عبد الوهاب البياتي... هل نسيناه؟

عقدان على غياب أحد رواد الشعر العربي الحديث

عبد الوهاب البياتي
عبد الوهاب البياتي
TT

عبد الوهاب البياتي... هل نسيناه؟

عبد الوهاب البياتي
عبد الوهاب البياتي

في مثل هذا اليوم، الثالث من أغسطس (آب)، رحل الشاعر عبد الوهّاب البياتي، الذي يعد واحداً من ثلاثة أسهموا في تأسيس مدرسة الشعر العربي الجديد في العراق من رواد الشعر الحر، إلى جانب نازك الملائكة وبدر شاكر السياب. وقد ولد البياتي عام 1926 في بغداد. وعمل مدرساً من 1950 إلى 1953، ثم بدأ مسيرته في العمل الصحافي منذ عام 1954 في مجلة «الثقافة الجديدة»، لكنها أغلقت، وفصل من وظيفته، واعتقل بسبب مواقفه الوطنية، فسافر إلى سوريا، فبيروت، ثم القاهرة، وفي عام 1963 أسقطت عنه الجنسية العراقية.
عاد البياتي إلى القاهرة عام 1964، وأقام فيها إلى 1970، وفي الفترة من 1970 إلى 1980 أقام في إسبانيا. وبعد حرب الخليج الثانية في 1991 توجه إلى الأردن ومنها إلى أميركا قبيل حرب الخليج الثانية بسبب وفاة ابنته نادية التي تسكن في كاليفورنيا، حيث أقام هناك 3 أشهر أو أكثر، بعدها توجه للإقامة في عمان بالأردن، ثم غادرها إلى دمشق، وأقام فيها حتى وفاته.
الملاحظ، أن البياتي لم يحظ بالاهتمام والاحتفاء النقدي، خصوصاً في العقد الأخير، من قبل النقاد والقراء، على عكس زميليه السياب ونازك.
والمتابع للمشهد النقدي في العراق يلمس ندرة أو تجاهل النقاد لتجربته الشعرية وأثره، وتأثيره في المشهد الشعري العراقي الحالي بشكل خاص.
ما السبب وراء ذلك؟ هنا أراء بعض النقاد والشعراء العراقيين:

نادية العزاوي
بعد موت الشاعر، أي شاعر، تنهض أسئلة النقد النوعيّة الخطيرة: هل سيُكتَبُ لشعره البقاء؟ ما أسباب البقاء أو الزوال؟ وماذا سيبقى منه وكيف؟ إنه يمكن لنا أن نختلف في مكانة قصيدة البياتي بالمنظور النقدي الخالص، وبمعزل عن الموجّهات والاعتبارات الخارجة عن منطق القصيدة الفني، وبالقياس - مثلاً - إلى شعر زميليه: السيّاب بحمولة شعره الرمزيّة والأسطوريّة، ونازك الملائكة بثقل القضايا الوجوديّة الكبرى في قصائدها، اللذين ما زالت قصائدهما محوراً لكثير من الدراسات والمقالات، وبما يؤكّد حضورهما الحي في الساحة الأدبيّة، أما مكانة البياتي فقد صنعتها عوامل متنوعة، بعضها مرتبط بخصوصيّة قصيدته شكلاً ومضموناً، وبعضها الآخر ظروف شخصيّة مساعدة: سياسية واجتماعية وإعلامية.
إن قصيدة البياتي صنعتْ بريقها من ملمحين أساسيين، هما: «توظيف أقنعة المتصوفة والثوار في الصراع الثنائي، الذي تسيّد العالم في النصف الثاني من القرن العشرين: بين المعسكر الاشتراكي والرأسمالي... وعنايتها بقصيدة المشهد اليومي المفعم بهموم البسطاء والمقهورين والعمال والفلاحين، والمشهد السياسي المواكب للثورات والانقلابات، والتعبير عنها بلغة مباشرة بل وشعاراتية أحياناً، فكانت تتألّق حيناً، أو تسقط إلى هاوية الجفاف حيناً آخر.
هل فقدت قصيدته تأثيرها في الأجيال الجديدة؟ وهل غابت امتداداتها في التجارب الجديدة، فتضاءل الاهتمام بها؟ في ظني لا ليس تمام الغياب، ولكنّ كثيراً من عناصرها، التي قامت عليها، وربما نجحت في خضمّها، وفي مناخ سياسي وفكري معين حرص البياتي على الدوران في فلكه، وربْط شعره به، لم تعد تجد تمثلاتها عندهم، في عالم تسوده صراعات من نوع آخر، وتتسيّد فيه رؤى مغايرة، وتتشكّلُ فيه ذائقة مختلفة كلّ الاختلاف.

طالب عبد العزيز
اشتغل عبد الوهاب البياتي في كتبه الشعرية المتأخرة على ما لم يشتغل عليه أحد من جيل الرواد، لكأنه اكتشف أرضاً شعرية جديدة، خارج اشتغال الآخرين. إنها تجربة لغوية متأصلة بما قرأه وتشبّع به من كتب التصوف والعشق الإلهي، في الشعر الفارسي على وجه التحديد، فهو في التجربة هذه مختلف بالتمام عما قرأناه في شعر أدونيس مثلاً. هناك من يرى في كتبه الأولى شاعراً مصنوعاً، مدعياً الشعر، دعائياً، ينسب لنفسه ما ليس فيه. لقد سمعت من مجايله الشاعر محمود البريكان رأياً مفارقاً فيه، يقول: «إنَّ البياتي ينسب لنفسه ما لم يقم به، فهو شاعر محدود الموهبة، لكن، هناك عشرة شعراء، كل واحد منهم اسمه عبد الوهاب البياتي، يمشون في الطرقات ويصيحون: عبد الوهاب البياتي عبد الوهاب البياتي... يتقدمهم شاعر آخر اسمه عبد الوهاب البياتي»، في تقليل واضح من شانه. وقد تكون الريادة في الشعر وراء أهميته عند بعض النقاد والقراء، لكنني، أجده في الكتب التي ذكرتها آنفاً شاعراً يمتلك روحاً خالصة للشعر، وتجربة إبداعية بالغة الأثر والجمال».
إن أثر البياتي في الأجيال الشعرية اللاحقة لم يكن مختلفاً عن السياب والبريكان ونازك. كلهم لم يتركوا أثراً في الأجيال الشعرية العربية بشكل واضح مثلما فعل أدونيس وسعدي مثلاً. لكنني، أجد أيضاً، أنه لم يوفق في لعبة السياسة التي لعبها، ومن يتصفح كتبه الشعرية في المرحلة تلك لا يقع على شاعر ذي أهمية، وفي العراق - حيث تهيمن السياسة الشيوعية على الثقافة - أثرت تنقلاتُه من الحزب الشيوعي، الذي اختلف معه باكراً، إلى قبوله والعناية به في حزب البعث، ووجوده كمستشار ثقافي بمدريد على أهميته، وربما وقفت بالضد من حضوره لاحقاً.

علي فواز
ما مدى ثنائية الثورة والمدينة، على شكل القصيدة التي كتبها، أو على مضمونها؟ وما علاقة ذلك بمفهوم الريادة الشعرية التي حولها النقد العربي إلى «سجن» تاريخي لعدد من الشعراء العراقيين..
إن انحياز البياتي للثورة جعله أكثر اقتراباً من القصيدة النشيد، وأكثر تمثيلاً «لأدائها الغنائي، ولطبيعة جملتها القصيرة، ذي التعبير الوامض، وذي الرسالة المباشرة عن الفكرة الواضحة والصورة اللماحة، وهذا ما يعني تخفيف العبء البلاغي عن القصيدة، والابتعاد عن الغلو في التقانة التعبيرية العالقة عميقاً بذاكرة القصيدة العربية».
وعلاقة البياتي بالمدينة جعلته أكثر واقعية وخفّة في التقاط يومياتها، وتفاصيلها، وهويتها، والنظر إلى تحولاتها الشعرية، فضلاً عن نزوعه للاستغراق في تمثيل بعض شخصياتها التاريخية والمثيولوجية والصوفية، التي اقترن وجودها بمدينة بغداد، إذ يُعدّ البياتي في هذا السياق واحداً من أكثر الشعراء العرب تمثيلاً للقيمة التعبيرية والخطابية للمدينة، وهو ما جعل قصيدته أكثر اختلافاً عن قصيدة السياب التي ظلت الأقرب إلى الفخامة التاريخية، وإلى هواجس الشاعر «الريفي» في استغراقه التمثيلي، وفي قاموسه الصوري، وحتى في احتشاده البلاغي.
إن مفهوم الريادة الملتبس لم يكن بعيداً - أيضاً - عن تجربة البياتي، «فرغم هيمنة السياب ونازك الملائكة على هذا الحدث الافتراضي، إلا أنّ تجربة البياتي ظلت لها خصوصيتها الشعرية، على مستوى تقديم البراديغم الشعري، أو على مستوى (سهولة) الفكرة الشعرية وبساطتها، والتي أثارت حوله لغطاً كثيراً، وكذلك على مستوى نظرته لمفهوم التجديد الشعري، ولفرادته في التعاطي مع هذا التجديد، عبر تقانة القناع، وتقانة شعرنة التاريخ، وشعرنة المدينة، وشعرنة النشيد بوصفه خطاباً للثورة، والرفض والتغيير والحرية...».

ماجد الحيدر
من الصعوبة «قياس» أثر شاعر ما (إن صح التعبير) على من بعده، خصوصاً في ظل قلة الدراسات المقارنة واستطلاع الآراء الفردية للأجيال الشعرية اللاحقة. ورغم أن البياتي قامة كبيرة أحدثت أثراً عميقاً في الشعرية العربية الحديثة، سواء من ناحية مساهمته في الثورة على القالب الشعري التقليدي أو في تبنيه المبكر لخطاب ثوري ينسجم مع طبيعة المرحلة والشعارات والمطالب السياسية والاجتماعية الملّحة فيها، لكنه لم ينل ما ناله زميله ومنافسه السياب (في مقارنة تفرض نفسها) من شهرة و«شعبية» وإقبال جماهيري واهتمام نقدي وأكاديمي.
إن ذلك يعود برأيي إلى سببين، «الأول هو انسحاب البياتي من ساحة الشعر الذي يدغدغ أحاسيس الجمهور وقضايا الساعة (وهو عامل أساسي في تسويق الشاعر عندنا) نحو مناطق أكثر اقتراباً إلى العزلة والتأمل الفلسفي والاستخدام المكثف للرمز، وصولاً إلى الصوفية التي ظهرت ملامحها الأولى في وقت مبكر من تجربته، والثاني أن البياتي لم يثر الكثير من الجدل بتقلباته السياسية العنيفة، أو يستدر التعاطف مع مآسيه الشخصية (المترجمة شعراً) وصولاً إلى نهايته المحزنة المبكرة (كما حدث مع السياب). لقد ظل البياتي حتى النهاية شاعراً مهذباً، عقلانياً، أنيقاً، مسالماً (بالمعنى المجازي والحرفي لهذه الكلمات) في مفارقة للصورة النمطية للشاعر الذي يثير فضول الجمهور العربي، وتهتم به الدراسات النقدية والأكاديمية.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».