وزير الخارجية اللبناني المستقيل: توصلت إلى قناعة بأن رؤية الإصلاح غير موجودة

ناصيف حتي أكد لـ أن السياسيين يريدون إبقاء الوضع على حاله

وزير الخارجية المستقيل ناصيف حتي يتحدث إلى الصحافيين لدى مغادرته مقر الوزارة إثر تقديم استقالته قبل أيام (إ.ب.أ)
وزير الخارجية المستقيل ناصيف حتي يتحدث إلى الصحافيين لدى مغادرته مقر الوزارة إثر تقديم استقالته قبل أيام (إ.ب.أ)
TT

وزير الخارجية اللبناني المستقيل: توصلت إلى قناعة بأن رؤية الإصلاح غير موجودة

وزير الخارجية المستقيل ناصيف حتي يتحدث إلى الصحافيين لدى مغادرته مقر الوزارة إثر تقديم استقالته قبل أيام (إ.ب.أ)
وزير الخارجية المستقيل ناصيف حتي يتحدث إلى الصحافيين لدى مغادرته مقر الوزارة إثر تقديم استقالته قبل أيام (إ.ب.أ)

أثارت استقالة وزير الخارجية اللبناني ناصيف حتي سيلاً من التعليقات والتكهنات، ومنها أنه تعرض لضغوط من الوزير السابق جبران باسيل، خلال ممارسته مسؤوليات الوزارة. وباستثناء البيان الذي أدلى به بعد استقالته، لم يتطرق حتي إلى الأسباب الحقيقة التي دفعته إلى الاستقالة.
في هذا الحديث الذي أدلى به لـ«الشرق الأوسط» يوضح ناصيف حتي تلك الأسباب، ويشرح نظرته إلى العلاقات التي يجب أن تقوم بين لبنان والدول العربية، ورأيه في موضوع الحياد، وفي العقبات التي تواجه تحقيق الإصلاحات الضرورية لإنقاذ الوضع المالي ونجاح المفاوضات مع «صندوق النقد الدولي». كما يدعو إلى تحقيق لتحديد المسؤولين عن الكارثة التي حلّت بلبنان نتيجة الانفجار في مرفأ بيروت. وهنا نص الحديث:

> ماذا تعني بالنسبة إليك كارثة بيروت ولبنان على صعيد عمل وأداء الدولة والنتائج المترتبة على ذلك؟
- هذه المأساة الكبيرة التي أصابت ليس فقط بيروت بل كل لبنان وكل لبناني وجميع أشقائنا وأصدقائنا عبر العالم تعكس حالة من الإهمال. لا بد من أن يجري تحقيق لاكتشاف ما حصل، وتحديد المسؤوليات لنعرف الظروف لجهة تخزين هذا الكمّ الهائل من هذه المادة القابلة للانفجار في أي لحظة في ظروف معينة (نيترات الأمونيوم)، في مرفأ بيروت، ولا يتم اتخاذ أي إجراء أو تدبير، وذلك منذ أكثر من ست سنوات. هذا الأمر يدل على أن هناك حاجةً ملحّة على توافر الشفافية والمساءلة خصوصاً في عمل مؤسسات الدولة، وتحمُّل النتائج المترتبة على الذين سمحوا بأن يحصل أمر كهذا، وأن يُترك لهذه الفترة الطويلة. وبدأنا نرى رمي المسؤوليات وتبادل التهم بين مَن يدعي أنه سأل وطرح الصوت، وآخر يقول إنه لم يتلقّ شيئاً... كل هذه الأمور تدل على غياب لمنطق المسؤولية، والحال أن المسؤولية يجب أن تفضي إلى المساءلة.
> ما الذي علينا توقّعه من استخلاص للنتائج على نكبة لم يعرف لبنان مثيلاً لها سابقاً؟
- بداية، علينا أن نشير إلى النتائج المأساوية، وعنوانها استشهاد عدد كبير من اللبنانيين وغير اللبنانيين الموجودين في لبنان، وآلاف من الإصابات، ودمار واسع في بيروت. هناك دون شك تأثيرات بيئية ونتائج نفسية، وكلها تهدد الأمن النفسي والمجتمعي للناس، إضافة لما يعيشونه من مشكلات متعددة الأشكال. علينا أن نتوقف جميعاً أمام مأساة من هذا النوع، وأن نتعاضد جميعاً، أياً كان الموقع السياسي، وأن نأخذ العِبَر الضرورية، وأقول دائماً إنه بمواجهة هذه المآسي، يتعين أن يكون هناك عمل وطني شامل وجامع. وهذا ما كنتُ أطرحه عندما كنتُ في الحكومة، وكنت أقول إن هناك حاجة، رغم الاختلافات الشديدة في وجهات النظر وفي مسائل وظروف معينة، لحوار وطني جدي ورصين لكيفية وقف النزف والانهيار. لدى الأمم المتقدمة، بمواجهة الأزمات ذات تداعيات خطيرة بالنسبة للبلاد، يُفترض أن يحصل عمل جماعي.
> شهدنا تعاطفاً دولياً مع لبنان لم يسبق له مثيل. ماذا يعني هذا التعاطف بالنسبة لك؟ هذا من جهة. ومن جهة ثانية؛ هل يمكن أن يفضي إلى تغير أو تبدل في كيفية التعاطي الدولي مع الحكومة اللبنانية، بمعنى أن تصبح أكثر ليونة في موضوع المساعدات الاقتصادية التي ينتظرها لبنان للخروج من أزماته الاقتصادية والمالية والاجتماعية؟
- في الشق الأول، من الطبيعي إزاء كارثة مثل التي ضربت بيروت ولبنان وأياً كانت الجدولة المعنية، أن يحصل تعاطف من القريب والأبعد، وبالنسبة للبنان من الأشقاء ومن الدول الصديقة، لتوفير المساعدات الإنسانية الضرورية، وهذه بنظري ردة فعل طبيعية، ويجب الإشادة بها.
أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال، أريد أن أؤكد الأمور كما عشتها في الحكومة، وهي أن مواقف الدول الصديقة واضحة تماماً، وقوامها ضرورة إطلاق عملية الإصلاح الهيكلي، وأعني بذلك إصلاحاً شاملاً، وفي العمق للاقتصاد اللبناني، وهو الشرط الذي لا غنى عنه لتوفير المساعدات المطلوبة. هذه القناعة دولية وشاملة وبدأت تترسخ لبنانياً، وهي أن الحصول على المساعدات يجب أن يمرّ من خلال الاتفاق مع «صندوق النقد الدولي». وللأسف، كان هناك الكثير من التعثّر في هذا الأمر، لجملة من الأسباب، ومنها اختلاف أرقام الديون بين أطراف مختلفة، وخلافات سياسية كان يُراد لها أن تُخبأ، ولكنها كانت ظاهرة بخصوص جدية الذهاب نحو «صندوق النقد». أياً كان موقف هذا الطرف أو ذاك، اعتبر أن التوجه إلى «صندوق النقد» أمر ضروري، وفي اعتقادي أن أمراً كهذا كان يجب أن يتم منذ سنتين أو ثلاث سنوات، وتنفيذ هذه الخطوة لا يعني أبداً القبول غير المشروط بكل ما يُطرح، ولكن التفاوض الجدي وإظهار المصداقية والرغبة الصادقة في الخروج من هذا المأزق. والخلاصة أن المساعدات مرتبطة بإصلاحات جدية. الاقتصاد اللبناني أصبح منذ سنوات طويلة اقتصاداً مالياً، وهذا غير صحي، والأزمة المالية تعكس أزمة اقتصادية وخللاً في هيكل الاقتصاد اللبناني، وتعكس أزمة سياسية وإدارية، بمعنى غياب المساءلة والشفافية والفساد والشخصنة والزبائنية... وكلها تراكمات لسنوات عديدة، وهي تفضي إلى هيمنة السياسة بمفهومها التقليدي على الاقتصاد، وبالتالي تفقد القدرة على جذب الاستثمارات وبناء اقتصاد واضح قوي ومؤسسي. وبالتالي، فإن ذلك ينعكس في سياسات مالية واقتصادية، وأهمها تعزيز القطاعات المنتجة، من غير أن نتخلى عن كوننا اقتصاد خدمات. كان على لبنان أن يهتم بالقطاعات الإنتاجية والتكنولوجية الحديثة والصناعات الصغيرة، وكلها كانت متروكة ومهمشة في لبنان بسبب سياسات مالية جاذبة للاستثمار المالي، وتبعد الناس عن الاستثمار في القطاعات المنتجة. هذه من المشكلات الأساسية التي يتعين التنبه لها وإرساء السياسات المناسبة. أؤكد وأصر على النموذج الاقتصادي اللبناني، لكنه يتطلب إحداث بعض القيود عليه، وإدخال شبكات الحماية والتكافل الاجتماعي عليه، والاهتمام بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والاستثمار أيضاً في البنى التحتية.
> كنت أعني بسؤالي: ما إذا كان حجم هذه الكارثة سيدفع الدول التي تريد مساعدة لبنان لأن تكون أكثر ليونة ومرونة في الشروط التي فرضتها لمد يد المساعدة للبنان؟
- أتمنى هذا الأمر، ودول عديدة أبدت رغبتها في المساعدة. لكن تحليلي للأمور قد يأخذني إلى مكان آخر، وأنت تعرف أن الشروط الدولية، بما فيها من الدول الصديقة والشقيقة، ربما تكون أكثر مرونة، لكن لضخّ دعم اقتصادي للبنان، ومواكبة الإنعاش الاقتصادي، وإعادة إيقاف لبنان على رجليه، تم التشديد على الإصلاحات الهيكلية الضرورية، وفي رأيي أن ذلك ليس من باب معاقبة لبنان، بل لحمايته. هذه الإصلاحات ضرورة لبنانية قبل أن تكون مطلباً لمؤسسات دولية أو جهات مستعدّة لدعم لبنان. لنا مصلحة في العمل على بناء استقرار مجتمعي لبناني في نموذج اقتصادي يوفر التوازن والرعاية.
> أود أن أثير موضوع استقالتك من الحكومة. هل تعتبر اليوم أنك ارتكبتَ خطأ في قبول الدخول إلى حكومة أنت تعرف سلفاً طبيعتها والظروف التي جاءت بها؟
- بكل صراحة، شخصياً لا، ولو أن الفكرة راودتني أحياناً. لستُ مثالياً، ولكن كنتُ أحلم بأن أساعد على إحداث تغيير في لبنان، وقلت إنه ربما تكون فرصة لإحداث تغيير نوعي في التركيبة الاقتصادية لمنع الانهيار والدفع باتجاه توفير العدالة الاجتماعية... وأنا منذ أكثر من سنتين أقول إن الطبقة المتوسطة في لبنان قد سقطت، وفقدنا ما يمكن تسميته «المصعد الاجتماعي»، وهذه كلها أمور خطيرة ظاهرة منذ عدة سنوات في لبنان. وتصوري أنه يمكن المساهمة في عمل حكومة سميت تكنوقراطية يمكن أن تكون حاملة لوعي الحاجة إلى الإصلاح. أعتقد أننا لم نمضِ بالحزم والسعة المطلوبين لهذا العمل. دون شك هناك عوائق تقليدية وغير تقليدية، لكن في تقديري كان يجب المضي بشكل أكثر دينامية لمواجهة هذا الأمر وعدم التراخي. وبخصوص استقالتي، سُردت مائة رواية، ولكنه بالنسبة لي بسيط جداً: اقتنعتُ أن هنالك فرصةً أو نافذةً للقيام بإصلاح أساسي اقتصادي وهيكلي شامل في لبنان ينقذ لبنان من السقوط والاستمرار في منطق الدولة التي هي في طريقها للفشل. بيد أنني لم أرَ هذه المؤشرات، ويمكن تحميل المسؤولية لمن نريد في الداخل والخارج، ولكنني ما زلت أعتقد أنه كانت هناك معركة، وكان يجب أن تنطلق بقوة وحزم.
> ما هو العامل الحاسم الذي دفعك إلى الاستقالة من بين مجموعة العوامل التي أشرت إليها في بيان الاستقالة؟
- توصلتُ إلى قناعة بعد خمسة أشهر ونصف الشهر من وجودي في الحكومة؛ بأن الرؤية الإصلاحية التي كنت أبحث عنها ليست موجودة، وأن العزم مفقود، وبالتالي أخذت تحصل أكثر من ضغوطات وتدخلات من هنا وهناك في إطار اللعبة السياسية التقليدية. وبهذا الخصوص أريد أن أكون واضحاً: أنا لا أحمّل المسؤولية لطرف واحد. أنا أحمل المسؤولية للتركيبة السياسية اللبنانية، وفي سياق لعبتها التقليدية لإبقاء الوضع على ما هو عليه، وربما للقبول ببعض الإصلاحات الشكلية والخفيفة. وفي رأيي، كان يجب الذهاب إلى مواجهة أكبر مستندة إلى رأي عام متحالف. بعض الحكومة يقول: ذهبنا للإصلاح ولكنّ ظروفاً معينة منعتنا من ذلك. لستُ من أنصار هذا الرأي. السبب الحقيقي والأول لاستقالتي أنني أُصبت بخيبة أمل. كنت أتمنى أن نمضي بشكل حازم في عملية الإصلاح. وهذا رأيي وقناعتي. وبدل الإصلاحات التي كنت أبحث عنها، وجدت أننا عدنا إلى منطق المحاصصة. وبدل المواجهة والرغبة في الإسراع بها، وجدت غير ذلك. التركيبة السياسية لم تقبل السير بالإصلاحات. أما التفسيرات التي قرأتها أو سمعتها في بعض وسائل الإعلام فلا أساس لها.
> هل ستفعل استقالتك فعل كرة الثلج المتدحرجة، أي قد تعقبها استقالات أخرى من الحكومة؟
- هنالك كثيرون يقولون إن استقالتي قد تدفع بآخرين إلى الاستقالة. كل ما أريده أن تكون هناك لحظة توقّف وتأمل ومراجعة للذات، وأن تمضي الحكومة بعزم لأن تحاول تحقيق العمل الذي جاءت من أجله.
> سمعنا تعليقات تقول إن استقالتك ذات علاقة بدعوات أو بضغوط خارجية. هل من أساس لهذه الأقوال؟
- في ثقافتنا السياسية العربية، تغلب نظرية المؤامرة. البعض يقول السبب داخلي والآخر يقول إنه خارجي. قطعاً أقول إن أحداً لم يطلب مني الاستقالة ولا يستطيع أحد في الداخل أو الخارج أن يطلب مني ذلك. جئتُ إلى الحكومة وفق قناعاتي، وإذا اعتبر البعض أن استقالتي قد تفيد هذا الطرف الخارجي لأنها قد تعرّض الحكومة للمخاطر فهو مخطئ في نظري، لأنني أعتبر أن ما قد يعرضها للمخاطر هو عدم المضي بقوة في العملية الإصلاحية، وليس استقالة ناصيف حتي. لتؤخذ هذه الاستقالة على أنها جرس إنذار ينبه لضرورة العمل والمبادرة.
> في بيان الاستقالة ذكرتَ أنك دخلت إلى الحكومة على اعتبار أن لك ربّ عمل واحداً هو لبنان، ولكن وجدت أن هناك أرباب عمل كثيرين. هل توضح لنا هذه النقطة بالغة الأهمية؟
- لقد رأيتُ أن التركيبة السياسية اللبنانية بجميع أطرافها، وأياً كان موقع هذا الطرف اليوم وكان موقعه في مكان آخر بالأمس، ما زالت شبه مهيمنة على أي عملية إصلاحية في لبنان، وتؤثر به بشكل كبير لأنها تضر بسياسة الزبائنية. والمشكلة الرئيسية في لبنان هي المذهبية السياسية التي هي أيضاً تشكل حاجزاً أساسياً لعملية بناء دولة المواطنة والحقوق. وكلها عوامل موضوعية قائمة بقوة، وهي تعيق العمل الإصلاحي والتغييري. لكن لو توافرت الإرادة والعزم لمواجهة هذا الواقع، لكان بالإمكان القيام بهذا العمل الإصلاحي؛ فإذا كان نصيبه النجاح فهذا جيد، أما إذا لم ينجح، فسنكون على الأقل قد حاولنا.
> هل ما زال في الإمكان أن نرى دبلوماسية لبنانية مستقلّة وفاعلة أم أن هذا التوق من باب التمني الذي لا أساس له؟
- أنا دخلت إلى الحكومة وكنت واقعياً للغاية، ومنذ البداية كنت أدعو لما يعرف بـ«الحياد الإيجابي» وليس الحياد بالمفهوم القانوني؛ إذ لا يمكن للبنان أن يكون محايداً بين الأسرة العربية وإسرائيل. ولكن ما أعنيه بـ«الحياد الإيجابي» هو الابتعاد عن أي محور، ورفض الانجرار إلى نزاعات، وبدل ذلك العمل على بناء الجسور وتشجيع الحوار بين الدول، وخاصة التي تعنينا ولكن على أساس قواعد معروفة في العلاقات الدولية: عدم التدخل في شؤون الآخر، واحترام سيادة الآخر. هذه ليست «مثالية»، والخلافات بين الدول طبيعية، ولكن نحن نعيش في منطقة شرق أوسطية تتسم بفوضى كلية وبسقوط النظام الدولتي (مِن دولة). لبنان اليوم الأكثر تأثراً والأقل تأثيراً في المنطقة. لذلك، أقول بالحياد الإيجابي القائم على الانخراط في أي عملية تسوية سياسية تقوم على أسس القانون الدولي والأعراف الدولية، وإذا توصلنا إلى نظام إقليمي مستقر؛ فإننا سنكون أول المستفيدين منه. أنا أدعو (ودعوتُ) إلى الاتجاه أولاً نحو الأسرة العربية، وليس الصدام مع الآخر. وما يهمني أن ننفتح، وعملت ضمن طاقتي للانفتاح بالذهاب نحو الأسرة العربية، ونتمنى أن نصيب نجاحاً في هذا الأمر.
> قيل الكثير عن وجود «وزراء ظل» في وزارة الخارجية بلبنان. هل هذا الأمر كان حاسماً بالنسبة إليك للخروج من الحكومة؟
- بصراحة، لم يكن هذا الأمر قائماً. البعض قال إنني أريد أن آتي بجماعتي إلى وزارة الخارجية لتحل محل جماعة الوزير السابق جبران باسيل، وردي أنه ليست عندي جماعة. أنا جئتُ من الدبلوماسية المحترفة، وكان هدفي الأول إصلاح العلاقات اللبنانية مع عدد كبير من الدول العربية، وتعزيز التوافق العربي، والعمل على التخفيف من الخلافات. وأؤكد لك أن أحداً لم يأتِ ليقول لي أن أقوم بهذا الأمر أو أن أمتنع عن ذلك. لم يحدثني أحد بهذا الأمر، ولم يعرقلني أحد عما أقوم به. أنا أدرتُ الوزارة في إطار ما أسميه السياسة العامة للدولة اللبنانية، ولكن كنت أدفع باتجاه معين، وحددت منذ البداية أولوية رأب الصدع بيننا وبين عدد من الدول العربية، وأولوية خياراتي العربية، دون أن يعني ذلك أنني أردت الاصطدام مع أحد آخر، وأولويتي الأخرى كانت مركزية القضية الفلسطينية، والانفتاح على العالم. بعضهم قال: الانفتاح على الشرق والغرب. وأنا قلتُ: نذهب حيث نجد لنا مصلحة. وباختصار، أولوياتي كانت رأب الصدع في علاقاتنا العربية، وفي المؤتمرات العربية التي شاركت فيها، كنت أركز على إعادة ترتيب العلاقات العربية - العربية، والذهاب نحو الإخوة العرب، وهذه ليست قناعة شخصية بل هي قناعة أساسها أن مصلحة لبنان تكمن في ذلك، دون أن يعني الاصطدام مع أحد. نريد بناء علاقات على أسس واضحة وشفافة تقوم على احترام الآخر والأسس المتعارف عليها في العلاقات بين الدول.
> في موضوع الحياد: هل المقصود بالحياد «النأي بالنفس»؟ أم الحياد القانوني الذي له أسسه ومبادئه وتبعاته؟
- في الحوار الدائر في لبنان، هناك التباس بين الحياد بمفهومه القانوني والحياد الإيجابي. لبنان لا يستطيع أن يكون محايداً بالمفهوم القانوني، وهو عضو مؤسس في الجامعة العربية، وهناك نزاع بين العرب وإسرائيل. لكن أسارع إلى القول إن لبنان لا يتعين أن يكون شبيهاً بـ«هانوي»؛ إنْ للثورة الفلسطينية أو غير الفلسطينية، أو أن يكون ملعباً للصراعات العربية أو غير العربية مع إسرائيل أو مع أطراف أخرى. لبنان لا يستطيع أن يكون محايداً لكن يمكنه التصرف كما تتصرف جميع الدول العربية. الدولة هي المسؤولة. ومن هذا المنطلق، فإن الحياد القانوني غير ممكن، لأننا دولة عربية ولا يمكن الحياد فيما يتعلق بالصراع مع إسرائيل. والحياد الإيجابي في نظري البقاء بعيداً عن سياسة المحاور، وأحلاف رسمية أو غير رسمية، بل المحافظة على التوازن. ليس المطلوب النأي بالنفس بل الانخراط في دبلوماسية نشطة، إن لم يكن مباشرة فبالتعاون مع دول أخرى في الاتجاه نفسه لرأب الصدع وإطفاء الحرائق واحتواء النزاعات؛ لأن لنا مصلحة، إذ إن انفجارها سيؤثر سلباً على لبنان. وهذا مفهومنا للدبلوماسية النشطة.
> هل لبنان على عتبة حرب جديدة بين إسرائيل و«حزب الله»؟ أم أن المعطى الدولي «يفرمل» التوجه نحو النزاع؟ هل لإيران مصلحة اليوم في ذلك؟
- لا أعتقد أن لأي طرف اليوم مصلحةً في نشوب حرب مفتوحة لأسباب خاصة به، لكن خوفي دائماً أن التصعيد المدروس قد لا يبقى تحت السيطرة. التصعيد هدفه توجيه رسائل. وفي ملف الصراعات، هناك ما يسمى «قواعد اللعبة». لكن أحياناً ما يمكن أن نسميه «دعسة ناقصة أو زائدة» يمكن أن تفضي إلى نزاع واسع. لكن لا أعتقد أن هناك توجهاً اليوم نحو الحرب. وأود أن أضيف أنه عند الحديث عن استراتيجية دفاعية للبنان، فالمقصود ليس المسائل العملانية، ولكن من يقول «قرار الرد» (أي الدخول في الحرب)، وهذا يجب أن يكون بين يدي مجلس الوزراء.



الأمم المتحدة ترصد جيوب مجاعة في مناطق شمال اليمن

تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن (الأمم المتحدة)
تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن (الأمم المتحدة)
TT

الأمم المتحدة ترصد جيوب مجاعة في مناطق شمال اليمن

تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن (الأمم المتحدة)
تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن (الأمم المتحدة)

كشفت بيانات أممية حديثة عن بدء ظهور جيوب مجاعة في مناطق سيطرة الحوثيين شمال اليمن، في ظل تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية، وتراجع حاد في التمويل الإنساني، ما يهدد بانزلاق ملايين اليمنيين إلى مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي.

وأكدت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) أن اليمن لا يزال يسجل أعلى معدل عالمي للسكان الواقعين في المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (حالة الطوارئ)، وسط تحذيرات من اتساع نطاق المجاعة إذا استمرت أزمة التمويل وتعثر وصول المساعدات الإنسانية.

وذكرت المنظمة في تقرير حديث أن وضع الأمن الغذائي في اليمن لا يزال «مقلقاً للغاية»، متوقعة أن يواجه نحو 18.7 مليون شخص، أي ما يعادل 53 في المائة من السكان، مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد حتى نهاية العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.

اضطرابات الملاحة الإقليمية رفعت أسعار الوقود والسلع (إعلام محلي)

وأوضح التقرير الخاص بالتوقعات قصيرة المدى وتداعياتها على الأمن الغذائي، أن اليمن يتحمل حالياً أعلى عبء عالمي للسكان المحاصرين في المرحلة الرابعة من التصنيف؛ إذ تشمل هذه الفئة نحو 17 في المائة من السكان، وهي مرحلة يرتفع فيها خطر الوفيات المرتبطة بالجوع وسوء التغذية بصورة متزايدة.

مؤشرات مجاعة

أشار التقرير الأممي إلى بدء ظهور جيوب معزولة من الظروف الكارثية المصنفة ضمن المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي المرحلة المرتبطة بالمجاعة؛ خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وأرجعت الأمم المتحدة هذا التدهور إلى تداخل عوامل عدة، أبرزها استمرار حالة عدم الاستقرار، والنقص الحاد في التمويل الإنساني؛ إذ لم تُغطَّ سوى 13 في المائة من الاحتياجات الإنسانية حتى مايو (أيار) الحالي، إلى جانب تداعيات التوترات الجيوسياسية الإقليمية.

وأضاف التقرير أن اضطرابات الملاحة والتجارة الإقليمية أسهمت في رفع تكاليف الوقود، الأمر الذي انعكس على أسعار النقل والمواد الغذائية والمدخلات الزراعية، وزاد الضغوط على الأسر اليمنية التي تعاني أصلاً من تراجع القدرة الشرائية.

غرق أكثر من نصف سكان اليمن في دائرة انعدام الغذاء (إعلام محلي)

وحذرت «فاو» من أن استمرار تعثر وصول المساعدات الإنسانية، وعدم توفير تمويل عاجل ومتعدد السنوات، قد يدفع البلاد إلى الانزلاق نحو ظروف كارثية أوسع نطاقاً ضمن المرحلة الخامسة المرتبطة بالمجاعة.

وعلى الرغم من تسجيل الحد الأدنى لسعر سلة الغذاء انخفاضاً سنوياً بنسبة 26 في المائة، وبنسبة 9 في المائة مقارنة بمتوسط السنوات الثلاث الماضية، أكد التقرير أن القدرة الفعلية على الحصول على الغذاء لا تزال محدودة، بسبب عدم انتظام صرف الرواتب العامة، واستمرار آثار التضخم المتراكم خلال السنوات الماضية.

ضغوط اقتصادية

حسب التقرير الأممي، فإن الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة دفعت تكاليف الوقود إلى الاقتراب من متوسطها خلال السنوات الثلاث الماضية، مع ارتفاع طفيف في أسعار الديزل، ما أعاد الضغوط على الأسر والأنشطة الاقتصادية.

وفيما يتعلق بواردات الغذاء والوقود خلال أبريل (نيسان) الماضي، أظهرت البيانات الأممية تبايناً بين المناطق اليمنية؛ إذ ارتفعت واردات القمح والدقيق عبر الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين، في حين تراجعت بصورة حادة في الموانئ التابعة للحكومة.

كما ارتفعت واردات الوقود إلى مناطق سيطرة الحوثيين بنسبة 71 في المائة على أساس شهري، عقب استئناف العمل في ميناء رأس عيسى النفطي، بعد فترة توقف بسبب الغارات الإسرائيلية.

وأكد التقرير أن الضغوط الاقتصادية المتراكمة، إلى جانب تداعيات الصراع الممتد والصدمات المناخية المتزايدة، ألحقت أضراراً واسعة بمصادر دخل الأسر اليمنية وأصولها الإنتاجية، وأسهمت في غرق أكثر من نصف السكان في دائرة انعدام الأمن الغذائي الحاد، ودفع الملايين نحو الفقر المدقع.

وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن أسعار المواد الغذائية الأساسية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة ظلت مستقرة نسبياً، وانخفضت بنسبة تراوح بين 22 و30 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بدعم من تحسن قيمة العملة المحلية واستقرار سعر الصرف.

إلا أن المنظمة الأممية حذرت من هشاشة هذا الاستقرار، مؤكدة أن أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو تكاليف الشحن والنقل قد يعيد الضغوط التصاعدية على أسعار الغذاء خلال الأشهر المقبلة.

وفيما يخص سوق العمل، أوضح التقرير أن الأجور الزراعية بقيت مستقرة عند مستويات أعلى بنسبة 6 في المائة على أساس سنوي، بينما تراجعت أجور العمالة المؤقتة بنسبة 11 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في مؤشر على استمرار ضعف فرص الدخل خارج القطاع الزراعي.


عيد ثقيل عاشه النازحون في مناطق سيطرة الحوثيين

أسرة يمنية نازحة تفترش أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)
أسرة يمنية نازحة تفترش أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

عيد ثقيل عاشه النازحون في مناطق سيطرة الحوثيين

أسرة يمنية نازحة تفترش أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)
أسرة يمنية نازحة تفترش أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)

حلّ عيد الأضحى المبارك هذا العام على آلاف الأسر اليمنية النازحة في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية وسط أوضاع إنسانية ومعيشية قاسية، جعلت من مظاهر الفرح المرتبطة بالمناسبة حلماً بعيد المنال لكثير من العائلات التي تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.

وفي حين استقبل السكان الميسورون في مناطق سيطرة الجماعة العيد بالأضاحي والملابس الجديدة والزيارات العائلية، عاش النازحون في مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وسط تفاقم الفقر والجوع وانعدام مصادر الدخل.

وتعيش فئة النازحين داخلياً في مناطق سيطرة الحوثيين مأساة إنسانية معقدة، نتيجة استمرار تداعيات الصراع الدامي والانهيار الاقتصادي الحاد في اليمن لسنوات طويلة.

وتشير التقارير الأممية والدولية إلى أن ملايين اليمنيين يواجهون ظروفاً معيشية وصحية كارثية داخل هذه المناطق، حيث تفتقر مخيمات ومواقع النزوح العشوائية والمكتظة إلى أدنى مقومات الحياة الأساسية مثل المياه الصالحة للشرب، الكهرباء، والخدمات الطبية.

ملايين اليمنيين فقدوا أعمالهم وسبل العيش نتيجة الصراع (الشرق الأوسط)

وتتضاعف معاناة هؤلاء النازحين في ظل الارتفاع الحاد لمعدلات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية وخطر طرد الأسر العاجزة عن دفع إيجارات المساكن. كما يواجه العمل الإغاثي في هذه المناطق قيوداً وعوائق شديدة يفرضها الحوثيون والتي تشمل التضييق على المنظمات الدولية والمحلية، وفرض شروط مشددة على حركة المساعدات وحرية تنقل العاملين الإنسانيين، بالإضافة إلى حملات الاعتقال التي استهدفت موظفي الأمم المتحدة.

وأدى هذا الوضع المتأزم إلى تقليص حاد في البرامج الإغاثية وشح المساعدات الغذائية والدوائية، الأمر الذي وسّع فجوة الاحتياجات الإنسانية ودفع نحو ربع النازحين، البالغ عددهم قرابة 2.5 مليون شخص، إلى مواجهة خطر الجوع الحاد، وفقاً لمصادر أممية.

أحلام مؤجلة

وتحدث نازحون في صنعاء ومدن أخرى لـ«الشرق الأوسط» عن أن الأولوية هذا العام لم تعد لشراء الملابس الجديدة أو الأضاحي كما كان الحال قبل الانقلاب الحوثي بل لتوفير الحد الأدنى من الغذاء وسداد إيجارات المساكن وتكاليف المواصلات وغيرها من المتطلبات الضرورية. ويؤكدون أن العيد فقد معناه المعتاد داخل كثير من المخيمات، بعدما تحولت أيامه إلى امتداد لمعاناة يومية متواصلة.

تقول أم أحمد، وهي نازحة من محافظة الحديدة وتقيم في أحد المخيمات على أطراف صنعاء، إن العيد لم يعد يشبه ما كان عليه في السابق، موضحة أنها اكتفت هذا العام بشراء ملابس مستعملة لطفلين من أبنائها، بينما تعتمد أسرتها على مساعدات يقدمها أقارب لتأمين احتياجات الطعام.

المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وأضافت أن الأسرة لم تتذوق اللحوم منذ أشهر بسبب ارتفاع الأسعار وغياب أي مصدر ثابت للدخل، مشيرة إلى أنهم كانوا في السابق يشترون ملابس لجميع الأطفال ويذبحون الأضاحي، أما اليوم فأقصى ما يتمنونه أن تمر أيام العيد بأقل قدر من الأعباء.

وتعكس هذه القصة واقع آلاف الأسر النازحة التي تعيش أوضاعاً متدهورة بفعل تراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع الأسعار وغياب فرص العمل، إضافة إلى استمرار أزمة الرواتب في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وفي أحد مخيمات النزوح بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) يجلس عبد الله، النازح مع أسرته من محافظة تعز، أمام خيمته المتواضعة بينما يتحدث أطفاله عن ملابس العيد والألعاب التي شاهدوها في الأسواق. ويقول بحسرة: «لم نفكر في شراء ملابس أو أضحية، كل ما نريده هو فرصة عمل تساعدنا على توفير الطعام لأطفالنا».

غلاء وغياب للمساعدات

يؤكد سكان في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين أن أسعار الأضاحي شهدت ارتفاعاً كبيراً هذا العام بالتزامن مع زيادة أسعار المواد الغذائية والملابس، الأمر الذي جعل شراء الأضحية خارج متناول شريحة واسعة من السكان، ولا سيما النازحين الذين يعتمد كثير منهم على المساعدات الإنسانية المحدودة.

كما يشكو تجار ومواطنون من الجبايات والرسوم المفروضة على الأسواق وتجارة المواشي، مؤكدين أنها أسهمت في زيادة أسعار الأضاحي وأثرت سلباً في القدرة الشرائية للأسر.

أناس في سوق شعبية بالعاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (إ.ب.أ)

ويرى اقتصاديون أن تراجع القدرة الشرائية يعود إلى استمرار الانقلاب الحوثي وندرة فرص العمل وتآكل قيمة الدخول أمام الارتفاع المستمر في أسعار السلع الأساسية، مؤكدين أن الأزمة الاقتصادية والإنسانية حولت كثيراً من المناسبات الدينية إلى عبء إضافي على الأسر الفقيرة بدلاً من أن تكون موسماً للفرح والتكافل.

وتشير منظمات يمنية محلية إلى أن انخفاض التمويل الإنساني خلال السنوات الأخيرة انعكس مباشرة على أوضاع النازحين، خصوصاً مع تقليص برامج المساعدات الغذائية والنقدية، ما دفع كثيراً من الأسر إلى المطالبة بدعم استثنائي يساعدها على مواجهة احتياجات موسم العيد.

ويقول عاملون في المجال الإغاثي إن كثيراً من الأسر باتت تلجأ إلى وسائل تكيف قاسية، مثل تقليص عدد الوجبات اليومية أو بيع بعض الممتلكات البسيطة لتغطية النفقات الأساسية.


انفراجة كبيرة بأزمة جوازات السفر في اليمن

انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
TT

انفراجة كبيرة بأزمة جوازات السفر في اليمن

انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)

شهدت أزمة استخراج جوازات السفر في اليمن انفراجاً ملحوظاً بعد سنوات من التكدس والمعاناة، إثر إعلان مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية إنهاء معظم المعاملات المتراكمة في المحافظات المحرَّرة، بعدما كان المواطنون ينتظرون ما بين سبعة وثمانية أشهر للحصول على جواز السفر، وهو ما تسبب في حرمان آلاف اليمنيين من فرص الدراسة والعمل والعلاج والسفر.

وأكدت المصلحة وصول عدد من فروعها إلى ما يُعرف بـ«مرحلة المعاملة صفر»، في إشارة إلى إنهاء جميع الطلبات المتراكمة، باستثناء فرع محافظة تعز الذي لا يزال يشهد ضغطاً كبيراً وتأخراً في إصدار الجوازات.

ومع تولي اللواء طارق النسي رئاسة المصلحة، جرى توفير نحو ثلاثة ملايين دفتر جواز سفر؛ الأمر الذي ساعد على معالجة الاختناقات المتراكمة وتسريع وتيرة الإنجاز. كما أعلن مكتب المصلحة في العاصمة المؤقتة عدن الانتهاء من طباعة جميع طلبات الجوازات المتأخرة، بما فيها معاملات مضى على بعضها عدة أشهر.

وأفاد فرع مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في مديرية خور مكسر بوصوله إلى «مرحلة المعاملة صفر»، بعد استكمال طباعة جميع معاملات جوازات السفر المتراكمة الخاصة بعام 2025، وحتى الشهر الحالي، في خطوة عكست تحسناً في مستوى الأداء وتسريع إنجاز الخدمات للمواطنين.

تزايد الإقبال وتأخر وصول الجوازات تسبب في تراكم المعاملات لنصف عام (إعلام محلي)

وأكد مدير الفرع، العميد صالح الحكمي، أن تسلم الجوازات أصبح متاحاً للمواطنين الذين استكملوا إجراءاتهم، مشيراً إلى أن المعاملات الجديدة يتم إنجازها خلال أيام معدودة وفق إجراءات قانونية وإدارية منظمة.

وأوضح أن قسم التسليم سيواصل عمله خلال إجازة عيد الأضحى على فترتين، صباحية ومسائية، بما يضمن استمرارية الخدمة وتسهيل حصول المواطنين على جوازاتهم دون تأخير.

إجراءات رقابية

شدد الحكمي على استمرار الإجراءات الصارمة لمكافحة التزوير والابتزاز، وإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة، مؤكداً تخصيص قنوات رسمية لتلقي شكاوى المواطنين ومقترحاتهم عبر تطبيق «واتساب» والبريد الإلكتروني، في إطار تعزيز التواصل المباشر وتحسين جودة الخدمات.

وفي السياق نفسه، أعلنت جوازات الحديدة استكمال طباعة جميع الجوازات التي كانت بحوزتها قبل إجازة عيد الأضحى، مؤكدة خلو سجلاتها حالياً من أي معاملات متراكمة، ودعت المواطنين إلى الحضور لتسلم جوازاتهم.

كما أكد مكتب جوازات محافظة مأرب الانتهاء من طباعة جميع الجوازات الموجودة لديه قبل بدء إجازة العيد، فيما لم تُسجل أي تأخيرات في مكاتب المصلحة بساحل ووادي حضرموت ومحافظتي شبوة والمهرة، إضافة إلى مكتب جوازات المخا في الساحل الغربي.

استمرار معاناة تعز

في المقابل، أعلن فرع مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في تعز استكمال طباعة جوازات السفر الخاصة بشهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بإجمالي 26 ألفاً و685 جوازاً، إضافة إلى تصفية جميع المعاملات العالقة الخاصة بالعام الماضي.

وأرجع الفرع أسباب التأخير إلى الكثافة الكبيرة والاستثنائية في أعداد المتقدمين للحصول على الجوازات، موضحاً أنه يستقبل أعداداً تفوق ما تستقبله بقية الفروع على مستوى البلاد؛ الأمر الذي أدى إلى تضخم حجم المعاملات، وأطال المدة الزمنية اللازمة للطباعة والإنجاز.

كثير من اليمنيين عانوا من استخراج جواز سفر في الوقت المناسب (إعلام حكومي)

وبحسب قيادة الفرع، فإن التأخير لم يكن نتيجة توقف أعمال الطباعة أو قصور في الأداء، بل بسبب الحجم الكبير للطلبات الواردة مقارنة ببقية الفروع، مع استمرار الجهود الرامية إلى تحسين مستوى الخدمة وتسريع الإجراءات.

ورغم ذلك، لا تزال شكاوى المواطنين تتصاعد في تعز بسبب استمرار التكدس وتأخر تسلم الجوازات؛ حيث أكد مواطنون أن التأخير تسبب في ضياع فرص دراسية ومنح تعليمية ووظائف خارج البلاد، فضلاً عن تعثر سفر مرضى ومسافرين اضطر بعضهم إلى الانتظار لأكثر من سبعة أشهر.

دعم حكومي

على وقع هذه التطورات، أشاد رئيس مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في الحكومة اليمنية بالإجراءات التي اتخذها فرع عدن لمكافحة التزوير والابتزاز، مشدداً على ضرورة مواصلة تطبيق القانون بحزم وإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة.

وخلال زيارته للفرع، أثنى اللواء طارق النسي على جهود الموظفين وروح الانضباط والمسؤولية التي أسهمت في رفع كفاءة الأداء وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، مؤكداً أن الكوادر الوطنية تمثل الركيزة الأساسية لتطوير العمل المؤسسي.

كما اطّلع على التجهيزات التقنية والإدارية في الفرع، مشيداً بخطط تحديث البنية التحتية التي تهدف إلى تسريع إجراءات إصدار الجوازات وتقليص الوقت والجهد على المواطنين، وضمان أعلى معايير الدقة والموثوقية في المعاملات.

تخصيص مكاتب لذوي الاحتياجات وكبار السن والمرضى (إعلام حكومي)

وكان رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين، شائع الزنداني، قد دعا إلى إحداث نقلة نوعية في مستوى الأداء المؤسسي وتعزيز مبادئ الشفافية والكفاءة، بما يسهم في تخفيف الأعباء عن المواطنين وتحسين مستوى الخدمات الحكومية.

ووجّه الزنداني بضرورة تعزيز التنسيق مع الجهات ذات العلاقة والتوسع في الخدمات الإلكترونية، بما ينسجم مع توجهات الحكومة نحو تحديث مؤسسات الدولة والارتقاء بالأداء الحكومي.

وخلال لقائه برئيس مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية، أكد الزنداني أهمية الدور الحيوي الذي تضطلع به المصلحة، مشدداً على حرص الحكومة على تقديم الدعم اللازم لتذليل الصعوبات، وتمكينها من أداء مهامها بكفاءة وفاعلية.

كما ناقش آلية العمل في قطاعات الهجرة والجوازات والإجراءات المتخذة لتحسين جودة الخدمات وتسهيل إنجاز معاملات المواطنين، خصوصاً ما يتعلق بإصدار الجوازات والوثائق الرسمية، إلى جانب جهود التحول الرقمي وتحديث البنية التحتية التقنية.