الشعر على طاولة الطفولة

البهاء حسين يستدعيها في ديوانه «يمشي كأنه يتذكر»

الشعر على طاولة الطفولة
TT

الشعر على طاولة الطفولة

الشعر على طاولة الطفولة

يضع الشاعر البهاء حسين الشعر على طاولة الطفولة في ديوانه «يمشي كأنه يتذكر» الصادر حديثا عن الهيئة المصرية للكتاب، مستعيدا صورة العائلة والجدة والبئر الأولى وذكريات الصبا ومفارقات عالم القربة، والملامسات البكر الغضة للعناصر والأشياء، ويسعى في إطار علاقة حميمة بين المشي والتذكر، إلى استدراج تلك الطفولة إلى حد التعرية والانتهاك لكل تفاصيلها ومسراتها وآلامها وأسرارها.
وعبر أحد عشر نصا يضمها الديوان تومض حالة من الجدل الشفيف بين «المشي»، كفعل واضح ومحدد، وبين التذكر، كفعل غائم، متأرجح في قبضة التشبيه بين الشك واليقين، يراوح طفولة قروية قاحلة، فقيرة في نسيجها الاجتماعي والإنساني، قابعة في سقف الذكريات والأحلام، لا تشد العين أبعد من حواف المشهد والصورة، تتراءى في بعض النصوص كلعنة تطاردها الذات بقسوة أحيانا، وتتباهى بأنها عاشتها بشغف وحب رغم العتمة وضجر العيش، وأحيانا أخرى تحولها إلى مرثية حارقة لماض امتزجت فيه براءة اللعب بالعنف واللامبالاة والإحساس بالفقد والحرمان.
تبلغ القسوة مداها في صورة الجدة، قرينة البئر، وخازنة أسرار العائلة، حيث تبدو كأنها مجرد سلة للبكاء وتسول الصدقات، مجرد علامة على جرح يجب انتهاكه، والتبرؤ منه:
«أقول: يا جدتي
لا تبكي فوق البئر
كي لا تَمسك
فيرن صوتي
في القاع
ويرتد لي، متشنجا أكثر
لم يكن لخبز الصدقات طعمُ
لكن رائحته كانت تسوقها من بيت إلى بيت
وأنا كان علي أن أخرجها
كل يوم
من حفرة».
تتصدر صورة الجدة الديوان، في نص طويل بعنوان «جدة»، تعمد الشاعر أن يأتي هكذا في شكل «نكرة» مبهمة وغائمة، مجردة من وقار التعريف والشعور بالولاء والعرفان، ما يعني أننا أمام «جدة/ أي جدة» معلقة في إطار بارد لا معنى له، سوى الاحتفاظ بالصورة كفراغ رخو، لتنشيط حاسة التذكر، واصطياد مفارقات هشة، يجسدها النص بهشاشة أكثر سذاجة، بل يقع في تناقض حاد بين التنكير في العنوان وما يدور داخل النص، حيث تبدو صورة الجدة إفرازا لحياة، احتمت بضعفها وصانتها، حتى وهي تتسول رائحة الخبز من غبار الصدقات، وهي تصون بعماها البئر، تؤنسها بدموعها، ليظل شيء يرن في الأعماق:
«من بعيد
مغمضا عيني
أخمن قامتها النحيلة
الصرة فوق رأسها
وأنكمش في نفسي
وسط أصحابي
وكلما اقتربتْ
توسلتُ للطريق أن ينشق
أو تهب ريح
،،
لم تكن تفعل شيئا غير الشحاذة والبكاء
لطالما نهرتها أمي
أنا وإخوتي
وأحيانا كنت أضربها بالعصا
فتتقلص في قامتها
مثل دودة
كأنها تستغيث بالجيران».
تمتد حبال الذاكرة في الديوان، وتشكل آلية الاستنهاض حافزا لاستعادة أشياء مضت، وأخرى قد تأتي، تستنهض الموت والحب والحلم والجمال الهارب، وتقلص المسافة بين الذات وموضوعها، إلى حد الالتصاق أحيانا. كما تفجر حوارا بينهما، كأنهما طرفان في معادلة وجود معطل ومهمش، تحت ظلال الماضي والحاضر معا؛ وهو ما يبرز على نحو لافت، في قصيدتي «رجل يكلم شرفته بحرقة» و«أسند ذاكرتي بعكازك». في الأولى يختلط هاجس الموت المباغت بفضاء حب مفقود، وتكشف العلاقة عن فجوة في الروح والجسد والزمن، تتحول إلى ذكرى حارقة، لا تملك الذات حيالها سوى استعادتها في شكل لقطات متقطعة، تحاول من خلالها أن تكمل فراغ الصورة والبحث عن إطار لها داخل النص، صورة الماضي الذي تحول إلى ذكرى، ولا يزال يناوش الحلم والقلب والشعر... وهو ما يطالعنا على هذا النحو في القصيدة:
«أسألُ عن سنواتكِ الخمسين،
لماذا تركتها عهدة في ذمتي
هي وألبومك الأبيض
لعلكِ تريدينَ منى أن أجوبَ ملامحكِ الحزينة
أن أعدل هيئتكِ في اللقطاتِ التي لا تعجبك
أن أحرسَك من الكرمشة التي بدأتْ تتسربُ إلى صورك
ربما تريدينَ مني تحديثَ ابتسامتكِ التي أجبرتك عليها الفلاشات
في حفل الزفاف
ربما أردتني أن أبعدَ أطفالكِ عن حافة البراويز
مخافة أن يسقطوا منها.
أو أن أصب اللبنَ لـقطتك الصغيرة «مريم»
في الوعاء الفارغ بالصورة
وربما تريدين أن تنامي على جنبك الآخر
من يعلمُ، يا أخت روحي
فيمَ يفكر الموتى؟».
في القصيدة الثانية، يختلط هاجس الشعر بالمرض، وتطل أسئلة المصير، بحثا عن حكمة ضالة، في فراغ الأيام والذكريات، تستند عليها الحبيبة لمواجهة محنتها الخاصة، كما تتحصن بها الذات الشاعرة لمواجهة مخاوف الأعداء والأصدقاء، الذين أصبحوا وجهين لعملة واحدة، تتسع وتتعقد في شره الأضداد المقيتة، ولا تملك الذات سوى صرخة فاترة، مشوبة بمسحة من السخرية واللامبالاة والبحث عن أسباب عبثية لتبرير التواطؤ والإذعان للأمر الواقع:
«لا بد من عاهة
أو عداوة
كي لا تُسرف في الكسل
الأعداء ضروريون كالملح
ضرورة أن تفتح النوافذ
بلا تذمر من التراب
بلا رغبة حتى في أن تكنس البيت».
بيد أن المشهد يصعد دراميا، في نهاية النص، بقوة اليأس والأمل معا، اليأس من خراب العالم، والأمل في ألا تفقد الحياة ألفتها وقدرتها على إشاعة المحبة ببساطة وتلقائية عبر أشياء صغيرة، وإشارات عادية وخاطفة، تمنح وعاء الرغبة شهوة السؤال وتوق الحرية، وتحول الحب إلى عكاز للحلم والذاكرة... هكذا يبلغ النص لطشته الختامية:
«تصبحين على خير
سأغلق الباب
عائدا إلى البيت
أحصي التنهدات
سأحكي لنفسي عن المستقبل
كأنه أرضُ ميعادٍ
عن جسدي
كأنه رغيف خبز
عن الأشخاص الذين يتعاركون بداخلي
كأنهم أصدقاءٌ مختلفون في الرأي
عنكِ
كأنك عكاز يسندني كلما أردتُ أن أتذكر».
تبرز شعرية الانتهاك في التراسل مع بعض ألاعيب ومشاهد الطفولة، مشكلة خطوطها ومداراتها، في لغة شعرية بسيطة مسكونة بالوضوح إلى حد المباشرة، تكره أن تتخفى الأشياء في عريها، أو يشوبها مسحة من الغموض، تحرض على النفاذ إلى ما هو أبعد من المرئي المبتذل المألوف، يطالعنا هذا في نص بعنوان «محنة كل يد»... فاليد هي شاهد قبر وعلامة على العجز، وهي صياد الملامسات الحسية العابرة، وهي قرينة الضعف والخوف، عجزت عن الدفاع عن صورة الأم، وصارت غريبة لا تسد عورة الجسد: «أنا لست بريئاً من يدي، رغم أنها لم تدافع عن أمي حين ضربها ابن عمي، ومرمط بها الأرض»، وهي اليد نفسها التي تصطنع العجز والمرض والعاهات، لتمتهن التسول والشحاذة، ويصبح العكاز رمزا للتحايل على حياة عطبت، لم يعد أمامها سوى أن تتلصص على الموت، وتتطفل عليه، كأنه لعبة في يد الزمن، بل تنتهك حرمته في صورة الأخت التي باغتها فجأة:
«يا أختي
يا أم طفولتي
لماذا تركتِ يدكِ
مقطوعة إلى جوارك
في الشارع:
هل كنتِ مضطرة
أم أن يدكِ أرادت أن تتطفل على الموت
أن تغير هيئتها».
لكن هذه اليد، رغم تنوع رمزيتها ليست صانعة الحضارة والفن، هي ابنة الحظ والعشوائية والارتجال، واعتباطية المعنى والدلالة: «لم يخبرني الفلكيون أن دمكِ سوف يتقاطر من بيتٍ إلى بيت، ولم أخبرهم أني دفنتُ يدكِ واقفة، كأنها شاهد قبر»، كأن الوقوف هنا ليس ابن إرادة التشبث بالحياة، بل ابن الموت؟!
لم ينعكس هذا الانتهاك في صناعة القسوة على الطفولة فحسب، بل انعكس على ماهية الكتابة نفسها، فبدت في بعض النصوص بمثابة اجتراء وصدى لنوازع انتقام خفية، ما جعل الصورة الشعرية تجنح كثيرا إلا التعليل والتفسير، وكأننا إزاء علاقة مسببة لا بد أن تفضي إلى نتيجة ما، من مثل: «أريدك أن تقفي على قدمين متساويتين، كي لا تكون ابتسامتك الحلوة مائلة»، كان من الممكن أن تصبح الصور أكثر جمالا لو تخلت عن مباشرة التعليل ناهيك عن أن التعليل يحد من طاقة الإيحاء ويصادر على المعني في أحادية جامدة، وأيضا من مثل: «كونك يتيما إلى هذه الدرجة، لا يعطيك الحق في أن تجعل من طفولتك مناحة»، وغيرها.
الشعر لا يبرر الأشياء ولا يعللها، إنما يضعها في بؤرة السؤال والدهشة، لتظل مفتوحة بحيوية على براح الحواس والخيال بلا اشتراطات مسبقة.
في الختام، ورغم هذه الهنات الطفيفة، هذا ديوان لافت، به رائحة خاصة، تعامل مع موضوعه بجرأة، بعيدا عن رتابة الأعراف والتقاليد.



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».