أجهزة إلكترونية شخصية «صحية»... قدرات كبيرة وفوائد محدودة

ضرورة التدقيق في إيجابيات وسلبيات كل جهاز

أجهزة إلكترونية شخصية «صحية»... قدرات كبيرة وفوائد محدودة
TT

أجهزة إلكترونية شخصية «صحية»... قدرات كبيرة وفوائد محدودة

أجهزة إلكترونية شخصية «صحية»... قدرات كبيرة وفوائد محدودة

وقع جون العجوز البالغ 84 عاماً في مأزق، فقد سقط على أرضية الغرفة بعدما انزلق من مقعد كان يجلس عليه. ورغم أنه لم يتعرض لأذى، فإنه لم يتمكن من النهوض. كان جون يعيش بمفرده ولم يتمكن من الوصول إلى هاتفه المحمول ولا هاتف المنزل، ولا زر الإنذار ـ فقد كانت جميعاً على طاولة بجوار المقعد. وبعد ثلاث ساعات طويلة حاول خلالها الزحف رويداً رويداً على الأرض، تذكر جون أن جهاز المساعد الصوتي «الذكي» الذي يملكه (والذي يجري تحفيزه بأوامر شفهية) مرتبط بهاتفه الذكي. وبالفعل، طلب جون من المساعد الاتصال بابنته التي أرسلت له مساعدة على الفور. المؤكد أن الأجهزة الإلكترونية مثل أجهزة المساعد الصوتي الذكية يمكن أن تشكل إضافة عظيمة للمنزل، ومع هذا لا ينبغي الاعتماد على جهاز ذكي مثل هذا في إنقاذك في كل حالة طوارئ تواجهك. ولذلك ينبغي التعرف عن قرب على أوجه القصور المحتملة في كل جهاز إلكتروني قبل شرائه بهدف تعزيز حمايتك.

المساعد الصوتي الذكي
تضم أجهزة المساعد الصوتي الذكي التي توضع على الطاولات برامج كمبيوتر (المساعد الذكي) مرتبطة بالإنترنت، وتستوعب الأوامر الصوتية الموجهة إليها وتنفذ المهام المطلوبة منها. على سبيل المثال، يمكنك إخبار المساعد الذكي بأن يشغل موسيقى، أو كتبا سمعية أو يعرض أخبارا أو نشرات جوية، أو استرجاع معلومات من الإنترنت أو تسجيل تذكير بمواعيد تناول أدوية أو تواريخ مناسبات معينة، بل وضع قائمة طلبات من البقالة. ولدى قيامك بربط المساعد الذكي بالهاتف الذكي، يصبح باستطاعتك إجراء مكالمات دون الحاجة إلى سماعات. ويمكنك كذلك ربط جهاز المساعد الذكي بالأجهزة المنزلية «الذكية» (مصابيح أو أجهزة قياس حرارة أو أنظمة أمنية إلخ)، ويصبح باستطاعتك حينها السيطرة عليها عبر الأوامر الصوتية.
> السعر: يتراوح ما بين 40 دولاراً و400 دولار.
> الإيجابيات: من السهل استخدام مساعد ذكي بمجرد توصيله على نحو ملائم، وذلك من خلال طرح سؤال أو أمر. ودائماً ما يكون الجهاز موصولاً بأسلاك الكهرباء في الجدار، وبالتالي ليست هناك حاجة لشحنه. وفي حالات الطوارئ، يمكنك إخبار جهاز المساعد الرسمي بالاتصال برقم معين لطلب المساعدة، مثلما فعل جون.
> السلبيات: ربما يكون من الصعب تركيب جهاز مساعد ذكي إذا لم تكن لديك معرفة وثيقة بالتكنولوجيا، بجانب أنه ليس من السهل أن تحمله معك إلى أي مكان تتوجه إليه. وفي الوقت الذي باستطاعة جهاز المساعد الذكي الاتصال بجهات الاتصال المسجلة لديك، فإنه ربما لا يكون قادراً على الاتصال برقم الطوارئ (بعض العقبات التنظيمية تعني أن بعض أجهزة المساعد الذكي تستلزم جهازاً إضافياً للقيام بذلك).
إضافة لذلك، فإن لدى أجهزة المساعد الذكي نطاقا سمعيا محدودا، فهي لن تسمعك إذا كنت موجوداً في غرفة أخرى، وربما لا تسمعك إذا كان صوتك ضعيفاً أو كان في الخلفية ضوضاء مرتفعة مثل صوت تلفزيون.
تتمثل مشكلة أخرى في أنه ليس بمقدور جميع المعنيين بالرد على مكالمات الطوارئ القدرة على تحديد موقعك إذا جرى الاتصال من جانب جهاز مساعد «ذكي»، بسبب تنوع تكنولوجيا مكالمات الطوارئ. وعليه، سيتعين عليك تحديد عنوانك بالضبط، الأمر الذي قد يكون صعباً إذا كنت مريضاً أو مرتبكاً.

الهواتف والساعات الذكية
يتيح لك أي هاتف محمول الاتصال بأي رقم لطلب المساعدة، لكن البعض منها مصمم للبالغين الأكبر سناً لجعل العملية أكثر سهولة. ويوجد بهذه الهواتف لوحات مفاتيح كبيرة وزر خاص للطوارئ والذي يمكنه الاتصال بـك أو إرسال رسالة نصية إلى أحد الأقارب أو الاتصال برقم الطوارئ. وتتوافر هذه الخاصية إضافة إلى جميع الخصائص الأخرى الموجودة بغالبية الهواتف المحمولة، مثل الكاميرات والرسائل النصية وأنظمة التموضع العالمي (جي بي إس) المعتمدة على إشارات الأقمار الصناعية لرسم خريطة موقعك.
تتوافر الهواتف المصممة خصيصا للبالغين الأكبر سناً في نسختين: الهواتف القابلة للطي والهواتف الذكية المسطحة. كما يوجد ببعض الهواتف الذكية الخاصة بالبالغين مساعد ذكي مدمج بها أو يمكن تنزيله بها، الأمر الذي يمكنها من الاضطلاع بمهمة المساعد الذكي.
وبمقدورك أيضاً ارتداء ساعة «ذكية»، ساعة معصم تتيح لك إجراء اتصالات هاتفية وكتابة رسائل نصية واستخدام الكثير من خصائص الهاتف الذكي ـ ما دام أن الساعة تقع في نطاق هاتفك الذكي أو شبكة الكمبيوتر المنزلية الخاصة بك. كما تتولى الكثير من الساعات الذكية تتبع المؤشرات الصحية الأساسية الخاصة بك، مثل عدد الخطوات اليومية لك أو معدل نبضات القلب. وعلى خلاف الحال مع الهواتف الذكية، التي ربما لا تتوافر معك دوماً، فإن الساعة الذكية دائماً ما تكون بالقرب منك.
> السعر: تتنوع أسعار الهواتف المصممة خصيصا للبالغين من كبار السن من بضع عشرات إلى بضع مئات الدولارات. وستحتاج أيضاً إلى خدمة خلوية شهرية تتراوح تكلفتها بين حوالي 10 و20 دولاراً شهرياً، وتزداد تبعاً لفترة الحديث عبر الهاتف أو بيانات الإنترنت التي تستخدمها.
أما الهواتف الذكية والساعات الذكية غير المصممة على نحو خاص البالغين الأكبر سناً فتتراوح أسعارها بين حوالي 200 دولار و1.500 دولار. وتتطلب هذه الأجهزة خدمة خلوية شهرية، ويمكن أن تدفع 10 دولارات إضافية شهرياً من أجل خدمة الساعة الذكية.
> الإيجابيات: يمكنك استخدام الهواتف في أي مكان توجد بها خدمة خلوية. ويقضي الهاتف على الحاجة إلى خدمات طوارئ إضافية والرسوم التي تستلزمها.
> السلبيات: يجب شحن الهاتف المحمول أو الذكي على نحو منتظم. إذا لم يوجد بيدك هاتف أثناء تعرضك لطارئ، فإنك لن تتمكن من إجراء اتصال هاتفي إلا إذا كان لديك مساعد ذكي يستجيب للأوامر الصوتية. وإذا لم تكن لديك معرفة جيدة بالتعامل مع التكنولوجيا، فإنك قد تجابه صعوبة في تشغيل أي هاتف، خاصة إذا شعرت بالارتباك في خضم حالة طوارئ. ومن جديد، سيتعين عليك إخبار عامل الطوارئ بموقعك على وجه التحديد.

زر الإنذار
يمكن لهذه الأجهزة التي يمكن ارتداؤها استدعاء المساعدة عبر لمسة لزر واحد. وهناك العشرات من الأنظمة المتاحة، بعضها يستخدم هاتف منزلك (خط الهاتف الأرضي) للاتصال بمراكز مراقبة، وأخرى تستخدم تكنولوجيا الهاتف الخلوي. في الحالتين، يوجه القائمون على تلبية اتصالات الطوارئ المستجيبين للطوارئ إلى موقعك.
في الواقع هناك الكثير من الخيارات التي يمكن الاختيار منها، مثل تقنية اتصال تحقق يومي للتأكد من أنك على ما يرام، أو تكنولوجيا «جي بي إس» لتحديد موقعك، والقدرة على الاتصال بالأحباء أو رصد السقوط (يمكن لهذه الخاصية إجراء مكالمة حال رصد حدوث سقوط)، وأغطية مقاومة للماء بحيث يمكنك ارتداء الزر أثناء الاستحمام (حيث تحدث الكثير من حوادث السقوط).
> السعر: قد تكون الأزرار مجانية أو تبلغ تكلفتها حوالي 50 دولاراً. وتأتي جميع الأزرار برسوم مراقبة شهرية تتراوح بين قرابة 25 دولاراً و50 دولاراً شهرياً، حسب الخيارات. وتفرض بعض الشركات رسوم تفعيل لمرة واحدة فقط تتراوح بين 100 و200 دولار.
> الإيجابيات: من السهل استخدام زر إنذار. ويمكن ارتداؤه حول الرقبة أو الرسغ، أو إبقاؤه في جيبك. ويمكنك حمله معك إلى السرير أو داخل الحمام أو أثناء الاستحمام (إذا كان الزر مقاوما للماء)، أو حتى التسوق (إذا كان الزر مزودا بتكنولوجيا هاتف خلوي). ويوجد لدى بعض الأزرار المتصلة بالخط الأرضي الهاتفي بطاريات تدوم لسنوات ولا تحتاج إلى إعادة شحنها.
أيضاً، يوجد لدى مشغلي خدمة الطوارئ القدرة على توجيه المسعفين إلى موقعك بناءً على «جي بي إس» أو العنوان الذي تقدمه عندما تتصل بالخدمة.
> السلبيات: تتطلب بعض الأزرار العقود المطولة. ويعمل النظام المتصل بالخط الهاتفي الأرضي داخل المنزل فقط، وليس عندما تكون خارج المنزل. أما الأزرار المزودة بتكنولوجيا الهاتف الخلوي فيجب شحنها كل بضعة أيام ولن تعمل إذا نفدت شحنة البطارية. وبغض النظر عن نوع الزر الموجود لديك، فإنه لن يكون باستطاعتك استخدامه إذا نسيت ارتداءه أو كان بعيداً عنك.

اختيار الجهاز الأفضل
> كي تتخذ قرارك، عليك التفكير في حالتك الصحية وقدراتك. في هذا الصدد، تتساءل الدكتورة سوزان سالامون، مساعدة رئيس قسم علم الشيخوخة بمركز بيت إسرائيل ديكونيس الطبي:
- «هل تشعر بالارتباك بسهولة؟» إذا كان الحال كذلك، فتجنب الأنظمة المعقدة.
«هل تتحدث بصوت خافت؟» ربما لا يسمعك جهاز المساعد الذكي.
- «هل لديك صعوبة في تذكر الأشياء؟» عليك التفكير في شراء نظام لا يتطلب إعادة الشحن.
وتقترح الدكتورة سالامون كذلك التفكير في معدل خروجك من المنزل. إذا كان لديك جهاز يتطلب الاتصال فقط بالخط الأرضي، فإنه لن يفيدك إذا خرجت من نطاقه. في المقابل، فإن زراً يرتبط بالخدمة الخلوية يمكنه الذهاب معك لأي مكان.
إذا أمكن ذلك، احرص على زيادة طبقة إضافية إلى شبكة السلامة الخاصة بك.
من ناحيته، قال الدكتور جوزيف كفيدار، البروفسور بمدرسة الطب التابعة لجامعة هارفارد ورئيس الاتحاد الأميركي للتطبيب عن بعد: «القدرة على الوصول إلى رقم الطوارئ عبر الكثير من السبل المختلفة تبدو منطقية لي». وأشار كذلك إلى أن ثمة توجها متزايدا يتمثل في أنظمة الاستجابة الشخصية للطوارئ التي تدمج أدوات عدة، مثل أجهزة مساعد ذكي تتصل بزر الإنذار ويمكنها إرسال تنبيهات بخصوص مكانك إلى الهواتف الذكية الخاصة بأقاربك. وتعتبر هذه التكنولوجيا جديدة للغاية، وقد يكون من الصعب العثور عليها في الوقت ذاته، لكن عليك الاستفسار عنه عند تفقد الأنظمة المختلفة.
هل أنت بحاجة لمزيد من المساعدة؟ استفسر من أقاربك أو أصدقائك حول معلومات بخصوص أي الأجهزة تناسبك، لكن عليك أن يبقى نصب عينيك أنه: «في الكثير من الحالات، يشتري الأبناء شيئا لا يرغب الآباء فيه أو لا يعرفون كيفية استخدامه»، حسبما ذكر الدكتور كفيدار. وهو ينصح بضرورة التحلي بأكبر قدر ممكن من الصراحة، بحيث يحصل المرء على ما يناسب احتياجاته وقدراته.
وإذا كنت غير واثق من كيفية التعامل مع تكنولوجيا جهاز ما، فعليك بمشاهدة فيديو عبر الإنترنت، خاصة وأن الكثير من الشركات تنشر فيديوهات توضيحية على مواقعها الإلكترونية أو عبر منصات فيديو مثل «يوتيوب». وكل ما عليك فعله البحث عن اسم النظام. وربما تواجه مفاجأة سارة بتعرفك على مدى سهولة استخدام نظام ما ومدى سهولة استخدامه في طلب المساعدة.

- رسالة هارفارد الصحية، خدمات «تريبيون ميديا»



بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.


أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.