عبد الرزاق الشيخ علي الذي خرج ولم يعد

كان من روّاد الأدب الواقعي العراقي... وجايَلَ عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي في الخمسينات

عبد الرزاق الشيخ علي
عبد الرزاق الشيخ علي
TT

عبد الرزاق الشيخ علي الذي خرج ولم يعد

عبد الرزاق الشيخ علي
عبد الرزاق الشيخ علي

كان ذلك في صيف عام 1957، وفي شارع أبي نواس تحديداً، عندما مر بجانبي مسرعاً شخص غريب الأطوار، بملابس رثة ولحية طويلة غير مشذبة، ويبدو مثل درويش صوفي تائه. فصرخت بصورة لا إرادية بصديقي الشاعر عبد المنعم المخزومي الذي كان زميلي في كلية الآداب آنذاك، وكان يسير إلى جانبي: «إنه القاص عبد الرزاق الشيخ علي»، فأجاب متردداً: «ربما». حاولنا اللحاق به، وكنا نعلم بمأساته، ولكنه سرعان ما هرول هارباً، وغاب بين الجموع. لم يكن من اليسير الجزم بأن ملتحياً ما، بملابس رثة ولحية سوداء، يمكن أن يكون هو القاص الذي تعرض إلى نكبة مزدوجة: زجه بالسجن لأفكاره السياسية، وإطلاق سراحه يوم 14 يوليو (تموز) 1957، أي قبل الثورة بعام واحد؛ وخروجه فاقداً للعقل. فهام على وجهه دون أن يعرف أحد من أسرته أو أصدقائه مصيره. وبعد ثورة الرابع عشر من يوليو (تموز)، بذلت مجهودات كبيرة من قبل ذويه وأصدقائه من الأدباء والمثقفين، لمعرفة تفاصيل سجنه واختفائه، لكنها لم تحقق أي نتيجة، وظلت رهن التكهنات والتخمينات.
فما الذي يقوله صندوق الأسرار عن هذا المبدع الذي أضاعته أنظمة الاستبداد، وأشبعته سجناً وترويعاً وجنوناً؟
عبد الرزاق الشيخ علي قاص عراقي خمسيني تقدمي، بدأ بكتابة القصة القصيرة بالتزامن مع القاصين غائب طعمة فرمان ومهدي عيسى الصقر، كما جايل القاصين عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي. وكانت قصصه تتسم بنزعة واقعية نقدية، مثل كثير من اتجاهات السرد القصصي آنذاك. وكان مفهوم «الالتزام» ببعده الماركسي، وليس السارتري، هو المهيمن على قناعات معظم كتاب ذلك الجيل، والذي كان يرتب التزامات فكرية وآيديولوجية معينة على الكتاب، من خلال التأكيد المسرف على الوظيفة الاجتماعية للأدب، وقدرته على الإسهام في عملية التغيير الاجتماعي. وقد بدأ القاص النشر لأول مرة في عدد من الصحف والمجلات العراقية والعربية، مثل: «الأديب» اللبنانية، ومجلة «الثقافة الجديدة» العراقية، ومجلة «الرابطة» العراقية، و«الأوقات البغدادية»، وصحيفة «الأهالي» العراقية. وتؤرخ بعض قصصه بالعام 1946، وبعضها الآخر بالعام 1949، وبعضها بالعام 1951. ثم نشر مجموعتين قصصيتين، هما: «حصاد الشوك» من منشورات مطبعة «الرابطة» في بغداد في منتصف الخمسينيات، كما أصدرت له مجلة «الثقافة الجديدة» ضمن منشوراتها مجموعة قصصية أخرى، هي «عباس أفندي» عام 1959، فضلاً عن كتابه الصحافي «أجراس السلام» عام 1951، الذي دون فيه مشاهداته عن مهرجان السلام العالمي في برلين آنذاك، وعدت من أعماله الضائعة مجموعة «آلهة الأرض» ومجموعة «الدنيا بخير».
وربما تشكل حياة القاص عبد الرزاق الشيخ علي مأثرة وسفراً في الكفاح والوطنية والمعاناة. فمن خلال بعض مذكراته التي تركها، ومن رسالة ابنته (سامرة)، وكذلك المناشدة التي نشرها صديقه الشاعر كاظم السماوي للبحث عنه ومعرفة مصيره، والتي نشرها عام 1959 (صحيفة المدى، 13-11-2006)، نكتشف أنه كان عام 1942موظفاً صغيراً بدائرة إجراء بغداد، ونقل إلى وظائف أخرى، منها إلى محكمة تمييز العراق، ثم صدر أمر تعيينه في مديرية الدعاية العامة ببغداد عام 1947. وكان عبد الرزاق يواظب على إغناء تجربته الثقافية والسياسية وعشقه للغات الأجنبية، ويشاهد بعض العروض المسرحية التي كان يقدمها طلبة معهد الفنون الجميلة آنذاك، ومنها مسرحية «تاجر البندقية» لشكسبير، كما التحق بدورة لتعلم اللغة الفرنسية في معهد الآباء الكرمليين، حيث راح يخطط للسفر إلى فرنسا لإكمال دراسته هناك، وفعلاً سافر إلى فرنسا عن طريق بيروت، والتحق بمدرسة «الآليانس فرانسيه»، كما أمضي عامين بجامعة السوربون، لكنه بسبب نفقات الدراسة العالية لم يكن بمقدوره الاستمرار في تحقيق هذا الحلم، فعاد إلى بغداد بعد أن أمضى 3 سنوات في باريس. وعندما تلقى دعوة لحضور مؤتمر أنصار السلام في برلين عام 1951، الذي كان يرأسه البروفسور جوليو كوري، كان مسروراً بتلبيتها، حيث شارك ضمن الوفد العراقي بنشاط، وكتب عن هذه التجربة كتابه المعروف «أجراس السلام». وعند عودته إلى العراق، اعتقل وعذب، وأودع في عدد من السجون، منها سجن بغداد المركزي وسجن بعقوبة وسجن نقرة السلمان. وقد بقي في السجون آنذاك عاماً ونصف، ثم أطلق سراحه. وكان سلوكه داخل السجن مثالاً للمناضل الشجاع الأبي. ويذكر أنه رفض مصافحة مدير سجن بعقوبة بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك، وقال له بصوتٍ عالٍ: «أرفض بقوة مصافحة يدٍ ملطخة بعار تعذيب وقتل المناضلين الشرفاء من أبناء شعبي العظيم». وقد أدى موقفه هذا إلى إيداعه زنزانة السجن الانفرادي، وتعريضه إلى التعذيب الوحشي.
وكان اعتقاله الأخير في عام 1957، من قبل وزير الداخلية آنذاك بهجة العطية، والتحقيقات الجنائية، حيث تعرض إلى أبشع أنواع التعذيب، مما تسبب في فقدانه لعقله، ويبدو أنه نفي بعد ذلك إلى مدينة بدرة الحدودية من لواء الموت على الحدود الإيرانية، وأطلق سراحه يوم 14 يوليو (تموز) 1957، لكنه لم يعد إلى بيته، وتتهم عائلته جهاز الأمن في العراق بالمسؤولية عن تغييبه واختفائه.
ويشير الشاعر العراقي الراحل كاظم السماوي إلى أنه التقى صديقه القاص عبد الرزاق الشيخ علي بعد عودته من باريس عام 1949 حاملاً كثيراً من الأحلام والتفاؤل:
«كان عائداً من باريس بشعره المسترسل وراء عنقه، وكلماته النارية المدوية، وعينيه العميقتين الكبيرتين. تحدث عن تنقله بين أحياء باريس ومتاحفها وميادينها، وإيمانه بالرسالة الاجتماعية التنويرية التي يتعين على الأدب أن يحملها: الأدب يعني الإنسان الشامخ سيد الأرض صانع الحياة. فإذا لم يكن هذا محوره، فإنه ثرثرة حانقة، وصناعة بائرة.
فالأدب دم ودموع، وجراح ونار وأشواق، وهو بعد هذا كله يهندس للغد العملاق».
لقد كان يرى أن الأدب مسؤولية كبيرة، وأن أهل القلم هم بناة الغد المشرق، وهو يفسر إلى حد كبير طبيعة المحتوى الاجتماعي والنضالي الهادف لكثير من تجاربه القصصية التي وثق فيها لحظات مهمة من حياته داخل السجون والمعتقلات، أو سجل فيها معاناة المضطهدين والفقراء في بلاده، لكنه لم يكترث بما فيه الكفاية للارتقاء بمستوى البناء السردي لقصصه، مع أنه يمتلك تجربة دراسية وتعليمية جيدة في فرنسا، وكان يتابع النتاج الأدبي العراقي والعربي والعالمي بصورة مستمرة. ويمكن القول إن عواطفه السياسية، ونظرته الآيديولوجية والإنسانية، ضغطت على الشروط الفنية للسرد القصصي، وحولته إلى رسالة اجتماعية تهدف إلى تحقيق تغيير جذري في المجتمع وفي أفكار الناس. وظلت كثير من المناشدات الحارة للكشف عن مصيره بلا إجابات شافية، ومنها المناشدة التي نشرها الشاعر كاظم السماوي عام 1959، أي بعد الثورة التي حلم بها:
«عام 1959… شارع الرشيد، أتصفح الوجوه، أسال عنه المارة، أقتحم الأبواب، أطرق الصمت على كل شفة، أتوسل الحيرة في كل عين، ووجدتني أجلس في مكتب جريدة لأكتب بتساؤل جريح: أين عبد الرزاق؟ وتحمل الجريدة ذلك التساؤل إلى عشرات من الناس البسطاء الذين أحبهم عبد الرزاق».
ولا يمكن أن ننسى ذلك النداء الحار الذي وجهته ابنة القاص الراحل، السيدة سامرة عبد الرزاق الشيخ علي، عام 1974، من على صفحات إحدى الصحف الوطنية:
«أين أبي؟ أين نصير السلم عبد الرزاق الشيخ علي؟ ومن يعرف عن مخطوطاته الأدبية شيئاً؟ إنني اليوم أرفع صوتي بنداء لكل الناس الشرفاء الطيبين، لكل من يهمه الأمر، أن يعثر على آثار مؤلف (حصاد الشوك) و(أجراس السلام) و(عباس أفندي)؛ ذلك الإنسان الذي ذهب ولَم يعد».
- ناقد عراقي



باليه «أميرة النيل» يستلهم قصة حب أسطورية من مصر القديمة

البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
TT

باليه «أميرة النيل» يستلهم قصة حب أسطورية من مصر القديمة

البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)

في استعادة فنية لواحد من أعمال الباليه العالمي، يستقبل المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية عرض باليه «أميرة النيل» الذي بدأ، الجمعة، ويستمر حتى الاثنين 9 فبراير (شباط) الحالي.

يعود العمل إلى الجمهور في صيغة تجمع بين عراقة النص الكلاسيكي، وروح المعالجة المعاصرة؛ فالعرض الذي تقدّمه فرقة «باليه أوبرا القاهرة» يستعيد أحد أشهر الأعمال التي رسّخت صورة جمالية عن عراقة الحضارة المصرية في الفكر الغربي، لكنه هذه المرة يعيد قراءتها من داخل الذاكرة الثقافية المصرية نفسها، حيث تدور أحداثه في إطار سردي يجمع بين الواقع والحلم.

ويشعر المشاهد منذ لحظاته الأولى بأنه يراهن على فخامة الأجواء، وهيبة الحضارة القديمة، والدهشة البصرية، وزخم المشاعر؛ إذ تبدأ الأحداث برجل إنجليزي، يصل إلى مصر في رحلة استكشافية، ويجد نفسه مضطراً إلى الاحتماء داخل أحد الأهرامات؛ هرباً من عاصفة رملية مفاجئة. وهناك وفي أجواء غامضة تتداخل فيها الأسطورة مع الخيال، يتناول مادة مخدرة تجعله يغفو، لينتقل عبر الحلم إلى مصر القديمة.

أزياء مستوحاة من الرموز الفرعونية والبيئة (الأوبرا المصرية)

في هذا العالم المتخيل، يتحول الرجل إلى شاب مصري نبيل، يعيش في بلاط الحاكم، وسرعان ما يلتقي ابنة الفرعون، التي تتجسد بوصفها رمزاً للجمال والقوة. وينشأ بين الاثنين حب عميق، لكنه حب محكوم بالمواجهة؛ إذ تصطدم مشاعرهما بقوانين السلطة والاختلاف والمصير.

فهل ينتصر الحب ويستمر مع محبوبته «أميرة النيل»، أم يعود من حلمه إلى الهرم، بعد أن يكون قد اكتسب تقديراً حقيقياً لسطوة الحب والقدر؟

وترى المديرة الفنية لفرقة «باليه أوبرا القاهرة»، الفنانة أرمينيا كامل، أن تقديم «أميرة النيل» يأتي في إطار رؤية فنية تؤمن بالاستلهام من الجذور الحضارية المصرية؛ وذلك بوصفها مادة حية ثرية على المستويات الإنسانية والجمالية، قابلة لإعادة التشكيل الراقي الملائم لفن الباليه. وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الحضارة المصرية القديمة، بما تحمله من ثراء بصري ودرامي، ومن مشاهد وصور وزخم سردي، تملك قدرة استثنائية على مخاطبة وجدان المتلقي المعاصر عبر الباليه».

يُذكر أن باليه «أميرة النيل» وُلد خلال فترة ازدهار ثقافي وفني ملحوظ في روسيا؛ ففي منتصف القرن التاسع عشر بدأ الباليه الروسي في ترسيخ هويته الخاصة، المتميزة عن نظيراتها في أوروبا الغربية.

ويشير الناقد الفني محمد كمال إلى أن هذا الباليه استلهم من رواية «المومياء» لتيوفيل غوتييه، التي شكّلت نسيجاً غنياً من الثقافة والأساطير المصرية القديمة؛ ما أتاح للمبدعين فرصة استكشافها.

وكان للتعاون بين ماريوس بيتيبا، أستاذ الباليه الفرنسي الذي استقر في روسيا، وتشيزاري بوني، الملحن الإيطالي، دور محوري في إخراج هذا الباليه إلى النور.

باليه «أميرة النيل» (دار الأوبرا المصرية)

فقد أثمرت تصميمات بيتيبا الراقصة المبتكرة، إلى جانب موسيقى بوني المؤثرة، عرضاً مذهلاً من الناحيتَين البصرية والموسيقية، حسب كمال. اللافت أن الباليه لا يتعامل مع قصة الحب بوصفها حكاية رومانسية تقليدية، بل يقدمها بصفتها سلسلة من الاختبارات الجسدية والدرامية؛ حيث تتحول المشاعر إلى حركات، والصراع إلى إيقاع.

ففي الفصل الثاني على سبيل المثال تتصاعد التوترات مع ملاحقة الحراس للعاشقين، وتتحول الرحلة إلى سلسلة من المطاردات والمشاهد الجماعية التي تبرز قوة الرقص الكلاسيكي في التعبير عن الإحساس بالخطر والهروب والرغبة في النجاة.

ويتداخل البعد الأسطوري مع الدراما في العرض عبر مشاهد تتكامل فيها الموسيقى والحركة والضوء، وفي أثناء ذلك يترسخ لدى المشاهد الإحساس بتفرد النيل، بوصفه قوة حامية وملاذاً للإنسان، وليس مجرد نهر عظيم.

وفي الفصل الأخير يتصاعد الصراع، وتتداخل السلطة بالعاطفة، قبل أن ينكسر الحلم فجأة، ويستيقظ البطل في نهاية قد تعيد المتفرج إلى نقطة البداية، لكنها تأتي محمّلة بدلالة جديدة؛ إذ يكتشف أنه قد أصبح مثل هذا البطل من حيث تغيّر نظرته إلى الحب والقدر والحياة.

وتتميز معالجة الباليه بأنها لا تعتمد على السرد المباشر، بل تترك للرقص والموسيقى مهمة نقل التحولات النفسية والدرامية.

وهو ما يتجلّى في تصميمات الرقص المستندة إلى أعمال ماريوس بيتيبا؛ حيث تتوازن الحركات الدقيقة مع المشاهد الجماعية المهيبة، وتتحول الأجساد إلى عنصر سردي أساسي.

أما الموسيقى التي وضعها المؤلف الإيطالي تشيزاري بوني، فتشكّل العمود الفقري للعمل، بما تحمله من ألحان غنية وزخارف أوركسترالية تتكرر، وتتحول مع تطور الأحداث.

ويقود الأوركسترا المايسترو محمد سعد باشا، في أداء يبرز التباين بين المقاطع الاحتفالية، والمشاهد الوجدانية، سيما في ثيمات الحب والمواجهة. صمم ياسر شعلان الإضاءة بحيث تواكب التحولات الزمنية والنفسية، متنقلة بين أجواء الحلم والاحتفال والتهديد، في حين قدّم جيانلوكا سايتو أزياء مستوحاة من الرموز الفرعونية والبيئة، جاءت غنية في تفاصيلها، من دون أن تقع في فخ الاستنساخ التاريخي.

ويعتمد العرض كذلك على مشروع وسائط متعددة من تصميم عبد المنعم المصري، يضيف بعداً بصرياً حديثاً، من خلال دمج الصور والخلفيات المتحركة مع المشاهد الراقصة، في انسجام يحافظ على إيقاع العرض، من دون أن يؤدي إلى تشتيت انتباه المتلقي.


9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
TT

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر حتى الثالث والعشرين منه.

المؤشرات تعِد بدورة أكثر نجاحاً من الدورات الثلاث السابقة، لكنّ هذا لن يتأكد قبل العروض السينمائية للمسابقة وما يجاورها من أقسام. هذا لأنه من السهل إتقان الشؤون الإدارية المختلفة، ومن الأسهل، نسبياً، إنجاز سوق سينمائية كبيرة تقبل عليها مؤسسات وشركات لتأكيد وجودها على خريطة الإنتاجات السينمائية حول العالم، لكن اختيار الأفلام المشتركة في برامج المهرجان المختلفة هو المحك الذي سيمكّن الإعلام ونقاد السينما من الحكم على درجة نجاح المهرجان الفعلي، وإذا ما وفى بوعده العودة إلى سابق تألّقه.

أرقام

شيء واحد مؤكد إلى الآن هو أن هناك تسعة أفلام من إخراج نسائي بين عروض المسابقة المؤلّفة من 22 فيلماً. مسألة لم نكن نعيرها اهتماماً حتى وقت ليس بالبعيد عندما كانت المهرجانات تختار ما تختاره من الأفلام من دون أن تفرِّق كثيراً إذا ما كان الفيلم من إخراج امرأة أو رجل!

الذي حدث أن القوّة الناعمة (أو هكذا عُرفت) رأت أن المرأة ليست ممثَّلة بما يكفي في المهرجانات، فنادت بحضور أعلى، وكان لها ما أرادت. في العام الماضي شهد مهرجان برلين 8 أفلام من إخراج نساء، أي بفارق فيلم واحد عن هذا العام. الفيلم الإضافي سيؤكد، حسب معلومات، أن مهرجان برلين يؤكد ريادته في رعاية المخرجات. هذا في حين تشير مجلة «سكرين إنترناشيونال» إلى أن عدد الأفلام نسائية الإخراج التي كانت قد عُرضت قبل عامين لم يزد على ستة أفلام. لكن هل بات حُكماً أن تراعي المهرجانات نسبة معيّنة لتبرهن على أنها مؤيدة للمرأة؟ ماذا عن اختيار الأفلام حسب أهميّتها الفنية أساساً؟

الأمور ليست على ما يرام في هذا الشأن خارج إطار المهرجانات. في عام 2024، حسب دراسة لجامعة ساذرن كاليفورنيا (USC)، ومن بين 111 مخرجاً حققوا أفلاماً، كان نصيب المرأة 9 أفلام فقط، (أي امرأة واحدة مقابل كل 11 مخرجاً ذكراً) من بينها فيلما أنيميشن هم «إليو» لمادلين شرفيان (أنيميشن) وKPop Demon HUnters (بمشاركة مخرج رجل هو كريس أبلهانز)، وثلاثة أفلام رعب هي: «أعلم ما فعلت في الصيف الماضي» لجنيفر روبنسن، و«خمسة أيام عند فرايداي 2» لإيما تامي، و«جمعة أكثر غرابة»، (Freakier Friday)، لنيشا غاناترا.

توجُّه المرأة إلى تحقيق أفلام رعب يستأهل تحقيقاً منفصلاً من حيث أسبابه ونتائجه.

الدراسة الجامعية المذكورة تكشف بين دفّتيها عن تقارير عن 1900 فيلم جرى إنتاجها ما بين 2007 و2025، وتلاحظ كيف انطلقت القوّة الناعمة جيداً في العقدين الأول والثاني من القرن، ثم بدأت التراجع مع استمرار تفضيل شركات هوليوود الرئيسية اختيار مخرجين رجال لمعظم إنتاجاتها.

«جوزيفين» (مهرجان برلين)

مخرجات برلين

هذا لا علاقة وثيقة له باختيار المهرجانات إلا من خلال ملاحظة القوس البياني لسعي المرأة إلى إثبات حضورها في المشهد السينمائي.

أفلام برلين النسائية مثيرة للاهتمام لأنها تشكل نوع من التعدد في الخيارات المتاحة. على ذلك، فإن الجامع الآخر بين أفلامهن يتمحور حول موضوعات مجتمعية تقود المرأة غالبيّتها.

من «في همسة» لليلى بوزيد (يونيتي)

من بين المشتركات في دورة برلين الجديدة المخرجة التونسية ليلى بوزيد التي توفّر الفيلم العربي الوحيد في المسابقة وعنوانه «في همسة» (كان عنواناً لفيلم إسباني أُنتج سنة 2019 لهايدي حسن). فيلم بوزيد دراما عائلية حول «ليلى» التي تعود إلى تونس من باريس لحضور جنازة عمّها. الزيارة تكشف عن اختلافات كثيرة بين طريقتي عيش تؤدي إلى أزمات.

هناك بحث آخر تقوم به بطلة الفيلم الأميركي «جوزيفين» للمخرجة بث. د. أرايو، حول الزوجين (غيما تشان وشانينغ تاتوم) في سعيهما لحماية ابنتهما التي شهدت جريمة اغتصاب. في مؤتمرها الصحافي أكدت المديرة الفنية للمهرجان أن ما يرد في هذا الفيلم هو «حكاية شخصية».

تبتعد المخرجة البريطانية أشلي وولترز عن الموضوع النسائي في فيلم سمّته «أنيمول» (Animol)، إذ يدور فيلمها عن مجموعة من الشبّان الذين يعيشون في إصلاحية وكيف استطاع بعضهم خلق بعد جديد لحياتهم من خلال صداقاتهم هناك.

موضوع رجالي آخر تطرحه السويدية دارا ڤان دوسن، في «صلاة للميّت»، (A Preyer for the Dead)، حول رئيس شرطة مدينة حائر بين إنقاذ عائلته وبين إنقاذ البلدة التي تطالبه بتطبيق القانون.

من «قصص بيتية» (أدريان كامبيون - تريمافيلم)

في «قصص بيتية»، (Home Stories)، (ألمانيا)، تختار المخرجة إيڤا تروبيش موضوع الهوية. بطلة الفيلم ذات المكانة الاجتماعية تتعرّض لسؤال حول حياتها. تخرج من المقابلة مدركةً أن عليها أن تبحث عن هويّتها الخاصّة.

الأفلام الأخرى للمخرجات المشتركات هي «الرجل الأكثر وحدة في البلدة» لتيزا كوڤي (ألمانيا)، و«زوجتي تبكي» لأنجيلا شانالك (ألمانيا)، و«نايتبورن» لهانا بيرغهولم (فنلندا)، و«نينا روزا» لجنڤييڤ دولودي-دي سيلس (كندا)، و«غبار» لأنكي بلوند (بلجيكا).

Your Premium trial has ended


علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
TT

علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري

كشف علماء آثار عن دليل لما قد يكون أول عملية جراحية في المخ في العالم، إذ تم العثور على جمجمة بشرية من عصر الفايكنج وقد أُزيل جزء منها.

وتتميز البقايا، التي تعود لرجل يتراوح عمره بين 17 و24 عاماً، بوجود ثقب بيضاوي الشكل يبلغ قطره نحو 3 سنتيمترات. ويعتقد الخبراء أن الرجل عاش خلال القرن التاسع الميلادي، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

من المرجح أن الرجل خضع لعملية تثقيب الجمجمة، وهي إجراء جراحي قديم يتم فيه حفر ثقب في جمجمة شخص حي لعلاج حالات مثل الصداع النصفي، أو النوبات. وامتد عصر الفايكنج من نحو عام 750 إلى عام 1050 ميلادي.

واكتشف طلاب جامعة كامبريدج البقايا العام الماضي خلال حفريات تدريبية في حصن واندلبوري الذي يعود للعصر الحديدي.

لا تكمن أهمية هذا الاكتشاف في العملية الجراحية فحسب، بل في بنية الرجل الجسدية أيضاً. وكان طوله 6 أقدام و5 بوصات، مما جعله أطول بكثير من متوسط ​​طول الرجل في ذلك العصر، والذي كان يبلغ طوله عادةً 5 أقدام و6 بوصات، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

قالت الدكتورة تريش بيرز، أمينة مختبر داكوورث بجامعة كامبريدج، في التقرير: «ربما كان لدى الشخص ورمٌ أثّر على غدته النخامية، مما تسبب في زيادة إفراز هرمونات النمو، إذ يمكننا ملاحظة ذلك في الخصائص الفريدة لعظام أطرافه الطويلة، وفي أجزاء أخرى من هيكله العظمي».

أشارت بيرز إلى أن مثل هذه الحالة كانت ستؤدي إلى زيادة الضغط داخل الجمجمة، والتسبب في صداع شديد. ويبدو أن عملية ثقب الجمجمة كانت محاولة لتخفيف هذا الألم، وهو هدف «ليس نادراً في حالات إصابات الرأس اليوم».

وشكّل موقع الدفن نفسه لغزاً محيراً، إذ احتوت المقبرة الجماعية على مزيج من الجثث الكاملة، والمقطّعة، بما في ذلك مجموعة من الجماجم، وما وصفه الباحثون بـ«كومة من الأرجل». وتمّ استخراج أربعة هياكل عظمية كاملة، بعضها في وضعيات توحي بأنها كانت مقيّدة.

وبدا أن معظم الجثث كانت لشبان أُلقي بهم في الحفرة دون اكتراث، مما دفع علماء الآثار إلى الاشتباه في أن الموقع يُشير إلى آثار مناوشة، أو معركة، أو إعدام جماعي.

وقال أوسكار ألدريد، من وحدة كامبريدج الأثرية: «ربما كان المدفونون ضحايا عقاب بدني، وقد يكون ذلك مرتبطاً بواندلبري باعتبار أنه مكان مقدس، أو معروف للاجتماعات». وأضاف: «ربما تكون بعض أجزاء الجثث الممزقة قد عُرضت سابقاً بوصفها جوائز، ثم جُمعت ودُفنت مع الأفراد الذين أُعدموا، أو ذُبحوا بطريقة أخرى».