الصعلوك غانماً، وينكفئ الملك غارماً، وإنما يشتركان في لذة الظفر. ولا مؤونة أغلظ على ذي المروءة من تكلف آلات الصيد لأنها خيل وفهود وكلاب وآلات تحتاج في كل قليل إلى تجديد. ومن هنا قيل إنه لا يشغف بالصيد إلا سخيّ». رأى الكاتب أن هذا الصياد السخي يحتاج إلى كلب ودابة، كما أنه يحتاج إلى غلام يركب هذه الدابة، «وجارية تصلح لنا صيدنا وتعالج طعامنا». وأضاف في الخلاصة: «كلب ودابة وغلام وجارية هؤلاء عيال، ولا بد من دار»، «ولا بد لهؤلاء من غلة ضيعة».

تعكس جدارية قصير عمرة صورة هذا الصيد السخي في كنف الأسرة الأمويّة، وتحضر بأسلوب تشكيلي متين يتبع التقليد الروماني الكلاسيكي، ويتميّز بطابعه الواقعي النابض بالحركة الحيّة. يعود هذا المشهد ويظهر في تأليف مشابه في جدارية أخرى في الإيوان الشرقي حيث تحتل القسم الأوسط من الجدار الشرقي، وهذه اللوحة ممحوة بشكل كبير، وتصعب قراءتها من دون الاستناد إلى الرسم التوثيقي الخاص بها. يُمثّل هذا المشهد صياداً يلاحق مع قطيع من كلاب السلوقي مجموعة من الحمير الوحشية تحتلّ طرف الصورة. يعلو هذه اللوحة تأليف ثلاثي يتكوّن من مشهد يصوّر لقاءً بين قامتين يصعب تحديد هويّتهما، يتبعه مشهد يصوّر عناقاً بين هاتين القامتين الغامضتين، ثم مشهد تقليدي مستقلّ يصوّر أسداً ينقض فوق طريدة ذات جلد أبيض.

تضم مجموعة جداريات قصير عمرة كذلك لوحتين كبيرتين ترتبطان بعالم الصيد، وتمثّلان ذبح الطرائد. تبرز هاتان اللوحتان بطابعهما الفريد، وتستحقّ كل منهما قراءة متأنيّة مستقلّة.


تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
TT

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» في السعودية، دشنّ الدكتور إبراهيم بن عبد الله المطرف، كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وذلك في الغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية.

يعدّ الدكتور إبراهيم المطرف خبيراً في العلاقات الدولية، وشغل سابقاً أستاذ العلاقات الدولية المشارك بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، كما شغل منصب وكيل محافظ الهيئة العامة للاستثمار للأنظمة والتعاون الدولي، وشغل أيضاً منصب أمين عام الغرفة التجارية الصناعية للمنطقة الشرقية.

يتناول الكتاب الدور القيادي لخادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، منذ توليه إمارة الرياض، وصولاً لتسلمه الحكم في المملكة (23 يناير - كانون الثاني 2015)، ويسجل الإنجازات التي عاشتها المملكة العربية السعودية من خلال فهم علمي ودقيق للتطورات التي عاشتها، وطبيعة هذه التطورات، مع شرح لأبعادها، وطبيعة التحدّيات وسبل مواجهتها.

كما يتطرق الكتاب لعدد من القرارات التي أصدرها خادم الحرمين الشريفين، على الصعيد المحلي تطويراً لآليات الحكم، وإعداداً لجيل جديد من قادة المستقبل، ويتطرق لحركة السياسة الخارجية السعودية وأدائها، ومواقف المملكة من متغيّرات إقليمية ودولية عدة، تجسيداً لرؤية المملكة في «إدارة» أو «حل» الأزمات والصراعات الإقليمية والدولية.

سبق للدكتور المطرف أن أصدر كتاباً بعنوان «العلاقات السعودية الدولية... اللوبي أنموذجاً» طرح فيه رؤية «مستقبلية» حول بناء وتكوين «لوبي» سعودي، يكون نموذجاً لعمل سياسي ودبلوماسي فعال ومؤثّر، على صعيد العلاقات الدولية للمملكة.

الدكتور إبراهيم المطرف خلال تدشين كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات بالغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)

يهتم الكتاب بتكوين «لوبي» سعودي يعمل على التأثير في الساحة الأميركية من أجل ضمان المصالح الاستراتيجية للمملكة في أقوى دولة على مستوى العالم. ويركز الكتاب على 3 محاور رئيسية. هي «اللوبي»، و«الدبلوماسية الناعمة»، و«منتديات الحوار». وتمثل هذه المحاور صُلبَ الكتاب.

وفي كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» يعود المطرف للتأكيد على الدبلوماسية الناعمة، مخصصاً فصلاً خاصاً، تناول فيه «آليات» السياسة السعودية، في حضورها «الخارجي»، وأدواتها في المجال الدولي، وفي محيطها الإقليمي الحيوي، ودائرتها العربية والخليجية، مستعرضاً ركائزها الاستراتيجية، ومقوماتها الروحية التاريخية الحضارية والثقافية، مُسلّطاً الضوء على نشأة «المصطلح» تاريخياً، وتطوره، ومُبيّناً «أدواته»، ومنها: قوة المال والنفط، والمساعدات المالية والاقتصادية للدول العربية والإسلامية والنامية، وكثير من دول العالم الثالث.

واستعرض كثيراً من المواقف التي نجحت فيها «الدبلوماسية الناعمة»، إذ تمكنت المملكة من توظيف «عناصر» قوتها الدبلوماسية «الناعمة» على النحو الذي ساعدها في تحقيق كثير من أهدافها الاستراتيجية في خدمة قضايا أمتها العربية والإسلامية، وتوفير بيئة دولية وإقليمية وعربية مواتية لإحلال السلام والاستقرار الدوليّين، وتفعيل عملية التنمية المستدامة، لخير الشعوب ورخائها ورفاهيتها، عالمياً وإقليمياً وعربياً، ومحلياً.

وفي حفل تدشين الكتاب الذي حضرته شخصيات اقتصادية وثقافية، أشار الدكتور المطرف إلى أن الكتاب شمل قراءة تحليلية لعددٍ من توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان بن عبد العزيز، كما سلّط الضوء على ملامح قيادة وفكر الملك سلمان الإداري والسياسي، وما تحقق في عهده من نقلات نوعية على مختلف الأصعدة.

وأشار إلى أن تزامن تدشين الإصدارات باللغات الثلاث مع احتفال المملكة بيوم التأسيس جاء منسجماً مع أهداف هذا اليوم، حيث يقدّم الكتاب قراءة في فكر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، القائد الذي واصل مسيرة الإنجاز لمن سبقه من المؤسسين، وعزّز من مكانة وسمعة وصورة الوطن على كافة المستويات والأصعدة في المنطقة والإقليم والعالم، بمساندة من ولي عهده الأمير محمد بن سلمان.

وأضاف الدكتور المطرف: «حرصت في كتاب (قراءة في فكر ملك) على تقديم محتوى، وثّقت من خلاله بالكلمة والصورة معاً، وبفهم ومنهج دقيق، بعض توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان، وتقديم قراءة موضوعية لمسيرته الرائدة».

تلقى الدكتور المطرف تعليمه الأوليّ في مدينة الخبر شرق السعودية، وحصل على الشهادة الثانوية في الولايات المتحدة، وابتعث من شركة «أرامكو السعودية» للحصول على الشهادة الجامعية في الولايات المتحدة، وإليها ابتعث من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن للحصول على شهادة الدكتوراه. وهو كاتب في الشؤون الدولية، ألّف عدداً من الكتب في الشأن الدولي، وأنجز أكثر من 30 بحثاً محكماً.