قراءة متأنية في «الاتفاق» الصيني ـ الإيراني

حكّام طهران يعرضون بلدهم للبيع... وعقوبات واشنطن تهدد «صفقتهم» مع بكين

قراءة متأنية في «الاتفاق» الصيني ـ الإيراني
TT

قراءة متأنية في «الاتفاق» الصيني ـ الإيراني

قراءة متأنية في «الاتفاق» الصيني ـ الإيراني

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن «اتفاق استراتيجي» بين الصين وإيران مدته 25 سنة. وقالت بعض التعليقات، إنه يكشف عن حسابات مشتركة بين البلدين، تعتبر أن الولايات المتحدة باتت ضعيفة، وأن خياراتها تضيق في مواجهة التحديات الدولية، خصوصاً مع قرب انتهاء قرار الحظر الدولي للسلاح عن إيران. فهل لا تزال الولايات المتحدة، حقاً، قادرة على الوقوف في وجه التحديات التي تشكلها سياسات الصين الدولية والإقليمية، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط؟ ومع اقتراب موعد الانتخابات الأميركية، وسواءً فاز الرئيس دونالد ترمب أو خسر أمام منافسه الديمقراطي جو بايدن، هل يمكن للاتفاق الصيني - الإيراني أن يشكل تهديداً استراتيجياً للولايات المتحدة، ويجبرها على العودة للاهتمام بمنطقة الشرق الأوسط، وليس فقط بمنطقة بحر الصين، بحسب الاستراتيجية الدفاعية الأميركية؟
تتعرّض سياسة العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على خصومها الدوليين لانتقادات من الداخل والخارج، ويشكك مراقبون فيما إذا كانت لا تزال سلاحاً ناجعاً لمعاقبة الدول، مع ظهور المزيد من القوى الدولية القادرة على الأقل، على التهرّب من العقوبات الأميركية؛ ما يعني أن الأمر بات يتطلب مقاربة جديدة من قبل واشنطن. وبالفعل، يرى البعض أن تراجع الاستثمارات الأميركية الدولية والتنموية في العالم، سمح لمبادرة «الحزام والطريق» الصينية بالتقدم نحو فرض حضور عالمي لبكين.
وفي هذا الشأن، نتطرق إلى جملة أسئلة طرحتها «الشرق الأوسط» في ملف خاص عن الاتفاق الصيني - الإيراني، تلقت فيه مساهمات من متحدث باسم الخارجية الأميركية، ومن محللين متخصّصين في الشأنين الإيراني والصيني.
- الصين «ستشتري» إيران
يقول وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر، إن استراتيجية الدفاع الوطني هي مفتاح نجاح الولايات المتحدة للمضي قدما في منافسة القوى العظمى. إذ أن «التحديات التي تشّكلها لنا الصين أولاً، ثم روسيا ثم دول أخرى، تفرض علينا مواصلة جهودنا على مسارات ثلاثة: بناء المزيد من الأسلحة الفتاكة وضمان الجهوزية، وتعزيز حلفائنا وبناء الشراكات، وأخيراً، تأهيل وإصلاح وترشيق وزارة الدفاع».
ووصفت بعض التعليقات «تسريب» الأنباء عن الاتفاق، بأنه قد يكون جزءاً من لعبة «عض الأصابع» الجارية بين القوى الكبرى، قبيل انتهاء صلاحية القرار الدولي 2231 في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل الذي يحظر السلاح عن إيران. ويطرح البعض تساؤلات عن الأسباب التي تمنع كشف تفاصيل هذا الاتفاق الذي مضى نحو أربع سنوات على تداوله للمرة الأولى، أو على الأقل تنفيذ اتفاقاتهما الكثيرة السابقة التي لا تزال حبراً على ورق. وهو ما يعزّز الاعتقاد برغبة القوى المنافسة للولايات المتحدة في ممارسة الضغوط عليها في هذا الوقت بالذات، للوصول إلى «تسويات» معها، ستدفع إيران ثمنها في نهاية المطاف؛ لأن ما تعرضه الصين ليس أقل من «شراء البلد» ورهنه لأكثر من ربع قرن.
ولكن ثمة مَن يرى أسباباً أخرى تقف وراء هذا المشروع الصيني - الإيراني. ومن هؤلاء مَن يتحدّث عن «رعونة» غير مسبوقة للقيادة الصينية الحالية، التي باتت ترى أن بإمكانها المضي في مخطّطاتها التوسعية، حتى ولو انتهت بكارثة على الشعب الصيني في ظل ملفات كبيرة مفتوحة في وجهها.
الأمر لا يقتصر على ما يحيط بمشروع «الحزام والطريق» من مُلابسات، بل وحول ممارسات الصين التجارية غير المقبولة والحرب التجارية التي دخلتها مع واشنطن، وملفات التجسّس الإلكتروني واستخدام منصاتها وشركاتها الكبرى في هذه الجهود وحرب القنصليات، وضربها عرض الحائط للاتفاقات الدولية حول هونغ كونغ، وتهديدها للملاحة البحرية والسيطرة على الجزر في بحر الصين الجنوبي ولجزيرة تايوان، وممارساتها اللاإنسانية تجاه أقلية الإيغور المسلمة، وصولاً إلى مسؤوليتها السياسية والأخلاقية عن أزمة فيروس «كوفيد – 19» التي قد يكون للعالم حساب آخر معها، عندما تهدأ عاصفة الجائحة.
- ابتزاز سياسي أم حقيقة
صحيفة «النيويورك تايمز» التي أفادت بأنها اطلعت على نسخة من الاتفاق الواقع في 18 صفحة، لم تكشف عن جديد في علاقة الصين وإيران المعقدة أصلاً. إلا أنها أبرزت العامل السياسي الذي يندرج ضمن خانة الاختلاف القائم مع سياسات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في عدد من الملفات الخارجية والداخلية، فقالت إن من شأن هذا الاتفاق «أن يقوّض جهودها لفرض عزلة على الحكومة الإيرانية بسبب طموحاتها النووية والعسكرية».
لكن التسريبات المفصلة عن هذا «الاتفاق الاستراتيجي» جاءت في تقرير مطوّل نشره موقع «أويل برايس دوت كوم» الأميركي، الذي استقى معلوماته من مصادر «رسمية إيرانية»؛ ما يرفع من شبهة المناورة والاستخدام السياسي والابتزاز الذي تمارسه الصين وروسيا وإيران، ليس فقط تجاه الولايات المتحدة، بل تجاه العالم كله أيضاً، وبخاصة، دول المنطقة.
- نظام مفلس يبيع البلد
يقول ريتشارد غولدبرغ، كبير المستشارين في «معهد الدفاع عن الديمقراطيات»، الذي شغل العام الماضي منصب مدير «قسم محاسبة إيران عن أسلحة الدمار الشامل» في مجلس الأمن القومي «ليس من المستغرب أن يبيع نظام مفلس آيديولوجياً كنظام إيران، الأصول الاقتصادية للشعب الإيراني إلى الحزب الشيوعي الصيني لدرء الانهيار المالي». ويضيف غولدبرغ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأمر يبدو وكأنه عمل يائس أكثر منه تحد؛ إذ من الصعب معرفة مقدار ما يتضمنه من تأطير لأغراض الدعاية وكم هو حقيقي. لقد رأينا الكثير من الإعلانات على مدى سنوات من الاستثمارات الصينية في إيران التي فشلت بسبب التهديد بفرض عقوبات أميركية. والأخبار السيئة لكل من إيران والصين هي أن هذه العقوبات، حقاً، تجعل غالبية الصفقات صعبة للغاية، وبمجرد ترجمة الاتفاق المسرّب وتحليله، سيتحوّل «خريطة طريق» للمفتشين الماليين الأميركيين في وزارتي الخزانة والخارجية.
غولدبرغ يعتقد أن الصين لا تزال ضعيفة نسبياً في قدرتها على نشر قوتها العسكرية بعيداً عن حدودها؛ لذا فإن هدفها الاستراتيجي هو بناء علاقة مع «دولة - زبون» في المنطقة تحكم بلداً مفلساً تسلمها موارده الطبيعية مقابل الاستثمار في البنية التحتية ومبيعات الأسلحة. ويرى أنه إذا استطاعت واشنطن إعادة فرض العقوبات على إيران في مجلس الأمن الدولي واستعادة حظر الأسلحة إلى أجل غير مسمى، وواصلت حملتها القصوى للضغط، سيكون من الصعب للغاية على الصين تهديد الأمن الأميركي في المنطقة. وإذا قررت بكين الانفتاح «الشامل» على إيران فهذا سيكون دافعاً لواشنطن وغيرها من صانعي السياسة الخارجية إلى تسليط الضوء على سياساتها. وتاريخياً، كان للصين دائماً شبكات غير مشروعة تبيع قطع الصواريخ إلى إيران، وسمحت لبعض العملاء والشركات الفاعلة غير المملوكة من الدولة باستيراد النفط الإيراني. لكن مع هذا الاتفاق سيتحول الوضع إلى علاقة حكومية ودفاعا كاملا عن نظام طهران، وسيسهم ذلك فقط في عزلة بكين الدولية خلال الشهور والسنوات المقبلة.
- لا كسر للعقوبات الأميركية
حتى الآن لم تتمكن الصين من كسر العقوبات الأميركية بأي طريقة ذات معنى، والاتفاق على الورق مع تطلعات تجارية، لا يعادل تفادي العقوبات. وإذا كانت الصين ترغب في تعريض نظامها المصرفي والمؤسسات الكبرى الأخرى المملوكة من الدولة لسلطة العقوبات الأميركية، فسيعاني الاقتصاد الصيني بشدة، وهذا هو السبب في أنها لم تفعل حتى الآن.
ويؤكد غولدبرغ، أن وزارة الخارجية الأميركية و«الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» ما زالتا رائدتين في المساعدات الخارجية وأعمال التنمية، و«ما من دولة في العالم ساعدت المزيد من الناس على الخروج من براثن الفقر والحصول على المياه النظيفة والبقاء على قيد الحياة وتحقيق التعليم الأساسي أكثر من الولايات المتحدة. وبخلاف الصين، نحن لا نبتز الدول المتلقية ولا نصفي الموارد الطبيعية للبلدان. ونأمل أن تنضم المزيد من الدول ذات التفكير المماثل إلى (شبكة النقطة الزرقاء) التي أطلقت حديثاً لمواجهة مبادرة (الحزام والطريق) الصينية».
متحدث باسم الخارجية الأميركية – طلب إغفال اسمه – قال في مساهمته بهذا الملف، إن الولايات المتحدة «قوة من أجل الخير» في المنطقة، وهي تسعى إلى معالجة مشاكلها من خلال العمل مع شركائها عبر تعزيز مصالحهم، وبما يراعي مصالحها أيضاً. لكن بكين تدعم جهود طهران الخبيثة لإثارة الفتنة والإرهاب عبر المنطقة بتوفيرها شرياناً حيوياً لاقتصاد إيران، ما يقوّض الجهود الدولية للضغط على طهران لتغيير سلوكها المزعزع للاستقرار. وذكر المتحدث، أن واشنطن «ساهمت منذ عام 2011 فقط بأكثر من 58 مليار دولار في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعملت في جميع القطاعات لتعزيز الاستقرار والازدهار، ونشطت مع الحكومات لمكافحة الأعداء المشتركين الساعين إلى بث الفوضى والدمار. وفي المقابل تقوم بكين بتعزيز مصالحها الخاصة، وغالباً على حساب شركائها. إن ثمة تاريخاً صينياً محبطاً ومخيّباً للآمال من الالتزامات وانتهاك المعايير الدولية التي ساءت في السنوات الأخيرة بدلاً من أن تتحسن، في حين تلتزم واشنطن برؤية مختلفة تقوم على الازدهار المشترك والأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي والشراكة الدائمة».
ثم قال «هذه مساهمات لا يمكن للصين مجاراتها، بينما هي تدعم التدخل الإيراني الخبيث في الشؤون الداخلية لجيرانها وتقويض المبدأ الأساسي للسيادة، وعدم التدخل الذي تدّعي الصين حرصها عليه. علاوة على ذلك، هناك كيانات وأفراد صينيون لهم أيضاً تاريخ مقلق في دعم برامج إيران النووية والصاروخية الباليستية، فضلاً عن مواصلة تحدي القرار الدولي الرقم 2231؛ لذا فرضنا أخيراً عقوبات على أكثر من 12 من أفراد وكيانات صينية». وتابع «خارج منطقة الشرق الأوسط، أنتم على دراية بالكثير من الاعتداءات على مدى الأسابيع القليلة الماضية وحدها، من توسيع جهاز الأمن الصيني إلى هونغ كونغ وخارجها إلى التقارير عن عمليات التعقيم القسري وغيرها من ممارسات تنظيم الأسرة القسرية في إقليم شينجيانغ، حيث أقلية الإيغور المسلمة». ثم أردف «بعض ما يحدث الآن هناك من قمع ثقافة ودين معيّن بوحشية؛ لأنه لا يتناسب مع رؤية بكين الشيوعية للعالم، حدث أيضاً على مدى عقود في إقليم التيبت. لذلك؛ لم نقف مكتوفي الأيدي في وجه هذا العداء. لقد فرضنا عقوبات مالية وقيوداً على التأشيرات، وأصدرنا إرشادات تجارية، ونفكّر في اتخاذ تدابير إضافية لفرض تكاليف على انتهاكات بكين. وحيال إيران، فإن عقوباتنا أوسع، لكنها واضحة في نطاقها، وبالتأكيد سنفعل ذلك فيما يتعلق بالنشاط الخاضع للعقوبات بين إيران والصين. العقوبات أدوات مهمة وسنواصل استخدامها بالتنسيق الوثيق مع شركائنا وحلفائنا الدوليين، كما أن العمل معهم لتمديد حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على إيران أولوية قصوى».
- نظامان... وضغط واحد
المتحدث دافع عن السياسة الخارجية الأميركية واستراتيجية الدفاع للنهوض بمصالح الأمن القومي للولايات المتحدة، قائلاً إنها «لم تكن استجابة لاتفاقيات اسمية من قبل نظامين يجدان نفسيهما تحت ضغط متزايد بسبب انتهاكاتهما الداخلية والخارجية... نحن لا نتوقع من الدول أن تختار بين الولايات المتحدة والصين، بل يجب وينبغي عليها أن تقيم علاقات قوية معنا. نريد من الدول أن تعي التكاليف التي ستتكبدها لقاء ارتباطات معينة مع الصين الشعبية، من سيادتها واستقرارها الإقليمي، وتأثيرها على النظام الدولي القائم على القواعد الذي وفر الأمن والازدهار لعقود». وأضاف «يجب ألا نخلط القروض الصينية بالاستثمارات الأميركية التي يقودها القطاع الخاص. أساس مبادرة (الحزام والطريق) هو تمويل القروض الذي يتعين على البلد المتلقي سدادها. وهذا يختلف تماماً عن الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث تبقى الأموال في الدولة. والكثير من ردود الفعل السلبية التي واجهتها الصين في تلك الدول في السنوات الأخيرة يعود إلى أن الشركات الصينية المملوكة من الحكومة الصينية، والتي تنفذ مشاريع البنية التحتية في الخارج، أولاً، لا تقدّم بنية تحتية ذات قيمة وجودة عالية مقابل المال على المدى الطويل... وثانياً، تتجاهل الحوكمة الرشيدة وحماية البيئة والأوضاع الاجتماعية، ولا تيسر نقل التكنولوجيا وبناء القدرات التي تحتاج إليها البلدان النامية».
وتابع المتحدث «... ثم إن الشفافية مشكلة كبيرة أخرى. فبكين تحافظ عمداً على سرية تفاصيل هذه القروض، مفضلة التفاوض عليها عبر صفقات مبهمة في الغرف الخلفية التي تضع الدول المتلقية في مواقف ضعيفة. ونتيجة لذلك؛ تركت بكين سلسلة من الفساد في الكثير من بلدان (الحزام والطريق). وهو ما يتعارض مع أساليب الولايات المتحدة في إدارة عملها، التي لا مجال لمقارنتها مع الأساليب القسرية الاقتصادية للصين. إن ما نقدمه بديلٌ إيجابي شفاف يقوده القطاع الخاص مع سجل حافل في تحقيق النمو المستدام، والحد من الفقر وتعزيز الابتكار التكنولوجي. والبلدان النامية تفهم هذا التمييز. لذا؛ ليس من قبيل المصادفة أن هذه الصفقة المفترضة تواجه معارضة قوية من الطيف السياسي في إيران، حيث يعارض الناس بشدة فكرة الاعتماد المتزايد على الصين».
- استثمارات في البنى التحتية... ومعالم استراتيجية ـ عسكرية بمشاركة روسية
> يقول تقرير «أويل برايس دوت كوم» المشار إليه سابقاً «إن أحد العناصر السرية للصفقة الموقعة العام الماضي هو أن الصين ستستثمر 280 مليار دولار أميركي في تطوير قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات في إيران. وسيوضع هذا المبلغ مقدماً في فترة السنوات الخمس الأولى من صفقة الـ25 سنة الجديدة، أما المبالغ الإضافية فستكون متاحة في كل فترة خمس سنوات لاحقة، بشرط موافقة الطرفين». ويضيف التقرير، «سيكون هناك استثمار آخر بقيمة 120 مليار دولار أميركي، يمكن تحميله مرة أخرى في فترة السنوات الخمس الأولى، لتطوير البنية التحتية للنقل والتصنيع في إيران، وسيخضع مرة أخرى للزيادة في كل فترة لاحقة إذا وافق الطرفان. في المقابل بداية، ستُمنح الشركات الصينية الخيار الأول للمزايدة على أي مشاريع جديدة - أو متوقفة أو غير مكتملة - للنفط والغاز والبتروكيماويات في إيران. وستتمكن الصين أيضا من شراء جميع منتجات النفط والغاز والكيماويات بتخفيض مضمون بحد أدنى 12 في المائة لمتوسط سعر ستة أشهر للمنتجات القياسية القابلة للمقارنة، بالإضافة إلى ما بين 6 و8 في المائة أخرى من هذا المقياس لتعويض المخاطر المعدلة. كما ستمنح الصين الحق في تأخير السداد لمدة تصل إلى سنتين، والأهم من ذلك أنها ستكون قادرة على الدفع بعملات ميسّرة حصلت عليها من ممارسة الأعمال التجارية في أفريقيا ودول الاتحاد السوفياتي السابق».
ويضيف التقرير، أنه وفق المصدر الإيراني نفسه، «بالنظر إلى أسعار الصرف المرتبطة بتحويل هذه العملات الناعمة إلى عملات صعبة يمكن أن تحصل عليها إيران من بنوكها الغربية الصديقة، تبحث الصين عن حسم آخر يتراوح بين 8 و12 في المائة، ما يعني حسماً إجمالياً يبلغ نحو 32 في المائة للصين على كل النفط والغاز ومشتريات البتروكيماويات».
جزء رئيسي آخر من العنصر السري للاتفاق هو أن الصين ستشارك بشكل متكامل في بناء البنية التحتية الأساسية لإيران، ما سيكون في توافق تام مع مشروع «الحزام والطريق». إذ تعتزم الصين الاستفادة من العمالة الرخيصة المتاحة حالياً في إيران لبناء المصانع التي ستموّل وتصمم وسيُشرف عليها من قبل شركات التصنيع الصينية الكبيرة ذات المواصفات والعمليات المماثلة لتلك الموجودة في الصين. وستتمكن المنتجات المصنعة النهائية بعد ذلك من الوصول إلى الأسواق الغربية عبر خطوط نقل جديدة، ستخططها الصين وتموّلها وتديرها.
أيضاً، أضيف للصفقة بعدٌ عسكري من شأنه «تغيير التوازن الكامل للقوى الجيوسياسية في الشرق الأوسط». إذ ادعى المصدر الإيراني لموقع «أويل برايس» أن ذلك سيشمل تعاوناً عسكرياً جوياً وبحرياً كاملاً بين إيران والصين، مع لعب روسيا أيضاً دوراً رئيسياً. وأردف المصدر «هناك اجتماع مقرّر في الأسبوع الثاني من أغسطس (آب) المقبل بين الخبراء الإيرانيين ونظرائهم الصينيين والروس، للموافقة على التفاصيل المتبقية ولكن، شريطة إتمام ذلك كما هو مخطط. واعتباراً من 9 نوفمبر (تشرين الثاني)، سيتاح للقاذفات الصينية والروسية والمقاتلات وطائرات النقل الوصول غير المقيد إلى القواعد الجوية الإيرانية. واستطرد «ستبدأ هذه العملية بمنشآت ذات الاستخدام المزدوج بنيت لهذا الغرض بجوار المطارات الحالية في همذان وبندر عباس وتشابهار وعبادان». وفي الوقت نفسه، ستكون السفن العسكرية الصينية والروسية قادرة على استخدام منشآت مزدوجة الاستخدام بنتها حديثاً الشركات الصينية في الموانئ الإيرانية الرئيسية تشابهار وبوشهر وبندر عباس.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.