منطاد للسياحة إلى حافة الفضاء

«سفينة نبتون» تتسع لتسعة أشخاص

منطاد للسياحة إلى حافة الفضاء
TT

منطاد للسياحة إلى حافة الفضاء

منطاد للسياحة إلى حافة الفضاء

يمثّل السفر إلى الفضاء ومنذ وقتٍ طويل فكرة ساحرة بالنسبة للبشرية. واليوم، ومع استعار المنافسة في قطاع الرحلات الفضائية الناشئ، فقد يتحوّل حلم الخيال العلمي هذا إلى حقيقة.

منطاد فضائي
تقدّمُ شركة «سبيس برسبكتيف» فرصة للسياحة الفضائية ولكن مع تعديل غير مألوف على نموذج السفر التجاري إلى الفضاء، إذ وبدل تسخير أحدث تقنيات الدفع أو استخدام معزّزات الصواريخ، عمدت الشركة إلى استخدام حجرة (مقصورة) مصممة بنظم لتوفير الضغط الجوي المناسب لحياة الركاب ومنطاد يطير على ارتفاع عالٍ لإيصال السياح إلى أعتاب ما يُعرف بالحدود الأخيرة للغلاف الجوي. ولكن كم سيكلّف هذا المشروع؟ وأيضاً، لماذا استخدمت الشركة منطاداً؟
صحيح أنّ المنطاد قد لا يبدو وسيلة المواصلات المثالية لرحلة مشابهة، ولكنّ جاين بوينتر وتابر ماك كالوم مؤسسا الشركة لهما تاريخ غني بالأفكار الغريبة لتطوير هذه الوسيلة الطائرة. فقد أسّس الشريكان قبل «سبيس برسبكتيف»، شركة «وورلد فيو إنتربرايزس» التي استخدمت مناطيد عالية الارتفاع في مجموعة من التطبيقات كالاستشعار عن بعد والاتصالات. وكان ماك كالوم قد حقّق بالتعاون مع آلان أوستاس، المسؤول التنفيذي في «غوغل»، رقماً قياسياً في «الغوص الفضائي» من منطاد على ارتفاع 136 ألف قدم. واعتمد الشريكان الحاليان على هذه التجربة وأعادا تخيّلها كنموذج للسياحة الفضائية.

سياحة كونية
صُممت مقصورة «سبيس برسبكتيف» المتصلة بالمنطاد والتي تحمل اسم «سبيس شيب نبتون» Spaceship Neptune (سفينة نبتون الفضائية) للارتفاع حتّى 100 ألف قدم، أي ما يقارب 32 كلم فوق سطح الأرض. وتشرح جاين بوينتر أنّ راكب المقصورة «عند هذا الارتفاع، سيكون فوق الغلاف الجوي بنسبة 99 في المائة، مما يعني أنّه أصبح في الفضاء التي نسمّيها نحن حافّة الفضاء، لتحقيق جميع المقاصد والأهداف».
لخوض المغامرة كاملة، يحتاج راكبو «سبيس شيب نبتون» للاسترخاء أولاً لنحو ستّ ساعات. ثم وبعد الإقلاع، سيرتفع المنطاد ببطء بسرعة لا تتجاوز 19.3 كلم في الساعة، أي أنّه سيحتاج بهذا المعدّل إلى نحو ساعتين لبلوغ المستويات العليا من الغلاف الجوّي. وبعد وصوله إلى ذروة مساره، ينزلق المنطاد على طول أعتاب الحدود الأخيرة للغلاف الجوي لساعتين إضافيتين، مانحاً رّكّابه فرصة لتأمّل المناظر الأخّاذة.
وتضيف بوينتر في حديث نقلته موقع مجلة عن موقع «تيك ريبابليك» الإلكتروني: «إذا تمكّننا من توصيل الركّاب والرحلة إلى هذا الارتفاع قبل شروق الشمس، قد يتمكّن السيّاح من مشاهدة أجمل منظر كوني قد يرونه في حياتهم. ومن ثمّ، يمكنهم البدء بمشاهدة شروق الشمس فوق حافّة الأرض، وبالطبع، سيرون شكل كوكبنا المتقوّس، والخطّ الأزرق الرفيع لغلافنا الجوّي، وآخر جهة من الأرض تقع تحتهم».
وفي طريق العودة، ستهبط السفينة ببطء في مسار يمتدّ لساعتين تقريباً قبل السقوط في المحيط مرتطمة بمياهه، لكن بوينتر تقول إنّ وصف العملية بـ«هبوط سفينة فضائية في المحيط» مبالغٌ به بعض الشيء. وأن من الضروري جداً أن نوضح أنّ تصميم «سبيس شيب نبتون» مختلف تماماً عن الكبسولات التقليدية التي يعود روّاد الفضاء فيها عادة إلى الأرض.
وتضيف أنّه «عندما ينظر النّاس إلى كبسولة الناسا أثناء دخولها إلى الأرض، غالباً ما تنفّذ هبوطاً معكوساً، أي تنقلب على نفسها في المياه».
ولكنّ هبوط «سبيس شيب نبتون» المائي سيكون تجربة أكثر متعة. فبدل الجانب السفلي المسطّح والمتضخّم، تأتي الكبسولة الجديدة بتصميم «البلبل الدوّار» (المغزل)، مما يتيح لها اختراق سطح المحيط بخفّة وتخفيف سرعتها تدريجياً أثناء الهبوط. وتوكّد بوينتر أنّ «الركّاب لن يضطرّوا إلى تحصين أنفسهم من حدث ارتطام وأنّ الهبوط سيكون مريحاً جداً. نحن نسعى حقّا لتقديم رحلة هادئة وسهلة من بدايتها وحتّى نهايتها».

تصميم مطور
تضمّ السفينة على متنها حمّاماً ومنضدة للمرطبات، بالإضافة إلى اتصال بالـ«واي - فاي» ليتمكّن المستكشفون من التقاط الصور ومشاركتها في الوقت الحقيقي. ومن المقرّر أن تقلع «سبيس شيب نبتون» أخيراً من منشأة لهبوط السفن الفضائية في مركز كيندي الفضائي التابع لوكالة ناسا في فلوريدا. وتأمل الشركة أن تتوسّع في خيارات مواقع إقلاعها حول العالم، لا سيما أن إمكانية الإقلاع من اليابسة وركوب رياح الطبقة العليا من الغلاف الجوّي ومن ثمّ الهبوط في المياه ستمكّنها من التوسّع بسرعة أكبر برحلاتها من الخيارات الأخرى المحكومة بالهبوط على اليابسة.
وتعتبر بوينتر أنّ «الهبوط على اليابسة يصعّب التوسع في العمل حول العالم. فقد اتضح أنّ الهبوط في المحيط يسهّل التوسّع في أرجاء الكوكب لأنّ بقع اليابسة الصالحة للإقلاع كثيرة مع خيار الهبوط في المياه بعدها. واتضح أيضاً أنّ الرياح في منطقة الستراتوسفير العليا من الأرض، تميل إلى الهبوب شرقاً أو غرباً بحسب توقيت سفر المركبات خلال العام».
وتخطّط الشركة بحسب «بوينتر» لإجراء رحلة تجريبية لكبسولة غير مأهولة في الربع الأوّل من 2021. على أن تضمّ التجهيزات الكاملة ولكن بوزن أقلّ.

تنافس سياحي فضائي
حجزت «سبيس برسبيكتف» لنفسها مكاناً في قلب سوق الطيران البشري إلى الفضاء، بينما تعمل الشركات المنافسة وأبرزها «بلو أوشن» و«فيرجن غالاكتيك» حالياً على تطوير أنظمة تحمل البشر إلى الفضاء «دون المداري» الأقرب إلى الغلاف الجوي. تشير التقديرات المبدئية أنّ ثمن رحلة «بلو أوريجين» إلى الفضاء سيتراوح بين 200 ألف و300 ألف دولار، مقابل ما لا يقلّ عن 250 ألف دولار لرحلة «فيرجن غالاكتيك» السياحية إلى الفضاء.
أوردت بعض التقارير ترجيحات للأسعار السفر على متن «سبيس شيب نبتون»، ولكنّ بوينتر قالت إنّ الشركة لم تحدّد رقماً بعد، وأنّها ستراعي أسعار السوق عندما تفعل.
وأضافت أنّها وشريكها «يفكّران بتحديد سعرٍ لا يتجاوز نصف الأسعار المطروحة حالياً من قبل مزوّدي بطاقات الرحلات الفضائية. إذن، بحسابات بسيطة جداً، يمكن القول إنّ بطاقة الرحلة في «سبيس شيب نبتون» ستُباع بنحو 125 ألف دولار للمقعد الواحد». ولكن بوينتر عادت وشدّدت أنّ الشركة لم تحدّد سعراً حتّى اليوم.
وحتّى يومنا هذا، حصل عدد قليل من البشر على فرصة الاستمتاع بمشاهدة الأرض من الفضاء. ويصف روّاد الفضاء التحديق بكوكبهم الأمّ الذي يسبح في الأكوان الواسعة على أنّه تجربة تحوّلية، وغالباً ما تعلق بالذهن ردّة الفعل العاطفية والانطباعات الراسخة الناتجة عن هذه اللحظة. وتقول بوينتر: «عندما نتحدّث مع روّاد الفضاء عن تجربتهم بالسفر خارج الأرض، يعبّرون عن اتصال عميق بكوكبنا، وليس بصورته كمهد للبشرية والحياة فحسب، بل أيضاً بفكرة أنّنا كلّنا كبشر ننتمي إلى عائلة واحدة».
يتفنّن الكثيرون بوصف النظر إلى كوكبنا الأمّ من الخارج ويتحدّثون عن الذهول الذي يصيبهم عند رؤية جمال الأرض وهشاشتها من الفضاء. وتأمل بوينتر أن تتمكّن «سبيس شيب نبتون» من منح عدد أكبر من الأشخاص فرصة خوض هذه التجربة في السنوات المقبلة.



بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.


أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.