سرديات الوباء العربية

علاقة ثلاثية بين الوباء والإنسان والسرد

سرديات الوباء العربية
TT

سرديات الوباء العربية

سرديات الوباء العربية

إن المتأمل لتاريخ الحضارات البشرية لا بد أن تستوقفه حقيقة أن لا أمة ولا حضارة تخلو من السرد أو القصة التي تنبع من ثوابت ذلك المجتمع وقيمه وموروثاته الدينية والاجتماعية. وتشكل القصة لبنةً أساسية في كيان المجتمع. فلو سافرنا نظرياً إلى أي نقطة في التاريخ الإنساني أو إلى أي بقعة في العالم، فإننا سنجد أن كل مجتمع له منظومة قصصية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالثقافة السائدة في ذلك المجتمع.
ولأن وجود الأوبئة سابقٌ لتكَوُّن الحضارات الإنسانية، فهي تعتبر من أهم المؤثرات في تشكيل التاريخ الإنساني وتحديد شكل العالم كما نعرفه اليوم. وعليه، فلا بد أن يكون للوباء حضور مؤثر في السرد.
وهنا تبرز العلاقة الثلاثية بين الوباء والإنسان والسرد. فالوباء يشكل مصدراً للإلهام ومادةً موضوعية للسرد؛ الذي يُدون قصصياً الوباءَ وتأثيره على الإنسان والمجتمع. وبالمقابل تعيننا قصص الوباء - أو كما أسميها سرديات الوباء - على فهم أنفسنا والعالم من حولنا في أوقات الوباء العصيبة.
وعلى الرغم من أن البشرية تطورت بشكل مذهل في العلوم والطب والآداب، فإننا تناسينا - نحن البشر - أننا لا نزال تحت قبضة تلك الكائنات المجهرية التي لا تُرى بالعين المجردة. ولأننا استصغرنا حجم تأثيرها، صرنا ننغمس في شتى المسالك التي عرفها البشر منذ القدم: بعضنا ينجز ويبدع ويتقدم، وآخرون منشغلون بحربهم على أبناء جلدتهم وبسط سيطرتهم عليهم بدوافع لا نعجز عن اختلاقها إن لم تكن موجودة. هذا اللهاث خلف الهمّ اليومي على مشاغل الحياة ولقمة العيش عند معظم البشر نتجت عنه حالة من «التناسي الجمعي للأوبئة» التي فتكت بأسلافنا منذ بدء الخليقة، وما فتئت بين فترة وأخرى تطل علينا بأوبئة تبعث المرض والخوف والموت وتستثير فينا ردود أفعال بدائية من حين لآخر.

- الوباء يعيد تشكيل عجينة العالم
لنتفق على أن السرد والقصص لا يأتيان من العدم، بل هما خليط من التجربة الإنسانية والمعاناة من جهة، والعمل التخيلي والخلق الإبداعي من جهة أخرى. لذلك لا بد للسرد القصصي أن يكون متأثراً بشكل مباشر بما تحدثه الأوبئة من آثار على الإنسان وبيئته. والأدلة العلمية تشير بما لا يدع مجالاً للشك إلى أن وجود الأوبئة سابقٌ لوجود المجتمعات الإنسانية المنظمة. وأن الأوبئة كانت وما زالت تُحدث تغيرات عميقة صحياً واجتماعياً ونفسياً بل حتى سياسياً.
تاريخ الوباء مقابل سرديات الوباء، في حين أن تدوين تاريخ الوبائيات يعطينا حقائق عن الوباء كما لو كانت أشبه بإحصائيات الحروب الجامدة. فمثلاً هناك تفاصيل منشأ الوباء وتدرج انتشاره وإحصائيات المصابين والوفيات وتبعاته الاقتصادية والسياسية. وعلى الرغم من أن هذه الحقائق تساعدنا في معرفة الوباء وآثاره، فإنها تظل قاصرة عن نقل الصورة المتكاملة. وهنا يأتي دور سرديات الوباء التي تركز على ما أسميه «أنسنة تاريخ الوبائيات». فهي تساعدنا في فهم معاناة الإنسان على المستوى الفردي ابتداء، ومروراً بمحيطه الضيق مثل العائلة، ووصولاً إلى المجتمع الإنساني الأكبر. والسرديات بطبيعتها تُعنى بالصراع الداخلي والخارجي عند الشخوص، لتنتج عن ذلك أعمالٌ تستدرج شغفنا الفطري للسرد وتعيننا على فهم دواخلنا، وبالتالي فهم الدوافع والمبررات لسلوكنا كبشر وقت الوباء.
لكن ماذا عن انعكاس الوباء في السرديات العربية؟
إن الباحث في سرديات الوباء العربية تستوقفه عدة إنجازات سردية. لكن اللافت هو أن الغالبية العظمى من هذه السرديات لا تخرج عن كونها تتناول الوباء كموضوع ثانوي في سياق الحبكة القصصية. ولنستعرض بعض
- الأمثلة المختارة:
في رواية «براري الحمى» لإبراهيم نصر الله تخرج الحمى من مفهومها الجسدي لتتخذ أبعاداً فلسفية عميقة، كحمى المكان وحمى الزمان وحمى النفس وحمى اللون. تلك التي تحيلنا إلى الثيمة الأساسية من الوحدة والاغتراب وقسوة الصحراء بما في ذلك الصراع النفسي المتأجج. روايةٌ مليئة بالرموز والاستعارات التي كُتبت بلغة شاعرية مرهفة. ويحضر الوباء حضوراً عابراً يهيئ لما بعده في ملحمة «الحرافيش» للراحل نجيب محفوظ، حيث يشكل وباء «الشوطة» الغامض نقطة تحول في حياة عاشور بعد أن اهتدى لاعتزال الناس أثناء الوباء الذي قتل الباقين في القرية. ليعود البطل إلى القرية الخاوية، ولكنه يعود سيداً مُهاباً بصفته الجديدة: الناجي عاشور، قبل أن تجري الأقدار إلى ما لا يحب.
أما في رواية «تراب» للكاتب حسين المطوع، فإننا نجد أنفسنا أمام دور مهم للوباء، حيث يعطي الوباءُ الفرصةَ لبطل الرواية لمعايشة الموت عن قرب بفعل الموت الجماعي، إذ يعمل حفاراً للقبور. وبينما يستدعي الموت مزيداً من الموت، فإنه أيضاً يوقظ نزعة أقرب إلى النكروفيليا، في جدلية تثير أسئلة أكثر مما تقدم من أجوبة حول هذه الرحلة التي تأخذنا من التراب إلى التراب ونسميها الحياة.
وفي رواية «إيوبولا 67»، يأخذنا الكاتب أمير سر التاج إلى مرحلة ما قبل الجائحة حيث يعشعش الفقر والبؤس على قرية البطل الذي يرتكب خطيئة يظنها عابرة، لكنها ستفتح أبواب طوفان جحيم الإيبولا في القرية لتكون بؤرةً للموت والعذاب. وتنقلنا الرواية إلى الآمال المخنوقة، فحتى حيث تأتي النجدة من الخارج، فإنها لن تفتح أبواب الاستشفاء، بل ستكون مهمتها أن تصبح القرية مقبرةً جماعية خشية أن يهرب أي مصاب من موته بعيداً عن المقابر الجماعية.
- الوباء منطلقاً للسرد
وبغض النظر عن تفاصيل كل رواية، فإن الجامع الأغلب في هذه الأعمال هو كون الوباء منصةً أو منطلقاً للسرد أو ضمن القصة الخلفية للأبطال. وفي كثير من الأحيان تكون الإشارة إلى الوباء بشكل ضمني، دون الخوض في حيثيات المعاناة الإنسانية سواءً على المستوى النفسي أو الاجتماعي للضحايا.
وفي رأيي، فإن تاريخنا العربي به كنوز من تاريخ الأوبئة التي لم نحسن استثمارها سردياً. فلو نظرنا مثلاً لتاريخنا في منطقة الخليج على مدى الأربعة قرون الماضية لاستوقفتنا محطات ثرية مثل سنوات طاعون بغداد وسنوات الرحمة والإنفلونزا الإسبانية والكوليرا والملاريا والجدري والحصبة وشلل الأطفال. وجُلّ هذه الحوادث عاصرها أجدادنا في فترة ما قبل النفط.
ولعل شُح المصادر التاريخية وصعوبة تحصيلها أو كونها كُتبت بلغة غير العربية مثل الإنجليزية أو الفرنسية بحسب القوى المسيطرة وتدوينات البعثات التبشيرية، كل ذلك يجعل الحفر في هذه المناطق أمراً لا يخلو من التحدي قبالة الكتابة عن ثيمات معاصرة يسهل البحث والكتابة فيها وتلقى رواجاً تجارياً من قِبل المتلقي ودور النشر.
إلا أن تدوينات الوباء سواءً الشفاهي منها أو المخطوط أو المطبوع وُهِبت فرصة أخرى للبقاء والانتشار بفضل التطور التقني ووجود النسخ الإلكترونية، ما سهل مهمة الباحث والسارد كثيراً.
فمثلاً إذا نظرنا على النطاق الخليجي، فستبرز تدوينات مثل دليل الخليج لزويمر وتقارير Neglected Arabia and Arabia Callings كأكثر المصادر موثوقية تاريخياً. ذلك أن تقارير الوباء وإحصائياته تكون أقرب إلى الدقة لانعدام الدافع لدى الكاتب لتزوير الحقائق كونها ليست موقع خلاف عقدي أو سياسي.

- كاتب وأكاديمي من البحرين



المصريون يحملون مذاق البيت في حقائب السفر

طائرة مصرية بميناء القاهرة الجوي تستعد للإقلاع (الشرق الأوسط)
طائرة مصرية بميناء القاهرة الجوي تستعد للإقلاع (الشرق الأوسط)
TT

المصريون يحملون مذاق البيت في حقائب السفر

طائرة مصرية بميناء القاهرة الجوي تستعد للإقلاع (الشرق الأوسط)
طائرة مصرية بميناء القاهرة الجوي تستعد للإقلاع (الشرق الأوسط)

على غرار الفنان المصري عادل إمام في فيلم «عنتر شايل سيفه»، حين سافر إلى إيطاليا حاملاً «زلعة المِش»، حمل مسافر قادم من مصر مأكولات من بلاده إلى الولايات المتحدة، قبل أن تضبط سلطات الجمارك وحماية الحدود في مطار ديترويت حماماً نيئاً، وبطاً، وثمار مانغو، وأوراق ملوخية خضراء في أمتعته.

ووفق مقطع نشره الحساب الرسمي لمدير مكتب العمليات الميدانية التابع للجمارك وحماية الحدود الأميركية في ديترويت، رصدت كلبة مدرّبة تلك المنتجات داخل الأمتعة أثناء مرورها على سير الحقائب. وذكّرت الإدارة المسافرين بضرورة الإفصاح عن جميع المواد الغذائية والمنتجات الزراعية التي يحملونها، لتحديد ما يُسمح بإدخاله وتجنّب الغرامات والتأخيرات المحتملة.

وتفتح الواقعة نافذة على عادة مألوفة لدى كثير من المسافرين المصريين، الذين يخصّصون حيزاً من حقائبهم لمأكولات البيت، من المحشي والملوخية إلى الفطير المشلتت والسمن البلدي. فما الذي يدفعهم إلى حمل هذه الأطعمة رغم أعباء السفر وتوافر بعض مكوناتها في بلدان الإقامة؟

طائرة مصرية بميناء القاهرة الجوي تستعد للإقلاع (الشرق الأوسط)

يقول أشرف شريف، وهو مهندس مصري يعمل في إحدى الدول الخليجية، لـ«الشرق الأوسط»: «تبدو حقيبتي للمسافرين العاديين مجرد أمتعة سفر، لكنها بالنسبة لي تشبه سُفرة مصغّرة. ففي كل مرة أستعد فيها لمغادرة القاهرة والعودة إلى مقر عملي، لا بد أن أحمل معي أصناف المحشي والحمام التي تعدّها لي والدتي. نعم، تتوافر المكونات في الخارج، لكن نَفَس الأم وروح البيت اللذين تحملهما هذه المأكولات يكون علاجاً للاغتراب، ولو لأيام قليلة».

وعلى غرار حقيبة شريف، تتنوع الأطعمة التي يصطحبها المغتربون، خصوصاً الأصناف التي يصعب العثور عليها بالمذاق نفسه خارج مصر. وتشمل القائمة الأسماك المملحة، وأبرزها الفسيخ والرنجة والسردين، والمِش والسمن البلدي، والفطير المشلتت والعسل الأسود، إلى جانب التسالي، مثل اللب والترمس والحمص والفول السوداني.

وحسب الدكتورة روضة حمزة، مدرّسة الاقتصاد المنزلي في جامعة العاصمة المصرية، فإن التوابل والخبز المصري المجفف والطيور البلدية وأصناف المحشي من أبرز ما تحمله حقائب المسافرين، لما تتمتع به من نكهات يفتقدها المغترب.

وتشير إلى أن الملوخية تحظى بمكانة خاصة بين هذه الأصناف، موضحة لـ«الشرق الأوسط»: «الملوخية ليست مجرد أكلة شعبية محببة، بل هي وجبة منزلية حميمة ترتبط بذكريات البيت ودفء العائلة، وخصوصاً الأمهات».

وترى روضة حمزة أن حرص المصريين على اصطحاب هذه الأطعمة يجمع بين عوامل إنسانية واقتصادية؛ فإلى جانب الارتباط العاطفي بها، يجد بعض المغتربين أن شراءها من مصر أقل تكلفة، أو أن مذاقها وجودتها يختلفان عما يتوافر في بلد الإقامة.

مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)

ومن المصريين المقيمين في الأردن، يقول عايدي عبد الحافظ لـ«الشرق الأوسط»: «توجد هنا أنواع كثيرة من المأكولات الشهية والجيدة، لكنني أحب كثيراً الطعم المصري الأصيل، لذلك أطلب من أقاربي أو أبناء قريتي بمحافظة الشرقية، قبل قدومهم إلى الأردن، جلب السمن البلدي لاستخدامه في الطهي، إلى جانب بعض التسالي المصرية. وفي المقابل، أردّ لهم هذه الخدمة خلال عودتي من مصر».

وفي تفسيره لهذا السلوك، يرى الباحث في الأنثروبولوجيا وليد محمود أن حمل الأطعمة المحلية أثناء السفر لا يقتصر على المصريين، بل هو سلوك مشترك بين شعوب كثيرة، يرتبط بالرغبة في الاحتفاظ بصلة بالبيئة الأصلية.

ويقول إن الأطعمة التي نشأ عليها الإنسان تصبح جزءاً من ذاكرته الشخصية والجماعية، وإن اصطحابها إلى بلد الإقامة يمنحه إحساساً بالألفة والراحة، خصوصاً عندما يصعب العثور عليها هناك. وينطبق ذلك، بحسب الباحث، على أطعمة مصرية مثل الملوخية والبصارة، التي يرى أن انتشارها خارج المنطقة العربية لا يزال محدوداً مقارنة بأصناف أخرى.

ويلفت محمود إلى قدرة الطعام على استدعاء الذكريات والمشاعر المرتبطة بالماضي؛ لتصبح المأكولات التي يحملها المغترب في حقيبته وسيلة للتخفيف من مشاعر الاغتراب والحفاظ على جذوره الثقافية والغذائية.


زيد أبو حمدان: «بومة» ليس جريئاً بل واقعي

المخرج الأردني خلال حضوره في مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
المخرج الأردني خلال حضوره في مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
TT

زيد أبو حمدان: «بومة» ليس جريئاً بل واقعي

المخرج الأردني خلال حضوره في مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
المخرج الأردني خلال حضوره في مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)

قال المخرج الأردني زيد أبو حمدان إن فيلم «بومة» ليس جريئاً، كما يصفه بعضهم؛ بل هو فيلم حقيقي وواقعي عن أشخاص يعيشون بيننا. وأوضح -في حواره مع «الشرق الأوسط» على هامش مهرجان «الجونة» المصري- أن أغلب الشخصيات التي بحث في ظروفها هم من «مجهولي النسب»، متحدثاً عن أثر فقدان الأمان والحب والرعاية في حياتهم.

وشارك فيلم «بومة» ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في مهرجان «الجونة السينمائي» في دورته التاسعة، ويُعد ثاني أفلام أبو حمدان الطويلة بعد فيلمه الأول «بنات عبد الرحمن» الذي حقق نجاحاً لافتاً. والفيلم من بطولة ركين سعد، وجوانا عريضة، وفرح بسيسو، ومجد عيد، ونبيل الراعي، ومجد حلو.

ركين سعد على ملصق الفيلم (مهرجان الجونة)

ويروي أبو حمدان أن علاقته بفيلم «بومة» بدأت منذ صغره؛ فقد كان يسمع عن فتيات يُقمن في مناطق عشوائية خارج عمَّان، ويهاجمن المحال لسرقتها، ويعتدين على أصحابها. وكان يتساءل عمَّا يدفع فتاة إلى أن تصبح «هجَّامة»، قبل أن يشاهد واحدة منهن وهو في الخامسة عشرة من عمره.

ويلفت إلى أنه خلال عمله على فيلم «بنات عبد الرحمن»، كانت تستفزه شخصية «زينب»، الأخت الكبرى التي أدتها الفنانة فرح بسيسو، وكان يتساءل عن سبب تقديمها مستضعفة هكذا، فقرر أن يكون فيلمه المقبل عن فتاة قوية وعنيفة، تكون نقيضاً لـ«زينب».

ويؤكد أنه بعد بحث ولقاءات كثيرة مع أشخاص لهم علاقات بـ«الهجَّامات»، وجد أن أغلب من تناولهن بحثه ينتمين إلى فئة «مجهولات النسب»، ويقول بأسى: «اكتشفت كمية الظلم التي يعيشها هؤلاء البنات؛ بل والرجال أيضاً، الذين فقدوا منذ مولدهم الأمان، وليست لديهم أوراق ثبوتية».

لقطة من الفيلم (حساب ركين سعد على فيسبوك)

واستغرق الفيلم 3 سنوات بين التحضير والتصوير؛ إذ يؤمن أبو حمدان بضرورة أن تأخذ الأفكار وقتها الكافي على الورق. وانطلقت رحلة تمويله من مهرجان «البحر الأحمر السينمائي»؛ حيث فاز بجائزة تطوير النص، وقدرها مائة ألف دولار، كما حاز دعماً من الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، قدره 70 ألف دولار.

وشهد العرضان الأول والثاني لفيلم «بومة» في «الجونة السينمائي» حضوراً لافتاً، وحظي الفيلم بتصفيق كبير. ويقول أبو حمدان: «أذهلني استقبال كبار نجمات مصر، يسرا وليلى علوي وإلهام شاهين، للفيلم، وقد تحدثن معي عقب العرض وكانت الدموع في أعينهن تأثراً بأحداثه، كما أسعدني الحضور الكبير من الجمهور. وعلى الرغم من أن (بومة) امرأة متوحشة، وتسببت في إيذاء كثير من الناس، فإنها لم تولد متوحشة؛ بل نحن من دفعناها وأمثالها لذلك؛ لأننا لم نمد لهم يد العون».

جانب من كواليس تصوير الفيلم (فيسبوك ركين سعد)

ويكشف أبو حمدان أنه كان يرغب في اكتشاف ممثلة جديدة لتؤدي شخصية الهجَّامة «بومة»، غير أن لقاءً استغرق 7 ساعات مع الفنانة ركين سعد كان كفيلاً باختيارها. ويقول: «لم تكن ركين في بالي، ولكن صديقة لنا سمعت بعملي، فقالت لي إن هذا الدور حلم حياة ركين، وتحدثت إليها، ثم سافرتُ إلى مصر لألتقيها، وجلسنا للتحدث عن الفيلم فترة امتدت 7 ساعات، كنت أحكي لها قصة الفيلم، وكانت منتبهة للغاية ولمحت حُرقة في عينيها، وبكت لأجل (بومة)، ووصلني إحساسها العالي بالشخصية».

ويلفت إلى أنه اشترط التدريب على الدور نحو 6 أشهر، مع الاستعانة بمدرب لحركة الجسد، وأحد السجناء السابقين، لتعليمها كيفية استخدام «الموس» و«المطواة». ويضيف: «وقد عملنا على تغيير ملامح وجهها تماماً، واستمرت التدريبات يومياً معها على الشخصية، وأرى أن أداء ركين هو من أعطى للشخصية أبعادها بالفيلم».

وحازت ركين سعد جائزة أفضل ممثلة بمهرجان «الجونة السينمائي»، وأهدتها إلى أسرة الفيلم، وذكرتهم بالاسم خلال تسلُّمها الجائزة، وفي مقدمتهم المخرج زيد أبو حمدان الذي أكد سعادته بفوزها، مهنئاً إياها على أدائها المتميز لشخصية «بومة»، وعادّاً الجائزة تكريماً لفريق الفيلم كله الذي بذل جهداً كبيراً خلال تصويره.

فريق عمل الفيلم بعد فوز ركين سعد بجائزة أفضل ممثلة بمهرجان الجونة (فيسبوك ركين سعد)

ويرتبط أبو حمدان ارتباطاً وثيقاً بأفلامه، ويقول: «أُعدُّ أفلامي مثل أولادي»، لافتاً إلى أن «الفيلم الثاني يُعد أصعب فيلم»، موضحاً: «لو أن الفيلم الأول لم يلقَ قبولاً فلا بد من أن يعمل المخرج كثيراً ليثبت حضوره، ولو نجح فلا بد من أن يثبت موهبته ليؤكد أن نجاحه لم يكن صدفة».

وصُوِّر الفيلم وسط بعض الأحياء التي تأوي خارجين عن القانون، وفق المخرج الذي وصف ذلك بالمجازفة الكبيرة، ولكنه أراد التصوير في أماكن حقيقية تحقيقاً للمصداقية. ويلفت إلى أن فريق العمل تعرض لهجوم من بعض الأشخاص، مؤكداً أن الدولة تبذل جهوداً كبيرة للقضاء على «البلطجة».

ويضيف أنه اختار الطفلة «سما» التي ترتبط بها «بومة» ضمن أحداث الفيلم، خلال تفقده مواقع للتصوير في «مخيم غزة»، بعدما لفتت نظره وهي تلعب مع الأولاد في الشارع.

ورغم اهتمامه بالمرأة في أفلامه، فإن أبو حمدان يقول إنه لا يحب تصنيفه مخرجاً لأفلام المرأة، مؤكداً أن نساء أسرته، من أمه وجدته إلى عماته، أثَّرن فيه، وأنه أدرك من خلالهن قيماً مهمة تحكم الأسرة، وهو ما جعله متعاطفاً مع المرأة.

ويؤكد أبو حمدان أن هدفه من الفيلم إنساني في المقام الأول: «بصفتي شاباً في مجتمع ذكوري، أتمنى قبل أن نحكم على الناس أن ننظر لهم بعين إنسانية، فلو أن (بومة) وجدت تعاملاً راقياً بصفتها إنسانة، لم تكن كل هذه الجرائم قد وقعت، والفرق بيني وبينها أنني عشت وسط أسرة وبيت وحضن أبي وأمي، فصرت إنسانا سوياً».


خالد الصاوي: أجسد خيرت الشاطر بشكل مختلف في «تمكين»

خالد الصاوي خلال مشاركته في مهرجان الجونة (حسابه على فيسبوك)
خالد الصاوي خلال مشاركته في مهرجان الجونة (حسابه على فيسبوك)
TT

خالد الصاوي: أجسد خيرت الشاطر بشكل مختلف في «تمكين»

خالد الصاوي خلال مشاركته في مهرجان الجونة (حسابه على فيسبوك)
خالد الصاوي خلال مشاركته في مهرجان الجونة (حسابه على فيسبوك)

قال الممثل المصري خالد الصاوي إنه يستعد لتصوير مسلسله الجديد «تمكين» مع المخرج محمد سامي، ويجسد من خلاله شخصية القيادي بجماعة «الإخوان» خيرت الشاطر، مشيراً إلى أن العمل الذي يشترك فيه مع عمرو سعد وياسمين صبري سيعرض خلال رمضان المقبل على الشاشات.

وأضاف الصاوي في مقابلة مع «الشرق الأوسط» على هامش مشاركته في مهرجان الجونة السينمائي، أن الشخصية التي يقدمها للمرة الثالثة بعد ظهوره بها في مسلسلي «الاختيار» و«رأس الأفعى» سوف تظهر بشكل مختلف مع تناول جوانب مغايرة لم تظهر في الأعمال السابقة، لافتاً إلى أن الحديث عن كون العمل بمثابة جزء رابع من مسلسل «الاختيار» لا يبدو دقيقاً لكون الأحداث تتطرق لتفاصيل جديدة مع تفضيله ترك هذا الأمر لمخرج العمل والجمهور عندما يشاهده في رمضان المقبل.

وهذه ليست المرة الأولى التي يجسد فيها خالد الصاوي أدواراً لشخصيات يعرفها الجمهور، فسبق وقدم دور الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والشاعر أحمد فؤاد نجم والسياسي المصري مصطفى أمين في أعمال مختلفة.

وكان الصاوي قد أكد بعد تجسيده خيرت الشاطر للمرة الأولى في «الاختيار» أن تقديمه للدور جعله يشاهد جميع اللقاءات التلفزيونية للقيادي الإخواني، مشيراً إلى أن انخراطه في ثورة 30 يونيو (حزيران) التي أطاحت بتنظيم «الإخوان»، المصنف «إرهابياً» في البلاد، جعلته يتعامل بمنظور مختلف مع الشخصية.

الصاوي قبل فقدان وزنه (حسابه على فيسبوك)

وعبّر الصاوي عن سعادته بردود الفعل على مشاركته في حكاية «ما لم يحكَ عن بني مزار» التي عرضت مؤخراً ضمن مسلسل «القصة الكاملة»، مشيراً إلى أنه منذ معرفته بفكرة القصة وجد فيها العديد من التحديات ليس فقط على مستوى التمثيل، لكن أيضاً الفكرة والمعالجة لواحدة من القضايا التي قيدت ضد مجهول أمام القضاء.

وأكد أن «ثقته في صناع العمل وسابق تعاونه معهم في أعمال أخرى أمور شجعته على خوض التجربة من دون تردد بعد قراءة العمل ليخرج بالنتيجة التي تابعها الجمهور مؤخراً».

على الصعيد السينمائي، أبدى الصاوي حماسه لفيلم «باسط للعضلات»، الذي يجمعه بأحمد مالك وميشيل ميلاد، واكتفى بوصفه بأنه فيلم مهم، مفضلاً ترك تفاصيل شخصيته وأحداث العمل إلى وقت مشاهدته. الفيلم من إخراج خالد منصور، وتأليف محمد الحسيني، وقد انتهى تصويره في أغسطس (آب) الماضي، ضمن مشروعات الصاوي السينمائية الجديدة التي يترقب عرضها قريباً.

وأشار كذلك إلى مشاركته في فيلم «حدوتة» مع أحمد حلمي، من دون الاسترسال في تفاصيله، متمسكاً بتحفظه على حكاية الأعمال قبل عرضها.

وشدد الصاوي على أنه بدأ حياة جديدة عقب استعادة لياقته البدنية، موضحاً أن أصعب ما واجهه قبل اتخاذ هذه الخطوة كان ضيقه من نفسه، وإحساسه بأنه يواصل عادات يعرف ضررها، فجاءت رغبته في التغيير مرتبطة باستعادة احترامه لذاته والثقة بها؛ إذ وجد صعوبة في أن يكون راضياً عن نفسه بينما يتجاهل ما يحتاج إلى إصلاح في حياته.

وأوضح أن الانتقادات التي تناولت مظهره وأداءه وصوته، خصوصاً بعد مشاركته في مسلسلي «المداح» و«سيد الناس»، وافقت شعوراً داخلياً لديه، ودفعته إلى وقفة أكثر صراحة مع نفسه، فكان السؤال الذي واجه به صورته في المرآة هو ما إذا كان هذا خالد الذي يحبه ويرضى عنه، ومن إجابته بدأ التفكير فيما يستطيع فعله، بدلاً من الاكتفاء بالتأثر بما يقوله الآخرون.

خالد الصاوي بدأ حياة جديدة عقب استعادة لياقته البدنية (حسابه على فيسبوك)

وأشار إلى أن رغبته في أن يكون قدوةً للشباب جعلته يشعر بمسؤولية أكبر تجاه اختياراته، فالتأثير في الآخرين، بحسب تجربته، يبدأ بقدرة الإنسان على تطبيق ما يؤمن به، ورغم تعدد الأسباب التي أوصلته إلى تلك المرحلة، رأى أن تجاوزها يقتضي عملاً من الداخل.

وكشف الصاوي عن خضوعه لجراحتين؛ إحداهما لتكميم المعدة والأخرى للمرارة، فيما يواصل التعامل مع مشكلة في الغضروف، موضحاً أن استعادة لياقته استلزمت تغييراً في أسلوب حياته، شمل الانتظام في التمارين الرياضية ستة أيام أسبوعياً ليكون هذا الالتزام جزءاً أساسياً من يومه، بعدما أدرك أثر عاداته السابقة في صحته، وحاجته إلى بذل جهد مستمر لاستعادة قدرته البدنية.

وأضاف أن «الجانب الأصعب في التجربة كان مقاومة نفسه كلما دفعته إلى العودة لما اعتاده، فقرار التغيير كان يحتاج إلى التزام يتجدد مع الممارسة اليومية».