عبد الرزاق الشيخ علي الذي خرج ولم يعد

كان من روّاد الأدب الواقعي العراقي... وجايَلَ عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي في الخمسينات

عبد الرزاق الشيخ علي
عبد الرزاق الشيخ علي
TT

عبد الرزاق الشيخ علي الذي خرج ولم يعد

عبد الرزاق الشيخ علي
عبد الرزاق الشيخ علي

كان ذلك في صيف عام 1957، وفي شارع أبي نواس تحديداً، عندما مر بجانبي مسرعاً شخص غريب الأطوار، بملابس رثة ولحية طويلة غير مشذبة، ويبدو مثل درويش صوفي تائه. فصرخت بصورة لا إرادية بصديقي الشاعر عبد المنعم المخزومي الذي كان زميلي في كلية الآداب آنذاك، وكان يسير إلى جانبي: «إنه القاص عبد الرزاق الشيخ علي»، فأجاب متردداً: «ربما». حاولنا اللحاق به، وكنا نعلم بمأساته، ولكنه سرعان ما هرول هارباً، وغاب بين الجموع. لم يكن من اليسير الجزم بأن ملتحياً ما، بملابس رثة ولحية سوداء، يمكن أن يكون هو القاص الذي تعرض إلى نكبة مزدوجة: زجه بالسجن لأفكاره السياسية، وإطلاق سراحه يوم 14 يوليو (تموز) 1957، أي قبل الثورة بعام واحد؛ وخروجه فاقداً للعقل. فهام على وجهه دون أن يعرف أحد من أسرته أو أصدقائه مصيره. وبعد ثورة الرابع عشر من يوليو (تموز)، بذلت مجهودات كبيرة من قبل ذويه وأصدقائه من الأدباء والمثقفين، لمعرفة تفاصيل سجنه واختفائه، لكنها لم تحقق أي نتيجة، وظلت رهن التكهنات والتخمينات.
فما الذي يقوله صندوق الأسرار عن هذا المبدع الذي أضاعته أنظمة الاستبداد، وأشبعته سجناً وترويعاً وجنوناً؟
عبد الرزاق الشيخ علي قاص عراقي خمسيني تقدمي، بدأ بكتابة القصة القصيرة بالتزامن مع القاصين غائب طعمة فرمان ومهدي عيسى الصقر، كما جايل القاصين عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي. وكانت قصصه تتسم بنزعة واقعية نقدية، مثل كثير من اتجاهات السرد القصصي آنذاك. وكان مفهوم «الالتزام» ببعده الماركسي، وليس السارتري، هو المهيمن على قناعات معظم كتاب ذلك الجيل، والذي كان يرتب التزامات فكرية وآيديولوجية معينة على الكتاب، من خلال التأكيد المسرف على الوظيفة الاجتماعية للأدب، وقدرته على الإسهام في عملية التغيير الاجتماعي. وقد بدأ القاص النشر لأول مرة في عدد من الصحف والمجلات العراقية والعربية، مثل: «الأديب» اللبنانية، ومجلة «الثقافة الجديدة» العراقية، ومجلة «الرابطة» العراقية، و«الأوقات البغدادية»، وصحيفة «الأهالي» العراقية. وتؤرخ بعض قصصه بالعام 1946، وبعضها الآخر بالعام 1949، وبعضها بالعام 1951. ثم نشر مجموعتين قصصيتين، هما: «حصاد الشوك» من منشورات مطبعة «الرابطة» في بغداد في منتصف الخمسينيات، كما أصدرت له مجلة «الثقافة الجديدة» ضمن منشوراتها مجموعة قصصية أخرى، هي «عباس أفندي» عام 1959، فضلاً عن كتابه الصحافي «أجراس السلام» عام 1951، الذي دون فيه مشاهداته عن مهرجان السلام العالمي في برلين آنذاك، وعدت من أعماله الضائعة مجموعة «آلهة الأرض» ومجموعة «الدنيا بخير».
وربما تشكل حياة القاص عبد الرزاق الشيخ علي مأثرة وسفراً في الكفاح والوطنية والمعاناة. فمن خلال بعض مذكراته التي تركها، ومن رسالة ابنته (سامرة)، وكذلك المناشدة التي نشرها صديقه الشاعر كاظم السماوي للبحث عنه ومعرفة مصيره، والتي نشرها عام 1959 (صحيفة المدى، 13-11-2006)، نكتشف أنه كان عام 1942موظفاً صغيراً بدائرة إجراء بغداد، ونقل إلى وظائف أخرى، منها إلى محكمة تمييز العراق، ثم صدر أمر تعيينه في مديرية الدعاية العامة ببغداد عام 1947. وكان عبد الرزاق يواظب على إغناء تجربته الثقافية والسياسية وعشقه للغات الأجنبية، ويشاهد بعض العروض المسرحية التي كان يقدمها طلبة معهد الفنون الجميلة آنذاك، ومنها مسرحية «تاجر البندقية» لشكسبير، كما التحق بدورة لتعلم اللغة الفرنسية في معهد الآباء الكرمليين، حيث راح يخطط للسفر إلى فرنسا لإكمال دراسته هناك، وفعلاً سافر إلى فرنسا عن طريق بيروت، والتحق بمدرسة «الآليانس فرانسيه»، كما أمضي عامين بجامعة السوربون، لكنه بسبب نفقات الدراسة العالية لم يكن بمقدوره الاستمرار في تحقيق هذا الحلم، فعاد إلى بغداد بعد أن أمضى 3 سنوات في باريس. وعندما تلقى دعوة لحضور مؤتمر أنصار السلام في برلين عام 1951، الذي كان يرأسه البروفسور جوليو كوري، كان مسروراً بتلبيتها، حيث شارك ضمن الوفد العراقي بنشاط، وكتب عن هذه التجربة كتابه المعروف «أجراس السلام». وعند عودته إلى العراق، اعتقل وعذب، وأودع في عدد من السجون، منها سجن بغداد المركزي وسجن بعقوبة وسجن نقرة السلمان. وقد بقي في السجون آنذاك عاماً ونصف، ثم أطلق سراحه. وكان سلوكه داخل السجن مثالاً للمناضل الشجاع الأبي. ويذكر أنه رفض مصافحة مدير سجن بعقوبة بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك، وقال له بصوتٍ عالٍ: «أرفض بقوة مصافحة يدٍ ملطخة بعار تعذيب وقتل المناضلين الشرفاء من أبناء شعبي العظيم». وقد أدى موقفه هذا إلى إيداعه زنزانة السجن الانفرادي، وتعريضه إلى التعذيب الوحشي.
وكان اعتقاله الأخير في عام 1957، من قبل وزير الداخلية آنذاك بهجة العطية، والتحقيقات الجنائية، حيث تعرض إلى أبشع أنواع التعذيب، مما تسبب في فقدانه لعقله، ويبدو أنه نفي بعد ذلك إلى مدينة بدرة الحدودية من لواء الموت على الحدود الإيرانية، وأطلق سراحه يوم 14 يوليو (تموز) 1957، لكنه لم يعد إلى بيته، وتتهم عائلته جهاز الأمن في العراق بالمسؤولية عن تغييبه واختفائه.
ويشير الشاعر العراقي الراحل كاظم السماوي إلى أنه التقى صديقه القاص عبد الرزاق الشيخ علي بعد عودته من باريس عام 1949 حاملاً كثيراً من الأحلام والتفاؤل:
«كان عائداً من باريس بشعره المسترسل وراء عنقه، وكلماته النارية المدوية، وعينيه العميقتين الكبيرتين. تحدث عن تنقله بين أحياء باريس ومتاحفها وميادينها، وإيمانه بالرسالة الاجتماعية التنويرية التي يتعين على الأدب أن يحملها: الأدب يعني الإنسان الشامخ سيد الأرض صانع الحياة. فإذا لم يكن هذا محوره، فإنه ثرثرة حانقة، وصناعة بائرة.
فالأدب دم ودموع، وجراح ونار وأشواق، وهو بعد هذا كله يهندس للغد العملاق».
لقد كان يرى أن الأدب مسؤولية كبيرة، وأن أهل القلم هم بناة الغد المشرق، وهو يفسر إلى حد كبير طبيعة المحتوى الاجتماعي والنضالي الهادف لكثير من تجاربه القصصية التي وثق فيها لحظات مهمة من حياته داخل السجون والمعتقلات، أو سجل فيها معاناة المضطهدين والفقراء في بلاده، لكنه لم يكترث بما فيه الكفاية للارتقاء بمستوى البناء السردي لقصصه، مع أنه يمتلك تجربة دراسية وتعليمية جيدة في فرنسا، وكان يتابع النتاج الأدبي العراقي والعربي والعالمي بصورة مستمرة. ويمكن القول إن عواطفه السياسية، ونظرته الآيديولوجية والإنسانية، ضغطت على الشروط الفنية للسرد القصصي، وحولته إلى رسالة اجتماعية تهدف إلى تحقيق تغيير جذري في المجتمع وفي أفكار الناس. وظلت كثير من المناشدات الحارة للكشف عن مصيره بلا إجابات شافية، ومنها المناشدة التي نشرها الشاعر كاظم السماوي عام 1959، أي بعد الثورة التي حلم بها:
«عام 1959… شارع الرشيد، أتصفح الوجوه، أسال عنه المارة، أقتحم الأبواب، أطرق الصمت على كل شفة، أتوسل الحيرة في كل عين، ووجدتني أجلس في مكتب جريدة لأكتب بتساؤل جريح: أين عبد الرزاق؟ وتحمل الجريدة ذلك التساؤل إلى عشرات من الناس البسطاء الذين أحبهم عبد الرزاق».
ولا يمكن أن ننسى ذلك النداء الحار الذي وجهته ابنة القاص الراحل، السيدة سامرة عبد الرزاق الشيخ علي، عام 1974، من على صفحات إحدى الصحف الوطنية:
«أين أبي؟ أين نصير السلم عبد الرزاق الشيخ علي؟ ومن يعرف عن مخطوطاته الأدبية شيئاً؟ إنني اليوم أرفع صوتي بنداء لكل الناس الشرفاء الطيبين، لكل من يهمه الأمر، أن يعثر على آثار مؤلف (حصاد الشوك) و(أجراس السلام) و(عباس أفندي)؛ ذلك الإنسان الذي ذهب ولَم يعد».
- ناقد عراقي



السعودية تدشن جناحها ضيف شرف «معرض كوالالمبور للكتاب 2026»

تجسّد مشاركة السعودية في المعرض مكانتها المتنامية على الساحة الثقافية الدولية (هيئة الأدب)
تجسّد مشاركة السعودية في المعرض مكانتها المتنامية على الساحة الثقافية الدولية (هيئة الأدب)
TT

السعودية تدشن جناحها ضيف شرف «معرض كوالالمبور للكتاب 2026»

تجسّد مشاركة السعودية في المعرض مكانتها المتنامية على الساحة الثقافية الدولية (هيئة الأدب)
تجسّد مشاركة السعودية في المعرض مكانتها المتنامية على الساحة الثقافية الدولية (هيئة الأدب)

دشَّنت «هيئة الأدب والنشر والترجمة» السعودية، الجمعة، جناح المملكة ضيف شرف «معرض كوالالمبور الدولي للكتاب 2026»، الذي يقام بمركز التجارة العالمي في العاصمة الماليزية خلال الفترة من 29 مايو (أيار) إلى 7 يونيو (حزيران)، في حضور استثنائي يُجسّد المكانة المتنامية للسعودية على الساحة الثقافية الدولية.

ويُعزِّز الجناح الحضور الثقافي السعودي في قارة آسيا، ويُعرّف بالمملكة بوصفها نموذجاً حضارياً يُجسد تحولات «رؤية 2030»، عبر محتوى أدبي، وثقافي، وتراثي متنوع، يسهم في مدّ جسور التفاهم الثقافي.

وافتُتح جناح السعودية ضيف شرف المعرض، بحضور رئيس الوزراء الماليزي داتوء سري أنور بن إبراهيم، وأسامة الأحمدي السفير السعودي في كوالالمبور، والدكتور عبد اللطيف الواصل الرئيس التنفيذي للهيئة، ووزير التعليم الماليزي فاضلينا صديق.

حضر افتتاح جناح السعودية ضيف شرف المعرض رئيس الوزراء الماليزي داتوء سري أنور بن إبراهيم (هيئة الأدب)

وأكد الدكتور الواصل أن اختيار السعودية ضيف شرف للمعرض، الذي يُعد من الفعاليات الثقافية البارزة في القارة، يأتي تتويجاً للعلاقات الثقافية المتينة بين البلدين، وتقديراً لحضور المملكة الفاعل في المشهد الثقافي الإقليمي، والدولي، وهو ما يتيح فرصة استثنائية لتعريف الجمهور الماليزي والآسيوي بتنوع الثقافة السعودية وعراقتها.

وعبَّر الرئيس التنفيذي للهيئة عن شكره للأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة، على دعمه المتواصل للقطاعات الثقافية، وتمكينها من أداء دورها الريادي في رسم ملامح المشهد الثقافي السعودي المعاصر، بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية 2030»، مشيراً إلى أن الترحاب الماليزي يُبرز عمق الاحترام المتبادل، ويجسد روح التعاون الثقافي التي تجمع الشعبين.

وتقود الهيئة جناح السعودية بمشاركة وفد ثقافي وأدبي موسع، يضم عدة هيئات من منظومة الثقافة، وهي: «التراث، الموسيقى، الأفلام، فنون الطهي، الأزياء»، وجهات وطنية بارزة تشمل وزارتَي «الشؤون الإسلامية والعدل»، ومَجمعَي «الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، والملك سلمان العالمي للغة العربية»، ومكتبتَي «الملك فهد الوطنية، والملك عبد العزيز العامة»، وشركة «ناشر للنشر والتوزيع»، بهدف فتح نافذة سعودية شاملة أمام جمهور المعرض.

يستعرض الجناح التجارب السعودية في تطوير القطاع الثقافي وتعزيز حضوره عالمياً (واس)

ويستعرض الجناح ملامح التنوع الإبداعي، والهوية الثقافية للسعودية، عبر برنامج ثقافي متكامل تنظمه الهيئة يشمل ندوات، وأمسيات شعرية بمشاركة نخبة من الأدباء السعوديين، ويشمل كذلك عروضاً للفنون الأدائية السعودية داخل المعرض وخارجه في الحدائق، والساحات العامة تشمل فنون «الخطوة، والسامري، والخبيتي»، فضلاً عن معرض يبرز عدداً من أهم المخطوطات التاريخية في المملكة.

كما يضم أركاناً خاصة بـ«الإصدارات السعودية»، و«الحرف اليدوية» ويُقدّم عروضاً حية للصناعات الحرفية، و«المستنسخات التراثية» ويستعرض مستنسخات لأهم القطع الأثرية في البلاد، و«الآلات الموسيقية السعودية»، و«الأزياء السعودية»، و«الأفلام» ويُتيح عروضاً تشويقية لمجموعة من الأفلام السعودية، إضافة إلى «المجلس» لاستقبال الزوار، وركن الضيافة، في لوحة تجمع روح الأصالة، وحفاوة الاستقبال.

يضم الجناح أركاناً للحرف اليدوية التقليدية والأزياء السعودية والآلات الموسيقية الشعبية (هيئة الأدب)

من جانب آخر، تجوّل السفير أسامة الأحمدي في الجناح، مُطّلعاً على ما يضمه من محتوى يبرز ثراء المشهد الثقافي السعودي، وتنوعه، وما يقدمه من فعاليات تسلط الضوء على الحراك الأدبي والإبداعي الذي تشهده البلاد في ظل «رؤية 2030».

واستمع الأحمدي خلال الزيارة إلى شرحٍ عن البرنامج الثقافي المصاحب، والذي يشتمل على ندوات، وجلسات حوارية، بمشاركة نخبة من المثقفين، والأدباء، والمتخصصين من السعودية، لمناقشة موضوعات تتصل بالأدب، والترجمة، والنشر، وصناعة المحتوى الثقافي، واستعراض التجارب السعودية في تطوير القطاع الثقافي، وتعزيز حضوره عالمياً.

كما اطّلع على ما يحتويه الجناح من مخطوطات نادرة، وقطع تراثية، وحرف يدوية، وأزياء تقليدية، وفنون بصرية، تُجسد العمق الحضاري للمملكة، وتنوعها الثقافي، والإبداعي الممتد عبر مختلف مناطقها، مؤكداً أن هذه المشاركة تعمّق العلاقات بين البلدين، وتصب في الحضور المتنامي للثقافة السعودية على الساحة الدولية.

يتيح الجناح محتويات تُجسد العمق الحضاري للسعودية وتنوعها الثقافي والإبداعي (واس)

يُشار إلى أن «معرض كوالالمبور الدولي للكتاب» يُعدّ من أعرق الفعاليات الثقافية، وأكثرها تأثيراً في جنوب شرقي آسيا؛ إذ انطلقت دورته الأولى في عام 1981م بتنظيم من وزارة التعليم الماليزية، واستطاع على مدى أكثر من أربعة عقود أن يرسّخ مكانته بوصفه تظاهرة معرفية كبرى، ومنصة إقليمية وعالمية رائدة لصناعة النشر.


«سفن دوغز» يتصدر شباك التذاكر العربي بإيرادات تتخطى 4 ملايين دولار

حقَّق فيلم «سفن دوغز» حضوراً واسعاً في مختلف الأسواق العربية خلال فترة وجيزة (هيئة الترفيه السعودية)
حقَّق فيلم «سفن دوغز» حضوراً واسعاً في مختلف الأسواق العربية خلال فترة وجيزة (هيئة الترفيه السعودية)
TT

«سفن دوغز» يتصدر شباك التذاكر العربي بإيرادات تتخطى 4 ملايين دولار

حقَّق فيلم «سفن دوغز» حضوراً واسعاً في مختلف الأسواق العربية خلال فترة وجيزة (هيئة الترفيه السعودية)
حقَّق فيلم «سفن دوغز» حضوراً واسعاً في مختلف الأسواق العربية خلال فترة وجيزة (هيئة الترفيه السعودية)

واصل فيلم الأكشن العربي والعالمي «سفن دوغز» تحقيق نتائج استثنائية في شباك التذاكر، بعد أن تجاوزت إيراداته 4 ملايين دولار خلال أول يومين من عرضه، بينما بلغ إجمالي التذاكر المبيعة نحو 600 ألف تذكرة على مستوى العالم العربي، ليواصل تصدره قائمة الأفلام الأكثر مشاهدة.

وتعكس هذه الأرقام حجم الإقبال الجماهيري الكبير الذي يحظى به الفيلم منذ انطلاق عرضه الرسمي في دور السينما؛ إذ تمكَّن خلال فترة وجيزة من تحقيق حضور واسع في مختلف الأسواق العربية، مدفوعاً بالاهتمام الكبير الذي سبق إطلاقه، إلى جانب ما يضمه من أسماء بارزة على مستوى التمثيل والإخراج والإنتاج.

ويعدّ «سفن دوغز» من أضخم الإنتاجات العربية السينمائية العربية، ويجمع بين الأكشن والتشويق والإنتاج البصري الضخم، ضمن قصة تدور حول ضابط الإنتربول «خالد العزازي» الذي يدخل في مهمة سرية مع أحد أخطر المجرمين السابقين لكشف منظمة إجرامية عالمية تُعرف باسم «سفن دوغز»، في رحلة تمتد عبر عدة مدن وعواصم حول العالم.

ويبرز الفيلم من خلال حجمه الإنتاجي الكبير، واعتماده على تصوير مشاهد رئيسية داخل استوديوهات «الحصن Big Time» في الرياض، إلى جانب استخدام مواقع متعددة من بينها بوليفارد سيتي، والاستعانة بفريق عالمي متخصص في التصوير والمؤثرات البصرية والمشاهد الخطرة؛ ما يمنحه جودة بصرية وحركية تضاهي كبرى إنتاجات أفلام الأكشن العالمية.

ويجمع العمل بين كريم عبد العزيز وأحمد عز، إلى جانب نخبة من النجوم العرب والعالميين، ومن إخراج الثنائي العالمي عادل العربي وبلال فلاح، في تجربة سينمائية تعكس الطموح المتصاعد لصناعة السينما العربية، وقدرتها على الوصول إلى جمهور واسع داخل المنطقة وخارجها.

ودخل الفيلم موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية بتحقيق رقمين عالميين بمجال المؤثرات السينمائية، شملت أكبر انفجار سينمائي في تاريخ الأفلام، وأكبر كمية متفجرات عالية الشدة يتم تفجيرها في مشهد واحد، ويعكس الإنجاز حجم الإمكانات الإنتاجية الضخمة التي وفَّرها العمل.


حجاج ومعتمرون مصريون يزيّنون بيوتهم برسم «الكعبة المشرفة»

مصريون يزيِّنون بيوتهم بصور الكعبة المشرفة (الشرق الأوسط)
مصريون يزيِّنون بيوتهم بصور الكعبة المشرفة (الشرق الأوسط)
TT

حجاج ومعتمرون مصريون يزيّنون بيوتهم برسم «الكعبة المشرفة»

مصريون يزيِّنون بيوتهم بصور الكعبة المشرفة (الشرق الأوسط)
مصريون يزيِّنون بيوتهم بصور الكعبة المشرفة (الشرق الأوسط)

في طقس راسخ يعبِّر عن البهجة، يحرص كثير من المصريين، خصوصاً في القرى الريفية والأحياء الشعبية، على توثيق رحلاتهم إلى البيت العتيق برسم الكعبة المشرفة والطائرات والبواخر على واجهات بيوتهم، إذ يعدّونها «ختماً توثيقياً» لزيارة الأراضي المقدسة.

الفنان التشكيلي إبراهيم البريدي الذي صوَّر رحلات الحج في كثير من لوحاته، يقول لـ«الشرق الأوسط» إنَّ هذه الرحلات ترسَّخت في مخيلته منذ صغره عبر حكايات والدته، موضحاً أنه قبل اتجاهه لعالم الفن التشكيلي، وإقامة المعارض كان يشارك بريشته في رسم واجهات البيوت في مدينته، طنطا، بمحافظة الغربية (دلتا مصر).

رسم الكعبة على واجهات بيوت الحجيج والمعتمرين طقس مصري راسخ (الشرق الأوسط)

ويؤكد أنَّه مع «عودة الحجيج أو المعتمرين من الأراضي المقدسة، خصوصاً في موسم الحج، كان وما زال عدد كبير من أقارب الحجيج يحرصون على طلاء واجهات البيوت لتأخذ حُلةً جديدةً، وكأن لسان حالهم يقول إنَّ المنازل تبدأ حياةً جديدةً مثل أصحابها بعد عودتهم من الحج مغفوري الذنوب، وكانوا يدعونني بعد أن عرفوا موهبتي لرسم الواجهات، فقد صورت لوحات كثيرة، أظن أنَّ بعضها موجود حتى الآن. كانت مكة والسفن والطائرات وعبارات الدعاء والتهاني أهم عناصرها».

ويضيف: «كنت أكتب بخط كبير العبارة الأثيرة لدى كل حاج، (حج مبرور وذنب مغفور)، وكذلك (ألف مبروك يا حاج). كنت وقتها شاباً، وكنت ألبي دعوات كثير من الأهالي للمشارَكة في احتفالاتهم بتأدية أحد أفراد أسرهم فريضة الحج، فقد زينت كثيراً من حوائط البيوت بالزخارف والنخيل، والجِمال، ومكة، والسفن مضيفاً إليها بعض الأدعية والكلمات».

ويرى البريدي أن «رسم واجهات البيوت وتزيينها بتلك الصور يشيران إلى أنَّ هناك مَن أكمل أركان الإسلام الخمسة، بالإضافة إلى البهجة المصاحبة لتلك الزيارة المحببة إلى قلوب المصريين. من هنا يمكن النظر إلى معاني توثيقها على واجهات المنازل بوصفها أجمل ما قام به الرجل أو المرأة في حياته، وهو موروث ثقافي يحمله المصريون في وجدانهم رغم تغيُّرات الحياة وما يحدث من تطورات تهدِّد استمرار كثير من المظاهر الاحتفالية، والتقاليد القديمة في شمال مصر وجنوبها».

رسومات الكعبة وعبارات التلبية دليل على زيارة البيت العتيق (الشرق الأوسط)

طقس رسم واجهات البيوت وتزيينها لاستقبال الحجيج يُعدُّ أساسياً لدى عائلة محمد عبد السلام، وهو رجل «ستيني» تاجر مواد غذائية بمنطقة المنيب (غرب القاهرة) يتذكَّر عندما قام لأول مرة بزيارة مكة وأداء فريضة الحج، وداعَه بالأناشيد والطبول. ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أكثر ما أسعدني عند عودتي مشاهدتي واجهة بيتي وهي مطلية ومزخرفة ومرسومة، وهي لوحة جميلة تبهجني كلما مررت بها، وتجعلني أستعيد الأيام التي قضيتها في مكة، وما مررت به من ذكريات مبهجة».

اللوحات المرسومة على واجهات البيوت تقاوم الزمن، وتظلُّ آمنة حال كانت مرسومة بألوان جيدة مثل قطعة فنية، وهي أبقى، وفق عبد السلام، من الإشارات التي توثِّق لرحلة الحج على مواقع التواصل الاجتماعي، هذه يمكن أن تختفي بكبسة زر، لكن واجهات المنازل تظلُّ قادرةً على البقاء ما لم تمتد إليها الأيادي.

أحد البيوت بمحافظة الدقهلية (الشرق الأوسط)

وعدَّ عمرو حسين، وهو جزار أربعيني بمنطقة الطالبية بالجيزة (غرب القاهرة) رسم واجهة بيته، الذي يشير إلى تأديته فريضة الحج، فرحةً غامرةً وعادةً حافظ عليها كل أفراد عائلته الذين سبقوه جميعاً إلى زيارة الكعبة. يقول لـ«لشرق الأوسط» إنَّه عندما يستيقظ في الصباح وينظر لصورة الكعبة يشعر بفرح كبير، ويتذكَّر مشاعره وهو يستقل الطائرة في رحلتَي الذهاب والعودة. أما عن كتابة التعليقات والصور عبر مواقع التواصل الاجتماعي فلا تمنحه الشعور بالسعادة بالقدر الذي يصل إليه كلما نظر لواجهة بيته ورأى صور الكعبة والطائرة، وعبارات الدعاء.