رسائل حب إلى المدينة المنكوبة (1 - 3)

كتاب ونقاد مصريون يؤكدون قدرتها على صناعة الأمل

صلاح فضل
صلاح فضل
TT

رسائل حب إلى المدينة المنكوبة (1 - 3)

صلاح فضل
صلاح فضل

استعصت بيروت على الرثاء في ثنايا هذه الرسائل الخاطفة، بذكرياتها وصورها الشجية لمجموعة من الروائيين والنقاد، تحدثوا عن ماذا تمثل بيروت لهم، وأكدوا أن لبنان سيظل واحة للمحبة والفن والجمال، وأن شعبه الذي ثار على الظلم والفساد سينهض من بين أنقاض الدمار والخراب أكثر صلابة ومقدرة على صناعة الأمل... هنا نص الرسائل:
د. صلاح فضل: قتل المحبة
لا شك أن الألم يعتصر قلب كل عربي يشاهد فاجعة بيروت التي دمرت ثغره ومعنويات أهله الذين خرجوا في ثورة عارمة ضد الطائفية والانتهازية السياسية والفساد، لكن أعظم مآسي لبنان تتمثل في تفاقم نفوذ الإسلام السياسي المترع بالولاء لألد أعداء العرب تاريخياً، وهم الفرس الإيرانيون الذين تمكنوا من وجدان فقراء البقاع عن طريق الرشوة والخداع والتخويف من العدو الصهيوني، ثم استفزازه لتخريب لبنان في معركة وحيدة حرمت اللبنانيين من امتلاك حرية الحركة في وطنهم، ووضعتهم بالرغم منهم في قلب معركة لا طاقة لهم بها على المدى الطويل، وبعد أن كانت بيروت واحة للحرية والفن والجمال وفضاءً مفتوحاً للنشر والإبداع خيم عليها مناخ التحزب الطائفي والشقاق الديني، وأخطر ما في هذا التحول التاريخي لطابع لبنان من السماحة والتحضر أن يكون طارداً لأبنائه للهجرة إلى الخارج، مثلما حدث في العصر العثماني. الأيدي القذرة التي تلعب بمصير لبنان، التي يتوه فيها إخطبوط أجهزة التخابر الصهيونية مع أطماع «حزب الله» تشعل الحرائق التاريخية، وتقتل روح المحبة، وتغرق سهول البلد الطيب وجباله في وحل التعصب والقبح والعوز. فاجعة بيروت انتكاسة مادية ومعنوية لكل ما يمثله البلد النموذجي الذي كان قبلة للمثقفين والفنانين العرب، يشبعون في رحابه الوضاءة عشقهم للحرية والجمال.
د. يسري عبد الله: حضور متجدد
ربما ستمكث مشاهد الموت والدمار طويلاً في عمق الذاكرة اللبنانية والعربية، فما حدث في مرفأ بيروت استدعاء جديد لجملة من الشجون والآلام تخص بلداً صغير المبنى، عميق الوهج والأهمية، يبدو حضوره الجوهري في الثقافة العربية تحديداً من قدرته على مغالبة الزمن والأنواء، ورفد واقعنا الفكري والإبداعي بالجديد والمختلف على مدار تاريخه، لتمثل بيروت إحدى أهم الحواضر المركزية في ثقافتنا العربية المعاصرة. بيروت التي تعد تنويعة مغايرة على متن التجديد الثقافي شعراً وسرداً وموسيقى، ونشراً للكتب والمطبوعات المختلفة. تبدو لي أيضاً إحدى الحواضر التاريخية الواصلة بين عالم قديم تضرب بجذورها فيه فيمنحها خصوصية الحضارات الراسخة، وعالم حديث ابن الآن وهنا، تبدو فيه بيروت كياناً متغيراً باستمرار. ولبيروت الجميلة المحبة والسلامة.
د. أماني فؤاد: في الروح ما يتعلق بها
كنت كلما بحثت عن أحد الكتب التي يثار حولها جدل أو منع أجد من يقول لي: عليك بطبعة لبنان. ما زلتُ كلما تراكمت ضغوط الحياة أبحث عن صوت فيروز، الذي يعيد جريان الماء في النفوس الذابلة. كانت مؤلفات جبران خليل جبران الكاملة من أوائل الكتب التي قرأتها وتركت علامات محفورة بوعيي وإدراكي للوجود. ثم كثيراً ما صورت الأفلام المصرية في شوارع الكورنيش والأشرفية والحمرا، في طرابلس، وفي الجبل بطبيعته الخلابة. استقرت لبنان في ذاكرتي مع معاني الحرية والجمال والانطلاق الذي يشمل كل مناحي الحياة، رأيت استطاعتها - في فترات - تذويب العرقيات والطوائف والأديان، وإعلائها لمفهوم المواطنة وسيادة القانون في تحضر رغم ما مر بها من نزاعات وحروب. شيء في الروح يتعلق بها، يهوى الجبل ومياه النبع الصافية وأشجار الأرز، يلمس عشق أهلها للحياة وتفننهم في ألوان الأطعمة والملابس، كما يلحظ تقديسهم لقيمة العمل ورغبتهم في التميز والنجاح. بدت لي دوماً ثقافة لبنان ذات الأصول الفينيقية أكثر تحرراً بمبدعيها وأدبائها ومفكريها وفنانيها. المؤسف أن البلد التي تمتع دوماً بجسارة الفكر وتعايش ألوانه، بات ساحة لتدخل العصابات وصراعات الطائفية واستشراء الفساد. الشعب الذي عشق الحياة وحولها لفنون شتى، تبدلت أحواله فصار خائفاً تحاصره الأزمات الاقتصادية، والأمنية، والسياسية، والتهديدات الخارجية، يصرخ لسان حاله لحكامه وطوائفه واقتصادييه «ابتلعوا أطماعكم واتركونا نعيش».
الروائي وحيد الطويلة: مدينة الفرح
المدن تشبه النساء... نقولها إن ربحنا في الغرام أو خسرنا. لكن المدن ربما لا يشبهها شيء غير أغانيها... بيروت أكثر مدينة تشبهها أغانيها... بيروت تشبه صباح أكثر مما تشبه غيرها... لو عدت إلى الأغاني اللبنانية من النادر أن تجد أغنية حزينة؛ بل ربما لا تجد على الإطلاق. كل هذا الفرح في الأغاني لا يصدر إلا عن طاقة حب شاسع للحياة... كل الحكايات عن سهرة تغسل الروح عنوانها هذه المدينة. رغم الحرب لسنوات والدمار وأفلام مارون بغدادي والبكاء المر في القصائد وفي الروايات كل الموسيقى مفرحة... البلد الوحيد الذي يخيل لك أن الآلات ترقص في أثناء العزف. حتى وإن كانت الكلمات حزينة لن تحزن... ستتكفل الموسيقى بالتلويح بالأمل. كل من حاول أن يعلي كفه علينا يوماً كان يقول: عشت في بيروت؛ كل من لوح لنا بالحب الذي يشبه العدوى يقول: ضيعت قلبي في بيروت. بيروت هي السماء بكامل اتساعها اللانهائي، هي الزرقة بحراً وسماءً وغناءً.. الأزرق لا يؤكل كما قال جياكوميتي.. لن تؤكل بيروت أبداً، لن تؤكل مدينة ترقص فيها الروح كلما صدحت بواحدة من أغانيها.
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري:
قنبلة بيروت
أول هدية لبنانية أحصل عليها، في صباي، كانت أسطوانة تضم أغنية «غنيتُ مكة» لفيروز، من ألحان الأخوين الرحباني، وكلمات الشاعر سعيد عقل، الهدية جلبها لي من لبنان عامل لبناني مسيحي يعمل بليبيا ويسكن بحي الصابري بمدينة بنغازي، مسقط رأسي، وقد اضطر أبي تحت إلحاحي، أن يشتري لي جهاز «بيك آب» كي أشغل الأسطوانة، وبذا كنت أول شخص يمتلك هذا الجهاز في الحي، وفيروز تصدح بالأغنية.
هكذا بدأتُ علاقتي بلبنان: مسيحيون يتغنون بمكة، وآخر يُهديني الأسطوانة، لكن ما سيتبين لي في أول شبابي، أن لبنان صرح مبني من تراب وعلى تراب، حين أفقت عام 1975 على أول حرب أهلية تندلع في عالمي والعالم العربي، وكشاب مفعم باليسار، انحزت إلى طرف «القوى الوطنية اللبنانية»، وبعد أن تم وأد بيروت، روح الرومانتيكية العربية، الآن في زمن القنبلة النووية اللبنانية، زمن «حزب الله»، لبنان لا أفق في الأفق، لبنان الذي يتعيش على ما مضى، وساحة لعراك الآخرين في مطلع قارة آسيا، يشبهه حال ليبيا التي كما عقدة تتوسط عنق المتوسط، فلا يتذكرهما الآخرون إلا كاحتمال لمصيبة ممكنة! الآن لبنان على الطاولة بيدق في لعبة الأمم ومملكة صهيون، يحدث هذا مع نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، والعالم مصاب بالوباء، وتتلبسه روح شيطان يلبس ستراً صفراء. مع ذلك أثق أن لبنان سينهض بإرادة شعبة، ويتجاوز هذه المحنة القاسية.
الروائي محمد بركة: وجه مشرق
لا يُذكر اسم العاصمة اللبنانية إلا وأتذكر قريتي الصغيرة كفر سعد البلد، التابعة لمحافظة دمياط، التي كان أبناء القرى المجاورة يطلقون عليها اسم بيروت! قريتي لا تشبه العاصمة الأشهر في تاريخها الذي يعود إلى ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد. قرية لا يحتضنها بحر بلون أزرق فاتن ولا تمتلك صخرة «روشة» يقصدها العشاق، ولم تشتهر في تاريخها القديم بمدرسة للحقوق، ومع ذلك حظيت بهذا الاسم نظراً لقوة شخصية نسائها، وإصرارهن على التحقق مادياً ومهنياً مع تحضر رجالها وتزايد نسبة التعليم الراقي، وطموح أبنائها في صنع مصير مختلف. في روايتي «عشيقات الطفولة» لم يكن غريباً أن يحمل أحد فصولها عنوان «بيروت البلد». لست قلقاً على بيروت، فالوجه الحضاري المشرق سينتصر على الغزاة الجدد، والأغنية ستنتصر على الرصاص، والموسيقى سيكون دويها أشد وقعاً من المتفجرات المخزنة في العقول قبل المرافئ!
الروائية سهير المصادفة: بأجنحة أكبر
بيروت تمثل لي منارة الإبداع والفن والجمال في العالم العربي، ولقد لعبت كلٌّ من القاهرة وبيروت دوراً ثقافياً وتنويرياً كان طليعياً طوال القرن التاسع عشر والقرن العشرين. بيروت في مخيلة العرب مرتبطة بالجمال والرقي والحرية والإبداع. ولذلك هي موجودة بالاسم والرسم في مدونة الأدب العربي الحديث وقصائده الشهيرة. في روايتي الأولى «لهو الأبالسة» كتبت فقرة عن بيروت التي يكتشفون كل فترة مدى جمالها وفتنتها وانعتاقها نحو آفاق حرة، فيحرقونها - مع الأسف الشديد - فهم لا يريدون باريس جديدة في العالم العربي. ولكن من فرط قوة وجمال بيروت فهي كل مرة تنهض من محاولة حرقها وتحلق بأجنحة أكبر، تماماً مثل عنقاء الرماد.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.