سرديات الوباء العربية

علاقة ثلاثية بين الوباء والإنسان والسرد

سرديات الوباء العربية
TT

سرديات الوباء العربية

سرديات الوباء العربية

إن المتأمل لتاريخ الحضارات البشرية لا بد أن تستوقفه حقيقة أن لا أمة ولا حضارة تخلو من السرد أو القصة التي تنبع من ثوابت ذلك المجتمع وقيمه وموروثاته الدينية والاجتماعية. وتشكل القصة لبنةً أساسية في كيان المجتمع. فلو سافرنا نظرياً إلى أي نقطة في التاريخ الإنساني أو إلى أي بقعة في العالم، فإننا سنجد أن كل مجتمع له منظومة قصصية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالثقافة السائدة في ذلك المجتمع.
ولأن وجود الأوبئة سابقٌ لتكَوُّن الحضارات الإنسانية، فهي تعتبر من أهم المؤثرات في تشكيل التاريخ الإنساني وتحديد شكل العالم كما نعرفه اليوم. وعليه، فلا بد أن يكون للوباء حضور مؤثر في السرد.
وهنا تبرز العلاقة الثلاثية بين الوباء والإنسان والسرد. فالوباء يشكل مصدراً للإلهام ومادةً موضوعية للسرد؛ الذي يُدون قصصياً الوباءَ وتأثيره على الإنسان والمجتمع. وبالمقابل تعيننا قصص الوباء - أو كما أسميها سرديات الوباء - على فهم أنفسنا والعالم من حولنا في أوقات الوباء العصيبة.
وعلى الرغم من أن البشرية تطورت بشكل مذهل في العلوم والطب والآداب، فإننا تناسينا - نحن البشر - أننا لا نزال تحت قبضة تلك الكائنات المجهرية التي لا تُرى بالعين المجردة. ولأننا استصغرنا حجم تأثيرها، صرنا ننغمس في شتى المسالك التي عرفها البشر منذ القدم: بعضنا ينجز ويبدع ويتقدم، وآخرون منشغلون بحربهم على أبناء جلدتهم وبسط سيطرتهم عليهم بدوافع لا نعجز عن اختلاقها إن لم تكن موجودة. هذا اللهاث خلف الهمّ اليومي على مشاغل الحياة ولقمة العيش عند معظم البشر نتجت عنه حالة من «التناسي الجمعي للأوبئة» التي فتكت بأسلافنا منذ بدء الخليقة، وما فتئت بين فترة وأخرى تطل علينا بأوبئة تبعث المرض والخوف والموت وتستثير فينا ردود أفعال بدائية من حين لآخر.

- الوباء يعيد تشكيل عجينة العالم
لنتفق على أن السرد والقصص لا يأتيان من العدم، بل هما خليط من التجربة الإنسانية والمعاناة من جهة، والعمل التخيلي والخلق الإبداعي من جهة أخرى. لذلك لا بد للسرد القصصي أن يكون متأثراً بشكل مباشر بما تحدثه الأوبئة من آثار على الإنسان وبيئته. والأدلة العلمية تشير بما لا يدع مجالاً للشك إلى أن وجود الأوبئة سابقٌ لوجود المجتمعات الإنسانية المنظمة. وأن الأوبئة كانت وما زالت تُحدث تغيرات عميقة صحياً واجتماعياً ونفسياً بل حتى سياسياً.
تاريخ الوباء مقابل سرديات الوباء، في حين أن تدوين تاريخ الوبائيات يعطينا حقائق عن الوباء كما لو كانت أشبه بإحصائيات الحروب الجامدة. فمثلاً هناك تفاصيل منشأ الوباء وتدرج انتشاره وإحصائيات المصابين والوفيات وتبعاته الاقتصادية والسياسية. وعلى الرغم من أن هذه الحقائق تساعدنا في معرفة الوباء وآثاره، فإنها تظل قاصرة عن نقل الصورة المتكاملة. وهنا يأتي دور سرديات الوباء التي تركز على ما أسميه «أنسنة تاريخ الوبائيات». فهي تساعدنا في فهم معاناة الإنسان على المستوى الفردي ابتداء، ومروراً بمحيطه الضيق مثل العائلة، ووصولاً إلى المجتمع الإنساني الأكبر. والسرديات بطبيعتها تُعنى بالصراع الداخلي والخارجي عند الشخوص، لتنتج عن ذلك أعمالٌ تستدرج شغفنا الفطري للسرد وتعيننا على فهم دواخلنا، وبالتالي فهم الدوافع والمبررات لسلوكنا كبشر وقت الوباء.
لكن ماذا عن انعكاس الوباء في السرديات العربية؟
إن الباحث في سرديات الوباء العربية تستوقفه عدة إنجازات سردية. لكن اللافت هو أن الغالبية العظمى من هذه السرديات لا تخرج عن كونها تتناول الوباء كموضوع ثانوي في سياق الحبكة القصصية. ولنستعرض بعض
- الأمثلة المختارة:
في رواية «براري الحمى» لإبراهيم نصر الله تخرج الحمى من مفهومها الجسدي لتتخذ أبعاداً فلسفية عميقة، كحمى المكان وحمى الزمان وحمى النفس وحمى اللون. تلك التي تحيلنا إلى الثيمة الأساسية من الوحدة والاغتراب وقسوة الصحراء بما في ذلك الصراع النفسي المتأجج. روايةٌ مليئة بالرموز والاستعارات التي كُتبت بلغة شاعرية مرهفة. ويحضر الوباء حضوراً عابراً يهيئ لما بعده في ملحمة «الحرافيش» للراحل نجيب محفوظ، حيث يشكل وباء «الشوطة» الغامض نقطة تحول في حياة عاشور بعد أن اهتدى لاعتزال الناس أثناء الوباء الذي قتل الباقين في القرية. ليعود البطل إلى القرية الخاوية، ولكنه يعود سيداً مُهاباً بصفته الجديدة: الناجي عاشور، قبل أن تجري الأقدار إلى ما لا يحب.
أما في رواية «تراب» للكاتب حسين المطوع، فإننا نجد أنفسنا أمام دور مهم للوباء، حيث يعطي الوباءُ الفرصةَ لبطل الرواية لمعايشة الموت عن قرب بفعل الموت الجماعي، إذ يعمل حفاراً للقبور. وبينما يستدعي الموت مزيداً من الموت، فإنه أيضاً يوقظ نزعة أقرب إلى النكروفيليا، في جدلية تثير أسئلة أكثر مما تقدم من أجوبة حول هذه الرحلة التي تأخذنا من التراب إلى التراب ونسميها الحياة.
وفي رواية «إيوبولا 67»، يأخذنا الكاتب أمير سر التاج إلى مرحلة ما قبل الجائحة حيث يعشعش الفقر والبؤس على قرية البطل الذي يرتكب خطيئة يظنها عابرة، لكنها ستفتح أبواب طوفان جحيم الإيبولا في القرية لتكون بؤرةً للموت والعذاب. وتنقلنا الرواية إلى الآمال المخنوقة، فحتى حيث تأتي النجدة من الخارج، فإنها لن تفتح أبواب الاستشفاء، بل ستكون مهمتها أن تصبح القرية مقبرةً جماعية خشية أن يهرب أي مصاب من موته بعيداً عن المقابر الجماعية.
- الوباء منطلقاً للسرد
وبغض النظر عن تفاصيل كل رواية، فإن الجامع الأغلب في هذه الأعمال هو كون الوباء منصةً أو منطلقاً للسرد أو ضمن القصة الخلفية للأبطال. وفي كثير من الأحيان تكون الإشارة إلى الوباء بشكل ضمني، دون الخوض في حيثيات المعاناة الإنسانية سواءً على المستوى النفسي أو الاجتماعي للضحايا.
وفي رأيي، فإن تاريخنا العربي به كنوز من تاريخ الأوبئة التي لم نحسن استثمارها سردياً. فلو نظرنا مثلاً لتاريخنا في منطقة الخليج على مدى الأربعة قرون الماضية لاستوقفتنا محطات ثرية مثل سنوات طاعون بغداد وسنوات الرحمة والإنفلونزا الإسبانية والكوليرا والملاريا والجدري والحصبة وشلل الأطفال. وجُلّ هذه الحوادث عاصرها أجدادنا في فترة ما قبل النفط.
ولعل شُح المصادر التاريخية وصعوبة تحصيلها أو كونها كُتبت بلغة غير العربية مثل الإنجليزية أو الفرنسية بحسب القوى المسيطرة وتدوينات البعثات التبشيرية، كل ذلك يجعل الحفر في هذه المناطق أمراً لا يخلو من التحدي قبالة الكتابة عن ثيمات معاصرة يسهل البحث والكتابة فيها وتلقى رواجاً تجارياً من قِبل المتلقي ودور النشر.
إلا أن تدوينات الوباء سواءً الشفاهي منها أو المخطوط أو المطبوع وُهِبت فرصة أخرى للبقاء والانتشار بفضل التطور التقني ووجود النسخ الإلكترونية، ما سهل مهمة الباحث والسارد كثيراً.
فمثلاً إذا نظرنا على النطاق الخليجي، فستبرز تدوينات مثل دليل الخليج لزويمر وتقارير Neglected Arabia and Arabia Callings كأكثر المصادر موثوقية تاريخياً. ذلك أن تقارير الوباء وإحصائياته تكون أقرب إلى الدقة لانعدام الدافع لدى الكاتب لتزوير الحقائق كونها ليست موقع خلاف عقدي أو سياسي.

- كاتب وأكاديمي من البحرين



سيارة جديدة بـ100 ألف دولار لن تصنع السعادة… لماذا لا تكفي؟

للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
TT

سيارة جديدة بـ100 ألف دولار لن تصنع السعادة… لماذا لا تكفي؟

للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)

نميل غالباً إلى الاعتقاد بأن امتلاك شيء باهظ الثمن -كسيارة جديدة بقيمة 100 ألف دولار- سيمنحنا شعوراً دائماً بالسعادة والاكتمال. غير أن التجربة الإنسانية تقول غير ذلك. فالسعادة لا تتعلق بقيمة ما نملك، بل بطبيعة رغبتنا فيه، وبالآلية النفسية التي تدفعنا إلى السعي المستمر وراء المزيد. فما الذي نبحث عنه حقاً: الشيء ذاته، أم الشعور المصاحب للحصول عليه؟

في الواقع، لدى معظم الناس تسلسل هرمي غير معلن في طريقة تفكيرهم بالإنفاق والرغبة:

- إذا لم ترغب في شيء ولم يكن لديك، فلن يشغل بالك.

- إذا رغبت في شيء وحصلت عليه، فقد تشعر بالرضا.

- إذا رغبت في شيء ولم يكن لديك بعد، فقد تشعر بالحماس والترقّب.

- أما إذا رغبت في شيء ولم تستطع الحصول عليه، فقد تصاب بإحباط شديد.

يوضح الخبير في علم نفس المال، مورغان هاوسل، مؤلف كتاب «فن إنفاق المال»، أن طبيعة «الشيء» ليست هي العامل الحاسم. فكوب ماء لشخص عطشان قد يكون أثمن من طائرة خاصة لملياردير يمتلك اثنتين أخريين. القيمة هنا نفسية وسياقية، لا مادية بحتة.

وقال في حديث ضمن شبكة «سي إن بي سي» إن الأمر يصبح منطقياً عندما نفهم ما الذي يريده الدماغ فعلاً، وهو ما يتضح أكثر خلال فترات العطلات والمواسم الاستهلاكية. فعقولنا -في العموم- لا ترغب في السيارات الفاخرة أو المنازل الكبيرة بحد ذاتها، بل تبحث عن «الدوبامين». فالدوبامين مادة كيميائية تُحفّز الرغبة، وتدفع الإنسان إلى طلب المزيد باستمرار: المزيد من الأشياء، المزيد من التحفيز، المزيد من المفاجآت.

ويتابع هاوسل أن السعي وراء هذا الشعور لا تعوقه العاطفة ولا الخوف ولا حتى الأخلاق. فمن منظور الدوبامين، لا تكمن الأهمية في امتلاك الشيء، بل في الحصول على شيء جديد؛ أي شيء جديد.

بمعنى آخر، لا يرغب دماغك في الأشياء المادية لذاتها، ولا حتى في حداثتها بوصفها صفة مستقلة، بل في عملية السعي والترقّب المصاحبة للحصول عليها. يُشبه ذلك ما عبّر عنه الممثل ويل سميث في وصفه للشهرة: «أن تصبح مشهوراً أمر رائع. أن تكون مشهوراً أمر مختلط. فقدان الشهرة أمر بائس. التغيير، لا الكمية، هو المهم». فالمتعة تكمن في التحوّل والانتقال، لا في الثبات عند مستوى معيّن.

هل تحتاج فعلاً إلى ذلك... أم أنك تُطارد ما لا تملك؟

يظهر هذا النمط بوضوح في علاقتنا بالمال. يقول هاوسل: «عندما تكون شاباً، تحلم بامتلاك سيارة؛ أي سيارة. فإذا امتلكت سيارة بقيمة 10 آلاف دولار، بدأت تحلم بسيارة بقيمة 20 ألف دولار، وإذا حصلت على سيارة بـ20 ألفاً، تطلعت إلى أخرى بـ50 ألفاً. وإذا امتلكت سيارة بـ50 ألفاً، أصبح حلمك سيارة بـ100 ألف دولار. وإذا حققت ذلك، بدأت تفكر في امتلاك عدة سيارات بالقيمة نفسها».

ويضيف هاوسل: «أصحاب الملايين ينظرون إلى مَن يملكون مئات الملايين، وهؤلاء ينظرون إلى أصحاب المليارات، ثم إلى أصحاب العشرات من المليارات. أما أصحاب الملايين، فماذا يريدون في نهاية المطاف؟ الخلود».

السؤال الذي لا يفارق أذهانهم هو: «ماذا بعد؟ ما الذي ينقصني؟ كيف أصل إلى المستوى التالي؟». هذا الصوت الداخلي لا يصمت، لأنه انعكاس مباشر لما يطلبه الدماغ: المزيد، دائماً المزيد.

الاكتفاء بالقليل لا يعني الاستسلام

أوضح هاوسل أنه في المقابل، قد يكون للاكتفاء أثر نفسي يعادل -وربما يفوق- أثر زيادة المال على الصحة النفسية. فالقناعة ليست خياراً سلبياً أو علامة على ضعف الطموح، بل موقف واعٍ يمكن التحكم فيه وتحقيقه. وهي، بخلاف سباق الزيادة المستمر، معركة يمكن الفوز بها فعلاً.

وقال: «الرضا بما تملك يمنحك قدرة أعمق على الاستمتاع بالمنزل الذي اشتريته، والملابس التي ترتديها، والإجازات التي تقضيها، فهو يحوّل ما لديك من أشياء عادية إلى مصادر امتنان حقيقي».

وأشار الخبير إلى أنه في نهاية المطاف، يبقى السؤال الجوهري: هل تفضّل أن تكون مليارديراً تستيقظ كل صباح قلقاً بشأن ما ينقصك، وحاسداً مَن يملكون أكثر، أم إنساناً عادياً يستيقظ راضياً، ممتلئاً بالسكينة، قادراً على تقدير ما لديه - مهما كان مقداره؟

قد لا تجعلك سيارة بـ100 ألف دولار سعيداً، لكن فهمك لما يدفعك إلى الرغبة، وقدرتك على تهذيب هذا الدافع، قد يقرّبانك من سعادة أكثر ثباتاً وعمقاً.


حلويات رمضان المصرية... من المنافسة على المذاق إلى «الاستعراض»

كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
TT

حلويات رمضان المصرية... من المنافسة على المذاق إلى «الاستعراض»

كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)

بالتوازي مع منافسات الدراما التلفزيونية، تشتعل منافسة بين أصناف الحلويات الرمضانية في مصر، التي يبدو أنها باتت تؤثر المغامرة على حساب المزاج التقليدي، فلم تعد الكنافة صينية محشوة بالقشطة أو بالمكسرات كما ارتبطت عبر تاريخها، بل باتت رهينة لإضافات «الكريم بروليه» و«الكراميل كرانش» وسواهما من توليفات تندرج تحت «اختراعات» حلويات رمضان.

وتجد هذه «التوليفات» الجديدة لنفسها سوقاً رائجة تغذيها منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما مع تبادل الترشيحات للأصناف المستحدثة، سواء لاختيارها هدية لعزائم الشهر، أو بدافع الفضول وتجربة حلوى جديدة بعد الإفطار، ويعزز ذلك حضور صناع المحتوى المتخصصين في الطعام وتجربة التذوق، الذين يخوضون سباقاً يومياً لتجريب أكثر من صنف خلال أيام رمضان، لترجيح كفة صنف على آخر، بل وربما ترتيبها تصاعدياً من الأقل تفضيلاً إلى «الأفضل»، حسب ذائقتهم.

تُبدي الشيف فاطمة سراج، صاحبة صفحة «فوديز» على «فيسبوك»، حماساً واضحاً لما تصفه بـ«اختراعات» الموسم، وتقول: «هذه السنة هناك تجديد كبير في طريقة عرض أطباق الحلوى، مثل تقديم طبق الكنافة بغطاء مصنوع من الشوكولاته التي يمكن إذابتها في الميكروويف، أو الدمج بين الآيس كريم والشوكولاته الساخنة مع قمر الدين، أو حتى تقديم المكسرات والحليب المكثف في عبوات منفصلة، بحيث يقوم المشتري بدمجها في البيت بنفسه مع طبقات الكنافة، بما يجعل الترند الأكثر رواجاً هذا العام هو تقديم الحلوى باعتبارها تجربة متكاملة لا مجرد مذاق».

تقديم الحلوى الرمضانية في علب فخمة ترفع من تكلفة شرائها (إنستغرام)

وتشير إلى أصناف لفتت نظرها في قوائم هذا العام مثل «بقلاوة بالتراميسو»، و«بروفيترول بالكنافة»، و«الكنافة بالتوت» وغيرها من التركيبات التي تمزج بين الشرقي والغربي في طبق واحد، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «منذ سنوات وهناك ترقب للجديد والغريب في حلوى رمضان، وكثيراً ما تكون تلك الإضافات مبالغاً فيها، بغرض الوصول إلى الترند فقط، حتى لو جاء ذلك أحياناً على حساب المذاق».

ويبدو أن الاهتمام بتقديم الأصناف الجديدة في عروض بصرية «استعراضية» يُعد من أبرز ملامح «ترند» هذا العام، إذ يتكوّن أحد الأصناف من قبة مجسدة مصنوعة من كريمة الفستق، تذوب سرعان ما يُسكب فوقها صوص الشوكولاته الساخنة، لتنساب فوق طبقة الكنافة أسفلها، بما يعزز فكرة الطبقات المتداخلة بين الأطعمة والمذاقات، في صياغة تقوم على الإبهار قبل الاكتفاء بالمذاق.

فوازير شريهان تشارك في «ترند» الحلويات الرمضانية (إنستغرام)

كما يستلهم أحد محلات الحلوى، طابع الفوازير الرمضانية للنجمة شريهان، حيث يقدمون الحلوى داخل علب معدنية تحمل عنوان الفوازير الشهيرة «حاجات ومحتاجات»، لتحمل كل علبة صورة واسم واحدة من شخصيات الفوازير وعلى رأسهن «كريمة» و«فاطيما» و«حليمة»، وتحت غطاء كل علبة «فزورة»، في محاولة لدمج الحلوى بجرعة من الحنين لذكريات رمضان، وواحدة من أشهر فوازيره.

ويعلّق الدكتور أيمن السعيد، استشاري التغذية العلاجية بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بأن «تباري المحلات في تعقيد صناعة الحلويات صار لافتاً منذ فترة، بعدما كانت الحلويات تميل سابقاً إلى البساطة وتعتمد على مكونات محدودة وبسيطة»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «إضافة طبقات من صوصات الشوكولاته والفستق والكراميل وغيرها من الإضافات التي تُغرق الطبق الحلو تكسبه مزيداً من السعرات الحرارية والسكريات والدهون، وهو ما يضاعف العبء الصحي، خصوصاً لدى الأطفال».

كنافة تعلوها قبة من كريمة الفستق (إنستغرام)

ويضيف أن «فكرة تضخيم الكميات وتكثيف المكونات تحوّل الحلوى من متعة إلى حمل غذائي ثقيل، في شهر يُفترض أن يعزز مفهوم الاعتدال لا الإفراط».

ويبدو أن الإضافات التي تُكسب الحلويات الرمضانية مزيداً من السعرات، تُكسبها كذلك ارتفاعاً في الأسعار، إذ باتت بعض الأصناف الرائجة ضمن «ترندات» الحلوى الرمضانية تتراوح بين 600 و1400 جنيه مصري (الدولار يساوي 49.2 جنيه مصري)، غير أن كثيرين يرون أن هذه الأسعار المبالغ فيها لا تستحق تلك المغامرة.

في المقابل، لا تزال الشوادر التقليدية لبيع الكنافة والقطايف بالكيلو تحتفظ بحضورها في الشوارع، حيث تُباع عجائنها طازجة، لتُعد في المنازل وفق الوصفات المعتادة، بعيداً عن صخب الصوصات والتغليف الباذخ.

وتقول آية محمود، موظفة في شركة مبيعات وأم لطفلين: «لا أزال أعد القطايف المقلية، وصينية الكنافة المحشوة بالكريمة كما كنا نأكلها في بيوتنا وبوصفتها التقليدية»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «قد أُدخل عليها بعض التغييرات، كإضافة صوص النوتيلا مثلاً للتزيين، لكن في النهاية تظل تكلفة إعدادها منزلياً أقل بمراحل من شرائها جاهزة».


ذكريات الإفطار الرمضاني في القصور الأثرية بمنطقة عسير

 إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)
إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)
TT

ذكريات الإفطار الرمضاني في القصور الأثرية بمنطقة عسير

 إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)
إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)

خلال شهر رمضان، تتجدد في أحياء منطقة عسير جنوب غربي السعودية مشاهد الألفة التي عُرفت بها المجالس الشعبية قديماً، إذ يعود المجتمع إلى إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة، في صورة تعكس عمق الترابط الاجتماعي ودفء العلاقات بين الجيران. وتأتي هذه العودة المتنامية في ظل إطلاق مبادرة «أجاويد» التي أطلقها أمير منطقة عسير وأسهمت في تحفيز المجتمعات المحلية على استعادة روح التكافل والتراحم، وإحياء الموروث الرمضاني الذي كان يجمع الصغير والكبير حول مائدة واحدة في مشهد يستحضر بساطة الماضي.

فعاليات رمضان تجمع كبار السن والشباب في موقع تاريخي (واس)

واحتضن حصن آل ثابت الأثري بمركز «الماوين» - شمال مدينة أبها بنحو 50 كيلومتراً - أول من أمس، مبادرة رمضانية نظمها أهالي المركز ضمن فعاليات «أجاويد 4»، جمعت كبار السن والشباب في موقع تاريخي يستحضر ملامح رمضان في الماضي. وشهدت المبادرة عرضاً لأنواع المأكولات الشعبية التي كانت تُقدَّم قديماً خلال الشهر الفضيل، مثل: التمر، والبر، والسمن، والزبدة المستخرجة من الأغنام والأبقار، إلى جانب استعراض طرق إعدادها وأهميتها بوصفها مصدراً رئيساً للغذاء آنذاك، في مشهد أعاد للأذهان بساطة الحياة وتكاتف المجتمع في توفير احتياجاته. وتضمّن المتحف التراثي المصاحب للمبادرة عرضاً لمكونات الحياة اليومية في الماضي، شملت أدوات الحرث والسقيا، والملبوسات القديمة للرجال والنساء، وأدوات الزينة؛ بما يمثل مرجعاً بصرياً حياً يعرّف الأجيال الناشئة بما كان عليه الآباء والأجداد.

وبالنسبة لمسفر بن سعد آل حامد من سكان المنطقة فالمحافظة على العادات والتقاليد وإحياؤها من خلال مثل هذه المبادرات يعدان واجباً مجتمعياً يسهم في ترسيخ الهوية الوطنية، وتحفيز الشباب على الحضور والمشاركة والتعرف على تاريخ آبائهم وأجدادهم. واستعاد آل حامد خلال حديثه مع «واس» الذكريات في بناء البيوت التاريخية، مشيراً إلى ما كان يشهده ذلك من تعاون بين أهالي القرية في تشييد البيوت قديماً، داعياً إلى المحافظة على ما تبقى من البيوت القديمة وإعادة إعمارها، والعناية بالمزارع والإنتاج المحلي الذي كان يمثل مصدر قوت الآباء والأجداد.

مبادرات تستعيد ذكريات الإفطار الرمضاني في منطقة عسير (واس)

من جانبه، عبّر صاحب المبادرة مشبب آل ثابت عن سعادته بإقامة هذه الفعالية ضمن المبادرة المجتمعية «أجاويد 4»، مؤكداً أثرها البالغ في نفوس الحاضرين، لما وفرته من فرصة لاستضافة مختلف شرائح المجتمع، وتفعيل دور التكافل الاجتماعي، وتعريف الأجيال بما كان عليه الآباء والأجداد من عناء ومشقة.

وتُجسِّد المبادرة في مجملها نموذجاً حياً لتعزيز حضور الثقافة والتراث في الفعاليات الرمضانية، وربط الماضي بالحاضر؛ بما يسهم في صون الموروث الشعبي. وأكَّد قائد المبادرة بالمركز عبد الله أحمد شفلوت أن إطلاق المبادرات الرمضانية لم يقتصر على الجوانب الثقافية والاجتماعية والتراثية فحسب، بل شمل حزمة من المبادرات الطبية والبيئية والتوعوية التي جمعت نخبة من أبناء المركز، كلٌّ في مجال تخصصه؛ لتقديم خدمات مجتمعية نوعية لمنسوبي المركز والقرى المجاورة.